الملخص
إن دراسة وتطبيق تعاليم الاتجاهين الفقهي الفردي والفقه الحكومي في مجال “التشريع”، واتخاذ رؤية قادرة على تفعيل الفقه كمصدر وبرنامج لإدارة المجتمع، هي مسألة هذا البحث. وبناءً على ذلك، فإن السؤال المحوري للبحث الحالي، بالنظر إلى وجود اتجاهين للفقه الفردي والفقه الحكومي في مجال الاستنباطات الفقهية من جهة، وضرورة مطابقة القانون للمعايير الشرعية من جهة أخرى، هو: بأي اتجاه يمكن تحقيق مقصود الشريعة في الساحة الاجتماعية؟ ويدعي البحث أنه بالاعتماد على تيار تعاليم الفقه الحكومي في مقام التشريع، يمكن اتخاذ موقف مناسب في سبيل تحقيق مقاصد الشريعة. وعلى هذا الأساس، وبالاعتماد على المنهج المقارن والتحليلي، يتضح أنه من خلال ترجيح تعاليم الفقه الحكومي، يمكن تحويل الفقه إلى فاعل نشط في الساحة الاجتماعية، وخاصة في مجال التشريع، وبالاعتماد على رؤية الفقه الحكومي في إطار المحتوى، يمكن تطبيق قوانين الشريعة وسريانها في المجتمع بواسطة “التشريع”.
المقدمة
إن أهم قضية بعد تشكيل الحكومة وتعيين الحاكم هي قضية التشريع. فمسألة اتباع القانون – أي الأوامر والنواهي الاجتماعية – لأي مكونات وأصول، كانت دائمًا موضع نقاش بين مفكري مجال السياسة. في النظرة العلمانية للسياسة والممارسة السياسية، يكون محور القانون هو الإرادة الجماعية والعرف؛ ولكن في التعاليم الإسلامية، محور القانون هو الإرادة الإلهية. وهذا الأمر الهام متوقع في المادة الرابعة من الدستور؛ حيث يجب أن تكون جميع القوانين والأنظمة المدنية، والجزائية، والمالية، والاقتصادية، والإدارية، والثقافية، والعسكرية، والسياسية وغيرها قائمة على الموازين الإسلامية. وهذه المادة حاكمة على إطلاق أو عموم جميع مواد الدستور والقوانين والأنظمة الأخرى. مع الأسف، على الرغم من مرور أربعة عقود على الثورة الإسلامية وضرورة العمل بالمادة المذكورة، نشهد في بعض الحالات تشريعات إما لا تمتلك الكفاءة والفعالية اللازمة في الساحة الاجتماعية، أو تتعارض مع الشريعـة. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى قوانين مثل قانون الصيرفة.
والجدير بالذكر أننا في مجال الاستنباطات الفقهية نواجه رؤيتين. رؤية الفقه الفردي، التي كانت قبل الثورة الإسلامية وتشكيل الحكومة القائمة على ولاية الفقيه رؤية سائدة. من حيث أن الحكومة الإسلامية القائمة على تعاليم الشيعة لم تكن قد تشكلت، وبالتالي كان على رأس المجتمع حاكم جائر. نتيجة لذلك، كانت الاستنباطات الفقهية تتم في جو متأثر بحكومة الجور. هذا النوع من الرؤية، خاصة قبل المشروطة، كان يعرف العزلة السياسية كطريقه في مواجهة السلطة السياسية. وفي مقابل الرؤية المذكورة، هناك رؤية أخرى في الفقه تعتبر نفسها مسؤولة تجاه إدارة المجتمع. في هذه الرؤية، يقتضي تولي الحكم من قبل الحاكم العادل أن يكون الفقه أيضًا مسؤولاً عن كيفية إدارة المجتمع، وبالتالي يجب أن يكون الفقه محور جميع مجاري الأمور والإدارة، ومحدداً ومساعداً للحاكم في تنفيذ أوامر الشرع المبين.
ستظهر الرؤيتان المذكورتان أعلاه في مجال التشريع بشكل متميز تمامًا عن بعضهما البعض. الأولى تكتفي بمهمتها في بيان الحكم الشرعي والرد على استفتاءات المقلدين. لذلك، سواء كانت القوانين الاجتماعية فعالة أم لا، فإنها لا تتخذ موقفًا عن قصد أو غير قصد؛ ولكن الرؤية الثانية تضع بيان الحكم الشرعي والرد على الاستفتاء في سياق المجتمع. على سبيل المثال، في الرؤية الأولى، قضية الحيل الشرعية في الربا مقبولة؛ بعبارة أخرى، الفقه الفردي يجيز الحيل الشرعية للربا للفرار من حرمته؛ أما الرؤية الثانية، فلأنها ترى أن تبرير حلية الحيل الشرعية في الربا يؤدي إلى تفكك المجتمع واقتصاد الدولة الإسلامية، فإنها لا تجيزه وتعتبر نطاق جوازه في عصر دولة الجور. (سيديان، 1391ش، ص 65)
مدعى هذا البحث هو أنه في مجال التشريع للدولة الإسلامية، لن تكون لرؤية الفقه الفردي الفعالية اللازمة. في الواقع، إذا أردنا أن يكون لدينا قانون فعال في الساحة الاجتماعية يؤمن مقصود الشرع المقدس من وضع القانون، فلا بد من أن نجعل رؤية الفقه الحكومي هي السائدة في مجال التشريع. لكن السؤال الأساسي هو، بناءً على أي دليل واستدلال يمكن إثبات هذا الادعاء؟ على هذا الأساس، يسعى هذا البحث إلى الإجابة على هذا السؤال من خلال دراسة وتطبيق تعاليم كل من رؤيتي الفقه الحكومي والفقه الفردي.
والجدير بالذكر أنه فيما يتعلق بالمسألة المذكورة، أجريت بحوث؛ ولكن يبدو أن أيًا منها لم يفِ بالمقصود في الإجابة على سؤال البحث. فئة من هذه البحوث اقتصرت على بيان المشاكل والتحديات في نظام التشريع. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتاب «فقه وقانون گذاری» (الفقه والتشريع) (شفيعي سروستاني، 1380). مجموعة أخرى سعت إلى تبيين أصول ومبادئ رؤى الفقه الفردي، وفقه النظم الاجتماعية، والفقه الحكومي. هؤلاء جعلوا مقارنة الرؤى محور عملهم. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتاب «رويكردهای فقهی» (الاتجاهات الفقهية) (واعظي، 1398). وذلك بهدف بيان الفروق الجوهرية في الفقه وفي بعض الحالات لتوضيح نظرية ووظائف كل منها. بعض الأبحاث سعت إلى نقد شكل عملية التشريع في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. مقالة؛ «تطبيق فرآيند تقنين در نظام جمهوری اسلامی ايران با نظريه قانون گذاری به مثابه برنامه ريزی در راستای اجرای قوانين الهی» (تطبيق عملية التشريع في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بنظرية التشريع كبرمجة لتنفيذ القوانين الإلهية) (سادات نقوي، 1397: 113-134) هي نموذج من هذا النوع من الأبحاث. يبدو أن ما تم إغفاله في الأبحاث المنجزة هو أن أياً منها لم يتناول بشكل مفصل ومركّز أفكار الفقه الفردي والفقه الحكومي بالنسبة لـ«فقه التشريع»، في حين أن هذا البحث يسعى، من خلال مقارنة هذين التيارين من منطلق معرفة الرؤى والأفكار ووضعهما جنباً إلى جنب، للوصول إلى نموذج ورؤية فعالة ومناسبة للتشريع.
لا بد من الإشارة إلى أننا في مسار الإجابة على مسألة البحث الحاضر، سنبدأ أولاً بدراسة مفردات ومبادئ البحث النظرية. ثم ستتم مناقشة تعاليم الفقه الفردي والفقه الحكومي، وفي النهاية، من خلال دراسة وتطبيق تعاليم رؤية الفقه الحكومي والفقه الفردي، سنصل إلى نتيجة مفادها أن أكثر الرؤى فعالية للتشريع هي رؤية الفقه الحكومي.
1. دراسة المفاهيم
1-1. مفهوم الفقه الفردي
بغض النظر عن المعنى اللغوي، فإن أشهر تعريف للفقه في لسان فقهاء الشيعة هو العلم والمعرفة بالأحكام الشرعية الفرعية من خلال أدلتها التفصيلية. (الشهيد الثاني، 1/ 32). وحول مفهوم الفقه الفردي، قُدمت تعريفات كثيرة في الأبحاث. ويبدو من بين التعريفات المقدمة أن التعريف الذي قدمه صاحب كتاب «الاتجاهات الفقهية» أقرب إلى النظرية المختارة – التي سنتناولها لاحقًا -؛ «الاتجاه السائد والمهيمن في الفقه الإمامي يعتبر أن المهمة الرئيسية للفقه والفقيه هي استنباط الأحكام الفرعية الفقهية من مصادر الفقه وفهم واكتشاف الأحكام والواجبات التي وجهها الله تعالى لآحاد المكلفين والمسلمين. هذا الاتجاه في الفقه والمباحث المتعلقة بموضوع علم الفقه واضح تمامًا، حيث يعتبر من وجهة نظر علماء الاتجاه الأدنى» أن علم استنباط ومعرفة الأحكام الشرعية من خلال أدلة الأحكام ومصادر الفقه هو الفقه. (واعظي، 1398، ص 13) في الواقع، التعريف المشهور للفقه هو تعبير عن نفس الاتجاه الفردي في الفقه.
