تحليل نقدي لمواجهة يحيى محمد مع مسألة الإمامة في «مشكلة الحديث»

الملخص

إن أصل الإمامة هو السبب الجذري للعديد من الاتهامات الموجهة إلى الشيعة، ولفهم أحاديثهم على نحو خاطئ؛ حتى إن مؤلف كتاب «مشكلة الحديث» قد ركّز قسماً كبيراً من إشكالاته على متون الأحاديث الشيعية على هذا الأصل. يرى يحيى محمد أن الإمامة أمر اكتسابي يفتقر إلى مفهوم العصمة، ويفسرها على غرار المرجعية المعاصرة، بأنها كمال في العلم والدين والتقوى. ومن أدلته للتشكيك في هذا الأصل عدم وجود نص صريح في القرآن الكريم حول الإمامة. كما أنه يعتبر موقف شخصيات مثل ابن الجنيد وابن الغضائري تجاه علم الإمام وعصمته موقفاً إنكارياً، ويرى أن ولاية النبي الأكرم (ص) والأئمة (ع) على المؤمنين تماثل ولاية سائر المؤمنين بعضهم على بعض. وهو يعتبر «الإمامة» مفهوماً منفصلاً عن الحكومة والسياسة، ويصفها بأنها ولاية دينية وليست سياسية. في حين أن هناك شواهد راسخة وأدلة متقنة تثبت رسوخ ومتانة أصل الإمامة وتضعف آراء يحيى محمد، وهو ما سنتناوله بالتحليل في هذا البحث.

مقدمة

يحيى محمد، ناقد عربي معاصر، وُلد في العراق عام 1959م، وأمضى سنوات في بيروت وقم ومشهد، وقدم خلال هذه الفترة مؤلفات حول مناهج الفكر الإسلامي؛ بحيث يمكن تركيز نشاطه الرئيسي على منهجية فهم الدين. يسعى في مشروعه الفكري، مستعيناً بعلم الطريقة، إلى بلوغ فهم خاص لخطاب الشريعة. لقد صمّم يحيى محمد إطاراً نظرياً لنظام معرفي جديد يهدف إلى تسهيل الفهم، أطلق عليه اسم «النظام الواقعي»؛ والذي يشكّل فيه مكوّن «العقل المطلوب» الأساسي إلى جانب البديهيات العقلية والمنطقية. (راجع: يحيى محمد، 1390: 15). وتُعد كتب «مشكلة الحديث»، و«نقد العقل العربي في الميزان»، و«منطق فهم النص» من أبرز مؤلفات يحيى محمد.

في كتاب «مشكلة الحديث»، سعى المؤلف، ضمن إنكاره لحجية الحديث في استنباط الأحكام الشرعية، إلى دراسة المشكلات الموجودة في أحاديث الشيعة وأهل السنة بمنهج تحليلي نقدي. وهو بصدد إثبات خروج الحديث عن دائرة التعاليم الدينية، ويحاول أن يبيّن أن التراث الروائي الحالي يختلف عن روايات زمن الصدور وأنه قد طرأ عليه التحول؛ إذ يرى أن تعامل العلماء المتأخرين مع الروايات يتناقض مع تعامل كبار الصحابة معها. وفي مبحث الإمامة، وبدون دقة وتأمل في الواقع التاريخي للتيارات الشيعية المختلفة وعوامل نشوء الآراء الكلامية المتنوعة، وبناءً على أدلة ناقصة ومغلوطة وقابلة للنقد، ينسب عدم الاعتقاد بعلم وعصمة الأئمة (ع) ونظرية «علماء الأبرار»1 إلى غالبية الشيعة في القرون الأولى، ويسعى جاهداً لإثبات تطابقها مع العقيدة الشيعية الصحيحة وإثبات استحالة مفهوم الإمامة في التشيع وتحوله في صفات وخصائص الإمام؛ حتى إنه وصف نصوص ولاية الأئمة الاثني عشر (ع)، خاصة الروايات التي تشير إلى علم وعصمة الأئمة (ع)، بأنها مجعولة وموضوعة بكل سهولة. (راجع: يحيى محمد، 2007م: 300 وما بعدها).

