حجية خبر الثقة في الموضوعات ونطاقه

الملخص

مع الأخذ بعين الاعتبار أن بناء العقلاء وبعض الروايات الخاصة يدل على حجية خبر الثقة في الموضوعات، إلا أن حجية واعتبار الشاهدين العدلين والبينة في باب القضاء يؤدي إلى إضعاف قيمة واعتبار خبر الثقة. فقد يكون مقتضى ولازم اشتراط التعدد والعدالة في المخبر لإثبات الموضوعات هو أن خبر الثقة فاقد للاعتبار. من ناحية أخرى، لا يمكن أن يكون بناء العقلاء دليلاً على المطلوب إلا إذا أمضاه الشارع المقدس أو على الأقل لم يردع عنه. ولكن ظاهرياً، يبدو أن بعض الروايات، وأهمها رواية مسعدة عن الإمام الصادق (ع)، رادعة عن هذا البناء. ولهذا، اشتهر بين فقهاء الإمامية أن خبر الثقة في الموضوعات ليس بحجة مطلقاً خلافاً للأحكام. وفي كثير من الموارد أيضاً، ترددوا وتوقفوا ولم يصدروا حكماً قطعياً. بالطبع، الجواب عن رواية مسعدة بن صدقة هو أنه لا يمكن رفع اليد عن السيرة العقلائية برواية واحدة أو روايتين؛ لذا، بالتحقيق والتدبر في الأدلة، يتضح أن الشارع قد وضع اعتبار البينة لإثبات الموضوعات التي تكون محل نزاع بين الأفراد أو يحتمل إقامة دعوى بشأنها في المستقبل. بناءً على هذا، تبقى السيرة العقلائية في العمل بخبر الثقة في الموضوعات على قوتها، وتؤيدها الروايات المعتبرة أيضاً. ورغم أنه بدون هذه الروايات يمكن أيضاً الاستفادة من سكوت الشارع المقدس لإثبات حجية السيرة. ونتيجة لذلك، يكون خبر الثقة في الموضوعات حجة أيضاً؛ إلا في موارد خاصة كالدعاوى والخصومات التي يجب فيها إقامة العدلين والبينة.

مقدمة

إن بحث حجية خبر الواحد من المباحث الهامة في علم الأصول والمؤثرة في علم الفقه، وهو سبيل لإيصال المكلفين إلى الأحكام الشرعية في قسم الأحكام وتبيين وضع الموضوع في قسم الموضوعات. لقد جعل الشارع المقدس خبر الواحد حجة كطريق للكشف عن قول المعصوم، وذلك لمصلحة التسهيل على المكلفين في الأحكام الشرعية، لأن مقداراً كبيراً من الأحكام الشرعية التي وصلتنا هي عن طريق خبر الواحد. ولو قلنا بعدم حجيته في الأحكام، لاضطررنا إلى القول بانسداد باب العلم والعلمي، وهو ما لم يقل به أحد من علماء الشيعة المتأخرين سوى الميرزا القمي. ولحجية خبر الواحد دور مؤثر في إيجاد انفتاح في باب العلم وتسهيل الطريق للوصول إلى الأحكام. والآن، فإن البحث في حجية خبر الواحد في قسم الموضوعات وإثبات حجيته وتبيين وجود مصلحة التسهيل هذه في الموضوعات، يثبت أن الشارع في تبيين وضع الموضوع للمكلفين قد أخذ بعين الاعتبار مصلحة التسهيل أيضاً. وفي هذا السياق، تم التطرق إلى هذا البحث بالاستفادة من المصادر المعتبرة في علم الأصول والفقه. ومن بين المفردات التي تم بحثها في هذا التحقيق: الحجية، الخبر، الثقة، الموضوع.

دراسة المفاهيم

إن التعريف الصحيح والدقيق لمصطلح ما منوط بمعرفة حمولته المعنائية في الماضي والحاضر.

المبحث الأول: الحجية في اللغة والاصطلاح

أ) الحجة في اللغة

استخدم علماء اللغة تعابير مختلفة لكلمة «الحجة» في اللغة والاصطلاح، نشير إلى بعضها أدناه. «الحجة» في اللغة هي الدليل الذي يثبت ويوضح صحة ادعاء الطرف (الراغب الأصفهاني، 1412، ج1، ص219). الحجة في اللغة هي ما يتخذ وسيلة للغلبة في الاحتجاج على الخصم في مقام المخاصمة والمجادلة (الفراهيدي، 1409، ج3، ص10). الحجة في اللغة تعني البرهان. يقول الأزهري: هي ما يُحتج به (ابن منظور، 1414، ج2، ص228). الحجة في اللغة تعني الدليل؛ أي الغلبة بالدليل والبرهان (الجوهري، 1376، ج1، ص304). بالنظر إلى ما سبق، يمكن القول: الحجة في اللغة هي الدليل والبرهان الذي يثبت صحة ادعاء الطرف ويُحتج به على الخصم في مقام المخاصمة.

ب) الحجة في اصطلاح الأصوليين

الحجة في علم الأصول هي كل شيء يثبت متعلقه ولا يبلغ درجة القطع؛ أي أنها ليست مما يورث اليقين، وإثبات متعلقها يتم في الحقيقة بجعل من الشارع (النائيني، 1376، ج1، ص255؛ الشيرواني، 1385، ص186).

المبحث الثاني: الخبر في اللغة والاصطلاح

أ) الخبر في اللغة

الخبر بمعنى العلم والوعي، والـ«خبير» في الأسماء الإلهية بمعنى العليم (ابن منظور، 1997).