بالنظر إلى هذا الاتجاه، لا يتجاوز موضوع الفقه والفقاهة نطاق أفعال المكلفين؛ فموضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء، الفعل والترك أو التخيير في الفعل أو عدمه. والجو السائد في هذا الاتجاه الفقهي هو أن الله تعالى، بالإضافة إلى الربوبية التكوينية، له ربوبية تشريعية ومولوية على العباد والخلائق، وبحسب هذه المولوية، قد جعل ووضع أوامر ونواهي وأحكامًا على الأفراد المكلفين، ورسالة وواجب الفقه والفقهاء هي بذل قصارى جهدهم لفهم وإدراك هذه الأحكام من خلال الأدلة والمصادر الدينية المعتبرة (الكتاب، السنة والعقل). (واعظي، 1398، ص 14) بناءً على ذلك، ووفقًا للفقه الفردي، سيكون الموضوع هو كل فرد من الأفراد الذين هم محل خطاب مولوي وتشريعي؛ وستكون سعادتهم وشقاؤهم رهنًا بفهم الفقيه؛ ونتيجة لذلك، كما صرح السيد اليزدي: «الأفراد كـمقلدين ملزمون بطاعة المجتهد المعين. (الطباطبائي اليزدي، 1436، ج 1، ص 14) في هذا الاتجاه، تتمثل الوظيفة الرئيسية للفقيه في الإفتاء والاستنباط في المسائل والموضوعات الفرعية الشرعية، ويمكنه أيضًا التدخل في تولي القضاء والأمور الحسبية. (الأنصاري، 1437، ج 3، ص 545)
من الجدير بالذكر أنه في الأمور الحسبية، يمارس الفقيه الولاية وحق الإشراف – في مجال حماية الأفراد الذين لا ولي لهم بتعيين قيّم والإشراف على أفعاله أو الأمور المتعلقة بالإرث والوصية وإدارة أموال المفقودين والأوقاف التي لا متولي لها. أما مسألة مدى وحجم قدرة الفقيه على تولي الأمور الولائية؛ أي (حدود أفعال الولاية من جانب الفقيه)، فهي من المسائل الخلافية بين أنصار هذا الاتجاه؛ ففريق منهم يتصور الأمور الحسبية بشكل محدود وفريق آخر بشكل موسع. الفقهاء الذين يفسرون نطاق صلاحيات الفقيه في الأمور الحسبية بشكل واسع وموسع، ويعتبرون الفقيه جائز التصرف في الأمور من باب نيابة الإمام المعصوم (عليه السلام)، يمكن أن يندرجوا تحت أنصار الفقه الحكومي، وأما الفريق الآخر الذي يفسر الأمور الحسبية بشكل ضيق ولا يعتبر الحكومة من مصاديقها، فهم النموذج البارز لأنصار الفقه الفردي.
1-2. مفهوم الفقه الحكومي
يشير الفقه الحكومي إلى اتجاه يضع الفقه في مستوى ومكانة إدارة وتدبير المجتمع الإسلامي، ولا يوقفه ويحصره في مستوى استنباط الأحكام الفرعية وحتى استنباط وتنقيح النظم الاجتماعية. (واعظي، 1398، ص 43) بناءً على هذا الاتجاه، تُبحث موضوعات مثل السلاسة والسهولة في التنفيذ، ومراعاة مصالح أفراد المجتمع، وقلة الاستثناءات في القوانين، والتوافق مع تطورات الحياة، دون الحاجة إلى التوسل المتكرر بالأحكام الثانوية لتحقيق العدالة الاجتماعية نتيجة لتنفيذها (صرامي، 1391، ص 140-141). بعبارة أخرى، النطاق الذي يُبحث في الفقه الحكومي يشمل جميع أبواب ومسائل الفقه؛ لأن الإدارة المثلى للحكومة تتطلب تشريعًا مناسبًا ومنسجمًا وفعالًا في مختلف شؤون حياة الناس والمجتمع، ويجب على الفقيه، في سبيل تدوين قوانين مناسبة لإدارة المجتمع، أن يدرس جميع مقتضيات الحكومة الإسلامية واحتياجاتها. بناءً على ذلك، فإن مباحث في مجالات الاقتصاد، والثقافة، والسياسة، والحقوق، والأمن العسكري والنظامي، والأسرة، والأحوال الشخصية، بل كل الفقه، تشكل نطاق الفقه الحكومي. (إيزدهي، 1399، ص 6)
يمكن رؤية بداية هذا التوجه في نظريات الإمام الخميني (قدس سره)؛ فهو لا يحصر نطاق الفقه في الأمور الفردية. من وجهة نظره، الفقه هو النظرية الحقيقية والكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد. الهدف الأساسي هو كيف نريد أن نطبق أصول الفقه المحكمة في واقع الفرد والمجتمع، وأن نتمكن من إيجاد حلول للمعضلات. (موسوي خميني، 1385، ج 21، ص 98)
بناءً على ذلك، إذا كان لدى فقيه ميل نحو الفقه الحكومي، فإن نظرته إلى الأحوال الشخصية وموضوعات الاستنباط ستكون مختلفة عن فقيه يتبنى رؤية الفقه الفردي. يمكن دراسة الأحكام الفردية وملاحظتها بطريقتين: إحداهما كأحكام فقهية تتعلق بإدارة فرد، بمعزل عن مكان هذا الفرد في العالم، كفرد. وفي وقت آخر، يُدرس هذا الحكم الفقهي نفسه كجزء من كيفية إدارة مجتمع وإنسان؛ وهذان الأمران مختلفان. حتى في استنباط الحكم الفقهي، تظهر اختلافات، فمسألة الطهارة والنجاسة وحتى المسائل الشخصية (خامنئي: 1376/02/13) لذلك، فإن رؤية الفقه الحكومي هي نوع من النظرة إلى الفقه، حيث يعتبر فهم وتنفيذ الأحكام في نظام حكمي كسمة ومؤشر مهم.
1-3. القانون أو فقه التشريع
لا حاجة لمناقشة تعريف القانون والفقه؛ لأن معناهما واضح. بغض النظر عن المعنى اللغوي والدقة التي يمكن التعبير بها في معنى المفاهيم المذكورة، فإن القانون بشكل عام هو مجموعة من الأحكام والقضايا الملزمة التي وُضعت لتنظيم الحياة الاجتماعية للإنسان. (سجادي، 1392، ص 57) أما الفقه، كما أُشير، فهو مجموعة من القواعد والضوابط والأحكام التي جاءت من الشارع كشريعة للبشر.
وقد رأى بعض أصحاب الفكر أن الفرق بين الفقه والقانون يمكن دراسته في المحاور التالية:
1. من حيث مصدر الاستناد: الفقه مستند إلى الأدلة الأربعة، أما القانون فليس من الضروري أن يكون مستندًا إلى الأدلة؛ بل إذا اتفق أهل الحل والعقد في مجتمع ما على تنفيذ أمر، يصبح ذلك قانونًا.
2. من حيث التقسيم: في الفقه توجد تقسيمات لا توجد في القانون أصلاً، مثل الحكم الأولي والثانوي أو تقسيم الحكم إلى واقعي وظاهري، ومجاله فقط في الفقه. لا يمكننا القول في القانون إن هذا قانون ظاهري وذاك قانون واقعي. لا! قانونه الواقعي والظاهري واحد.
3. من حيث الشمول والاتساع: الفقه له شمول واتساع ويجري في العبادات، والمعاملات، والمسائل الشخصية، والمسائل الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية؛ أما القانون فحدوده فقط في الأمور الاجتماعية (وهي نقطة الاشتراك بين الفقه والقانون) لا يوجد في أي مكان في العالم قانون لشخص أو أشخاص من حيث كونهم شخصًا أو أشخاصًا؛ بل القانون يشير فقط إلى العلاقات الاجتماعية؛ لأن القانون ينظم الأمور الاجتماعية للبشر.
4. من حيث القوانين الثابتة والمتغيرة: يمكن القول بشكل مجمل إن الأحكام الثابتة بجميع خصائصها ثابتة في جميع الأمكنة باختلاف الظروف، مثل الصلاة؛ أما الأحكام المتغيرة فتتغير باختلاف الظروف. شراء وبيع الدم كان حرامًا في زمن ما، وفي زمن آخر له فائدة عقلائية فهو حلال وصحيح؛ ولكن في القانون لا معنى لتقسيم ثابت ومتغير. القانون بطبيعته متغير لأنه هوية القانون البشري متغيرة، ولذلك كلما مرت فترة، تدخل عليه تعديلات وقيود ويتغير.