يحيى محمد ومسألة الإمامة

يميّز يحيى محمد في «مشكلة الحديث» الإمامة الدينية عن الولاية السياسية، ويعتقد بعدم وجود نص أصيل في الإسلام يبيّن كيفية النظام السياسي ونصب الحاكم، ولهذا السبب ينكر وجود نص أو وصية من النبي الأكرم (ص) بشأن الخلافة. ويعتبر رواية «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» فاقدة للدلالة على مفهوم الخلافة بناءً على سياقها والنقود الموجهة إليها. ويرى أن بيعة الإمام علي (ع) للشيخين، ومشاركته في شورى الخلافة، وعدم وجود دلالة صريحة في القرآن على الإمامة، هي علامات على عدم كون هذا المنصب إلهياً وتعيينياً، ويعتبر هذه الشواهد كافية لإثبات أن الإمامة ليست سياسية. (راجع: المرجع نفسه، 300-307).

يعدّ يحيى محمد الإمامة مقاماً اكتسابياً يفتقر إلى عنصر العصمة، ويفسرها على غرار المرجعية المعاصرة بكمال العلم والتقوى. ويعرّف «الإمام» بأنه الشخص الذي يُقتدى به، ويفسر الاقتداء بـ«التأسي والاتباع»، مستشهداً بآيات من القرآن الكريم مثل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء: 73)؛ و﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158)؛ و﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (مريم: 43). ويرى أن شأن الإمام هو «الهداية» و«الإصلاح»، وأن فضيلة أتباع الأئمة تكمن، وفقاً لآية ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، في الاقتداء بهم واتباعهم؛ إذ يعطي الأولوية للإمام والولي على أتباعهم من حيث امتلاكهم لشأن الهداية والإصلاح.

يشير يحيى محمد إلى رواية «من كنت مولاه فعلي مولاه» فلا يحصر الإمامة في أشخاص معينين، ويستند في هذا الفهم إلى آيات مثل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71). ويعتبر يحيى محمد هذا النوع من الولاية، وفقًا لآية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (الأحزاب: 6)، ذا درجات متعددة: ولاية النبي الأكرم (ص)، وولاية الإمام علي (ع)، وولاية المؤمنين، وولاية أولي الأرحام. كما يعتبر آيات ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ و ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 63، 74) أقوى نص لإثبات كون الإمامة أصلاً اكتسابياً، ويرى أن المعنى المتداول لها محرّف. (راجع: المرجع نفسه، 300).

1. تحليل ونقد

إن توحيد معنى ولاية الإمام مع ولاية المؤمنين بعضهم على بعض، وحذف المعنى السياسي من الإمامة، والاعتقاد بعدم وجود نص صريح بشأنها، والتشكيك في علم وعصمة الأئمة (ع)، هي من أهم نقاط الاختلاف بين آراء يحيى محمد والرؤية الشيعية السائدة في مسألة الإمامة. وبعد عرض موجز لمسألة الإمامة عند الشيعة، سننتقل إلى تحليل ونقد هذه الآراء.