ب) الخبر في الاصطلاح

يطلق الخبر في اصطلاح الأصوليين على ذلك القسم من كلام غير المعصوم الذي يحكي عن قول المعصوم (ع) أو فعله أو تقريره (النائيني، 1352، ج2، ص109؛ المشكيني، 1396، ص159). بعبارة أخرى، يسمى نقل وحكاية سنة المعصوم (ع) رواية أو حديثاً أو خبراً. يعتقد أهل السنة أن الخبر أو الحديث يطلق على الكلام المنسوب إلى النبي (ص)؛ في مقابل القرآن الذي هو كلام الله. وأحياناً يطلق الخبر أو الحديث على كلام المعصوم (ع) المحكي، وعلى كلام غير المعصوم الذي يحكي عن سنة المعصوم (ع) الحاكي (الخميني، 1411، ج1، ص94؛ المشكيني، 1374، ص141).

المبحث الثالث: الثقة في اللغة والاصطلاح

أ) الثقة في اللغة

ثقة مفرد ثقات، وهو من يُعتمد عليه ويوثق به. أصل هذه الكلمة في اللغة مأخوذ من الوثوق، كما أن الميثاق يعني العهد المحكم. (دائرة المعارف تشيع، 1383، ج7، ص74). كما استُخدم الوثوق في اللغة العربية بثلاثة معانٍ: 1. الائتمان «وَثِقْتُ بفلان ثِقَةً إذا ائتمنتَه» (الجوهري، 1410، ج4، ص1562؛ ابن منظور، 1414، ج10، ص371). 2. الإحكام «الواو والثاء والقاف كلمةٌ تدلُّ على عَقْد وإحكام… ووثقت الشّيءَ بالتشديد أحكَمْتُه» (أبو الحسين، 1404، ج6، ص85). 3. السكون والاعتماد «وَثِقْتُ به أَثِقُ ثِقَةً: سكنت إليه واعتمدت عليه» (الأصفهاني، 1412، ص853).

ب) الثقة في الاصطلاح

لفظ «ثقة» صفة مشبهة تدل اصطلاحاً على الدوام والاستمرار، والمقصود به عند جماعة من علماء رجال الشيعة هو من كان عادلاً وإمامياً وضابطاً. بناءً على هذا القول، كلما وُصف شخص بأنه ثقة ولم يُذكر فساد في مذهبه، فهذا يعني أنه يتصف بصفات عدة: أولاً، أنه صادق وموثوق في نقل الخبر، كما قصد أهل اللغة هذا الجانب في لفظ ثقة. ثانياً، أنه شيعي إمامي، كما صرح بذلك جماعة من أهل النظر. ثالثاً، أنه ضابط؛ أي قليل السهو والنسيان. رابعاً، أنه عادل؛ أي يجتنب الذنوب وملازم للتقوى والفضيلة. ولهذا السبب، يقال إنه يمكن الاعتماد شرعاً على الشخص العادل، لا على غيره. ويرى آخرون أن بين الوثاقة والعدالة عموماً وخصوصاً من وجه، لأن الوثاقة تعني أن الشخص معتاد على الأمانة في النقل واجتناب الكذب، وهذه الصفة يمكن أن توجد في الفاسق وحتى الكافر (العاملي الحر، 1403، ص7-13). قول آخر هو ما نراه بشأن عدد من الرواة، حيث يُصرح بوثاقتهم إلى جانب فساد مذهبهم (دائرة المعارف التشيع، 1383، ج5، ص214). الظاهر أن المعنى المشهور هو هذا المعنى الثاني.

المبحث الرابع: الموضوع في اللغة والاصطلاح

أ) الموضوع في اللغة

الموضوع في اللغة: 1. ما وُضع أو أُسس. 2. مسألة يُبحث فيها، مواضيع، موضوعات. 3. ما يُبحث في علم ما عن أعراضه الذاتية؛ مثلاً، موضوع علم الطب هو بدن الإنسان وما يتعلق به، وموضوع علم الصرف هو معرفة الكلمة وخصائصها، وموضوع علم النحو هو معرفة الجملة وأجزائها المكونة لها (دهخدا، 1377، ج14، ص21805).

ب) الموضوع في الاصطلاح

يقول المرحوم النائيني: لا شك في أن لكل حكم تكليفي موضوعاً ومتعلقاً. ويقول أيضاً: المراد من الموضوع هو ما يُفترض وجوده في متعلق الحكم؛ كالعاقل البالغ المستطيع في وجوب الحج. والمراد من المتعلق هو الفعل أو الترك الذي يُطلب من العبد؛ كالحج والصلاة والصوم وسائر الأفعال (النائيني، 1376، ج1، ص145).

المقال الأول: الآراء في حجية خبر الثقة في الموضوعات (باب القضاء) وأدلتها

بالنظر إلى أن العدالة والتعدد شرطان في قبول شهادة الشاهد في باب القضاء بناءً على الروايات؛ لذا فإن خبر الثقة وكذلك خبر العدل الواحد ليس بحجة في باب القضاء لإثبات الموضوعات، والروايات الدالة على اعتبار العدالة في الشاهد مخصِّصة لعمومات ومقيِّدة لإطلاقات أدلة حجية خبر الثقة مثل مفهوم آية النبأ، ورادعة للسيرة العقلائية.

المبحث الأول: الآراء في حجية خبر الثقة في الموضوعات في باب القضاء

من المسائل الخلافية بين علماء الفقه والأصول منذ القدم وحتى الآن مسألة حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية. وسبب الخلاف بينهم هو أنه من جهة يوجد اعتماد واتكاء على السيرة العقلائية وترتيب الأثر على خبر الثقة، وبعض الروايات المعتبرة قد أمضت هذه السيرة، ولكن من جهة أخرى، اعتبر الشارع المقدس ظاهراً خبر العدلين، الذي يُعبَّر عنه بـ(البينة)، معتبراً ولازماً في إثبات الموضوعات الخارجية. لذا، في باب القضاء، باتفاق فقهاء الإمامية، خبر وشهادة العدل الواحد ليس بحجة، فما بالك بحجية خبر الثقة؛ لذا نذكر في هذا الباب آراء الفقهاء في هذا الخصوص:

1. الشيخ المفيد

يقول الشيخ المفيد (ره) في المقنعة: لا تُقبل شهادة أقل من أربعة رجال مسلمين عدول في الزنا واللواط والسحق. وكذلك في القتل والسرقة وغيرهما من الموارد التي توجب القصاص والحدود، تُقبل شهادة رجلين مسلمين عدلين. ويقول أيضاً: تُقبل شهادة النساء فيما لا يمكن للرجال النظر إليه؛ مثل العذرة (البكارة) وعيوب النساء من نفاس وحيض وولادة واستهلال ورضاع. ويقول: لا تُقبل في الديون والأموال إلا شهادة رجل وامرأتين. ويكتب أيضاً: لا تُقبل شهادة النساء في النكاح والطلاق ورؤية الهلال. وتُقبل شهادة المرأة وحدها في ربع الوصية وليست مقبولة في الجميع. ويقول الشيخ المفيد أيضاً في شهادة الصبيان: تُقبل في القتل والجراحات في أول كلامهم، لا في آخره (الشيخ المفيد، 1413، ص727).

2. الشيخ الطوسي

يقول الشيخ الطوسي في «المبسوط»: لدينا نوعان من الحقوق: 1. حق الله 2. حق الناس. أما حق الناس في باب الشهادة فينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1. في مثل النكاح، والخلع، والطلاق، والطلاق الرجعي، والوكيل، والوصية، والوديعة، والجناية التي توجب القصاص، والعتق، والنسب، والكتابة، وما ليس بمال، لا يثبت؛ إلا بشهادة شاهدين رجلين. وقال بعضهم: كل هذه تثبت بشهادة رجل وامرأتين، وهذا هو الأقوى، إلا في القصاص. 2. ما كان مالاً؛ مثل مال القرض والغصب أو ما كان المقصود منه المال؛ مثل عقود المعاوضات (البيع) والصرف والسلم والصلح والإجارة والقراض والمساقاة والرهن والوقف والوصية والجناية التي توجب المال، سواء كانت عمدية أو خطئية، كالجائفة وقتل الحر للعبد، فإنها تثبت بشاهدين، وبشاهد رجل وامرأتين، وبشاهد ويمين. 3. ما يثبت بشهادة شاهدين رجلين وشاهد رجل وامرأتين وأربع نساء؛ مثل الولادة والرضاع والاستهلال والعيوب التي تحت الثياب (الظاهر أن المراد العيوب الباطنة)، وقد روى أصحابنا الإمامية أن شهادة النساء في الرضاع غير مقبولة أصلاً. (الطوسي، 1387، ج8، ص172).

3. الإمام الخميني (قده)

يكتب الإمام الخميني في مسألة الوصية: «الوصية بالولاية سواء كانت على المال أو على الأطفال، لا تثبت إلا بشاهدين رجلين عدلين. وفي وصية الشهادة، لا تثبت شهادة النساء لا منفردات ولا مع الرجال. أما الوصية بالمال فهي كسائر الدعاوى المالية، وتثبت بشهادة رجلين عدلين أو شاهد ويمين أو شاهد رجل وامرأتين عدلين» (الخميني، 1425، ج2، ص447).

المبحث الثاني: الأدلة الدالة على عدم حجية خبر الثقة (باب القضاء)

بما أن العدالة والتعدد شرطان في قبول شهادة الشاهد في باب القضاء بناءً على الروايات، ولأن خبر الثقة ليس بحجة في باب القضاء لإثبات الموضوعات؛ لذا، بالنظر إلى تعريف البينة الذي ذكرنا أن مشهور الفقهاء يعتبرون البينة بمعنى الشاهدين اللذين يمكنهما إثبات ادعاء المدعي؛ لذا، من الضروري هنا دراسة أدلتها.

أ) الآيات

يعتقد القائلون بأصل قبول الشهادة (من رجل أو امرأة) أنه في الآيات الدالة على وجوب تحمل وأداء الشهادة وحرمة كتمانها، لم يُفرق بين الرجل والمرأة، والمخاطبون في هذه الآيات الشريفة هم من الرجال والنساء على حد سواء، وجميعهم مكلفون بهذا التكليف؛ لذا، فإن هذه الآيات الشريفة، بالدلالة الالتزامية، ظاهرة في قبول الشهادة أيضاً (صانعي، 1385، ص12). {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (البقرة، آية 282). يقول القرآن الكريم في هذه الآية بشأن معاملات القرض والدين: استشهدوا رجلين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء. دليل الآية الشريفة {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (البقرة، آية 282). نظراً لكثرة المنازعات والمخاصمات، يحتاج الناس إلى قبول الشهادة في المراجع القضائية، لأن إقامة الحجة التي توجب العلم في جميع الخصومات والمنازعات أمر صعب، والتكليف دائماً يُقرر في حدود الوسع، لا ما زاد عليه. وأيضاً، قبول الشهادة أمر إلزامي على القضاة.

ب) السنة

وردت روايات متعددة في هذه المسألة؛ منها رواية محمد بن سنان الذي كتب إلى الإمام الرضا (ع) يسأله عن علل بعض الأحكام. فأجاب الإمام في معرض التعليل: علة أن إقامة البينة في جميع الحقوق على عهدة المدعي وأداء اليمين على عهدة المدعى عليه، باستثناء دعوى الدم، هي أن المدعى عليه منكر ولا يستطيع إقامة البينة على ما أنكره، لأن ما أنكره أمر مجهول (الحر العاملي، 1409، ج27، ص235). كما توجد روايات متعددة تجيز قبول شهادة المرأة والرجل، مثل الحديث الذي يقول فيه الرسول (ص): «إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان»، ومن البديهي أن المخاطبين للرسول (ص) هم جميع الناس، رجالاً ونساءً (الكليني، 1407، ج7، ص414). من الأحاديث الواردة في هذه المسألة، يمكن الإشارة إلى صحيحة الحلبي التي ينقلها عن الإمام الصادق (ع) أنه سأله: أيجوز شهادة النساء مع الرجال في الدين؟ فقال: نعم (الحر العاملي، 1409، ج27، ص251). وقد طرح فقهاء مثل المحقق الخوئي (الخوئي، 1422، ج1، ص124) والإمام الخميني في تحرير الوسيلة (الخميني، 1425، ج2، ص557) عدم الخلاف في المسألة، بل نقلوا في القسم الأخير من الحكم، وهو إثبات الدية في الجناية، ادعاء الإجماع. كما أن فقهاء آخرين مثل الشهيد الثاني (الشهيد الثاني، 1412، ج1، ص257)، وصاحب الجواهر (النجفي، 1404، ج41، ص166-169)، والخوانساري في جامع المدارك (الخوانساري، 1405، ج6، ص134) أفتوا بالقول نفسه.