5. من حيث القضايا الحقيقية والخارجية: القضايا الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية التي لا يلزم أن يكون موضوعها موجودًا بالفعل، بخلاف القانون الذي غالبًا ما يُطرح في صورة قضايا خارجية. (فاضل لنكراني، 1400، ص 11، 15)
نسبة الفقه إلى القانون
الحكومة بحاجة إلى قانون. في المجتمع الإسلامي، يُستمد أساس ومحتوى القانون من الشريعة الإسلامية؛ لأن كل تشريع يستند إلى مصادر محددة ومتناسبة مع ثقافة وقيم ومعتقدات ذلك المجتمع لوضع القانون. بعبارة أخرى، التشريع هو عملية يتم من خلالها، بالاستناد إلى مصادر محددة ومتناسبة مع الثقافة والظروف الفردية والاجتماعية والمعتقدات العامة للمجتمع، وضع القانون. (سجادي، 1392، ص 60) بناءً على ذلك، من الطبيعي أن يكون القانون في المجتمع الإسلامي قائمًا على أحكام ومقررات دينية، وبسبب إلزامية القانون الاجتماعية، يُعتبر نافذة ومجرى لتحويل الفقه إلى فاعل نشط في المجتمع الإسلامي.
وفقًا للمبادئ الإسلامية، الحكم والسيادة والتشريع والتقنين خاص بالله وحده (الأنعام: 57)؛ سواء في مقام التكوين أو التشريع، بالطبع في بعض الحالات في الحكم التشريعي، يُنسب هذا الأمر الخطير لغير الله بتفويض من الله، مما يدل على عدم الاستقلالية في مقام التشريع. الحكم حق حصري لله تبارك وتعالى؛ لا يمكن أن يؤذن به لآخر؛ مثلاً في العلاقة مع النبي الأعظم يقول: لتحكم بين الناس بما أراك الله. (النساء: 105) على مدى حركة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله)، كان الأئمة المعصومون (عليهم السلام) يتولون جميع وظائف وصلاحيات النبي ما عدا منصب النبوة، وفي عصر الغيبة، هذه الضرورة (الحكم والسيادة) بناءً على الأدلة النقلية والعقلية هي من شؤون وصلاحيات ولي الفقيه الجامع للشرائط، وأحد التفويضات هو التشريع في المجتمع الإسلامي.
من الأسباب التي تجعل الشريعة الإسلامية قادرة على حل المشكلات الاجتماعية هو أنها منحت الحاكم الإسلامي جميع الصلاحيات التي تؤدي إلى حق التصرف المطلق في سبيل مصلحة الأمة. وبهذه الطريقة، يكون حكم الحاكم الإسلامي نافذًا بقدر حكم النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام)؛ إلا في الحالات التي هي من خصائص وصلاحيات النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام). (سبحاني، 1438، ص 316)
وفي بيان للمحقق النائيني يقول: مُنح الحاكم الإسلامي صلاحية وضع مقررات يراها ضرورية لمصلحة المجتمع ورفع احتياجاته، في إطار القوانين الإسلامية. (النائيني، 1378، ص 97)
بالنظر إلى المطالب المذكورة، فإن التشريع حق مسلم لله، وفي مقام المحتوى، أوكل بواسطة الأنبياء الإلهيين ثم أهل البيت (عليهم السلام) وفي عصر الغيبة لولي الفقيه الجامع للشرائط، ومن حيث الشكل، يتحول إلى أوامر ونواهي المجتمع الإسلامي بواسطة القانون.
2. تعاليم الفقه الفردي
بعد دراسة المفاهيم، ننتقل إلى بيان تعاليم الفقه الفردي. لذلك، سنسعى إلى دراسة هذه التعاليم من حيث الخطاب الشرعي، والمكلف الشرعي، والمتعلق الشرعي، وأخيرًا من حيث النظام الشرعي:
2-1. من حيث الخطاب الشخصي
من المباحث التي تُدرس في الفقه الفردي، خطابات الشارع. رؤية الفقه الفردي للخطابات الشرعية هي نظرة شخصية. بناءً على ذلك، الخطاب الشخصي هو خطاب يُوجه إلى آحاد الناس وبصورة شخصية. (في مقام توجيه الخطاب إلى المخاطبين، ينحل الحكم نفسه بعدد أفراد المخاطبين؛ فيصبح فعليًا ومنجزًا بالنسبة لكل منهم على حدة). (خلف خاني، 1399، ص 44) من لوازم هذا النوع من الخطاب أنه في حال عجز الشخص المخاطب، أو عدم قدرته عادةً أو عقلاً على أداء الأمر، يلزم الاستهجان. (لك زايي، 1398، ص 6) هذه النقطة ستوضح أكثر في مباحث الفقه الحكومي.
2-2. من حيث المكلّف الشرعي
من حيث المكلف في الأحكام الفردية، توجد فئات مختلفة من المكلفين، حيث يكون أداء كل حكم من أحكام الدين واجبًا على فئة منهم فقط. (عندليب، 1396، ص 115) بعبارة أخرى، الفقه الفردي مختلف من حيث المكلف. عادةً، كل حكم من الأحكام الفردية يبتلى به فئة معينة من الناس؛ مثلاً، الصلاة والصوم واجب على الأفراد البالغين الأصحاء؛ الحج تكليف على الأفراد المستطيعين؛ الخمس والزكاة تتعلق بأصحاب المهن والدخل، والحدود الإلهية تجري على الأفراد المخطئين. (پرور، 1394، ص 210) موضوع الفقه في الفقه الفردي هو أفراد المكلفين، ورسالة الفقيه تتلخص في ثلاثة أمور: الإفتاء، القضاء، وأداء الأمور الحسبية. في إطار الفقه الفردي، إذا لم يتصور الفقيه الشخصية الاعتبارية ولم يعترف بها كطرف في المعاملة، فإنه بطبيعة الحال لا يعتبر مؤسسة البنك والمعاملات والمبادلات المالية مع البنك مشروعة، وينهي عمله، ويكون تكليف الأفراد المكلفين واضحًا بأنه لا ينبغي لهم التعامل مع البنك. وهكذا إذا اعتبر المعاملات والمبادلات البنكية من مصاديق الربا الحرام. (واعظي، 1398، ص 57 و 59) هذه المسألة ستوضح أكثر في الفقه الحكومي.
2-3. من حيث متعلّق التكليف
في الفقه الفردي، متعلق تكليف جميع الأفراد متساوٍ ومتكافئ؛ مثلاً الصلاة والصوم أو الحج، هي مجموعة من الأعمال المشتركة التي يجب على كل مكلف أن يقوم بها. بناءً على ذلك، في هذه الرؤية، يختص متعلق التكليف بأفعال المكلفين. (ميرزاي قمي، 1430، ص 38) في هذه الرؤية، تتجه الأحكام إلى آحاد المكلفين، وتعد طاعة وامتثال الأحكام واجب كل فرد من المكلفين، وليس للفقيه رسالة سوى استنباط الأحكام (واعظي، 1398، ص 17)، ونتيجة ذلك أن استنباط الفقيه وكيفية النظام الشرعي في الفقه الفردي ستكون موضع اهتمام في المباحث التالية.
2-4. من حيث النظام الشرعي
بناءً على مبادئ الفقه الأدنى، ليس على المجتهد سوى واجب الاجتهاد في نطاق ضيق. هذه النظرة تعتبر الفقه علم تنظيم علاقة الإنسان بالله وتحصر الحلال والحرام في نطاق الأفعال الفردية للإنسان. (عندليب، 1396، ص 13) والتعاليم الدينية في علاقتها بالمباحث الاجتماعية والسياسية ليس لها دور محوري؛ بل تخطط فيما يتعلق بالمسائل المعنوية والسعادة الأخروية.