1-1. مراتب الإمامة

كلمة «إمام» تعني القائد الذي يُقتدى به. (راجع: الراغب، 1412هـ، 87/1). وهذا الاقتداء يكون في أمور الخير2 وأمور الشر3 على حد سواء. من منظور الشيعة، الإمامة أمر إلهي سماوي، وهي امتداد للنبوة بل وأسمى منها. (راجع: البقرة: 124؛ الكليني، 1362، 199/1). وكما أن للنبوة مراتب وشؤونًا، فإن للإمامة كذلك مراتب، و«هداية» و«زعامة أمور المسلمين الدينية» إحدى هذه المراتب. ولو كانت الإمامة منحصرة في هذا المعنى، لما كان هناك نزاع بين الشيعة وأهل السنة حولها. (ابن بابويه، 1403هـ، 69). ولكن خلافاً لرأي يحيى محمد الذي يرى الإمامة أحادية البعد ويحصرها في شأن الهداية ويساويها بالمرجعية المعاصرة، فإن الإمامة ليست كذلك، فهي ليست مجرد مرجعية أو خبرة دينية بحتة؛ ففي الإسلام، الإمامة ممزوجة بالحكومة، وهي من شؤون الأئمة المعصومين (ع). (المجلسي، د.ت، 23/25؛ ابن هشام، 1383هـ، 424/2). كما أن علم الإمام ينبع من مصدر علم النبي الأكرم (ص) ويتجاوز بكثير المعارف الشخصية. فكل إمام يرث علوم الإسلام عن النبي (ص) بواسطة الإمام الذي سبقه. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام «محدَّث»، أي أن الله يُلهمه الحقائق في قلبه. ولهذا، فإن الإمام أعلم من معاصريه، وأفعاله وأقواله مطابقة تماماً لفعل النبي (ص) وقوله. (راجع: الكليني، 1362، 264/1، 270 و 273؛ الشعراني، 1321هـ، 342/2). حتى لو اقتصرنا على شأن الهداية فقط، فإن ذلك يستلزم درجة عالية من العلم والعصمة في الإمام. فالذي يتولى هداية الناس يجب أن يكون هو نفسه معصوماً من كل خطأ وزلل. وإلا، فإن الانقياد لإمامته لا يصح عقلاً. وعليه، فالعصمة لازمة للإمامة. (راجع: ابن بابويه، 1405هـ، 221، 244/1). والمرتبة الثالثة للإمامة هي «الولاية»؛ بمعنى أن الأرض لا تخلو أبداً من حجة إلهية.4

2-1. أولوية نفس الإمام على الآخرين

المسألة الأخرى التي تناولها يحيى محمد هي أولوية نفس الإمام على الآخرين بناءً على آية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6)؛ فهو في تفسيره لهذه الآية، يعتبر ولاية النبي الأكرم (ص) والأئمة (ع) على المؤمنين، قياساً على آية ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: 71)، مماثلة لولاية سائر المؤمنين بعضهم على بعض؛ بينما هذا التفسير، بالنظر إلى إطلاق الآية وشمولها لجميع أمور الدين والدنيا، لا ينسجم مع سياقها. فمعنى «أولوية النبي الأكرم (ص) بالمؤمنين من أنفسهم» هو امتلاكه سلطة تتجاوز سلطة المؤمنين على أنفسهم، ومعنى الأولوية هو تقديم حفظ مصالح النبي (ص) على حفظ مصالحهم. (راجع: الطباطبائي، 1417هـ، 276/16). من جهة أخرى، فإن النبي الأكرم (ص) في حديث الغدير، وبناءً على عبارة «ألست أولى بكم من أنفسكم»، قد أثبت للإمام علي (ع) نفس نوع ولايته على المؤمنين وأخذ عليهم العهد بذلك. وعليه، فإن ولاية الإمام علي (ع) على المؤمنين، وامتداداً لها ولاية الأئمة (ع)، هي من نفس نوع ولاية النبي الأكرم (ص) عليهم، وفي جميع أمور دينهم ودنياهم.

أما آية ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)، فهي منفصلة موضوعياً عن آية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنها تأتي بعد آيات نزلت في شأن المنافقين، وفي سياق بيان حال عموم المؤمنين الذين يتناصرون في مختلف الأمور؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يقيمون الصلاة، يؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله؛ بمعنى أن ولاية المؤمنين بعضهم على بعض هي الترابط والوحدة في جبهة واحدة، بحيث يكونون، رغم كثرتهم وتفرقهم، متحدين ومنسجمين، ويُعدّون أولياء بعضهم لبعض. (الطباطبائي، 1417هـ، 338/9). بعبارة أخرى، إن ولاية المؤمنين بعضهم على بعض، الذين يسعون جميعاً لتحقيق هدف واحد وفي سبيل الله، هي أن ينشأ بينهم يوماً بعد يوم اتحاد وتآلف يوجب انفصالهم وابتعادهم عن المخالفين والمنافقين، وبالتالي فإن ولاية المؤمنين بعضهم على بعض هي شرط لاستقرار المجتمع الإيماني وضرورية للحفاظ على حياة تيار صغير وسط تيار أكبر. (راجع: الحسيني الخامنئي، 1383، المحاضرة الأولى).