ج) الروايات الخاصة في هذا الباب

  1. ينقل أبو بصير: سألت عن شهادة النساء، فقال: شهادة النساء وحدهن جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه، وبالنسبة للنكاح، شهادة النساء جائزة مع رجل. وفي الطلاق والدم (القتل) ليست جائزة. وفي الزنا، شهادتهن جائزة إذا كان معهن ثلاثة رجال وامرأتان، وليست جائزة مع رجلين وأربع نساء (الطوسي، 1390، ج3، ص23). 2. ينقل غياث بن إبراهيم عن الإمام الصادق (ع) عن أبيه عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: لا تجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص (نفس المصدر، ج3، ص24). 3. نقل حماد بن عثمان عن الإمام الصادق (ع): لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال والطلاق؛ إلا بشهادة رجلين عدلين (نفس المصدر، ج3، ص30).

المقال الثاني: الآراء في حجية خبر الثقة في الموضوعات (غير باب القضاء) وأدلتها

بالإضافة إلى أن مسألة حجية خبر الواحد في الموضوعات من المسائل الصعبة، قلما نجد فقيهاً لم تختلف فتاواه بشأنها من أول الفقه إلى آخره.

المبحث الأول: الآراء في حجية خبر الثقة في الموضوعات في غير باب القضاء

أ) آراء المنكرين لحجية خبر الثقة في الموضوعات (غير باب القضاء)

يعتقد معظم المتقدمين والمتأخرين بعدم حجية خبر الواحد الثقة في الموضوعات، وبما أن هذا الاعتقاد أقدم وأكثر قائلين، فقد تم تقديمه. لذلك، طرح بعض هؤلاء الفقهاء اعتبار خبر الواحد في بعض المسائل كاحتمال، وفي بعض الحالات – كما سيلاحظ – لديهم آراء تدل على ترددهم أو توقفهم في المسألة.

1. الشيخ الطوسي

يكتب الشيخ الطوسي في المبسوط: إذا أخبر شخص بأن أحد الإناءين نجس، فلا يجب قبول قوله لعدم وجود دليل عليه (الطوسي، 1387، ج1، ص8). وكذلك في تحصيل جهة القبلة للأعمى ومن لا يعرف كيفية تحديد القبلة، قال في الخلاف: يجب على هذين الشخصين أن يصليا إلى أربع جهات، وإذا أخبر شخص آخر بجهة القبلة، فلا يجب قبول قوله، لأنه لا يوجد أي دليل على قبول خبر الغير. ظاهر إطلاق هذا الكلام هو تساوي خبر الثقة مع خبر غير الثقة في عدم الحجية. وكما يلاحظ، فإن سبب عدم قبول حجية خبر الواحد في الموضوعات عند الشيخ الطوسي هو عدم وجود دليل عليه، ومن الواضح أنه مع عدم وجود الدليل، فالأصل هو عدم الحجية (نفس المصدر، ج1، ص302).

2. ابن إدريس الحلي

يكتب ابن إدريس في السرائر: إذا أخبر شخص عادل بنجاسة الماء، فلا يجوز قبول قوله، وفي حال عدم وجود ماء آخر، لا يجوز التيمم أيضاً؛ ولكن إذا كانا عادلين، فيُحكم بنجاسة الماء، لأن وجوب قبول شهادة الشاهدين والحكم بها معلوم في الشرع (ابن إدريس، 1410، ج1، ص86). الجدير بالذكر أن واحداً من الفقهاء – كما هو معروف – لم يقبل حجية خبر الواحد حتى في خصوص الأحكام؛ مثل الشريف المرتضى، والقاضي ابن براج، والسيد أبو المكارم ابن زهرة، وأمين الإسلام الطبرسي، وابن إدريس الحلي (هاشمي مجد، 1392، ص32).

3. الشيخ الأنصاري

يكتب الشيخ الأنصاري في مبحث فقهي صلاة المسافر: «مع أن عموم قول الإمام (ع) في الصحيحة يشمل تصديق قول الشخص المسلم، وبالإضافة إلى ما ورد بشأن تصديق قول المؤمن، فقد احتمل الاكتفاء بخبر العدل الواحد، ثم أشار بشأن هذا الاحتمال إلى مبنى الشهيد الأول الذي اعتبر الإخبار بالمسافة من قبيل الرواية واكتفى بخبر الواحد» (الأنصاري، 1415، ج3، ص18). في رسالته الفارسية (صراط النجاة) أيضاً، حصر ثبوت طهارة الشيء المتنجس في العلم والبينة وقول ذي اليد (نفس المصدر، ص50)، مما يدل على عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات.