وفقًا لهذه الرؤية، فإن الدين هو فقط مجيب للاحتياجات المعنوية للإنسان، ورسالة الأنبياء تقتصر فقط على تأمين السعادة الأخروية للأفراد. (پرور، 1394، ص 29) والمجتهدون الذين يؤمنون بهذا المبدأ؛ يرون واجبهم في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها. (كعبي، 1395، ص 110) ومنتجات هذا الاتجاه هي إطار الرسالة العملية التي تحتوي على فتاوى المجتهد، وتظهر وتتجلى. الأحكام المستنبطة من قبل علم الفقه، هي نفسها قانون الإسلام الذي يجب على آحاد المكلفين، سواء كانوا من الشعب أو الحكومات أو الأشخاص الحقيقيين والاعتباريين، أن يعملوا به. في هذا النوع من الاجتهاد، ليس للفقيه مسؤولية تجاه مصير وحكم ما، وإنما تُدوّن قواعد مبنية على فن الفقه فقط. في هذه الحالة، لا يرى حاجة لتطبيق نفسه على المجتمع، ويجب على المجتمع أن يطابق نفسه مع أحكام واستنباطات الفقه؛ بمعنى أن القوانين التي يحتاجها المجتمع ويعتمد عليها فعليًا، هي نفس الفقه الملخص في الرسائل العملية، ومن هنا يُطلق على خروج هذا الأسلوب من الاجتهاد، طريقة «فقه الرسالة العملية» أو فقه «توضيح المسائل». إذًا في هذه الحالة، لا فرق بالنسبة للفقهاء في مخاطب الحكم، أي الفرد، المجتمع، الحكومة، الشخص الحقيقي والاعتباري؛ بل يرجعون فقط إلى الأدلة التفصيلية (الكتاب، السنة، العقل والإجماع) ويسيرون على أساس الرسالة العملية ويبينون المسائل. (فتاحي زفرقندي، 1398، ص 89) بناءً على ذلك، يخطط الفقه الفردي بناءً على النظام الشرعي الذي تم تدوينه في الرسالة العملية في قالب فتوى.
والحاصل أنه بالنظر إلى دراسة تعاليم الفقه الفردي يمكن التوصل إلى هذه النظرية بأن الفقه الفردي في مقام التشريع أو ما يسمى «فقه التشريع» لا يمكنه تحقيق أقصى مقاصد الشريعة. وفي القسم التالي سندرس تعاليم الفقه الحكومي.
3. تعاليم الفقه الحكومي
بعد بيان مبحث تعاليم الفقه الفردي، ننتقل إلى تعاليم الفقه الحكومي التي هي موضع اهتمام النظرية المختارة. للفقه الحكومي تعاليم مختلفة. في هذه المرحلة، ندرس التعاليم التي تستخدم في علاقتها بفقه التشريع وتؤدي إلى فعالية الفقه الحكومي في فقه التشريع. في البداية، بالنظر إلى عنوان المسألة، أي الحكومة والسياسة، نشير، وفيما بعد، نتناول نوع نظرة الفقه الحكومي إلى الخطابات الشرعية ومن حيث المكلف الشرعي والمتعلق الشرعي، وفي النهاية نتناول موضوع ضرورة بناء الحكومة على النظام القانوني.
3-1. من حيث عدم تشكيل الحكومة ونقض الشريعة
يشكل مفهوم «الحكومة» أحد أضلاع الفقه الحكومي. وفيما يتعلق بمفهوم الحكومة، يمكن طرح الكثير من المباحث. في هذا السياق، سنتناول توضيحات تتناسب مع البحث.
يقول الإمام الخميني (قدس سره) في كتاب ولاية الفقيه فيما يتعلق بضرورة تشكيل الحكومة: «أحكام الإسلام ليست محدودة بزمان ومكان، وهي باقية وأبدية ولازمة التنفيذ. لم تأتِ فقط لزمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتُترك بعده، ولا لتُعطل الحدود والقصاص؛ أي قانون الجزاء الإسلامي، أو لا تُؤخذ أنواع الضرائب المقررة، أو يُعطل الدفاع عن الأرض والأمة الإسلامية. هذا القول بأن قوانين الإسلام قابلة للتعطيل أو محصورة ومحدودة بزمان ومكان، هو خلاف ضروريات عقائد الإسلام.
بناءً على ذلك، بما أن تنفيذ الأحكام ضروري بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأبد، فإن تشكيل الحكومة وإقامة جهاز تنفيذي وإداري يصبح ضروريًا. بدون تشكيل حكومة وبدون جهاز تنفيذي وإداري – الذي ينظم جميع التيارات وأنشطة الأفراد من خلال تنفيذ الأحكام تحت نظام عادل – ينشأ الهرج والمرج ويظهر الفساد الاجتماعي والعقائدي والأخلاقي.
إذًا، لكي لا يحدث هرج ومرج وتفلت زمام الأمور، ولا يقع المجتمع في الفساد، لا مفر من تشكيل الحكومة وتنظيم جميع الأمور التي تجري في البلاد. (الإمام الخميني، 1394، ص 23)
يقول الإمام الخميني (قدس سره) في كتاب البيع: الإسلام حكومة لم تُبنَ على أساس الاستبداد الذي يكون فيه رأي شخص وأهواؤه النفسية مؤثرة، كما أنها لم تُبنَ على أساس المشروطة أو الجمهورية التي تكون قوانينها بشرية؛ بل إن اعتماد جميع قوانين الحكومة الإسلامية هو على أحكام وتعاليم إلهية. (موسوي خميني، 1430، ص 618 – 619) وفي موضع آخر، يبين ضرورة تشكيل الحكومة بناءً على ماهيات وكيفية الأحكام: بالدقة في ماهيات وكيفية أحكام الشرع، ندرك أن تنفيذها والعمل بها يستلزم تشكيل حكومة، وبدون تأسيس جهاز عظيم وواسع للتنفيذ والإدارة، لا يمكن أداء واجب تنفيذ الأحكام الإلهية. (موسوي خميني، 1394، ص 27)
يذكر مؤلف كتاب «الحاكمية في الإسلام» أحد الأدلة على تشكيل الحكومة قائلاً: لكي يكون المسلمون وأرضهم في مأمن من خطر وعدوان الأعداء والأجانب، من الضروري وجود تنظيمات حكومية لتنظيم الجنود. (موسوي الخلخالي، 1425، ص 135)
بناءً على ذلك، تعتبر الحكومة ضرورة اجتماعية. المجتمع الإنساني، من حيث أنه يضم أفرادًا متنوعين بمصالح ورغبات مختلفة، يحتاج إلى حكومة. تصادم المصالح وحقوق الأفراد والاضطرابات الاجتماعية التي تظهر في النظام والأمن العام، هي أسباب تتطلب وجود مرجعية بعنوان [الحكومة]، لتتولى رعاية الأمور والنظام والأمن. بناءً على ذلك، بدون وجود حكومة أو نفس المرجعية، لا يتحقق دوام وبقاء المجتمع في ذلك الاجتماع، وفي مقام المحتوى، أرسل الله تعالى بواسطة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) أوامر ونواهي لهداية البشر والوصول إلى السعادة الدنيوية والأخروية. إذا لم يتمكن في مقام المحتوى من ضمان القوانين الإلهية في قالب حكومة وتشريع سارٍ وجارٍ، فإنه سيؤدي إلى نقض الشريعة الإلهية تبعًا لعدم تطبيق الأحكام والقوانين الإلهية في الحياة الفردية والاجتماعية.
ولكن يبدو أن الفرض المسبق لتشكيل الحكومة من وجهة نظر الإمام الخميني (قدس سره) يعود إلى مسألة تُدرس في علم الأصول تحت عنوان القدرة والعلم. إذا أردنا أن ندرس هذا المكون (تشكيل الحكومة) هنا تحت عنواني نظرية «الانحلال» ونظرية «الخطابات الشرعية» أو «الخطابات القانونية»، يمكننا الوصول إلى هذه النتيجة بأنه في مسألة تشكيل الحكومة، بناءً على نظرية الفقه (الفردي)، المكلف عندما يبادر إلى تشكيل حكومة، يعود إلى مسألة أصولية مقيدة بالقدرة. عندما يشك المكلف هل لديه القدرة على تشكيل حكومة أم لا؟ بناءً على نظرية الانحلال، يجب عليه، على القاعدة، أن يرجع إلى أصل البراءة ويحكم بعدم التكليف. (راغبي، 1398، ص 11) بناءً على ذلك، في تيار الفقه الفردي، لن يكون للحكومة وبالتالي للسياسة دور محوري.
أما طبقًا لنظرية الخطابات القانونية، فلأن التكاليف ليست مقيدة بالقدرة، فإن المكلف بالشك في القدرة، لن يكون لديه شك في التكليف؛ بل إن شكه سيعود إلى الشك في المكلف به، والشك في المكلف به هو مجرى أصل الاحتياط. (ولايي، 1387، ص 73) ونتيجة لذلك، سيكون المكلف ملزمًا بأداء التكليف؛ إلا إذا ثبت له أن القدرة على أداء التكليف منتفية تمامًا في حقه. (راغبي، 1398، ص 22) ربما يمكن اعتبار أحد جذور قيام الإمام (قدس سره) الإلهي في عهد حكومة الطاغوت نابعًا من هذه الرؤية العلمية التي سنبين ونوضح في القسم التالي ضرورة وأهمية بحث نوع نظرة الفقه الحكومي إلى الخطابات الشرعية وكيفية الاستفادة منها بشكل أكبر.
3-2. من حيث نوع نظرة الفقه الحكومي إلى الخطابات الشرعية
أحد ابتكارات الإمام الخميني (قدس سره) الأصولية، التي كان لها ثمرات كثيرة في أصول الفقه، هي مسألة الخطابات القانونية. المقصود من ذلك هو تمييز الخطابات الشخصية عن الخطابات القانونية. في مقابل الخطابات القانونية، يمكن ملاحظة الخطابات الشخصية التي هي نظرة ونظرية مشهور الأصوليين. بناءً على ذلك، لكل من الخطابات القانونية والخطابات الشخصية تعريفها وأهدافها.
