تقييم تطبيقات قاعدة «الواحد» في علم الأصول في فكر المحقق الأصفهاني

المستخلص

قاعدة «الواحد» من القواعد الفلسفية الهامة والمُكثَرة التطبيق في علم الأصول، والتي كان تقريرها ودراسة قيمتها المنطقية في تطبيقاتها الأصولية محور بحث دائم، وهو ما يشكل مسألة هذا البحث. يتناول هذا المقال، بالمنهج الوصفي-التحليلي وبهدف دراسة تطبيقات هذه القاعدة في علم الأصول، تقريرها وتقييمها من منظور الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني (١٢٩٦-١٣٦١هـ.ق) الذي كان له دور خاص في تعميق وتنظيم «الأصول الفلسفية». ويتضح من خلال هذا البحث أن هذه القاعدة قد استُخدِمت في مسائل متعددة من علم الأصول، وقد عُرض أبرزها في هذا المقال في عشرة موارد. إن تحليل وتقييم هذه الموارد يكشف عن حقيقة أنها جميعها قد تشكلت بغفلة عن مفاد ونطاق قاعدة الواحد، فلا قيمة منطقية لها، وتطبيق القاعدة فيها غير موجّه؛ ذلك أن محور بعضها واحد غير حقيقي، ومحور البعض الآخر واحد حقيقي غير شخصي؛ بينما نطاق هذه القاعدة هو «الواحد الحقيقي الشخصي».

مقدمة

إن تطبيق القواعد الفلسفية في المباحث الأصولية، تماشياً مع التفاعل بين الفلسفة وأصول الفقه، كان مطروحاً منذ القدم. يمكن اعتبار المحقق الخوانساري (١٠١٦-١٠٩٨هـ.ق) من رواد هذه الحركة، الذي بفضل نبوغه ودقته الفلسفية الفائقة، أضفى على الفكر الأصولي صبغة فلسفية. (الشهيد الصدر، ١٤٢١، ص ١٠٦) وقد أوصل الآخوند الخراساني (١٢٥٥-١٣٢٩هـ.ق) وتلامذته هذه الحركة إلى ذروتها. وفي هذا المسار، كان للشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني (١٢٩٦-١٣٦١هـ.ق) دور خاص في رقي وتنظيم «الأصول الفلسفية»، واستطاع بقوته الفلسفية والأصولية الفائقة وتقديمه بحوثاً وابتكارات عميقة في أصول الفقه والفلسفة، أن يبرز التفاعل بين هذين العلمين. ومع ذلك، لم تُبيَّن مكانة أفكاره الفلسفية والأصولية في المراكز العلمية بوضوح حتى الآن، ومن بين عوامل ذلك يمكن الإشارة إلى عمق فكره وصعوبة كتاباته.

إن الدراسة المنطقية لتطبيق القواعد الفلسفية في أصول الفقه تستحق التحليل والمتابعة في محورين:

أولاً: المنطق العام لتطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول

في هذا المحور، تُبحث القيمة المنطقية للاستدلالات، ويُجاب عن هذا السؤال: ما هو منطق الاستدلال في علم الأصول؟ هل يمكن في علم الأصول، بوصفه علماً اعتبارياً، الاستفادة من منطق الاستدلال في العلوم الحقيقية؟ في الإجابة على هذا السؤال، لم يقبل بعض المفكرين مثل العلامة الطباطبائي (الطباطبائي، بلا تا، ص ١٥)، والإمام الخميني (الإمام الخميني، ١٤١٠، ج ١، ص ١١٥-١١٨)، والشهيد المطهري (المطهري، ١٣٧٥، ج ٢، ص ١٧٣-١٧٤)، وآية الله السيستاني (السيستاني، ١٤١٤، ج ١، ص ٦٣) تطبيق الفلسفة في مسائل علم الأصول، معتبرين إياه سبباً لـ«خلط الحقائق والاعتباريات». في المقابل، يرى مفكرون آخرون أن هذا التطبيق موجّه ويدافعون عنه. وقد قام الكاتب في مقال آخر بدراسة كلا الرأيين وأدلتهما. (الإسماعيلي، ١٣٩٤)

ثانياً: المنطق الخاص لتطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول

في هذا القسم، وبصرف النظر عن صحة أو عدم صحة أصل تطبيق الفلسفة في علم الأصول، يتم البحث في كل قاعدة من القواعد الفلسفية على حدة في المسائل الأصولية. وتكمن أهمية هذا الموضوع في أنه حتى مع افتراض قبول كلية تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول (المحور الأول)، لا يمكن الجزم بصحة تطبيق كل قاعدة فلسفية بعينها في هذا العلم؛ إذ قد تكون لبعض القواعد الفلسفية شروط خاصة تنتفي في بعض التطبيقات الأصولية. من هنا، يلزم دراسة تطبيق كل قاعدة فلسفية على حدة. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة إلى قاعدة «الواحد» كإحدى القواعد الهامة والمكثرة الاستعمال في أصول الفقه، حيث استفاد منها الأصوليون، وخاصة المحقق الخراساني، في مواضع كثيرة. (الخراساني، ١٤٣٠، ج ١، ص ٤١، ٥٥، ٢٦١) هذا في حين يبدو أن غالب هذه التطبيقات قد تشكلت بغفلة عن نطاق القاعدة المذكورة، وأن الاستفادة منها في المسائل الأصولية غير موجهة.

يبحث هذا المقال بالمنهج الوصفي-التحليلي المحور الثاني. فمسألة هذا البحث هي «المنطق الخاص لتطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول»، لا منطقها العام. وعليه، فإنه يهدف إلى دراسة تطبيق قاعدة «الواحد» في علم أصول الفقه التي تستعمل كثيراً في المسائل الأصولية. يجيب هذا المقال على الأسئلة التالية:

ما هو برهان قاعدة الواحد في جانب العلة والمعلول في فكر المحقق الأصفهاني؟

ما هو نطاق قاعدة الواحد في فكر المحقق الأصفهاني؟

كيف يتم تقرير وتقييم تطبيقات قاعدة الواحد في علم الأصول في فكر المحقق الأصفهاني؟

تتضح أهمية هذه المسألة في ظل التطبيقات الكثيرة لهذه القاعدة في علم الأصول، والتي لها دور خاص في كشف منهجية هذا العلم. وميزة هذا المقال تكمن في تقرير الزوايا المختلفة لقاعدة الواحد وتحليل ودراسة تطبيقاتها الأصولية وكذلك إبراز آراء المحقق الأصفهاني. والجدير بالذكر أنه على الرغم من أهمية الموضوع، لم يُعثر على مقال في هذا الشأن.

١. تبيين قاعدة الواحد

تُطرح قاعدة الواحد في جانبي العلة والمعلول، وسيتم في ما يلي، ضمن تقرير وإثبات كليهما من وجهة نظر المحقق الأصفهاني، دراسة نطاقها أيضاً.

١-١. قاعدة الواحد في جانب العلة

وفقاً لهذه القاعدة، لا يصدر من العلة الواحدة إلا معلول واحد. يثبت المحقق الأصفهاني هذه القاعدة بمحورية «تعين المعلول في مرتبة ذات علته» بالاستفادة من المقدمات التالية:

كل معلول متعين في مرتبة ذات علته، بمعنى أن المعلول قبل إيجاده من قبل العلة، يكتسب نوعاً من الاختصاص، وإن لم يكن هذا الاختصاص موجوداً، للزم الترجيح بلا مرجح؛ لأن صدور معلول واحد من بين معلولات كثيرة إما أن يستند إلى علة هي مصحح هذا التخصيص أو لا يوجد مثل هذا الاستناد. في الحالة الثانية، يحدث الترجيح بلا مرجح. بناءً على هذا، فإن وجود خصوصية في ذات العلة هو مصحح إيجاد واختيار المعلول الخاص. و«تعين المعلول في مرتبة ذات العلة» عبارة أخرى عن «الوجوب السابق للمعلول» الذي يُعطى للمعلول من جانب العلة.