ب) آراء القائلين بحجية خبر الثقة في الموضوعات (غير باب القضاء)

1. المحدث البحراني

قال المحدث البحراني في الحدائق الناضرة في مبحث ثبوت النجاسة بعد نقل استدلال العلامة على قبول خبر الواحد في الموضوعات: الحق عندي أن قبول قول العدل الواحد في هذا المقام ليس ببعيد عن القوة، بل لعل دلالة عدد من روايات المعصومين (ع) تدل عليه. ثم عدد الروايات الدالة على حجية خبر الواحد الثقة في الموضوعات مثل الوصية، وأذان المؤذن (البحراني، 1405، ج5، ص251). في مبحث الصوم، حيث يخبر شخص عادل بأن الصبح لم يطلع بعد، يكتب: الأصح أنه يمكن الاعتماد ليس فقط على إخبار عادلين، بل على إخبار عادل واحد أيضاً، لأن المستفاد من الروايات هو جواز الاعتماد على خبر العدل الثقة في الأمور التي يُطلب فيها العلم، مثل الوصية، وعزل الوكيل، وأذان المؤذن (نفس المصدر، ج13، ص96).

2. كاشف الغطاء

من خلال تتبع ودراسة كتاب كاشف الغطاء القيم، يُستفاد أن مؤلفه قائل بحجية خبر العدل الواحد في الموضوعات ويقوي هذا القول. والنقطة الأهم هي أنه في موارد متعددة صرح ونص على عدم الفرق بين خبر الرجل والمرأة؛ مثلاً، في مقدمة الكتاب التي خصصها لبيان بعض الأصول والقواعد الفقهية، بين القاعدة الكلية قائلاً: «الدليل الدال على الاكتفاء بخبر العدل الواحد، فما بالك بخبر عادلين أو عدة عدول، لثبوت الموضوعات والأحكام الشرعية. طبعاً هذا في حالة ما إذا كان يخبر عن علم ويقين، أما إذا أخبر عن وهم أو شك أو ظن، فخبره ليس بحجة» (كاشف الغطاء، 1422، ج1، ص226). وكذلك في مسألة الطهارة يقول: «في مسألة كون الماء كراً، لا يكفي خبر عادلين فقط، بل يكفي خبر عدل واحد سواء كان رجلاً أو امرأة» (نفس المصدر، ج2، ص405). في ثبوت تنجس الأشياء، يُقبل خبر عادلين. وفي قبول قول العدل الواحد – ولو كان امرأة – قوة في إثبات تنجس الأشياء (نفس المصدر، ج2، ص406). في ثبوت التطهير، قال: يثبت التطهير بشهادة عادلين أو عدل واحد ولو كان امرأة (نفس المصدر، ج2، ص372). في ثبوت كسوف الشمس وخسوف القمر، يكتب: في ثبوت الكسوفين، يلزم العلم أو الشياع أو شهادة عادلين، ويعمل بخبر عادل واحد أيضاً بناءً على الاحتياط (نفس المصدر، ج3، ص275).

3. الشهيد الصدر

بعد بحث وتحليل حجية خبر الثقة في الموضوعات، أشار الشهيد الصدر في مسألة إثبات النجاسة في «شرح العروة» إلى سيرة العقلاء على حجيته، واعتبرها أهم دليل على حجية خبر الواحد في الشبهة الموضوعية، وخلص إلى أن خبر الثقة حجة في جميع الموضوعات؛ إلا في المورد الذي يقوم فيه دليل خاص على خلافه (الشهيد الصدر، 1408، ج2، ص102). كما يقول في مسألة كون الماء كراً: «بالنظر إلى التمسك بإطلاق دليل حجية خبر الواحد، الأظهر أن خبر العدل الواحد حجة في إثبات الكر». طبعاً بالنظر إلى أقواله السابقة، فإن مراده من الدليل هنا هو سيرة العقلاء (نفس المصدر، ج2، ص129).

ج) آراء المتوقفين في حجية خبر الواحد في الموضوعات (غير باب القضاء)

نظراً لأن عدداً كبيراً من العلماء في مسألة حجية خبر الواحد في الموضوعات قد توقفوا أو شكوا وترددوا، فقد حكموا بالاحتياط في مقام العمل.

1. صاحب الجواهر

رغم أن المرحوم صاحب الجواهر يميل إلى حجية خبر الثقة في الموضوعات؛ ولكن كما سيلاحظ، لم يعط حكماً قطعياً في المسألة لأدلة متعددة، وقد تردد وفي بعض الحالات مال إلى عدم حجيته. في مسألة إثبات تنجس الأشياء، بعد أن أشار إلى بعض الروايات الدالة على حجية خبر الواحد في الموضوعات واستفاد من خبر العدل الواحد بمنزلة العلم، يقول: «ليس هذا فحسب، بل إن ثبوت الأحكام الشرعية بواسطة خبر العدل هو أكبر شاهد ودليل على حجيته في الموضوعات. ومن هذه الروايات يمكن بالتأمل الاستفادة بأن خبر العدل بمنزلة العلم واليقين، وكقاعدة وضابطة كلية في كل موضوع لم يثبت أنه من باب الشهادة ومشروط بتعدد الشهود، يمكن الاكتفاء بخبر العدل. ولكن الإنصاف أن المسألة تبقى في حيز الإشكال بسبب إمكان التأمل والنظر في المطالب المذكورة، ولعدم جواز بعضها وعدم ثبوت المطلوب ببعضها الآخر» (النجفي، 1404، ج6، ص171). وقوله: «المسألة في حيز الإشكال باقية»، يدل على توقفه في هذه المسألة، ولهذا السبب في رسالته الفارسية (مجمع الرسائل)، بنى ثبوت النجاسة بخبر عدل واحد على الاحتياط (نفس المصدر، ص79). كما قال بشأن صلاة المسافر: «احتمل الشهيد الأول في الذكرى والشهيد الثاني في روض الجنان أن خبر عدل واحد كافٍ، وبعض الفقهاء المعاصرين يميلون إلى هذا القول (المقصود كاشف الغطاء) لإطلاق أدلة حجية خبر الواحد وقبوله في أمور أكبر من الموضوعات، أي الأحكام، وكذلك لأن هذا الموضوع المبحوث فيه ليس من باب الحدود والدعاوى؛ ورغم أن هذا القول لا يخلو من قوة وإشكال، إلا أن اعتبار البينة من قبل علمائنا ظاهراً ينفي حجية خبر الواحد» (نفس المصدر، ج14، ص205).