الخطاب الشخصي هو خطاب يُوجه إلى آحاد الناس وبصورة شخصية. (موسوي الخميني، 1424، ص 228) في مقام توجيه الخطاب إلى المخاطبين، ينحل الحكم نفسه بعدد أفراد المخاطبين، فيصبح فعليًا ومنجزًا بالنسبة لكل منهم على حدة. من لوازم هذا النوع من الخطاب أنه في حال عجز الشخص المخاطب، أو عدم قدرته عادةً أو عقلاً على أداء الأمر، يلزم الاستهجان (نفس المصدر)؛ وذلك لأن صدور مثل هذا الخطاب من المولى العالم بأحوال عبده (عدم التمكن) غير ممكن وممتنع.
إذا كان خطاب المولى انحلاليًا وشخصيًا، يجب أن يوجد احتمال الانبعاث والانزجار وباقي شروط التكليف في نفس المكلف الخاص، وإلا فإن التكليف له سيكون سفهيًا أو غير ممكن؛ لأنه في هذه الحالة سيكون التكليف فعليًا بدون غاية، والفعل بدون غاية لا يصدر من فاعل مختار. (فرهاديان، 1395، ص 84)
الخطاب القانوني هو خطاب كلي مخاطبه عامة المكلفين بشكل كلي، لا آحادهم، وفي الحقيقة الأوامر في هذا الخطاب لا تنحل إلى أوامر جزئية. (في هذه النظرية، يُنشأ الخطاب الشرعي بداعي جعل القانون لا بداعي التحريك والبعث أو الزجر؛ على الرغم من أنه في ظرفه يمتلك قابلية تحريك أو زجر المكلف. مخاطب الخطاب القانوني هو المجتمع لا كل فرد… عدم الانحلال لا يختص بالقضايا الإنشائية؛ بل يجري أيضًا في القضايا الخبرية. (موسوي الخميني، 1423، ج 1، ص 437)
بناءً على ذلك، طبقًا لهذا الخطاب، حتى لو وجد بين المخاطبين شخص جاهل، عالم، قادر وغير قادر، فإن مخاطب هذا الخطاب كلي ولا يستلزم الاستهجان. (موسوي الخميني، 1423، ج 3، ص 229) من وجهة نظر الإمام الخميني، خطابات الشارع من قبيل الخطابات القانونية ولا تختلف في كيفية الجعل والكلية عن القوانين العرفية التي تُجعل. (نفس المصدر، ص 228)
يمكن بيان الأدلة الرئيسية التي تُقدم للخطابات القانونية من خلال المباحث بعدة طرق، وفي هذا البحث يمكن دراستها بشكل مختصر وموجز، وفي ضمن مسائل الفروق بين الخطاب الشخصي والخطابات القانونية يمكن بيانها:
3-2-1. الوجدان
وجدان كل شخص يحكم بأنه لدعوة جماعة إلى عمل معين، يكفي خطاب واحد (موسوي الخميني، 1423هـ، ج 1، ص 437) وبفرض أن هذا الخطاب الأول موجه للجميع بواسطة عنوان كلي، فلا حاجة إلى خطابات متعددة توجه لكل فرد من المخاطبين على حدة؛ وإن كانت هذه الخطابات المتعددة في قالب مستقل منحلة من خطاب عام. (راغبي، 1398، ص 4)
3-2-2. دلالة العمومات والإطلاقات في ألفاظ الخطابات
من المسائل المهمة في إثبات نظرية الخطابات القانونية، دلالة العمومات والإطلاقات في الألفاظ الشرعية. الإمام الخميني لا يرى فرقًا من حيث أخذ الموضوع بين ألفاظ العموم والمطلق وكلاهما محكوم بالانحلال؛ في حين أنهم يعتبرون الانحلال قيدًا للمتعلق. بعبارة أخرى، في خطاب «أحل الله كل بيع» بواسطة لفظ «كل» الذي يدل على الأفراد، ينحل المتعلق بعدد أفرادها؛ أما في خطاب «أحل الله البيع» فلأن الشمول يُفهم من إطلاق الخطاب، فإن المتعلق غير قابل للانحلال بعدد أفراده؛ ولكنهم يعتقدون بشأن الموضوع أن الموضوع في الخطابات القانونية أعم من أن يكون بألفاظ العموم أم لا. من وجهة نظر الإمام الخميني، لا يوجد فرق بين خطاب «يجب على المكلف» و«يجب على كل مكلف» والموضوع غير قابل للانحلال. وفقًا لرؤية الإمام، فإن كون الشارع في خطاب قانوني في مقام جعل القانون، هو قرينة على أنه حتى لو جاءت كلمة «كل»، يجب التصرف فيها. (موسوي الخميني، 1423، ج 3، ص 230)
بعبارة أخرى، كل حكم كلي قانوني هو خطاب واحد يتعلق بعموم المكلفين دون أي تعدد وكثرة في جانب الخطاب، والتعدد والكثرة فقط في ناحية المتعلق. التأكيد على عدم التعدد في ناحية الخطاب هو لأن الخطاب موجه إلى نقطة واحدة، وهي عنوان «المجتمع» أو «عامة المكلفين». بالطبع، من الواضح أن كل عامي قد يكون معنونًا بعنوان يظهر سعة وضيق ذلك العام؛ مثل عموم أهل الإيمان في «يا أيها الذين آمنوا» وعموم الناس في «يا أيها الناس» وعموم العلماء في «يا أيها العلماء» التي أرادت على التوالي مجتمع المؤمنين، والمجتمع الإنساني، ومجتمع العلماء. النقطة التي لا ينبغي إغفالها هي أنه في الخطابات القانونية، تحريك المكلفين أو انبعاثهم لأداء التكليف، معتبر بشكل إجمالي، لا بشكل تفصيلي، ومن هنا، فإن وجود أشخاص في المجموعة المخاطبة يُحرّكون بالخطاب يكفي لصحة الخطاب. (فرهاديان، 1396، ص 10)
بناءً على ذلك، القول بأن الخطابات الشرعية تنحل بعدد المخاطبين وتشمل الأفراد غير القادرين والجهلة ليس قولًا صحيحًا؛ لأن الخطابات لا تحتوي على ما يدل على الحالات الخارجية للمخاطبين. لذا، فإن الخطابات الشرعية هي نفسها الخطابات القانونية التي تتعلق بعناوين كلية، دون النظر إلى انحلالها إلى خطابات شخصية ومتعددة. (راغبي، 1398، ص 10)
3-2-3. عصيان المكلّف
بناءً على النظرية المشهورة، لا ينبغي أن يكون لعصيان المكلف لأوامر الشارع معنى؛ لأن إرادة الشارع تتعلق بأداء التكليف من قبل كل فرد، وفي الإرادة الإلهية لا يوجد تخلف؛ بينما وجود العصيان أمر وجداني وضروري.
3-2-4. أحكام الفروع والكفار
بناءً على نظرية الانحلال، لا ينبغي أن يكون الكفار مكلفين بالفروع؛ لأن انحلال الأحكام لا يوجد أي بعث وتحريك في الكافر؛ بينما الفقهاء يعتبرون الكفار مكلفين بأحكام الفروع أيضًا. (موسوي الخميني، 1423، ص 1437)
3-2-5. وحدة الملاك في الأخبار والإنشاء
إذا كان الحكم قابلاً للانحلال، فلا ينبغي أن يكون هناك فرق بين الأخبار والإنشاء؛ في حين أن معتقدي الانحلال لا يعتبرون القضايا الإخبارية قابلة للانحلال. على سبيل المثال، إذا قال شخص: «النار باردة»، لا يمكن القول إنه أخبر بعدد أفراد ومصاديق النار؛ بل صدر منه خبر واحد فقط. والشاهد على هذا الادعاء أن مثل هذا الشخص قد كذب كذبة واحدة فقط، لا كذبات متعددة بعدد أفراد ومصاديق النار. (موسوي الخميني، 1423، ج 1، ص 230)
بناءً على ذلك، في الإنشاء أيضًا، من يخاطب مجموعة بعنوان ويجعل حكمًا، قد جعل قانونًا واحدًا، وبالأصالة لم يخاطب الأفراد حتى بصورة انحلالية.