3-1. الإمامة والسياسة

في ادعاء آخر، يرى يحيى محمد أن فهم فريقي الشيعة والسنة لمعنى الإمامة يخالف نص القرآن الكريم، ويعتبر تعريفاتهم غير متناسبة مع ما ورد في القرآن. من وجهة نظر يحيى محمد، لا تشير مشتقات كلمة «إمامة» في القرآن الكريم صراحةً إلى معناها السياسي. ويعدد معاني الإمام في القرآن بالترتيب التالي: الكتاب، الطريق، الهداية إلى الجنة، والإضلال نحو النار؛ حتى إنه يعتبر بعض استخدامات كلمة إمام، مثل الآية 124 من سورة البقرة، والآية 74 من سورة الفرقان، والآية 5 من سورة القصص، فاقدة للدلالة الصريحة على أمور الدين أو السياسة. (يحيى محمد، 2007م، 301-302).

يعتبر يحيى محمد أن فهم معنى السياسة والحكومة من «الإمامة» مخالف للقرائن والشواهد، ويفسر إعطاء الولاية للإمام علي (ع) يوم الغدير من قبل النبي الأكرم (ص) على أنها ولاية دينية وليست سياسية أو حكومية. ويستشهد على هذا الادعاء بسيرة الأنبياء المتقدمين مثل موسى ويوسف وداود (ع) الذين كانوا يسعون فقط لتبليغ الدين والرسالة. (المرجع نفسه، 304). ثم يناقش عدم وجود نص صريح في القرآن الكريم على خلافة الإمام علي (ع) وأمارات أخرى تدل على عدم ضرورة التعيين والنص في الخلافة، ويستنتج أنه لو كانت الإمامة منصباً بمستوى النبوة، لكان يجب أن تدعمها أدلة وبيّنات مماثلة، وعلى أي حال، فقد سلب عن الإمامة معناها السياسي وكذلك معناها اللاهوتي بأدلة خاصة. (المرجع نفسه، 306-307).

في حين أن كلمة «إمام» تعني الشخص أو الشيء الذي يُقتدى به (الراغب، 1412هـ، 87/1)، وفي الاستخدام القرآني، الإمامة هي عهد إلهي، والإمام هو من يتوقف عليه بقاء الشريعة. (راجع: القرشي، 1371، 59/5). على سبيل المثال، في الآية 124 من سورة البقرة، فإن إعطاء مقام الاقتداء الأعلى والإمامة لسيدنا إبراهيم بعد سنوات من النبوة، يدل على أهمية وعظمة هذا المقام الذي لا يناله الظالمون. ومن هنا، فإن ادعاء الإمامة لأشخاص لم يُنصّبوا بتعيين إلهي هو أمر يتناقض مع هذه الآية القرآنية.

إن ما أغفله يحيى محمد وأمثاله من المفكرين حول الإمامة هو المفهوم الصحيح للإمامة ورسالة الأنبياء، ومن جهة أخرى مساواتهم بين مسألة الإمامة والحكومة. في حين أن الحكومة هي أحد فروع الإمامة التي تحمل في طياتها مفهوماً أسمى من النبوة؛ إذ إن كثيراً من أنبياء الله لم يكونوا أئمة، وبسبب تمتع النبي الأكرم (ص) بمقام الإمامة، لم يكن لأي فرد آخر في المجتمع حق الحكم. (راجع: المطهري، 1389، 126).