2. المحقق اليزدي

نظراً لأن كتاب العروة الوثقى للمحقق اليزدي يشتمل على فروع كثيرة وكان دائماً محط اهتمام وقبول جميع الفقهاء؛ لذا صرح المحقق اليزدي في موارد متعددة من أبواب هذا الكتاب بأن ثبوت الموضوعات بقول عدل واحد محل إشكال. وهذا العمل الفعلي يدل على توقف علمه في المسألة (كرمي، قبولي در افشان، محمد، ناصري مقدم، 1395، ش3، ص12). في مسألة إثبات النجاسة يقول: «تثبت نجاسة الماء وغيره بالعلم والبينة، وفي قول العدل الواحد إشكال؛ لذا لا يترك الاحتياط» (السيد اليزدي، 1409، ج1، ص44). وكذلك في مسألة الكر يقول: «يثبت كون الماء كراً بالعلم والبينة، وفي قول العدل الواحد إشكال» (نفس المصدر، ج1، ص46). وهكذا بشأن إثبات التطهير يقول: «من طرق ثبوت التطهير عند بعض العلماء قول العدل الواحد، ولكن هذا مشكل» (نفس المصدر، ج1، ص46). وكذلك في مسألة التيمم قال: «الاكتفاء بخبر عدل واحد في الإخبار بعدم وجود الماء فيه إشكال؛ بناءً على هذا، لا يترك الاحتياط بالبحث عن الماء» (نفس المصدر، ج2، ص163). في مسألة وقت الصلاة، رغم أنه أفتى بجواز الاعتماد على أذان العادل العارف بالوقت لروايات خاصة، إلا أنه اعتبر قول الشخص العدل الواحد محل إشكال (نفس المصدر، ج2، ص276).

3. الإمام الخميني (قده)

بعد بيان أدلة حجية خبر الثقة في الموضوعات، يخلص الإمام الخميني (ره) إلى القول: «هذه المسألة محل إشكال، لأنه من جهة يوجد إشكال في معنى رواية مسعدة بن صدقة، ومن جهة أخرى، لا نجد مورداً عمل فيه علماء الإمامية بخبر الثقة في الموضوعات كما عملوا به في الأحكام؛ من هذا المنطلق، إن لم يكن عدم ثبوت الموضوعات بخبر الثقة أقوى، فهو أحوط» (الخميني، 1421، ج4، ص273). وكذلك في مسألة مسوغات التيمم في تحرير الوسيلة قال: «الظاهر أنه لا يجب على الإنسان نفسه البحث عن الماء. بل يكفي استنابة شخص أو عدة أشخاص يحصل الاطمئنان بقولهم؛ كما أن استنابة شخص واحد بدلاً من عدة أشخاص كافية إذا حصل الاطمئنان بقوله. أما كفاية أي أمين وموثوق (في حال عدم حصول الاطمئنان بقولهم) فمحل إشكال» (نفس المصدر، 1425، ج1، ص102).

المبحث الثاني: أدلة حجية خبر الثقة في الموضوعات (غير باب القضاء)

بالنظر إلى أن الآيات الكريمة التي تمسك بها في البحث الأصولي لحجية خبر الواحد – مثل آية النبأ والنفر وغيرهما – مطلقة، وتشمل بالإضافة إلى الأحكام، الموضوعات أيضاً؛ لذا، استُدل بهذه الآيات في بحث حجية شهادة الواحد أيضاً. ومن هذا المنطلق، فإن الأدلة القرآنية من الأدلة المشتركة بين هذين البحثين، في مقابل الأدلة الخاصة التي هي روايات خاصة بالموضوعات.

أ) مفهوم آية النبأ

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات، آية 6). «يا أيها الذين آمنوا، إذا جاءكم فاسق بخبر مهم، فتحققوا منه، لئلا تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». كما يظهر من تتبع كلام الفقهاء، وأحياناً يُصرح به، فإن أقوى آية يمكن التمسك بها في مقام الاستدلال على حجية خبر الواحد في الموضوعات هي مفهوم آية النبأ (الشيرازي، 1411، ج2، ص83).

ب) الروايات

1. موثقة سماعة

من الروايات الدالة على حجية خبر الواحد في الموضوعات، حديث روي في أبواب النكاح عن سماعة أنه قال: سألته (الإمام) عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها ثم أخبره شخص ثقة أو غير ثقة بأن هذه المرأة لي، وليس لديه بينة. فأجاب: إن كان المخبر ثقة، فلا يقربها، وإن كان غير ثقة، فلا يقبل قوله (الطوسي، 1407، ج7، ص461).

2. رواية فقه الرضا

قال: إذا كان البائع (بائع الجارية) ثقة وأخبر بأنه استبرأها، جاز نكاحها من وقت شرائها، وإن لم يكن ثقة، فعلى المشتري استبراؤها بانتظار حيضها (فقه الرضا، 1406، ص233).

د) العقل

إذا كان من المقرر عدم الاعتماد على خبر الثقة، فسيحدث اختلال في النظام؛ أي أن نظام الحياة الاجتماعية ينهار. فكم يمكن للشخص أن يحقق ليتوصل إلى خبر بسيط بالتواتر أو القطع؟ (مصطفوي، 1392، ص66).