3-2-6. عدم التخلّف في الإرادة الإلهية
إذا لم نكن قائلين بالخطابات القانونية، يجب أن نقول إن إرادة الله تتعلق بأداء التكليف من قبل المكلف؛ بالنظر إلى أن إرادة الله غير قابلة للتخلف. إذًا، عصيان أوامر ونواهي الشارع المقدس غير ممكن؛ بينما العصيان موجود بالضرورة. بناءً على ذلك، في الخطابات الشرعية، لم تتعلق إرادة الله بأداء التكليف من قبل المكلف، بل تعلقت بالتشريع والجعل الكلي. (مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1395ش، ص 12)
3-2-7. الطريقة العقلائية في التشريعات العرفية
القوانين العرفية التي تُجعل في مختلف الأنظمة الحقوقية تكون بشكل كلي، ومخاطبها هو كل المجتمع وعموم الناس، وليس فقط الأفراد المكلفين وحالاتهم المختلفة. الشارع أيضًا في طريقة التشريع والتقنين ليس صاحب طريقة جديدة. (موسوي الخميني، 1415هـ، ص 214) لقد استقرت سيرة العرف والعقلاء على أنه في التشريع، يصدرون خطاباتهم دون الانتباه إلى خصوصيات الحالات الشخصية للأفراد، ويكفي أن يروا أن جزءًا من الأفراد المشمولين بالقانون يمتلكون قابلية الانبعاث، فيعتبرون ذلك مصححًا لوضع القانون بشكل كلي. إضافة إلى ذلك، في القوانين العرفية، ليس لكل فرد من أفراد المجتمع حكم مستقل وخاص به؛ بل في نظر العقلاء، يوجد قانون واحد فقط يكون فعليًا بحق جميع المشمولين. الشارع أيضًا في خطاباته الشرعية ليس له سيرة مستقلة عن العرف، وإلا لو كان للشارع سيرة مستقلة ومنفصلة في هذا الشأن، لكان عليه أن يصرح بذلك. (موسوي الخميني، 1423، ج 3، ص 228)
بالنظر إلى سيرة العرف والعقلاء في التشريعات العرفية، يمكن التوصل إلى فهم صحيح لماهية خطابات الشارع. التوضيح هو أنه كما أن مرجعية العرف في تفسير مفردات وألفاظ الخطابات الشرعية من الاستخدامات القطعية للعرف ومقبولة لدى الجميع، فإن الرجوع إلى العرف في فهم الهيئات التركيبية المأخوذة في الأدلة والمستندات الشرعية هو أيضًا موضع تسالم. يمكن الاستدلال على مرجعية العرف في تشخيص مفاهيم وهيئات تركيبية للأدلة الشرعية بأن أي مشرع في إبلاغ القانون لمواطنيه ومكلفي ذلك القانون، يجب أن يلتزم بأصول وقواعد المحاورة والتفاهم السائدة والشائعة بين مخاطبيه، وأن يستفيد من لغتهم وألفاظهم، وأن يتقيد بعرفهم في المحاورة، وإذا كان لديه مصطلح أو طريقة خاصة، يجب أن يذكره، وإلا يجب عليه أن ينظم محاورته وفقًا لسيرة العرف. الشارع المقدس أيضًا قد اتبع هذه السيرة. (عليدوست، 1384، ص 14 – 15)
نتيجة لذلك، بالنظر إلى الموازين الشرعية المقتبسة من الخطاب القانوني، يمكن التطرق إلى التشريع بأسلوب ومنهج الفقه الحكومي؛ لأن هذا الترابط بين سيرة «العرف» و«الخطاب القانوني» يتطلب أن يتحول الفقه في المجتمع إلى أوامر ونواهي.
في تبيين تعاليم الفقه الحكومي، أُشير إلى أن الرؤى الاجتماعية للفقه، من بينها مسألة الخطابات القانونية. مكلف الأحكام والتكاليف (الفقه الحكومي) هو «المجتمع» والحكومة، وهما يتمتعان بوحدة وكثرة اجتماعية؛ بمعنى أن «الفرد» يشارك فيهما وله أثر خارجي، كما أن هويتهما الجماعية تحت عنوان «المجتمع» و«الحكومة» هي الأصل ولها منشأ خارجي. بناءً على ذلك، الفرد والمجتمع والحكومة هم مكلفو الفقه الحكومي. في الواقع، خاصية «الانسجام» و«الترابط» المنهجي للأفعال الجماعية، تدل على أن مكلف مثل هذا الفعل يجب أن يكون «مجموعة منسجمة من البشر» تسمى في أعلى مستوى «المجتمع». من هنا، فإن التكاليف المنهجية لا تتوجه إلى كل فرد من المكلفين بشكل متساوٍ ومستقل عن الآخر، بل تتناسب وتعتمد على الموقع، بحيث يكون فعل كل فرد مقومًا لفعل الآخر، وهو واجب على الجميع. (ميرباقري، 1396، ص 19)
بالنظر إلى المباحث السابقة، فإن فقيه الفقه الحكومي في نطاق نظريته، قائل بضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية، وفي مقام المحتوى، يدخل الإسلامية باستخدام القانون في أوامر ونواهي المجتمع، حتى يتحول «الإسلام» بالمعنى العام و«الفقه» بالمعنى الخاص، إلى مشاركة اجتماعية فعالة؛ لأنه مع عدم سريان وجريان الفقه في المجتمع وعدم وجود التزامات ومتطلبات لتطبيق المطالب المذكورة، سيؤدي ذلك إلى «نقض الشريعة»؛ لأنه بالنظر إلى مبادئ ومبادئ الفقه الحكومي، يمكن استنتاج أن الشارع المقدس في مقام الخطابات الشرعية، يعتبر «المجتمع» و«الحكومة» بكل الحالات موضوع خطابه الشرعي. كما أُشير، فإن التشريع من الحالات التي يمكن أن تجعل موازين الشرع سارية وجارية في المجتمع باستخدام الخطابات القانونية. في البحث التالي، سندرس رؤية الفقه الحكومي للمكلف الشرعي من منظور نظرية الفقه الحكومي.
3-3. من حيث المكلّف الشرعي في الفقه الحكومي
الأحكام الحكومية، خاصة أحكام مستوى التنمية التي ترتبط بمصير كل المجتمع الإسلامي، تفرض تكاليف وواجبات على جميع المسلمين؛ أي أن مكلف هذه الأحكام هو كل الناس المؤمنين الذين يطلبون الله. في مسألة الدفاع، هذه النقطة واضحة تمامًا أنه إذا كان أصل الإسلام في خطر، فإن جميع المسلمين مكلفون بالدفاع، ولا يمكن لأي شخص بأي ذريعة أن يتخلى عن هذا التكليف. (پرور، 1394، ص 210)
بعبارة أخرى، الأحكام الحكومية، بالنظر إلى التوسع الذي تملكه، تتكفل بإدارة المجتمع؛ والمجتمع يشمل المؤسسات والمنظمات الرسمية؛ بل إن الناس أيضًا إلى جانب هذه الأجهزة الرسمية لديهم تكليف، وفي مقام الامتثال، يدعو عامة الناس إلى التعاون مع المنظمات والمؤسسات. بناءً على ذلك، فإن نطاق المكلف في الفقه الحكومي هو «المجتمع»؛ ولكن في الفقه الفردي، تكون علاقة العبد والمولى هي السائدة أكثر من الرؤية الاجتماعية.