النبي الأكرم (ص)، في مقام الرسالة، مكلف بنقل التعاليم الإلهية إلى البشر، وليس لديه واجب آخر غير التبليغ. ولكن بوصوله إلى مقام الولاية والإمامة، يتجاوز مجرد نقل التعاليم الإلهية ليصبح له حق التصرف ووجوب الطاعة والحكم. معنى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6) هو أيضاً أن إرادة النبي الأكرم (ص) مقدمة على إرادة الناس، وطاعته واجبة؛ كما في آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)، فإن المقصود بطاعة النبي الأكرم (ص) وأولي الأمر لا يقتصر على مجال الأحكام الشرعية من حلال وحرام وحق وتكليف؛ لأن هذه الأمور وما شابهها تقع ضمن دائرة «أطيعوا الله». بل إن طاعة النبي الأكرم (ص) وأولي الأمر تتحقق في مسائل مثل تربية وتنشئة مجتمع صالح وبيئة سليمة في ظل الأحكام الإلهية؛ لأن الحكومة الصالحة مكملة لإيمان الإنسان. (الصدر، 1388، 57-48). إن وجوب طاعة النبي الأكرم (ص) ومساواتها بطاعة أوامر الله، بناءً على دلالة مجموعة من الآيات التي أولت اهتماماً لولاية وأولوية النبي الأكرم (ص)5، يثبت السيادة السياسية للنبي الأكرم (ص) ودوره في الشؤون الجارية للمجتمع المسلم. كما تثبت السيادة السياسية للأئمة (ع) بناءً على هذه الآيات نفسها؛ إذ إن الله في الآية 59 من سورة النساء والآية 55 من سورة المائدة قد دعا الناس إلى طاعة أولي الأمر إلى جانب طاعة الله والنبي الأكرم (ص)، وفي الآية 124 من سورة البقرة، التي اعتبرها يحيى محمد فاقدة للدلالة الصريحة على دور الإمام في أمور الدين والدنيا، تم بيان تفوق وتميّز مقام الإمامة على النبوة ونفيه عن الظالمين بوضوح؛ حتى ليبدو أن المحور الأساسي للبحث في هذه الآية هو السيادة السياسية للإمام المعصوم؛ وبهذا الترتيب، تشير هذه الآية إلى أدنى مراتب الإمامة في اللغة والعرف، وهي القيادة الدينية والاجتماعية. من جهة أخرى، لا يمكن فصل مقام الرسالة عن الإمامة؛ بمعنى أنه قد يكون الإمام غير رسول، ولكن مقام الإمامة، بحسب نص هذه الآية، أسمى من الرسالة، ومن الواضح أنه في هذه الحالة يجب أن تتوفر في الإمام جميع الشروط اللازمة في الرسول، كالعلم والعصمة، وبالتالي، فبوجود المعصوم في المجتمع، لا يحق لغيره أن يحكم. (راجع: رستميان، 1381، 50). إن طاعة النبي الأكرم (ص) في كثير من آيات القرآن الكريم تُطرح قطعاً برؤية سياسية-اجتماعية وبهدف ترسيخ الدين في المجتمع من خلال القيادة القائمة على التعاليم والأحكام الإلهية في القرآن. وإلا، فإن مجرد تبليغ وإيصال أوامر الله إلى الناس لا يحتاج إلى كل هذا التأكيد على طاعة النبي الأكرم (ص)؛ فكمال المجتمع في ظل الأوامر والأحكام الإلهية يتطلب طاعة قرار وتدبير قائد المجتمع. إن الأمر بطاعة «أولي الأمر» يأتي في سياق طاعة الله والنبي الأكرم (ص) وهو دليل على هذه السيادة لأولي الأمر. بالإضافة إلى ذلك، فإن مهمة إيصال الأحكام والتعاليم الإلهية وتبليغها للناس قد قام بها النبي الأكرم (ص)، وأولو الأمر مكلفون بتنفيذ تلك الأحكام وترسيخ تلك التعاليم في المجتمع. وبما أن آية «أولي الأمر» قد عرّفت النبي الأكرم (ص) وأولي الأمر بأنهم مرجع المؤمنين عند النزاع والخلاف، فهي تتحدث عن مجتمع يكون فيه النبي (ص) والإمام (ع) مسؤولين عن فض النزاعات وفقاً للقوانين الإلهية. (راجع: المرجع نفسه، 32-34). وبناءً على ذلك، يمكن استنتاج أنه لا يُسلب مفهوم السيادة الإلهية والسياسية من الإمامة فحسب، بل إن أهميته وضرورته تتضح أكثر مع التدبر في القرآن الكريم.