هـ) بناء العقلاء

في الاستدلال ببناء العقلاء، يجب إثبات أمرين: أولاً، أن للعقلاء مثل هذا المبنى، وثانياً، أن بناء العقلاء حجة؛ الأول بحث صغروي يُبحث هنا، والثاني كبروي يُبحث في علم الأصول، ونكتفي هنا بالإشارة إلى خلاصته ونحيل لتفصيل مطالبه إلى مصادر علم الأصول. طريقة العقلاء هي إحدى طرق كشف قول الشارع المقدس. وقد شاع الاستناد إلى بناء العقلاء في آثار الميرزا القمي والفقهاء من بعده، وهو بارز جداً في آثار المحقق الأنصاري (ره). ويظهر من كلام الشيخ الأنصاري في الفرائد أن استكشاف نظر الشارع من بناء العقلاء يعود إلى تقرير المعصوم، ومن هذا الطريق يُستدل على رضا المعصوم (الأنصاري، 1428، ج1، ص345). بنفس الترتيب الذي يُستدل به في البحث الأصولي على حجية خبر الواحد في الأحكام، يمكن الاستدلال به في الموضوعات أيضاً. وفي المبحث الأصولي، اعتبر المحققون الأصوليون بناء العقلاء أهم وأقوى دليل وعمدة أدلتهم؛ بل أرجعوا الأدلة الأخرى إليه أيضاً (النائيني، 1376، ج3، ص194). إشكال: رواية مسعدة بن صدقة التي تدل على عدم حجية غير البينة في الموضوعات، تكون رادعة عن سيرة العقلاء، ومن الواضح أن السيرة العقلائية المردوعة ليس لها اعتبار، والسيرة العقلائية غير المردوعة هي الحجة والمعتبرة. جواب: بالطبع، الجواب عن رواية مسعدة بن صدقة هو أنه لردع سيرة عقلائية، يجب أن تصلنا روايات كثيرة من الشارع، ولا يمكن رفع اليد عن السيرة العقلائية برواية واحدة أو روايتين؛ لذا، وردت أخبار متعددة من الشارع المقدس بشأن ردع سيرة العقلاء في مورد القياس ووصلت إلينا (مزاري، ص7).

و) سيرة علماء الإمامية

يظهر من منهج وبناء الفقهاء أنهم كانوا يستندون في الموضوعات، كما في الأحكام، إلى أخبار الآحاد. قال المحقق المامقاني في تنقيح المقال: في هذا الباب، صدرت عن علماء الإمامية آراء إفراطية وتفريطية؛ من الفئة الأولى، الرأي الذي قال به جماعة منهم كالشهيد الثاني، وحصروا حجية الرواية في الحديث الصحيح الأعلى الذي تُحرز عدالة رجاله بشاهدين عدلين. ووجه الإفراط في هذا المسلك هو أن طريق الطاعة موكول إلى العقل والعقلاء، ونرى أنهم في أمور معادهم ومعاشهم يعتمدون على كل خبر يطمئنون به – من أي طريق حصل لهم الوثوق والاطمئنان – (المامقاني، 1431، ج1، ص114).

ي) قياس الأولوية

أحياناً يُستدل على حجية خبر الواحد في الموضوعات بأنه عندما يكون حجة في الأحكام، فإنه سيكون حجة في الموضوعات بطريق أولى. وذلك ببيان أن الأحكام، مع أهميتها الأكبر وكونها كلية، تثبت بخبر الواحد. وبهذا الوصف، كيف لا يمكن إثبات الموضوعات الجزئية بواسطته؟ من هذا المنطلق، يكتب في جواهر الكلام في سياق حديثه عن حجية خبر الواحد في الموضوعات: «ثبوت الأحكام الشرعية بخبر الواحد، أكبر شاهد على حجيته في الموضوعات» (النجفي، 1404، ج6، ص172).

النتيجة

من جميع المباحث المطروحة، يُستنتج أن الفقهاء ينقسمون إلى ثلاث فئات بشأن حجية خبر الثقة في الموضوعات في غير باب القضاء: فئة منكرة، وفئة قائلة به، وفئة أخرى متوقفة. ولكن بالنسبة لحجية خبر الثقة في باب القضاء، فباتفاق جميع العلماء، خبر الثقة غير كافٍ؛ لذا، هناك حاجة إلى عدلين وبينة.