لمزيد من التتبع، من الضروري في مقام المقارنة بين هاتين النظريتين الإشارة إلى موضوعات الفقه الفردي والفقه الحكومي حتى يمكن اتخاذ قرار جيد. موضوع الفقه في الفقه الفردي هو أفراد المكلفين، ورسالة الفقيه تتلخص في ثلاثة أمور: الإفتاء، القضاء، وأداء الأمور الحسبية. هذا في حين أن الفقه الحكومي لا يعتبر موضوع الفقه فقط استنباط وبيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالمكلفين، بل إدارة المجتمع الإسلامي، ووضع الفقه في سياق الإدارة الكلية للمجتمع يفتح آفاقًا جديدة للفقه والفقاهة. يجب على الفقيه أن يفكر في تنفيذ الحكم الإسلامي. يجب أن يدرس المشاكل والعوائق التي تحول دون تحقيق وتنفيذ الأحكام الإسلامية ويبحث لها عن حل. مجرد الإفتاء الفقهي واستنباط الأحكام لا يتبعه تنفيذها. عملية تنفيذ حكم شرعي في واقع المجتمع تتطلب تقنينًا، وتحويل الفتوى إلى قانون رسمي للبلاد يجب أن يتم مع مراعاة الملاحظات والظروف الداخلية والدولية والواقع الاجتماعي والخلفيات الثقافية الموجودة. في هذا المسار، يجب أن يكون للفقيه حضور ومشاركة فعالة؛ كما أنه في بعض الأحيان إلى جانب التقنين، يجب أيضًا إنشاء المؤسسات اللازمة. على سبيل المثال، الفقيه قد استنبط حكم الربا القرضي وفروعه؛ ولكن كيف يمكننا في صلب المجتمع والمبادلات الاقتصادية حذف الربا الحرام الذي يستهدفه الفقه؟ الحقيقة هي أن النظام الاقتصادي والحقوقي الغربي في مجال المبادلات المالية قد أسس مؤسسة باسم البنك وكذلك البورصة. في إطار الفقه الفردي، إذا لم يتصور الفقيه الشخصية الاعتبارية ولم يعترف بها كطرف في المعاملة، فإنه بطبيعة الحال لا يعتبر مؤسسة البنك والمعاملات والمبادلات المالية مع البنك مشروعة، وينهي عمله، ويكون تكليف الأفراد المكلفين واضحًا بأنه لا ينبغي لهم التعامل مع البنك. وهكذا إذا اعتبر المعاملات والمبادلات البنكية من مصاديق الربا الحرام؛ أما في إطار الفقه الحكومي، فلا يمكن للفقيه أن يعتبر عمله منتهيًا بفتاوى يجوز ولا يجوز وإعلان رأي كلي في مواجهة البنك ومعاملاته؛ بل إن الفقه الحكومي في الجانب الإيجابي مكلف بإيجاد حلول لإدارة الشؤون المالية الكلية للمجتمع الإسلامي. بحيث إما أن يقبل المؤسسة الموجودة مع إصلاحات، أو أن ينشئ مؤسسة مالية بديلة مكان البنك. ليس المقصود أن كلية وتمامية بناء المؤسسات المطلوبة في المجتمع الإسلامي، سواء كانت مؤسسات اقتصادية أو مؤسسات سياسية وحقوقية، تقع على عاتق الفقيه؛ لأن علماء الاقتصاد والسياسة وأهل الثقافة والفن وغيرهم من نخب المجتمع الإسلامي يجب أن يلعبوا دورًا أيضًا؛ بل المقصود أن جميع أنواع بناء المؤسسات هذه لها بالضرورة «وجه فقهي»، والفقيه الذي يضع نفسه في مستوى إدارة وتدبير المجتمع الإسلامي يجب أن يكون قادرًا على تحديد دوره الفقهي والحقوقي في مواجهة هذه المعضلات الناشئة عن تنفيذ الأحكام الإسلامية في عملية إيجاد الحلول، وأن يبدي رأيه الفقهي من منظور الفقه الإسلامي بشأن بناء المؤسسات المقترحة أو الإصلاحات المقترحة تجاه المؤسسات المستعارة من المجتمعات والثقافات الأخرى والاستفادة من تجارب البشر. لهذا السبب نعتقد أن إدارة المجتمع الإسلامي الكلية ليست فقهية بحتة، والمدافعون عن الفقه الحكومي لا يعتقدون أن جميع المعضلات تُحل بأصابع الفقه وأننا لا نحتاج إلى فروع مختلفة من العلوم، خاصة الاجتماعية والإنسانية؛ بل التأكيد على أن حل المعضلات يتطلب مشاركة الفقه وشعور الفقهاء القادرين بالواجب لإيجاد إجابات فقهية لاحتياجات العصر، ووجه فقهي للحلول الإدارية يجب أن يؤخذ في الاعتبار. (واعظي، 1398، ص 57 – 59)
3-4. من حيث متعلّق التكليف
في الفقه الحكومي، لا يكون متعلق التكليف متساويًا ومتكافئًا؛ بل تختلف المسؤوليات حسب ظروف كل فرد؛ في هذه النظرة، لكل شخص، بما يتناسب مع ظروفه وقدراته، واجب خاص ومنفصل عن الآخرين يجب أن يؤديه. في الأحكام الحكومية، لا يكون متعلق التكليف موجهًا إلى فرد واحد أصلاً، مثلاً إذا أردنا بناء مبنى، لا يمكن لفرد واحد أن يقوم بهذا العمل. أساسًا، لا يوجد هنا نوع واحد من التكليف؛ بل يجب إنجاز مئات الأعمال وظهور حركة اجتماعية. بناءً على ذلك، فإن فعل كل شخص مكمل لفعل الآخر، وليس أن فعلاً واحدًا موجهًا إلى شخص واحد؛ بل مئات الأفعال موجهة إلى مئات الأشخاص يجب أن تتم بشكل منظم؛ مثلاً، داخل جيش، تتم آلاف الأفعال المتقومة ببعضها البعض. نتيجة هذه الآلاف من الأفعال هي انتصار الإسلام، بحيث لو دققنا، فإن الجميع شركاء في عبادة بعضهم البعض؛ أي أن كل فرد شريك في عبادة الله من خلال الآخر. إذًا، هي مجموعة متقومة ببعضها البعض ومتناسبة مع بعضها البعض؛ بحيث لو لم يراعِ أحدهم التناسب ولم يهتم بعمل الآخرين، لما تحقق الكل. على سبيل المثال، من الشخص الذي يقاتل في الخطوط الأمامية إلى الشخص الذي ينظم الجيش، وكذلك الشخص الذي يقوم بالتموين أو الطبخ، إذا لم يراعِ أي منهم التناسبات، فلن ينجح البقية. (إسلامي، 1387، ص 33)
3-5. من حيث ضرورة قيام الحكومة على النظام القانوني
أحد الأمور الأخرى التي يمكن ذكرها كفرق بين رؤية الفقه الأدنى والحكومي، والتي تم التذكير بها في مقام النظام الشرعي والنظام القانوني، هو أنه بناءً على مبادئ الفقه الأدنى، ليس للمجتهد سوى واجب الاجتهاد في نطاق ضيق، ويقدم منتجاته تحت عنوان الرسالة العملية، والتعاليم الدينية في علاقتها بالمباحث الاجتماعية والسياسية ليس لها دور؛ بل تخطط فيما يتعلق بالمسائل المعنوية والسعادة الأخروية. وأما الرؤية المقابلة للنظرة الدنيا، فهي نظرية أخرى تضع في مبادئها عدم فصل الدين عن السياسة، وتبعًا لهذه الرؤية، تعتبر نطاق الدين واسعًا وتعتقد أن الدين يغطي جميع مجالات ومؤسسات الإنسان، والنظرة التي لديها من رسالة الأنبياء، تعتبرهم كمرشدين للبشر في جميع المجالات؛ وبهذه المحورية أن الأنبياء هم هداة إلى السعادة الدنيوية والأخروية، وتعتبر نظرية الأحكام الحكومية إحدى أدوات تدخل الدين في المجتمع، وبشكل خاص، يتمتع الفقه الحكومي في مجال التشريع بمكانة خاصة؛ لأنه يسعى بنظام قانوني مشروع في مجال «التقنين» يتمتع بإلزام اجتماعي؛ كوسيلة وممر لدخول الفقه في أوامر ونواهي المجتمع. بعبارة وتعبير آخر، القانون بمثابة وعاء وقالب يُوضع فيه الفقه، وباستخدام القانون، يدخل في أعراف المجتمع. تكمن أهمية القانون في هذه النقطة أنه نافذة يدخل منها الفقه إلى أوامر ونواهي المجتمع. هذه الالتزامات والأوامر والنواهي بدورها تنظم روابط أفراد المجتمع وأوضاعهم وأمورهم العامة.
بناءً على ذلك، على الرغم من أن معظم أحكام الفقه، أي الواجبات والمحرمات، تتضمن إلزامًا بالفعل أو الترك؛ إلا أن هذا القدر من الإلزام ليس كافيًا لإحداث الإصلاحات اللازمة وتنظيم أوضاع المجتمع وتوطيد الروابط المختلفة؛ بالطبع إذا أردنا أن يكون لنا دور في التنظيم الاجتماعي، على الرغم من أن هذا الإلزام هو إلزام شرعي على الناس يظهر ويتجلى من خلال مسؤولية الإنسان المسلم أمام الله تعالى.
على هذا الأساس، من الضروري هنا وجود شيء يلزم أفراد المجتمع بتنفيذ هذه الالتزامات. ذلك العامل الملزم هو القانون؛ لأن القانون يُعتبر ملزمًا اجتماعيًا لأفراد المجتمع، وأفراد المجتمع ملزمون بالسعي لعدم التهرب من القانون وتطبيقه في الساحة الاجتماعية.
إذا لم يتحول الفقه إلى قانون، فلا يمكن أن تكون هناك مشاركة فعالة في تنظيم المجتمع وتوطيد روابط الأفراد. من هنا، قيل إن القانون هو المجرى الذي يدخل الفقه من خلاله إلى ساحة تنظيم المجتمع وتنسيق أوضاعه؛ لأن الهدف والغاية من إرسال الرسل وجعل الإمامة هو تطبيق القوانين الإلهية في المجتمع. إذا لم يتم هذا الأمر، فسيحدث نوع من نقض الغرض.