4-1. عدم وجود نص صريح بشأن الإمامة

بشأن ادعاء يحيى محمد القائم على عدم وجود نص على الإمامة لدى الشيعة، يكفي الإشارة إلى الكتب المفصلة التي أُلفت في إثبات وجود نصوص الإمامة من عصر الأئمة (ع) حتى الآن.6 ومن بينها يمكن ذكر مؤلفات عيسى بن روضة (ت 138هـ)، وابن رئاب (ت 148هـ)، ومؤمن الطاق (ت 160هـ)، وهشام بن الحكم (ت 189هـ). كما أن الروايات المتنوعة التي تثبت أصل الإمامة هي دليل بحد ذاتها على كثرة الأدلة النقلية في هذا المجال. لقد أعلن النبي الأكرم (ص) صراحة في بداية رسالته بين عشيرته وأقوامه أن الإمام علي (ع) هو خليفته ووصيه، وقال: «من يؤازرني على هذا الأمر يكن أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي» (الشيخ المفيد، 1413هـ، 8/1)، وبعد إعلان الإمام علي (ع) استعداده، قال: «فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي» (المرجع نفسه).

وفيما يتعلق بعدم وجود نص صريح في القرآن حول الإمامة وخلافة النبي الأكرم (ص)، يجب الانتباه إلى التمييز بين الحكومة والإمامة. فأسلوب القرآن الكريم هو بيان أصول المسائل، وليس تعريف المصاديق والأشخاص؛ فهناك نصوص كثيرة حول أصل الإمامة. (للاطلاع على نصوص الإمامة والرد على الشبهات حولها، راجع: الفخعلي، 82-137). ومع تبيين أصل الإمامة، لا تبقى ضرورة للتوصية بالحكومة، لأنه في حال تطبيق أوامر الله بشأن الإمامة، وبوجود النبي الأكرم (ص)، تكون الحكومة في يده، وفي زمن حكم الإمام على المجتمع، سيكون الأمر كذلك أيضاً. (راجع: المطهري، 1389، 108-113). كما قال الإمام الصادق (ع) في رواية رداً على هذا السؤال: «إن رسول الله (ص) نزلت عليه الصلاة ولم يسمِّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمِّ لهم من كل أربعين درهماً درهم حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم طوفوا أسبوعاً حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر ذلك» (الكليني، 1362، 286/1)؛ نزلت الصلاة على النبي (ص) ولكن الله لم يحدد عدد ركعاتها ثلاثاً أو أربعاً، حتى فسّر ذلك النبي (ص). ونزلت عليه الزكاة ولكن الله لم يحدد زكاة درهم واحد من كل أربعين درهماً، حتى فسّر ذلك النبي (ص). ونزل الحج ولم يقل الله للناس أن يطوفوا سبع مرات، حتى فسّر ذلك النبي (ص) لهم. ويواصل الإمام الصادق (ع) في الرواية نفسها ذكر نزول آيات مثل ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾7 في القرآن، التي فسرها النبي (ص) بأنها نزلت في الإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع)؛ كما فسر النبي (ص) «أهل البيت» في آية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ بأنهم الإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) والسيدة فاطمة (س). (انظر: المرجع نفسه). وتشير الشواهد التاريخية والروائية أيضاً إلى الجهود الحثيثة التي بذلها النبي (ص) لتنوير أفكار المجتمع وتعريفهم بأهل البيت (ع) بعد نزول آية التطهير.8

ومع كل هذا، تشير الشواهد التاريخية قبل وبعد وفاة النبي الأكرم (ص) إلى تمرد فئة من المسلمين على أمر النبي (ص) بشأن إمامة الإمام علي (ع). ولهذا السبب، فإن أحد الأسباب التي جعلت القرآن الكريم لا يصرح بإمامة الأئمة (ع) هو منع الرفض الصريح للقرآن ومنع حدوث عصيان وتمرد ضد الإسلام والتشكيك في نص القرآن. وبناءً على ذلك، وردت الآيات المتعلقة بالإمامة في القرآن بطريقة تثير تفكير وتأمل كل إنسان تجاه نفسه؛ فآية التطهير (الأحزاب: 33) جاءت وسط آيات مثيرة للتساؤل، وفي آية الولاية (المائدة: 55) يشير إيتاء الزكاة أثناء الركوع إلى حدث معين، لو أشار الله إليه صراحة، لكان هناك احتمال للمخالفة مع النص الصريح للقرآن. (راجع: العاملي، 1402هـ، 235). كما أن سنة الابتلاء والامتحان هي من العوامل الأخرى التي يمكن اعتبارها سبباً لعدم ذكر أسماء الأئمة (ع) في القرآن. وبناءً على ذلك، فإن الله تعالى في القرآن الكريم، بعد أن جعل طاعة رسوله مطلقة بمثابة طاعته (النساء: 80)، قد أكد على انفصال أهل الطاعة عن أهل المعصية ومقامهم السامي. (الكليني، 1362، 267/1).