إن الخصوصية المصححة لصدور المعلول الخاص ليست أمراً عارضاً على ذات العلة بل هي ذاتية للعلة، لأن المفروض أن وصف العلية ذاتي للعلة لا عارض عليها. بناءً على هذا، فإن ذات العلة كاملة في عليتها ولا تحتاج إلى غيرها. وهذه المقدمة تُوجَّه باستخدام بيان صدر المتألهين بأنه عندما تكون العلة «بسيط الحقيقة»، فإن حيثية عليتها عين ذاتها لا زائدة على ذاتها. (صدر المتألهين، ١٩٨١م، ج ٢، ص ٢٠٤)

بناءً على المقدمة الأولى، يستلزم صدور كل معلول من علته وجود خصوصية مرتبطة بذلك المعلول. وعلى هذا، إذا صدر معلولان أو أكثر من علة واحدة، فيجب أن يكون لتلك العلة خصوصيات متعددة.

بناءً على هذه المقدمات الثلاث، إذا كانت علة واحدة بسيطة، فلن تصدر منها معلولات متعددة؛ لأن صدور المعلولات المتعددة يكشف عن تركب العلة، والتركب لا ينسجم مع بساطة العلة. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج٢، ص٢٦٦-٢٦٧؛ همو، ١٣٨٠، ص٩٢)

هذا البرهان مستفاد من بيان ابن سينا. وتقريره هو أن صدور المعلول من العلة لا يتيسر إلا بعد وصول المعلول إلى مرتبة الوجوب، وصدور كل معلول من علته فرع وجود خصوصية في ذات العلة. بناءً على هذا، إذا صدر معلولان من علة واحدة، فإن حيثية صدور «ألف» غير حيثية صدور «باء»؛ لأنه لو كانت حيثيتهما واحدة، لكان لازمه أن يصدر «باء» أيضاً من حيثية صدور «ألف»، وهو مصداق «لا ألف»، وهذا يعني أن صدور «ألف» لم يكن واجباً؛ لأن صدور نقيضه (لا ألف) ليس ممتنعاً. (صدر المتألهين، ١٩٨١م، ج ٧، ص ٢٠٧)

هذا التقرير مبني على الإمكان الماهوي للمعلول الذي يجد الوجوب بالغير. ولهذا يسعى المحقق الأصفهاني إلى تقريره على أساس الإمكان والفقر الوجودي، بأن وجود المعلول عين التعلق والربط بعلته، وتعدد الوجود الرابط يكشف عن تعدد طرف الربط (الوجود المستقل) أو وجود خصوصيات متعددة فيه هي التي تصحح تعدد الوجود الرابط، وهذا لا ينسجم مع بساطة ذات العلة. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج٢، ص ٢٦٧، الحاشية ١)

٢-١. قاعدة الواحد في جانب المعلول

طبقاً لهذه القاعدة، لا يصدر المعلول الواحد إلا من علة واحدة. يثبت المحقق الأصفهاني هذه القاعدة ببرهانين:

بما أن وجود المعلول مسبوق بوجوبه بناءً على قاعدة الضرورة السابقة (الشيء ما لم يجب، لم يوجد)، فإن صدور معلول واحد من عدة علل يستلزم تحقق عدة «وجوبات سابقة» في المعلول. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج٢، ص ٢٦٧؛ همو، ١٣٨٠، ص ٩٢)

إذا صدر معلول واحد من علتين أو أكثر، فإن لازمه عدم استقلالهما في العلية؛ لأن المفروض أن كليهما معاً علة لمعلول واحد. بناءً على هذا، في الواقع، هذا المعلول صادر من الجامع بينهما وهو «واحد»؛ في حين أن المفروض هو صدور المعلول الواحد من علتين، وهذا خلاف الفرض. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٧؛ همو، ١٣٨٠، ص ٩٢)

يشير المحقق الأصفهاني في «تحفة الحكيم» أيضاً إلى هذين البرهانين. (الأصفهاني، ١٣٨٠، ص ٩٢)

٣-١. قلمرو قاعدة الواحد

إن معرفة نطاق هذه القاعدة له تأثير مباشر في تطبيقاتها الأصولية، ومن الجدير بالبحث أن يُدرس من وجهة نظر المحقق الأصفهاني.

ينقسم الواحد إلى قسمين: حقيقي وغير حقيقي. الواحد الحقيقي يتصف بـ«الوحدة» دون واسطة في العروض، وله قسمان أيضاً: ذات الواحد هي عين الوحدة، أو ذات متصفة بالوحدة. الأول هو «الوحدة الحقيقية الحقة» أو «الوحدة الصرفة»، مثل وحدة «صرف الشيء» التي لا تقبل التكرار، والثاني يسمى «الوحدة الحقيقية غير الحقة»، مثل الوحدة الزائدة على ذات الواحد. والوحدة الحقيقية غير الحقة لها نوعان أيضاً: خاص وعام. الواحد الخاص أو بالخصوص هو الواحد بالعدد الذي بتكراره يتكون العدد. الواحد العام، مع كونه واحداً، يشمل كثيرين، مثل النوع والجنس المتصفين بالوحدة. أما الواحد غير الحقيقي فيشمل الواحد بالنوع، بالجنس، بالكيف، بالكم، وغيرها. (ابن سينا، ١٤٢٨هـ.ق، ص١٠٦-١٠٨؛ السبزواري، ١٣٨٤، ج ٢، ص ٣٨٧؛ الأصفهاني، ١٣٨٠، ص٨١؛ همو، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٩٢)

هناك خلاف بين الفلاسفة حول أي من الأقسام المذكورة هو المقصود بـ«الواحد» في هذه القاعدة. البعض استدل بتعبير «الواحد من جميع الوجوه» (الشهرزوري، ١٣٧٢، ص ٣٢٦) الذي يصرح باختصاص القاعدة بواجب الوجود (الواحد الحقيقي الحق الوجودي). كما أن صدر المتألهين خصها بالواجب تعالى، ولم يجرها حتى في النفس. (صدر المتألهين، ١٩٨١م، ج ٨، ص ٦٠) وفسر العلامة الطباطبائي أيضاً الواحد بـ«البسيط من جميع الوجوه»، مما يدل على اختصاص القاعدة بالله. (الطباطبائي، ١٣٨٥، ج ٣، ص ٦٤٠)

يعتقد المحقق الأصفهاني أن هذه القاعدة لا تشمل الموردين التاليين:

١) الواحد غير الحقيقي (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٣٤)

إن إسناد الوحدة إلى مثل هذا الواحد مجازي، وهذا الواحد في الواقع كثير وليس واحداً. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ١٠٩) بناءً على هذا، لا تشمل هذه القاعدة «الواحد الاعتباري» أيضاً؛ لأن مثل هذا الواحد له وحدة في أفق الاعتبار فقط وليس له وحدة في الواقع. ومن هنا، فإنه في «حاشية المكاسب» يقبل قيام الوحدة الاعتبارية بالكثير الواقعي، وفي بحث استحقاق الورثة لحق الخيار، يجيز قيام هذا الحق الواحد للورثة المتعددين، ولا يعتبر ذلك ناقضاً لقاعدة الواحد. (الأصفهاني، ١٤٣١هـ.ق، ج ٥، ص ٢٤٩)

٢) الواحد الحقيقي غير الشخصي (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج٢، ص٢٦٦)

كما مرّ، فإن «الواحد الحقيقي» يشمل الواحد الحقيقي الحق، والواحد العددي، والواحد النوعي. يعتقد المحقق الأصفهاني أن هذه القاعدة خاصة بالواحد الحقيقي الشخصي. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج٢، ص ٢٦٦؛ همان، ج ٢، ص ٤٢١) «الواحد الشخصي» هو واحد حقيقي غير نوعي يشمل الواحد الحقيقي الحق والواحد الخصوصي.

قد يطرح هذا السؤال: إن المحقق الأصفهاني في «تحفة الحكيم» يعتبر الواحد الشخصي واحداً حقيقياً خصوصياً:

«والواحد الشخصي أعني العددي ** هو الخصوصي الذي به ابتدي» (الأصفهاني، ١٣٨٠، ص ٨١)

بناءً على هذا، فإن «الواحد الشخصي» لا يشمل الواحد الحقيقي الحق؛ لأنه كما مر، الواحد الخصوصي هو فرع من الواحد الحقيقي غير الحق. ولكن يجب الانتباه إلى أن مقسم الواحد الخصوصي والعمومي هو الواحد الحقيقي غير الحق، وهو أحد مصاديق الواحد الشخصي. ولهذا، فإن المحقق الأصفهاني بعبارة «أعني العددي» قد قيد الواحد الشخصي بالعددي. وبناءً على ذلك، فإن الواحد الشخصي في البيت أعلاه لا يساوي الواحد الخصوصي؛ بل الواحد الخصوصي قسم منه. والدليل على أن المحقق الأصفهاني يشمل واجب الوجود في هذه القاعدة (الأصفهاني، ١٣٨٠، ص ٩٢) هو أنه لو كان مقصوده من الواحد الشخصي، الواحد الخصوصي فقط، لما شملت القاعدة المذكورة الواجب تعالى.