المصادر

  1. ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط1، 1997م.
  2. أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، قم – إيران، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي التابع للحوزة العلمية بقم، ط1، 1404هـ.
  3. الأصفهاني، حسين بن محمد الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، لبنان – سوريا، دار العلم الدار الشامية، ط1، 1412هـ.
  4. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، فرائد الأصول، قم، ط9، 1428هـ.
  5. البحراني، آل عصفور، يوسف بن أحمد بن إبراهيم، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم – إيران، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، ط1، 1405هـ.
  6. الشيخ المفيد، البغدادي، محمد بن محمد بن نعمان العكبري، المقنعة، قم – إيران، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد (رحمه الله)، ط1، 1413هـ.
  7. الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، تحقيق: عطار، أحمد عبد الغفور، ط1، بيروت، دار العلم، 1376هـ.
  8. نفسه، الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية، بيروت – لبنان، دار العلم للملايين، ط1، 1410هـ.
  9. الحلي، المحقق، نجم الدين جعفر بن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، ج2، ص235، قم – إيران، منشورات استقلال، ط6، 1383ش.
  10. الحلي، ابن إدريس، محمد بن منصور بن أحمد، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم – إيران، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، ط2، 1410هـ.
  11. الحلي، العلامة، حسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية (ط الحديثة)، قم – إيران، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، ط1، 1420هـ.
  12. نفسه، تبصرة المتعلمين في أحكام الدين، طهران – إيران، مؤسسة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط1، 1411هـ.
  13. نفسه، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، قم – إيران، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، ط2، 1413هـ.
  14. الحلي، فخر المحققين، محمد بن حسن بن يوسف، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد، قم – إيران، مؤسسة إسماعيليان، ط1، 1387هـ.
  15. الحلي، المحقق، نجم الدين جعفر بن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، قم – إيران، مؤسسة إسماعيليان، ط2، 1408هـ.
  16. الخميني، السيد روح الله الموسوي، تحرير الوسيلة، ترجمة: علي إسلامي، قم – إيران، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، 21، 1425هـ.
  17. نفسه، تحرير الوسيلة، قم – إيران، مؤسسة مطبوعات دار العلم، ط1.
  18. نفسه، كتاب الطهارة (للإمام الخميني، ط الحديثة)، طهران – إيران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قده)، ط1، 1421هـ.
  19. الخوانساري، السيد أحمد بن يوسف، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم – إيران، مؤسسة إسماعيليان، ط2، 1405هـ.
  20. الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، [د.ن] – [د.م]، ط5، 1413هـ.
  21. نفسه، التنقيح في شرح العروة الوثقى، تحت إشراف جناب آقای لطفي، قم – إيران، ط1، 1418هـ.
  22. نفسه، مباني تكملة المنهاج، قم – إيران، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (رحمه الله)، ط1، 1422هـ.
  23. دائرة المعارف تشيع، نشر شهيد سعيد محبي، ط3، 1383ش.
  24. الدزفولي، مرتضى بن محمد أمين الأنصاري، صراط النجاة (محشى، شيخ أنصاري)، قم – إيران، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري، ط1، 1415هـ.
  25. نفسه، كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، قم – إيران، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري، ط1، 1415هـ.
  26. دهخدا، علي أكبر، لغت نامه دهخدا، طهران، مؤسسة انتشارات وچاپ دانشگاه طهران، ط2، 1377ش.
  27. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ط1، بيروت، دار القلم، 1412هـ.
  28. الشيرازي، ناصر مكارم، القواعد الفقهية (لمكارم)، قم – إيران، مدرسة الإمام أمير المؤمنين (ع)، ط3، 1411هـ.
  29. صانعي، فخر الدين، بررسي فقهي شهادت زن در إسلام (دراسة فقهية لشهادة المرأة في الإسلام)، قم، ميثم تمار، ط1، 1385ش.
  30. الصدر (الشهيد)، السيد محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى، قم – إيران، مجمع الشهيد آية الله الصدر العلمي، ط2، 1408هـ.
  31. صدري، سيد محمد صادق، پژوهشهاى فقه وحقوق إسلامى (دراسات الفقه والحقوق الإسلامية)، خريف 1394، العدد 41.
  32. الطوسي، أبو جعفر، محمد بن حسن، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، طهران – إيران، دار الكتب الإسلامية، ط1، 1390هـ.
  33. نفسه، الخلاف، قم – إيران، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، ط1، 1407هـ.
  34. نفسه، المبسوط في فقه الإمامية، طهران – إيران، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، ط3، 1387هـ.
  35. نفسه، تهذيب الأحكام، طهران – إيران، دار الكتب الإسلامية، ط4، 1407هـ.
  36. الحر العاملي، محمد بن حسن، الفوائد الطوسية، قم – إيران، چاپخانه علميه، ط1، 1403هـ.
  37. نفسه، وسائل الشيعة، قم – إيران، مؤسسة آل البيت (ع)، ط1، 1409هـ.
  38. العاملي، الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (المحشى – سلطان العلماء)، قم – إيران، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي التابع للحوزة العلمية بقم، ط1، 1412هـ.
  39. نفسه، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم – إيران، مؤسسة المعارف الإسلامية، ط1، 1413هـ.
  40. الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، ط2، قم، هجرت، 1409هـ.
  41. كرمي، محمد، قبولي درافشان، محمد تقي، ناصري مقدم، حسين، «تحليلى بر حجيت خبر ثقه در موضوعات با تأكيد بر ديدگاه سيد احمد خوانسارى» (تحليل لحجية خبر الثقة في الموضوعات مع التأكيد على رأي السيد أحمد الخوانساري)، پژوهشهاى فقهى (أبحاث فقهية)، العدد 3، الدورة 12، خريف 1395.
  42. الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران – إيران، دار الكتب الإسلامية، ط4، 1407هـ.
  43. المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال (ط الحديثة)، إيران – قم، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، ط1، 1431هـ.
  44. مصطفوي، سيد كاظم، كليات ومبانى علم رجال (كليات ومبادئ علم الرجال)، قم، منشورات إسلامية تابعة لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، ط1، 1392ش.
  45. منسوب به إمام رضا، علي بن موسى (عهما)، الفقه – فقه الرضا، مشهد، مؤسسة آل البيت (ع)، ط1، 1406هـ.
  46. مزاري، محمد مهدي، كابرد قواعد اصولى (تطبيق القواعد الأصولية)، الكتاب لم يطبع بعد، قيد الإعداد للطبع، [د.ت]، [د.م].
  47. النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم، ط1، 1376ش.
  48. نفسه، كتاب الصلاة (للنائيني)، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، ط1، 1411هـ.
  49. النجفي، (صاحب الجواهر)، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت – لبنان، دار إحياء التراث العربي، ط7، 1404هـ.
  50. نفسه، مجمع الرسائل (محشى صاحب جواهر)، مشهد – إيران، مؤسسة صاحب الزمان (عج)، ط1، 1415هـ.
  51. النجفي، كاشف الغطاء، جعفر بن خضر المالكي، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء (ط الحديثة)، قم – إيران، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي التابع للحوزة العلمية بقم، ط1، 1422هـ.
  52. ولائي، عيسى، فرهنگ تشريحى اصطلاحات أصول (معجم تشريحي لمصطلحات الأصول)، قم، مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، معجم أصول الفقه، ط1، 1311ش.
  53. هاشمي مجد، سيدة هادي، حجيت خبر واحد در موضوعات (حجية خبر الواحد في الموضوعات)، جامعة شهيد مدني، أذربيجان، تبريز، 1392ش.
  54. الهمداني، آقا رضا بن محمد هادي، مصباح الفقيه، قم – إيران، مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث ومؤسسة النشر الإسلامي، ط1، 1416هـ.
  55. اليزدي، السيد محمد كاظم الطباطبائي، العروة الوثقى (للسيد اليزدي)، بيروت – لبنان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط2، 1409هـ.

الهوامش

  1. طالب في مرحلة الماجستير في مجمع الفقه العالي. Javidalijoma@gmail.com.
Scroll to Top