يحيى محمد وعلم وعصمة الأئمة (ع)

لقد رفض يحيى محمد علم الأئمة (ع) دون اعتبار لمعناه القرآني والروائي الصحيح، واعتبر تاريخ الشيعة محصوراً في القرون الثالثة والرابعة وليس في الفترة الأولى. كما ربط مسألة «العصمة» بالعلم الشمولي، ومن خلال استعراض تاريخي ناقص لتشكل مفهوم الإمامة وأسس نظرية العصمة وعلم الإمام عند الشيعة، شرع في تبيين وجهة نظره. وقد أشار إلى موقف المتقدمين من الشيعة في هذا الصدد، معتبراً أن اعتقاد الكثيرين منهم الذين كانوا يؤمنون بعصمة الأئمة (ع) ويحملونها على العلم اللدني للأئمة، مخالف للشواهد الروائية وغير متناسب مع منطق القرآن في ذكر سيرة الأنبياء، ومنهم النبي الأكرم (ص). وفي المقابل، أشار إلى فئة أخرى من الشيعة الذين كانوا يعتقدون أن الأئمة (ع)، دون أن يتمتعوا بمقام العصمة، قد تولوا هداية المؤمنين، وأن هؤلاء كانوا من الغلاة والوضاعين الذين رفعوا مفهوم الإمامة إلى مرتبة الربوبية من خلال ربطه بـ«الولاية التكوينية». بعبارة أخرى، يرى يحيى محمد أن المفهوم الحالي للإمامة هو مفهوم ممزوج بالغلو لم يكن له هذا المعنى منذ البداية. ودون تأمل في الأسس الكلامية للإمامة، وبسرد مغلوط للتاريخ، يلقي بأن أصل الإمامة في التشيع، ومن ثم علم وعصمة الإمام، هو نتاج حوادث تاريخية. ويشير إلى آراء القميين، وابن الغضائري، والشهيد الثاني، وابن جنيد حول مفهوم الإمامة، معتبراً أن الأئمة (ع) يفتقرون إلى العلم اللدني أو علم الغيب، وأن اكتسابهم للمعارف الدينية والأحكام الشرعية يتم بطريقة اكتسابية من الإمام السابق أو بناءً على الرأي والاجتهاد والاستنباط. (يحيى محمد، 2007م، 287).