على أي حال، فإن المحدد لنطاق قاعدة فلسفية ليس رغبة الأفراد، بل مفاد براهينها. وعلى هذا الأساس، قام المحقق الأصفهاني بإعادة قراءة مفاد البراهين السابقة، وحدد نطاق القاعدة على النحو التالي:

البرهان الأول (برهان قاعدة الواحد في جانب العلة) لا يشمل إلا «الواحد الحقيقي الشخصي»؛ لأن تعدد الخصوصيات والحيثيات المصححة لصدور المعلول ليس فيه أي محذور في الواحد غير الحقيقي وكذلك الواحد الحقيقي النوعي. وسبب هذه الميزة هو أن كليهما واحد في الظاهر، ولكنهما في الواقع كثيران. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٧؛ همو، ١٤٣١هـ.ق، ج ٥، ص ٢٤٩) والجدير بالذكر أن هذا البرهان لا يشمل الواحد الحقيقي غير الشخصي (النوعي) فحسب، بل من بين الواحدات الشخصية لا يشمل إلا الواحد البسيط المحض؛ لأن تعدد الخصوصيات لا ينتفي إلا في البسيط المحض. ولهذا السبب، يستفيد صدر المتألهين في تقرير هذا البرهان من تعبير «بسيط الحقيقة». (صدر المتألهين، ١٩٨١م، ج ٢، ص ٢٠٤)

البرهان الثاني (البرهان الأول لقاعدة الواحد في جانب المعلول) لا يشمل إلا «الواحد الحقيقي الشخصي»؛ لأنه بما أن الواحد النوعي مقترن بالكثرة الفردية، يمكن أن يتصف بوجوبات سابقة متعددة، (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٧) كما أن هذه الكثرة موجودة أيضاً في الواحد الاعتباري. (همو، ١٤٣١هـ.ق، ج ٥، ص ٢٤٩)

في البرهان الثالث (البرهان الثاني لقاعدة الواحد في جانب المعلول) أيضاً، المقصود هو «الواحد الحقيقي الشخصي» فقط؛ لأن الواحد النوعي مصحوب بالكثرة الفردية. ومن هنا، يمكن لكل فرد من أفراده أن يصدر من علل منفصلة ومستقلة. بناءً على هذا، فإن المعلول الذي هو واحد نوعي، يمكن أن يصدر من علل متعددة، كما أن الحرارة التي هي واحد نوعي، تصدر من الحركة، النار، الشمس، الغضب، وغيرها. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٧)

٢. تطبيق قاعدة الواحد في علم الأصول

لقد استُفيد من قاعدة الواحد في مسائل متعددة من علم الأصول. وقد استفاد المحقق الأصفهاني أيضاً منها في مواضع متعددة. وأهمها عشرة موارد تالية، تنقسم إلى فئتين:

أولاً: موارد تمسك بها المحقق الخراساني أو غيره بهذه القاعدة، ولكن المحقق الأصفهاني لم يقبلها. (الموارد ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٨، ١٠)

ثانياً: موارد تمسك بها المحقق الأصفهاني بهذه القاعدة. (الموارد ٧، ٩)

تقرير وتقييم الموارد المذكورة، على النحو التالي:

١-٢. إثبات وجود موضوع لكل علم

«لزوم وجود موضوع لكل علم» محل خلاف. البعض لم يعتبره ضرورياً، واعتبروا ملاك تمايز العلوم هو وحدة وتعدد أغراضها. وكمثال على ذلك يمكن الإشارة إلى المحقق الخراساني (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٠) والمحقق الخوئي (الخوئي، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ١٩). وفي هذا السياق، اعتبر بعض الأصوليين وحدة غرض العلم برهاناً على لزوم وجود موضوع للعلم، وقرروا ذلك بأن لكل علم غرضاً يترتب على مجموعة قضاياه. وبناءً على قاعدة الواحد في جانب المعلول، فإن «وحدة الغرض» كاشفة عن وحدة موضوع العلم؛ لأن مسائل العلم هي علة تحقق غرض ذلك العلم، وبما أن المعلول (الغرض) واحد، فيجب أن تعود مجموعة مسائل العلم المتعددة إلى علم جامع واحد تكون موضوعات مسائله مجموعة فرعية لموضوع جامع ومحمولاتها مجموعة فرعية لمحمول جامع، حتى يصدر في هذه الحالة المعلول الواحد (الغرض) من العلة الواحدة (موضوع العلم). (الخوئي، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ١٣-١٤؛ الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٣٤) والجدير بالذكر أن المقصود بالغرض هنا هو الغرض الذاتي لا الغرض التدويني؛ لأن الثاني تابع لشخص المدون وكيفية تفكيره؛ بخلاف الأول الذي هو أمر واقعي ومنفصل عن ذات المدون، ويمكن لذات مسائل العلم أن تحققه. (الشهيد الصدر، ١٤١٧هـ.ق، ج ١، ص ٣٨)

التقييم

رفض المحقق الأصفهاني هذا التطبيق، ورأيه على النحو التالي:

مجرى قاعدة الواحد هو الواحد الحقيقي؛ بينما وحدة الغرض من سنخ الوحدة العنوانية (غير الحقيقية). (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٣٤؛ همو، ١٤١٨هـ.ق، ص ١٩) وتوضيح ذلك أنه، على سبيل المثال، غرض علم النحو هو «حفظ اللسان عن الخطأ في المقال»، وهو عنوان منتزع من أغراض متعددة لأبواب علم النحو، ويشمل أموراً مثل حفظ اللسان عن الخطأ في باب الفاعل، المفعول، المضاف إليه، وغيرها. بناءً على هذا، فإن وحدة مثل هذا الغرض ليست وحدة شخصية، بل هي وحدة عنوانية وانتزاعية.

لا توجد علاقة علية بين مسائل العلم وغرضه لتكون مشمولة بقاعدة الواحد، بل العلاقة بينهما هي علاقة الشرط بالمشروط. على سبيل المثال، في علم النحو، مراعاة القواعد النحوية شرط لإرادة المتكلم للكلام الصحيح. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٣٤-٣٥) ويمكن توضيح هذا الإشكال بأن مسائل علم ما، التي لها ثبوت في نفس الأمر، ليست علة تحقق غرض ذلك العلم؛ وإلا لكان يجب أن تتبع تلك المسائل دائماً هذا الغرض. على سبيل المثال، في علم النحو، إرادة المتكلم للكلام الصحيح مشروطة بمعرفة مسائل النحو ومراعاتها.

يعتقد المحقق الأصفهاني أن تمايز العلوم لا يمكن أن يكون على أساس وحدة موضوعها. وهو في معيار تمايز العلوم، يفصل بين مقام «التعريف» و«الجعل» بأن ملاك تمايز العلوم في مقام التعريف هو «الموضوع»، وعندما يريد شخص أن يعرف علماً للآخرين، فإنه يعرفه على أساس موضوعه ويميزه عن العلوم الأخرى؛ لأن موضوع العلم هو الجامع الذاتي لموضوعات المسائل، أما «الغرض» فهو أمر عرضي خارج عن العلم ومترتب على مسائل العلم. ومن البديهي أن التعريف بالذاتي أفضل من التعريف بالعرضي. أما في مقام الجعل والجمع، فمعياره هو وحدة وتعدد الغرض. حقيقة العلم مركب اعتباري تم جمعه على أساس «وحدة الغرض»؛ لأنه لو تم الجعل والجمع على أساس تمايز الموضوعات، للزم أن يتحول كل باب إلى علم مستقل؛ لأن موضوع كل باب يختلف عن موضوع الباب الآخر. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٣٢) ومع ذلك، حسب رأيه، فإن وحدة الغرض ليست كاشفة عن وحدة الموضوع. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٣٤)

يبدو أن هذا الإشكال غير وارد، ولا يلزم من تمايز العلوم على أساس تمايز الموضوعات تحول كل باب إلى علم مستقل. وسبب ذلك هو:

أولاً: هذا الإشكال، إن كان تاماً، يرد أيضاً على نظرية المحقق الأصفهاني المختارة؛ لأن تمايز العلوم على أساس تمايز الأغراض يترتب عليه نفس التالي الفاسد، وغرض كل باب يختلف عن غرض بقية أبواب العلم.