النتيجة
إن فعالية قانون ما منوطة بكونه ناظرًا إلى الاحتياجات الاجتماعية وفي مسار تحقيق أهداف الحكومة. وهذا الأمر الهام يتحقق في حال تطابق القانون مع التعاليم الشرعية والالتفات إلى مقاصد الشرع المقدس. بالنظر إلى أنه في مقام الاستنباطات الفقهية، تُطرح رؤيتان: الفقه الفردي والفقه الحكومي، فقد أُثبت أن الفقه الفردي لا يمتلك الفعالية اللازمة لتحقيق الهدف المذكور. الفقه الفردي، من حيث أنه في مجال الاستنباطات الفقهية لا يُدخل الوظيفة الاجتماعية للحكم في الاستنباط، لا يمكنه أن يمتلك الفعالية اللازمة في مجال التقنين؛ لأنه على الرغم من أن القانون في الحكومة الإسلامية يجب أن يُستنبط من المصادر الإسلامية الأصيلة، إلا أن هذا الأمر هو شرط لازم فقط وليس شرطًا كافيًا. الفقه الحكومي يتيح إمكانية تنفيذ القانون وتأمين المصالح الاجتماعية إلى جانب المصالح الفردية معًا. الفقه الحكومي في مقام الاستنباط لا يرى المكلف فارغًا ومنفصلاً عن المجتمع والحكومة. المكلف في الفقه الحكومي هو مكلف اجتماعي. بطبيعة الحال، لن تكون الإجابة على المسائل الشرعية وواجبات المكلف الاجتماعي متماثلة مع المكلف الفردي والمنفصل عن المجتمع.
الفقه الفردي، خلافًا للفقه الحكومي، لا يتصور دور المكلف في المجتمع وكجزء من كل أكبر، والحال أنه في الفقه الحكومي، بتشبيه خطابات الشارع بالخطابات القانونية بحق المكلفين بشكل كلي، يُخاطب به عامة المكلفين بشكل كلي. في هذه الرؤية، يُرسم مجتمع تكون فيه الأجهزة والمؤسسات الرسمية وجميع الأفراد، حسب الظروف، وإن كانت لهم مسؤوليات مختلفة عن بعضهم البعض؛ إلا أنهم ليسوا منفصلين عن بعضهم البعض، ويُتصورون كجزء من كل واحد. بناءً على ذلك، إذا أردنا أن نقدم رؤية فعالة في مجال التشريع، لا يمكننا أن نتجاهل رؤية «الفقه الحكومي».
قائمة المصادر
أ) الكتب
1. الأنصاري (الشيخ الأنصاري)، مرتضى (1437هـ)، المكاسب (ج3)، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
2. إسلامي، رضا (1387ش)، أصول فقه حكومتي، مقابلة مع حجة الإسلام ميرباقري، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.
3. الغفوري، خالد، ترجمة: سفيدرو، صفر (1392ش)، هل يلزم أن يكون القانون مطابقًا أم عدم مخالفته كافٍ؟، فقه وقانون؛ أفكار، اقتراحات وحلول منهجية، قم: منشورات زيني.
4. پرور، إسماعيل؛ أبو الفضل، طباطبائي (1394ش، ربيع)، أحكام حكومتي، لماذا، ما هي وكيف، قم: كتاب فردا، تمدن نوين إسلامي.
5. چراغي، ميلاد (1400ش)، تصميم نموذج ضمان الفقه في عملية التشريع في الدولة الإسلامية، قم: جامعة باقر العلوم (عليه السلام) (رسالة ماجستير).
6. سبحاني، جعفر (1438هـ)، محاضرات في الإلهيات، قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
7. سجادي، سيد عبد القيوم (1392ش)، فقه قانون گذاری؛ الإمكانيات والقيود، منشور في: فقه وقانون؛ أفكار، اقتراحات وحلول منهجية، قم: منشورات زيني.
8. شفيعي سروستاني، إبراهيم (1380ش)، فقه وقانون گذاری؛ دراسة التشريع في نظام الجمهورية الإسلامية، قم: مؤسسة فرهنگي طه.
9. صرامي، سيف الله (1391ش)، مدخل إلى الفقه الحكومي (تعريف ومبادئ)، منشور في: مدخل إلى رؤية الفقه الحكومي في الفقه، قم: مؤسسة بوستان كتاب.
10. طباطبائي يزدي، سيد محمد كاظم (1436هـ)، العروة الوثقى، قم: منشورات إمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
11. عليدوست، أبو القاسم (1392ش)، من الفقه إلى القانون، منشور في: فقه وقانون؛ أفكار، اقتراحات وحلول منهجية، قم: منشورات زيني.
12. __________ (1384ش)، فقه وعرف، قم: منظمة منشورات الثقافة والفكر الإسلامي.
13. فاضل لنكراني، محمد جواد (1400ش)، نسبة الفقه والقانون، قم: مركز فقهي أئمة أطهار (عليهم السلام).
14. فتاحي زفرقندي، علي (1398ش)، قدرة سياسات النظام الكلية في تصميم النموذج المطلوب للتشريع، طهران: جامعة طهران (رسالة دكتوراه).
15. قانون أساسي جمهوري إسلامي إيران (1382ش).
16. كاتوزيان، ناصر (1379ش)، كليات حقوق؛ نظرية عمومي، طهران: منشورات شركة سهامي.
17. موسوي خميني (الإمام الخميني)، روح الله (1430هـ)، كتاب البيع، قم: مؤسسة حفظ ونشر آثار الإمام الخميني.
18. __________ (1385ش)، صحيفة إمام، قم: مؤسسة حفظ ونشر آثار الإمام الخميني.
19. __________ (1423هـ)، تهذيب الأصول، مقرر: جعفر سبحاني تبريزي، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
20. __________ (1415هـ)، مناهج الوصول إلى علم الأصول (ج2)، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
21. __________ (1394ش)، ولاية فقيه؛ حكومت إسلامي (تقرير بيانات الإمام الخميني)، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
22. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (1384ش)، خطابات قانونية، قم: نشر عروج.
23. موسوي خلخالي، محمد مهدي (1425هـ)، الحاكمية في الإسلام، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
24. ميرزاي قمي، أبو القاسم (1430هـ)، القوانين المحكمة في الأصول المتقنة، قم: إحياء الكتب الإسلامية.
25. نائيني، محمد حسين (1378ش)، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، طهران: شركة سهامي انتشار.
26. واعظي، أحمد (1398ش)، رؤى الفقه الحكومي، قم: جامعة باقر العلوم (عليه السلام).
27. ولايي، عيسى (1391ش)، فرهنگ تشريحي اصطلاحات أصول، طهران: نشر ني.
ب) المقالات
28. خلف خاني، علي؛ راغبي، محمد علي؛ علوي وثوقي، سيد يوسف (1399ش، خريف)، نظرية خطابات قانوني ودورها في الفقه الاجتماعي، بحوث فقهية وأصولية، السنة السادسة، العدد 20.
29. دبيرنيا، عليرضا؛ سادات نقوي، فاطمة (1397ش، ربيع)، تطبيق عملية التقنين في نظام جمهورية إيران الإسلامية مع نظرية التشريع كبرمجة لتنفيذ القوانين الإلهية، مجلة القانون العام، السنة السابعة، العدد 19، 113-134.
30. عندليب، حسين (1396ش)، تشابهات وتمایزات فقه فردي وحكومتي، فصلية pureLife الدولية متعددة التخصصات، الدورة 4، العدد 9.
31. ذوالفقاري، محمد؛ سيديان، سيد مهدي (1391ش)، فقه حكومتي؛ ما هو، لماذا، كيف، المعرفة السياسية، السنة الرابعة، العدد 1.
32. راغبي، محمد علي؛ صدوقي، أمين (1398ش، خريف)، نظرية خطابات قانونية إمام وتداعياتها في الفقه السياسي، الحكومة الإسلامية، السنة 24، العدد 3.
33. فرهاديان، عبد الرضا (1395ش، ربيع)، دراسة مقارنة للخطابات الشرعية من وجهة نظر المشهور والإمام الخميني، مجلة متين البحثية، السنة 19، العدد 74.
34. لک زايي، نجف؛ جلالي أصل، هادي (1398ش، صيف)، تأثيرات نظرية خطابات قانوني للإمام الخميني على الثورة الإسلامية، الحكومة الإسلامية، السنة 24، العدد 2.
35. مرتضوي نژاد، سيد مهدي؛ مير باقري، سيد محمد مهدي (1396ش، ربيع وصيف)، منهجية الفقه الحكومي، مجلة علمية تخصصية نصف سنوية للدراسات الفقهية متعددة التخصصات، السنة 5، العدد 2.
36. مشكاني سبزواري، عباسعلي؛ سعادتي، أبو الفضل (1392ش، ربيع)، فقه حكومتي؛ برنامج لتطوير الثورة الإسلامية، فصلية دراسات الثورة الإسلامية، السنة 10، العدد 32.
ج) مواقع الإنترنت
37. خامنئي، سيد علي (1376/02/13)، لقاء جمع من العلماء ورجال الدين مع قائد الثورة، (مقتبس في 15 فروردين 1401). https://farsi.khamenei.ir/news-content?id=779
38. عاملي (شهيد ثاني)، زين الدين، تمهيد القواعد، مكتب الإعلام الإسلامي، ج 1، ص 32، «مكتبة مدرسة فقاهت». (مقتبس في 15 فروردين 1401).
الهوامش
1. خريج الحوزة العلمية في قم؛ miladcheraghi7377@gmail.com
2. خريج الحوزة العلمية في قم؛ m.ghasemi@whc.ir