ثانياً: الإجابة الحلية على الإشكال هي أن تعدد الموضوعات لا يؤدي إلى تعدد العلوم إلا إذا لم تكن موضوعات المسائل تندرج تحت موضوع جامع؛ أما إذا اندرجت تحت موضوع جامع للعلم، فإن تعددها لا يستلزم تعدد العلوم. ويمكن طرح نفس الإجابة بخصوص الأغراض.

٢-٢. الوضع في المركبات

في الجمل المركبة مثل «زيد قائم»، يوجد وضعان:

أ. الوضع الشخصي لمواد المفردات (وضع زيد ومادة قيام)

ب. الوضع النوعي للهيئة التركيبية (وضع هيئة «قائم» وهيئة الجملة الاسمية)

والسؤال الآن هو: هل بالإضافة إلى هذين الوضعين، يوجد وضع ثالث باسم «وضع المركبات» (وضع المادة والهيئة معاً)؟

ينفي المحقق الخراساني ذلك ببرهانين:

البرهان الأول هو أن مثل هذا الوضع لغو؛ لأن الوضعين السابقين كافيان ولا حاجة لوضع ثالث.

البرهان الثاني هو أن مثل هذا الوضع مصداق لصدور الكثير من الواحد وناقض لقاعدة «الواحد»؛ لأنه لو وجد في جملة «زيد قائم» وضع جديد للمركب بالإضافة إلى وضع المفردات، للزم أن تدل هذه الجملة على معناها مرتين: مرة باعتبار وضع المفردات (وضع المواد والهيئات) ومرة باعتبار هذا الوضع الجديد. هذا في حين أن مدلول هذه الجملة واحد ودلالة واحدة فقط. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٤١)

التقييم

لا يعتبر المحقق الأصفهاني تعدد دلالة الجملة على معناها مصداقاً لصدور الكثير من الواحد؛ لأن مدلول هذه الجملة نوعان:

أ. دلالة المفردات على معانيها من سنخ الدلالة الانفرادية، وكل مفرد يدل على معناه فقط.

ب. دلالة كل الجملة على المفردات دلالة تضمنية، بمعنى أنه عندما تدل الجملة على الكل، فإنها تدل أيضاً على كل جزء من أجزائها. بناءً على هذا، فإلى جانب تعدد الدلالة، المدلول أيضاً متعدد وله لحاظان مختلفان، وبالتالي فهو مصداق لصدور الكثير من الكثير. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٧٧)

يبدو أن هذا الدفاع غير موجه؛ لأن المفروض أن الوضع الشخصي لمواد المفردات (وضع زيد ومادة قيام) والوضع النوعي للهيئة التركيبية (وضع هيئة «قائم» وهيئة الجملة الاسمية) خارجان عن محل النزاع. وعليه، فإن الوضع باللحاظ المجموعي والتضمني موجود قبل وضع المركبات، وفي حال قبول وضع جديد، يلزم تعدد الدلالة على مدلول واحد. وما يرفع هذا الإشكال هو تصور المحقق الأصفهاني بأن محل النزاع هو وضع الهيئة التركيبية للجملة (مثل الجملة الاسمية في المثال السابق). (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٧٦) لكن هذا الفرض خارج عن محل النقاش. وفي غير هذه الصورة، يصبح النزاع المذكور لفظياً.

٣-٢. تصوير الجامع في مسألة الصحيح والأعم

من بين نقاط الاشتراك بين رأي الصحيحي (وضع الألفاظ للمعاني الصحيحة) والأعمي (وضع الألفاظ لما يعم المعنى الصحيح والفاسد)، لزوم تصوير جامع بين الأفراد ليكون موضوعاً له اللفظ. وفي هذا الصدد، قام المحقق الخراساني، بتبنيه للرأي الصحيحي، بالتمسك بقاعدة الواحد وتصوير الجامع بأن أفراد الصلاة الصحيحة لها أثر مشترك هو «النهي عن الفحشاء والمنكرات»، وطبقاً للقاعدة، فإن وحدة الأثر كاشفة عن وحدة المؤثر. بناءً على هذا، فإن الأفراد الصحيحة لها جامع واحد هو علة إيجاد هذا الأثر الواحد وهو موضوع له لفظ «الصلاة». (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٥٥) أما هو، فقد اعتبر تصوير جامع بين الأفراد الصحيحة والفاسدة في غاية الإشكال، ولم يعتبر قاعدة الواحد مثبتة له. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٥٧)

التقييم

لا يقبل المحقق الأصفهاني هذا التطبيق للأسباب التالية:

الجامع المفترض بين الأفراد الصحيحة إما «جامع عنواني» أو «جامع مقولي ذاتي». إذا كان جامعاً عنوانياً، مثل عنوان «الناهي عن الفحشاء»، فإنه غير مشمول بقاعدة الواحد؛ لأنه كما مر، قاعدة الواحد خاصة بالواحد الحقيقي؛ أما الجامع العنواني فوحدته مجازية. وإذا كان الجامع المفترض مقولياً، فمع أنه مشمول بقاعدة الواحد، إلا أن وجود مثل هذا الجامع محال؛ لأنه ليس فقط أن جميع أفراد الصلاة الصحيحة ليس لها مثل هذا الجامع، بل إن فرداً واحداً من الصلاة لا يمكن أن يكون له مثل هذا الجامع؛ لأن الصلاة لها أجزاء متعددة وتتكون من مقولات متعددة. والمقولات هي أجناس عالية ولا يوجد بينها جامع ذاتي. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ٩٨-٩٩)

فصل المحقق الخراساني بين الأفراد الصحيحة والأفراد الأعم، فأجرى قاعدة الواحد في الأفراد الصحيحة ولم يجرها في الأفراد الأعم. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٥٧) هذا الفصل غير صحيح؛ لأنه إذا كان الجامع المقولي بين الأفراد الصحيحة ممكناً، فإنه ممكن بين الأفراد الأعم أيضاً؛ لأن نفس الأفراد الصحيحة التي لها جامع مقولي، تكون فاسدة بالنسبة لبعض الأفراد (مثل من لم يكن مكلفاً بتلك المرتبة الصحيحة وكان له تكليف آخر)، وبما أنه حسب الفرض، تلك الأفراد الصحيحة لها جامع مقولي، فإن ذلك الجامع المقولي يجري بالنسبة للأفراد الفاسدة بنفس الصورة. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ١٠١) بعبارة أوضح، نفس التصوير الذي طرح في الرأي الصحيحي، يمكن طرحه في الرأي الأعمي أيضاً. الفرق الوحيد بين الرأيين هو أن تأثير الأفراد الصحيحة في إيجاد ذلك الأثر تنجيزي؛ أما تأثير الأفراد الفاسدة في إيجاده غير منجز؛ لأن كل فرد من الأفراد الفاسدة أيضاً في ظروف خاصة وبالنسبة لأفراد خاصين يكون صحيحاً؛ إلا الأفراد الفاسدة التي تفقد الأركان. بناءً على هذا، فإن الأفراد الفاسدة أيضاً لها اقتضاء لأثر خاص بشكل غير منجز، ويمكن بالتمسك بقاعدة الواحد في جانب المعلول، تصوير جامع بينها.

٢-٤. استعمال اللفظ في أكثر من معنى

المقصود من استعمال اللفظ في أكثر من معنى ليس الاستعمال في الجامع بين تلك المعاني. كما أنه ليس استعمالاً في كلا المعنيين بحيث يكون المستعمل فيه أمراً واحداً مركباً من عدة معانٍ؛ بل هو استعمال استقلالي في أكثر من معنى. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٧٧؛ النائيني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٧٦) في هذه المسألة توجد ثلاثة آراء:

١. الامتناع العقلي: المحقق الخراساني (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٧٧)، المحقق الأصفهاني، والمحقق النائيني (النائيني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٧٦) تبنوا هذا الرأي.

٢. الجواز العقلي والعرفي: تبنى هذا الرأي المحقق الحائري (الحائري، ١٤١٨هـ.ق، ج ١، ص ٥٥) والمحقق البروجردي (البروجردي، ١٤١٥هـ.ق، ص ٦١).

٣. الجواز العقلي والامتناع العرفي: المحقق الخوئي قبل هذا الرأي. (الخوئي، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٤٠)

تمسك أتباع الرأي الأول بأدلة متعددة، وقاعدة الواحد أحدها. توضيح الاستدلال هو أن لازم استعمال اللفظ في أكثر من معنى هو أن تكون لنفس الإنسان في آن واحد لحاظان مستقلان أو أكثر؛ لأنه في مقام الاستعمال، يُلحظ اللفظ بشكل آلي والمعنى بشكل استقلالي. بناءً على هذا، فإن الاستعمال في أكثر من معنى يستلزم أن يكون للنفس أكثر من لحاظ استقلالي واحد؛ (النائيني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٧٦) بينما نفس الإنسان، لكونها واحدة وبسيطة، وطبقاً لقاعدة الواحد، لا يصدر منها الكثير. (الشهيد الصدر، ١٤١٧هـ.ق، ج ١، ص ١٥٠)

التقييم

يعتقد المحقق الأصفهاني أن نفس الإنسان يمكنها أن تتصور أكثر من شيء واحد في آن واحد، كما أنها تتصور الموضوع والمحمول في زمان الحكم، وتحكم بينهما. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ١٤٨) توضيح ذلك أن الحكم بين شيئين فرع حضورهما معاً عند الحاكم. والنفس أيضاً عند ثبوت المحمول للموضوع، تتصورهما معاً أولاً، ثم تحكم بينهما. بالإضافة إلى ذلك، فإن نفس الإنسان مع وحدتها الشخصية، مركبة من حيثيات وقوى مختلفة، يمكن لكل منها أن تكون مبدأ لصدور أفعال.

والجدير بالذكر أن المحقق الأصفهاني نفسه يقرر وجه استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى بأن وجود اللفظ في الخارج هو وجود طبيعي للمعنى، كما أن الاستعمال هو إيجاد المعنى عن طريق اللفظ. بناءً على هذا، فإن لازم استعمال اللفظ في أكثر من معنى هو أن يوجد في عين إيجاد واحد (استعمال واحد)، وجودان (معنيان)؛ بينما الإيجاد هو عين الوجود، ووحدة الإيجاد تكشف عن وحدة الوجود. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ١، ص ١٥٢)

٢-٥. تحليل الوجوب التخييري

في تحليل الوجوب التخييري، تطرح ثلاث تحديات مهمة:

١. الإرادة، بوصفها صفة حقيقية ذات إضافة، كيف تتعلق بالأمر المردد؟

٢. لماذا لا يكون ترك الواجب التخييري إشكالاً؟

٣. كيف يكون لترك جميع أطراف الواجب التخييري عقاب واحد فقط؟

في الإجابة على هذه التحديات، قُدمت آراء في تحليل الوجوب التخييري:

١. الوجوب يتعلق بجميع الأطراف؛ لكن المكلف يجب عليه أن يختار واحداً منها. تبنى هذا الرأي الشيخ الطوسي. (الطوسي، ١٤١٧هـ.ق، ج ١، ص ٢٢٠)

٢. الوجوب لا يتعلق بجميع الأطراف، بل بواحد غير معين. نسب الشيخ الطوسي هذا الرأي إلى أكثر الفقهاء وجمع من المتكلمين (الطوسي، ١٤١٧هـ.ق، ج ١، ص ٢٢٠) واختاره الشيخ المفيد. (المفيد، ١٤١٣هـ.ق، ص ٣١)

٣. الوجوب يتعلق بجميع الأطراف؛ لكن أداء أحد الأطراف يسقط وجوب البقية. تبنى هذا الرأي السيد المرتضى. (علم الهدى، ١٣٧٦، ج ١، ص ٨٨)

في هذا السياق، يعتقد المحقق الخراساني أن الأمر بأطراف الواجب التخييري لا يخرج عن حالتين:

١. غرض المولى من جميع الأطراف شيء واحد، وتعلق الأمر باعتبار ذلك الغرض الواحد، وهذا الغرض الواحد يحصل بكل من الأطراف. بناءً على هذا، فإن الواجب الحقيقي هو ذلك القدر الجامع بين الأطراف؛ لأنه طبقاً لقاعدة الواحد، لا يصدر الغرض الواحد إلا من علة واحدة؛ إذ يجب أن يكون هناك سنخية بين العلة والمعلول.

٢. غرض المولى متعدد بتعدد الأطراف، وعلى هذا الأساس أوجبها جميعاً؛ لكن هذه الأغراض غير قابلة للجمع مع بعضها، ولا يمكن للمكلف تحصيلها جميعاً؛ بل الوضع بحيث أنه بأداء أحدها والوصول إلى غرضه، تصبح بقية الأعمال بلا فائدة. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٦١)

الفرق بين الفرضين المذكورين هو أنه بناءً على الحالة الأولى، يرجع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي ولا يبقى مجال للتخيير الشرعي؛ أما بناءً على الحالة الثانية، فإن التمايز بين التخيير الشرعي والعقلي محفوظ. (الخوئي، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٣، ص ٢١٥؛ الشهيد الصدر، ١٤٢٦هـ.ق، ص ٢٦٧؛ همو، ١٤١٧هـ.ق، ج ٢، ص ٤١٦)

التقييم

لا يقبل المحقق الأصفهاني هذا التطبيق أيضاً. النقاط الجديرة بالاهتمام من وجهة نظر هذا المفكر هي كالتالي:

١. قاعدة الواحد خاصة بالواحد الحقيقي الشخصي ولا تجري في الواحد النوعي؛ بينما وحدة الجامع المفترض هنا هي وحدة نوعية؛ (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٦) لأن الغرض المترتب على كل من الواجبات التخييرية له كثرة فردية، وإن كان نوعها جميعاً واحداً.

٢. السنخية بين العلة والمعلول لا تستلزم وجود جامع ماهوي بين أطراف الواجب التخييري؛ لأن العلية مرتبطة بالوجود ولا علاقة لها بالماهية. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٦) مقصوده هو أنه بناءً على أصالة الوجود، فإن العلية والمعلولية في دائرة الوجود لا الماهية. وبهذا الترتيب، فإن السنخية بين العلة والمعلول هي سنخية وجودية لا ماهوية. ومن البديهي أن لزوم وجود جامع ماهوي بين أطراف الواجب التخييري لا يطرح إلا عندما تكون السنخية بين العلة والمعلول ماهوية.

والجدير بالذكر أن المحقق الأصفهاني يحل مشكلة الوجوب التخييري بأن لكل من الأطراف وجوباً تعيينياً وهو متعلق إرادة المولى؛ لكن بأداء أي منها، يسقط وجوب البقية. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٩-٢٧٠؛ الخوئي، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٣، ص ٢٠٩) بناءً على هذا الرأي، يرجع الواجب التخييري إلى الواجب المشروط، ووجوب كل من الأطراف مشروط بعدم أداء سائر الأطراف.

٦-٢. تحليل الوجوب الكفائي

في تحليل الوجوب الكفائي، يطرح هذا التحدي الأساسي: إذا تعلق الوجوب بجميع المكلفين، فكيف يسقط بأداء البعض عن البقية؟ في الإجابة على هذا التحدي، طُرحت آراء:

١. التكليف يتعلق بواحد مردد (أحد المكلفين). تبنى هذا الرأي الفخر الرازي. (الرازي، بلا تا، ج ٢، ص ١٨٣)

٢. التكليف يتعلق بالمجموع بما هو مجموع.

٣. التكليف يتعلق بصرف الوجود للمكلف (مكلف غير معين). تبنى هذا الرأي المحقق النائيني (النائيني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٧١) والمحقق الخوئي (الخوئي، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ٩).

٤. التكليف يتعلق بجميع المكلفين، لكن بحد التكليف الناقص والاقتضائي الذي يقتضي فقط المنع من الترك، في حال ترك سائر المكلفين. تبنى هذا الرأي المحقق العراقي. (العراقي، ١٤١٧هـ.ق، ج ٢، ص ٣٩٤)

وفي هذا السياق، يعتقد المحقق الخراساني أن الواجب الكفائي يتعلق بجميع المكلفين، بهذا البيان أنه لو تركوه جميعاً، لعوقبوا جميعاً؛ لكن بأداء بعض المكلفين، يسقط التكليف عن الآخرين؛ لأن غرض المولى في الواجب الكفائي واحد، وطبقاً لقاعدة الواحد، لا يصدر الغرض الواحد إلا من واحد. بناءً على هذا، متى ما قام أحد المكلفين به، حصل الغرض، وبحصول الغرض، يسقط الأمر. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٦٤)

من ناحية أخرى، إذا قام جميع المكلفين به معاً، يسقط الوجوب المذكور أيضاً؛ لكن بهذا التحليل أنه هنا وإن كانت العلل المتعددة (امتثال جميع المكلفين) قد أدت ظاهراً إلى إيجاد المعلول الواحد (الغرض الواحد)، إلا أنه طبقاً لقاعدة الواحد، لا يصدر المعلول الواحد إلا من علة واحدة. بناءً على هذا، فإن ما له دور هنا في إيجاد المعلول هو الجامع بين العلل المتعددة، وهذا الجامع أمر واحد. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٦٤)

التقييم

لا يقبل المحقق الأصفهاني هذا التطبيق أيضاً، ويقدم نقاطاً في تقييمه:

١. سقوط الغرض بامتثال جميع المكلفين له صورتان:

أ. أن يقوموا جميعاً بفعل شخصي واحد، مثل أن يغسلوا جميعاً ميتاً واحداً.

ب. أن يمتثلوا جميعاً الواجب الكفائي في وقت واحد بشكل منفصل، مثل أن يصلوا جميعاً على ميت في وقت واحد.

إن إعادة المحقق الخراساني العلل المتعددة إلى علة جامعة واحدة، طبقاً لقاعدة الواحد، لا يمكن طرحها إلا في الصورة الأولى، حيث صدر في الواقع فعل عددي واحد من الجميع وهو المؤمِّن لغرض المولى؛ أما في الصورة الثانية، فلا يطرح فعل عددي واحد؛ بل صدرت أفعال متعددة بعدد المكلفين. وفي هذه الصورة، لا تجري قاعدة الواحد أيضاً؛ لأن المفروض أن العلل (الأفعال) متعددة. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٧٧)

٢. لا توجد علاقة علية بين الفعل والغرض بسقوط الأمر، حتى بسقوط الأمر بأداء الفعل وتأمين الغرض، ويكون مشمولاً بقاعدة الواحد. وتوضيح ذلك أنه بما أن «الأمر» واحد، فيجب أن تكون علة سقوطه واحدة أيضاً. ووجود وعدم الأمر تابع لوجود وعدم داعي المولى، كما أن وجود وعدم الداعي تابع لوجود وعدم تحقق الغرض في الخارج. وعندما يتحقق الغرض في الخارج، يزول الداعي. وزوال هذا الدافع ليس لأن الغرض هو علة سقوط الداعي؛ لأن وجود الداعي هو علة إيجاد الغرض. فلو كان وجود الغرض علة سقوط الداعي، لكان لازم ذلك أن يكون وجود المعلول (الغرض) علة عدم علته (الداعي)، وفي هذه الحالة، سيكون المعلول علة لعدم نفسه أيضاً. ومن البديهي أن الشيء لا يمكن أن يكون علة عدم نفسه. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٨٠)

٣. يرى المحقق الخراساني أن غرض المولى في الواجب الكفائي واحد، وطبقاً لقاعدة الواحد، لا يصدر الغرض الواحد إلا من واحد. بناءً على هذا، «متى ما قام أحد المكلفين به، حصل الغرض.» (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ١، ص ٢٦٤) إجابة كلامه تتضح من المطالب السابقة؛ لأنه كما مر، قاعدة الواحد خاصة بالواحد الحقيقي الشخصي ولا تجري في الواحد النوعي؛ بينما الوحدة المفترضة هنا هي وحدة نوعية. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٦٦)

والجدير بالذكر أن المحقق الأصفهاني نفسه يحلل الوجوب الكفائي بأن التكليف فيه يتعلق بجميع المكلفين؛ لكن تعلق التكليف بمجموع المكلفين له صورتان:

١. تعلق التكليف بالمجموع بما هو مجموع: هذا الفرض محال؛ لأن المفروض أن «البعث» واحد، وبعث واحد لا يمكن أن يتحقق في المجموع.

٢. تعلق التكليف بمجموع المكلفين على نحو السراية: ينحل البعث الواحد إلى بعثات متعددة، كما أن طبيعي المكلف ينحل إلى مكلفين متعددين. في هذه الصورة، يوجد بعث بعدد المكلفين. لكن مع ذلك، يسقط بأداء أحدهم عن البقية؛ لأنه في الواقع، تأمين الغرض بفعل كل منهم مشروط بعدم تأمينه بفعل الآخرين. من ناحية أخرى، نسبة تأمين الغرض بفعل كل من المكلفين متساوية ولا يوجد مخصص. ولهذا، وجب على الجميع، وبفعل أي منهم يؤمَّن أيضاً. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٢٧٩، الحاشية)

٢-٧. إثبات العلية الحصرية في بحث مفهوم الشرط

لا يمكن اعتبار الجملة الشرطية ذات مفهوم إلا إذا دلت على أربعة أمور:

١. ارتباط الجزاء بالشرط ارتباط لزومي وليس ارتباطاً اتفاقياً.

٢. ارتباط الجزاء بالشرط على نحو ارتباط المعلول بالعلة، وليس ارتباط معلولين ببعضهما.

٣. الشرط هو العلة التامة للجزاء.

٤. الشرط هو العلة المنحصرة للجزاء.

بعد توفر هذه الأركان، يكون للجملة الشرطية مفهوم. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ٩٦؛ النائيني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ٢٤٨) يعتقد المحقق الخراساني أن الركن الأول قابل للإثبات بالتبادر، أما بقية الأركان فليست قابلة للإثبات، ونتيجة لذلك، لا مفهوم للجملة الشرطية. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ٩٧-٩٨)

التقييم

يبين المحقق الأصفهاني، مستفيداً من قاعدة الواحد، وجهاً لإثبات الحصر على النحو التالي: إن جملة «إن جاءك زيد فأكرمه» ظاهرة في أن علة وجوب الإكرام هي «مجيء زيد»، وبما أن هذا المعلول مترتب على هذه العلة الخاصة، يتضح أن «مجيء زيد» بهذا العنوان الخاص الذي له، هو العلة. لكن لو افترضنا أن «الشرط» ليس علة منحصرة للجزاء، وأن هناك علة بديلة أخرى، فهناك احتمالان ممكنان:

١. أن يصدر الجزاء من كلتا العلتين. هذا القول لا ينسجم مع قاعدة الواحد.

٢. أن لا يصدر الجزاء من الشرط المذكور بعنوانه الخاص، و«مجيء زيد» ليس له خصوصية بعنوانه الخاص؛ بل ما هو علة هو العنوان الجامع بين تينك العلتين (مجيء زيد والعلة البديلة). هذا الاحتمال أيضاً لا ينسجم مع ظاهر الجملة الشرطية؛ لأنه كما مر، الجملة الشرطية المذكورة ظاهرة في أن «مجيء زيد» بعينه هو العلة.

والحاصل أنه بالاستفادة من قاعدة الواحد وظهور الجملة الشرطية يمكن إثبات حصرية الشرط. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٤١٦)

يبدو أن هذا التطبيق أيضاً غير صحيح؛ لأن «وحدة الشرط» وكذلك «وحدة الجزاء» هي وحدة عنوانية تنتزع من مصاديق متعددة لـ«مجيء زيد» و«وجوب الإكرام»، وتنحل بعدد أفراد كل منهما وكذلك بعدد المكلفين، وليست وحدة شخصية.

٢-٨. تعدد الشرط ووحدة الجزاء في بحث مفهوم الشرط

إذا كان الشرط متعدداً والجزاء واحداً، مثل «إذا خفي الأذان فقصر وإذا خفيت الجدران فقصر» واعتبرنا أن للجملة الشرطية مفهوماً، فسيحدث تعارض بين مفهوم إحداهما ومنطوق الأخرى. إذ أن مفهوم الجملة الأولى هو أنه إذا لم يخف الأذان، فالقصر ليس واجباً، سواء خفيت الجدران أم لا، وهذا يتعارض مع منطوق الجملة الثانية. وفي حل هذا التعارض، طُرحت آراء:

١. نرفع اليد عن ظهور المفهوم في العمومية، ونخصصه بمنطوق الأخرى. نتيجة هذا التخصيص هي رفع اليد عن الظهور في الانحصار.

٢. في مثل هذه الموارد، لا مفهوم للجملة الشرطية. وبالتالي، كل من الشرطين هو شرط مستقل لوجوب القصر؛ لكن هل هناك عامل آخر في وجوب القصر غيرهما أم لا، فهما ساكتان عن ذلك.

٣. نرفع اليد عن ظهور الشرطيتين في الاستقلال، بأن الشرطين ليسا مستقلين، وكل منهما ليس علة تامة لوجوب القصر؛ بل كل منهما جزء من العلة. بناءً على هذا، ترجع الشرطيتان إلى شرطية واحدة شرطها مركب من جزأين.

٤. نرفع اليد عن ظهور الشرطيتين في الخصوصية. بناءً على هذا، ليس لأي منهما موضوعية؛ بل هما مصداقان لقدر جامع هو الشرط. ونتيجة لذلك، بانتفاء أحد الشرطين، لا ينتفي وجوب القصر. وجوب القصر ينتفي بانتفاء الجامع. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ١٠٨-١٠٩؛ النائيني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ٢٥٩)

يعتقد المحقق الخراساني أن من بين هذه الاحتمالات الأربعة، يتوافق فهم العرف مع الاحتمال الثاني؛ لكن البرهان العقلي يقبل الاحتمال الرابع. والسبب هو أنه من ناحية، للشرطين ظهور في العلية وكل منهما مؤثر في الجزاء بشكل مستقل، ومن ناحية أخرى، الجزاء في كلتا الجملتين واحد، وطبقاً لقاعدة الواحد، لا يصدر المعلول الواحد إلا من علة واحدة. بناءً على هذا، فإن خصوص خفاء الأذان أو خفاء الجدران ليسا علة وجوب القصر؛ بل الجهة المشتركة والقدر الجامع بينهما هما العلة. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ١١٠).

التقييم

يعتقد المحقق الأصفهاني أن الاستفادة من قاعدة الواحد في هذا الفرض غير صحيحة؛ لأنه كما مر، قاعدة الواحد خاصة بالواحد الحقيقي الشخصي ولا تجري في الواحد النوعي. هذا في حين أن الوحدة المفترضة في هذه الصورة نوعية. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٢، ص ٤٢٠)

٢-٩. قاعدة الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي

قاعدة الملازمة لها قسمان:

أ. أصل القاعدة (ما حكم به العقل حكم به الشرع)

ب. عكس القاعدة (ما حكم به الشرع حكم به العقل)

حول هذه القاعدة، يطرح سؤالان مهمان:

١. إذا حكم العقل بفعل، فهل يمكن للشارع أن يحكم بخلافه؟ في الحالة الثانية، هل يصدر حكماً مولوياً على طبقه؟ (أصل القاعدة)

٢. إذا حكم الشارع حكماً، فهل يحكم العقل أيضاً على طبقه؟ (عكس القاعدة)

يعتقد المحقق الأصفهاني أنه إذا حكم العقل بفعل، فإن الشارع لا يحكم بخلافه؛ لأن الحسن والقبح من جملة الأحكام العقلائية ومورد اتفاق العقلاء، وبما أن الشارع أيضاً جزء من العقلاء، بل هو رئيسهم، فعندما يحكم العقلاء بشيء، فإنه يحكم به أيضاً. لكن هل في هذه الصورة، يصدر الشارع حكماً مولوياً على طبق حكم العقلاء؟ إجابة هذا السؤال من وجهة نظر المحقق الأصفهاني سلبية؛ لأنه كما مر، الحكم التكليفي في نظره هو إنشاء بداعي جعل الداعي، وبما أن حكم العقلاء له داعوية، فإن إيجاد داعٍ جديد هو مصداق لصدور الواحد من الكثير وناقض لقاعدة الواحد. والسبب هو أنه في هذه الصورة، يلزم صدور فعل واحد من علتين (داعي عقلي وشرعي). (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٣، ص ٣٤٣-٣٤٥).

التقييم

في تقييم هذا التطبيق، هناك نقاط جديرة بالاهتمام:

١. هذا التطبيق غير صحيح؛ لأن الحكم المولوي للشارع يؤدي إلى تأكيد الوجوب، ونتيجة لذلك، يثبت ملاك جديد للوجوب وهو طاعة المولى. وبهذا الترتيب، فإن إضافة داعٍ شرعي إلى جانب الداعي العقلي ليس مصداقاً لصدور الكثير من الواحد، بل هو مصداق لصدور الكثير من الكثير. والسبب في أن الداعي الشرعي يستلزم تأكيد الوجوب العقلي وإيجاد ملاك جديد للوجوب هو أن معلول الداعي الشرعي غير معلول الداعي العقلي.

٢. يعتبر المحقق الأصفهاني قضايا الحسن والقبح من جملة المشهورات بالمعنى الأخص، التي لا واقع لها وراء تطابق العقلاء. وملاك مثل هذه القضايا هو المصالح الاجتماعية. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٣، ص ٣٤٤) هذا في حين أن أحكام الشارع مبنية على مصالح ومفاسد واقعية. ولهذا، فإن الداعي الشرعي الناشئ من مصالح ومفاسد واقعية يختلف عن الداعي العقلي، وفي البحث المفترض، هو أيضاً مصداق لصدور الكثير من الكثير. بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتبار قضايا الحسن والقبح مشهورة يستلزم إنكار الحسن والقبح الذاتي، وله عواقب فاسدة مثل «عدم صدق وكذب القضايا الأخلاقية»، و«فقدان معيار معقولية القضايا الأخلاقية»، و«التعددية الأخلاقية»، و«نسبية الأخلاق»، والتي تم تناولها في مقال آخر. (الإسماعيلي، ١٣٩٩، ص ٤١٧-٤١٩)

٣. في استدلال المحقق الأصفهاني، حدث خلط بين حيثية الشارعية وحيثية العاقلية للمولى؛ لأن كون الشارع رئيس العقلاء يثبت فقط أن الشارع بما هو عاقل يدرك حكم مورد اتفاق العقلاء؛ أما أن الشارع بما هو شارع يحكم به أيضاً، فغير قابل للإثبات؛ لأن حيثية الشارعية غير حيثية العاقلية، وما هو محل بحث في قاعدة الملازمة هو حيثية الشارعية لا حيثية العاقلية. والدليل على هذا الادعاء هو أنه لو كانت حيثية عاقلية الشارع يترتب عليها حكم شرعي وثواب وعقاب، للزم أن تعود جميع الأحكام الإرشادية إلى أحكام مولوية، وتُزال الحدود بينها.

والجدير بالذكر أن رأي المحقق الأصفهاني له إشكالات من جهات أخرى أيضاً، والتي تم بيانها في مقال آخر. (الإسماعيلي، ١٤٣٦هـ.ق، ص ١٠٧)

٢-١٠. وحدة العقاب في المعصية في مسألة التجري

يعتقد صاحب الفصول أن التجري على الواجب معصية، وإذا كان مصحوباً بترك الواجب، فله عقابان؛ لكن هذين العقابين يتداخلان ويتحولان إلى عقاب واحد. ويوضح هذه القاعدة بأنه إذا فوتنا مقدمة الواجب قبل حلول وقته، مثل إتلاف الماء قبل حلول وقت الصلاة، فإن مثل هذا التفويت هو «تجرٍّ على ترك الواجب»، وإذا لم نجد ماءً بعد حلول وقت الصلاة، بالإضافة إلى التجري المذكور، تتحقق المعصية الواقعية أيضاً. ونتيجة لذلك، يستحق الفاعل عقابين؛ لكن هذين العقابين يتداخلان. (الحائري الأصفهاني، ١٤٠٤هـ.ق، ص ٨٧)

لا يقبل المحقق الخراساني هذا الرأي لثلاثة أسباب:

السبب الأول هو أنه في المعصية الحقيقية يوجد سبب واحد فقط للعقاب وهو هتك حرمة المولى.

السبب الثاني هو أنه مع فرض تعدد العقاب، لا يوجد وجه لتداخلهما.

السبب الثالث هو أنه طبقاً لقاعدة الواحد، فإن وحدة العقاب، التي هي مقبولة لدى صاحب الفصول، كاشفة عن وحدة المعصية؛ لأن «وحدة المعلول» تدل دلالة إنيّة على وحدة علته. (الخراساني، ١٤٣٠هـ.ق، ج ٢، ص ٢٤٤)

التقييم

يعتقد المحقق الأصفهاني أنه يمكن تقرير كلام صاحب الفصول بطريقتين:

١. كلام صاحب الفصول ناظر إلى تداخل المسببات، بحيث أن كلاً من «التجري» و«المعصية الواقعية» سبب للعقاب، وهذان العقابان يتداخلان.

٢. هذا الرأي ناظر إلى تداخل الأسباب، بحيث أن كلاً من «شرب معلوم الخمرية» و«هتك حرمة المولى» سبب للعقاب، لكنهما يتداخلان ويشكلان مبغوضاً واحداً، ونتيجة لذلك، يكونان في حكم سبب واحد.

نقد المحقق الخراساني مبني على التقرير الأول؛ بينما يمكن استنباط التقرير الثاني من كلامه. (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ.ق، ج ٣، ص ٤٥-٤٦)

الخلاصة والنتيجة

يتضح من خلال هذا البحث أن مجموعة القواعد الفلسفية، بما في ذلك قاعدة «الواحد»، لها مجال تطبيق خاص، وتطبيقها خارج نطاقها غير موجه ويكشف عن خلط بين حدود العلوم. غالب تطبيقات قاعدة «الواحد» في علم الأصول طرحها المحقق الخراساني، مما يكشف عن ضعف تفلسفه، وكما يرى بعض المفكرين، فإنه بتلقيه الناقص لمثل هذه القواعد الفلسفية، طبقها في غير مواردها. (الإمام الخميني، ١٣٨٣، ص ٧٥)

والجدير بالذكر أن اعتبار تطبيق قاعدة «الواحد» في الموارد المذكورة غير موجه، لا يعني أبداً عدم توجيه تطبيق جميع القواعد الفلسفية في علم الأصول؛ لأنه كما مر في بداية البحث، قد تكون لبعض القواعد الفلسفية شروط خاصة منتفية في بعض التطبيقات الأصولية، وهذا الاعتبار لا يتنافى مع قبول تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول في الجملة. والدليل على هذا الادعاء هو بطلان تطبيق قاعدة الواحد في الوحدات الحقيقية غير الشخصية، التي مع كونها حقيقية، تفتقر إلى الشروط المذكورة في قاعدة الواحد وخارجة عن نطاق هذه القاعدة.

على أي حال، من خلال هذا البحث، تم التوصل إلى النتائج التالية:

١. طبقاً لمفاد براهين قاعدة الواحد، فإن نطاقها هو «الواحد الحقيقي الشخصي». بناءً على هذا، فهي لا تشمل الواحد غير الحقيقي والواحد الحقيقي غير الشخصي.

٢. لقد استُفيد من قاعدة الواحد في مسائل متعددة من علم الأصول، وأهمها في فكر المحقق الأصفهاني عشرة موارد، هي:

أ. إثبات وجود موضوع لكل علم

ب. الوضع في المركبات

ج. تصوير الجامع في مسألة الصحيح والأعم

د. استعمال اللفظ في أكثر من معنى

هـ. تحليل الوجوب التخييري

و. تحليل الوجوب الكفائي

ز. إثبات العلية الحصرية في مفهوم الشرط

ح. تعدد الشرط ووحدة الجزاء في بحث مفهوم الشرط

ط. قاعدة الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي

ي. وحدة العقاب في المعصية في مسألة التجري

كل هذه الموارد تشكلت بغفلة عن نطاق هذه القاعدة؛ لأن محور بعضها واحد غير حقيقي، ومحور البعض الآخر واحد حقيقي غير شخصي.

المصادر

١. الإسماعيلي، محمد علي (١٣٩٩). الحسن والقبح في فكر الشهيد الصدر، قم: بوستان كتاب.

٢. الإسماعيلي، محمد علي (١٣٩٤). «فلسفة تطبيق القواعد الفلسفية في علم الأصول»، مجلة دراسات أصول الفقه الإمامية، السنة الثانية، العدد ٤، ص ٨٥-١١٢.

٣. الإسماعيلي، محمد علي (١٤٣٦ق). «قاعدة الملازمة عند المحقق الأصفهاني، عرض ونقاش»، مجلة تا اجتهاد، العدد ١٤، ص ٨٩-١١٦.

٤. الأصفهاني، محمد حسين (١٣٨٠). تحفة الحكيم، مع «التعليقات على تحفة الحكيم»، الطبعة الأولى، طهران: مركز نشر علوم إسلامي.

٥. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٦ق). بحوث في الأصول، الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات جامعة مدرسين حوزه علميه قم.

٦. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ق). نهاية الدراية، الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة آل البيت (ع).

٧. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٣١ق). حاشية كتاب المكاسب، الطبعة الأولى، قم: أنوار الهدى.

٨. الإمام الخميني، روح الله (١٤١٠ق). الرسائل، رسالة في الاستصحاب، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان.

٩. الإمام الخميني، روح الله (١٣٨٣). الطلب والإرادة، الطبعة الثانية، قم: مؤسسه تنظيم ونشر آثار امام خميني.

١٠. البروجردي، حسين (١٤١٥ق). نهاية الأصول، الطبعة الأولى، طهران: نشر تفكر.

١١. الحائري الأصفهاني، محمد حسين (١٤٠٤ق). الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الطبعة الأولى، قم: دار احياء العلوم الاسلاميه.

١٢. الحائري، عبدالكريم (١٤١٨ق). درر الفوائد، الطبعة السادسة، قم: موسسه النشر الاسلامي.

١٣. الخراساني، محمد كاظم (١٤٣٠ق). كفاية الأصول، الطبعة السادسة، قم: انتشارات جامعة مدرسين حوزه علميه قم.

١٤. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٣٠ق). محاضرات في أصول الفقه، تقرير محمد اسحاق فياض، الطبعة الرابعة، قم: مؤسسه إحياء آثار الإمام الخوئي.

١٥. الرازي، فخر الدين (بلا تا). المحصول في علم أصول الفقه، رياض: مؤسسه الرسالة.

١٦. السيستاني، سيد علي (١٤١٤ق). الرافد في علم الأصول، الطبعة الأولى، تقرير منير قطيفي، قم: نشر ليتوگرافي حميد.

١٧. الشهرزوري، شمس الدين (١٣٧٢). شرح حكمة الاشراق، الطبعة الأولى، طهران: موسسه مطالعات وتحقيقات فرهنگي.

١٨. الشهيد الصدر، سيد محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول، تقرير سيد محمود شاهرودي، الطبعة الثالثة، قم: موسسه دائره المعارف فقه اسلامي.

١٩. الشهيد الصدر، سيد محمد باقر (١٤٢١ق). المعالم الجديدة للأصول، الطبعة الأولى، قم: مركز الابحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.

٢٠. الشهيد الصدر، سيد محمد باقر (١٤٢٦ق). دروس في علم الاصول، الحلقة الثالثة، الطبعة الثالثة، قم: مركز الابحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.

٢١. الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٣٨٥). نهاية الحكمة، بتصحيح وتعليقات غلام رضا فياضي، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسه آموزشي امام خميني.

٢٢. الطباطبائي، سيد محمد حسين (بلا تا). حاشية الكفاية، قم: بنياد علمي وفكري علامه طباطبائي.

٢٣. الطوسي، محمد بن حسن (١٤١٧ق). العدة في أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: نشر محمد تقي علاقبنديان.

٢٤. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧ق). نهاية الأفكار، الطبعة الثالثة، قم: دفتر انتشارات اسلامي.

٢٥. علم الهدى، علي بن حسين (١٣٧٦). الذريعة إلى أصول الشريعة، الطبعة الأولى، طهران: موسسه انتشارات دانشگاه تهران.

٢٦. المطهري، مرتضى (١٣٧٥). أصول الفلسفة وروش رئاليسم، الطبعة التاسعة، قم: صدرا.

٢٧. المفيد، محمد بن محمد (١٤١٣ق). مختصر التذكرة بأصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: كنگره شيخ مفيد.

٢٨. النائيني، محمد حسين (١٤٣٠ق). أجود التقريرات، الطبعة الثانية، تقرير سيد أبو القاسم خوئي، قم: مؤسسه صاحب الامر (عج).

Scroll to Top