1. مفهوم العصمة وعلم الإمام في الفكر الشيعي

بما أن تطبيق الأحكام والحدود الإلهية، ونشر العدل، وصيانة أصول وفروع الإسلام هي من شؤون الإمام، فيجب أن يتمتع بعلم كامل بالمعارف والأحكام الإسلامية وكذلك بالعصمة. في الفهم الشيعي، العصمة هي حالة معنوية وباطنية تنشأ في الإنسان بفضل لطف إلهي، وتمنعه، مع قدرته على ارتكاب الذنب، من فعله وحتى التفكير فيه؛ كما أن العصمة في الفكر الشيعي الإمامي مخصصة للنبي الأكرم (ص) والسيدة الزهراء (س) والأئمة الاثني عشر. (راجع: ابن بابويه، 1414هـ، 96). من الشواهد القرآنية على عصمة أهل البيت (ع) يمكن الإشارة إلى آية التطهير، وآية الابتلاء، وآية الطاعة؛ كما يُعد حديث الثقلين من الروايات الدالة على عصمة الإمام؛ إذ إن الإمام علي (ع) يرى أن الشخص الجدير بالإمامة هو من كان معصوماً من صغائر وكبائر الذنوب، ولا يزلّ في الفتوى، ولا يخطئ في الإجابة عن الأسئلة، ولا يسهو أو ينسى. (راجع: المجلسي، د.ت، 164/25). وقد عرّف الإمام السجاد (ع) شرط العصمة بأنه النص عليها، ومعناها أنها لا تنفصل عن القرآن. (راجع: ابن بابويه، 1403هـ، 132). من هنا يمكن القول إن العصمة في البعد الفردي تعني الطهارة المطلقة من الذنب، وفي مقام التبليغ، تعني امتلاك رأي وفتوى صحيحة دون زلل. وأما منشأ العصمة، فهو في المقام الأول لطف وفضل إلهي، ثم علم الإمام (ع) الذي هو نفسه نابع من القرآن الكريم، وميراث علم النبي الأكرم (ص)، والإلهام، والتحديث.9 (للمزيد من المطالعة في هذا الشأن، راجع: الفخعلي، الفصل الثاني: خصائص الإمام).

وفقاً للعقيدة الشيعية، كان الأئمة (ع) في كل زمان أعلم من علماء عصرهم؛ لأنهم كانوا مكلفين بهداية الناس وإصلاح شؤونهم؛ ولهذا، يجب أن يكون علمهم ومعرفتهم بأمور الدين كاملاً، وألا يحتاجوا إلى سؤال الآخرين؛ كما أشير إلى مرجعيتهم العلمية في روايات كثيرة. (للاطلاع على أمثلة، راجع: الكليني، 1362، 192/1 و 212؛ السيد الرضي، 1372، الخطب 109، 144، 239). منشأ علم الأئمة (ع) ليس اكتسابياً، بل هو من نفس منشأ علم النبي الأكرم (ص)، وإن لم يكن مطلقاً، وخلافاً للنبي (ص)، فإن نزول ملك الوحي عليهم لا يصح، بل كانوا يعلمون الأمور عن طريق التحديث. من جهة أخرى، فإن علم الغيب الذاتي المطلق خاص بالله. ولهذا، يعتقد الشيعة أنه لا ينبغي اعتبار علم الأئمة (ع) مطلقاً، بل هو علم مستفاد من النبي (ص)، والإمام السابق، ونتيجة لتعليم إلهي. كما أن علم الغيب ليس من الشروط اللازمة للإمامة، بل هو من باب اللطف والكرامة الإلهية لهم. (المفيد، 1414هـ، 67).

إن علم الأئمة (ع) بالأمور الغيبية هو بمعنى علم الغيب غير الذاتي، وليس علم الغيب الذاتي المطلق الذي يختص به الله تعالى. وهذا يعني أن هناك فئة من الأمور، كحقيقة صفات الله، ويوم القيامة، وحقيقة الأبدية، التي تخرج معرفة كنهها عن قدرة البشر. ولهذا، فإن الإمام علي (ع)، في رده على شخص وصف علمه بأنه علم غيب، قال: «هذا ليس علم غيب، بل هو علم مكتسب».10 إن ما أهّل الأئمة (ع) لتلقي هذه الرحمة الربانية هو بلوغهم مقام العبودية السامي لله، الذي لا يقتصر نتيجته على المعرفة والعلم المباشر، بل يشمل تلقي رحمات متنوعة، إحداها العلم الغزير. (المرجع نفسه، 57). هذا التعريف للعلم والعصمة لا يُعد غلواً في حق الأئمة (ع) (انظر: المظفر، 1402هـ، 66). لقد كان الأئمة (ع) أنفسهم يطردون الغلاة ويتبرؤون منهم؛ أولئك الغلاة الذين، بالإضافة إلى نسبة الألوهية إلى الأئمة (ع)، وإشراكهم مع الله في الخلق والرزق، ونسبة علم الغيب إليهم دون أصل إلهي أو وحياني، كانوا يعتقدون بكفاية معرفة الأئمة (ع) عن أداء العبادات والتكاليف والحرية في ارتكاب المعاصي. من وجهة نظر الشيعة، الاعتقاد بهذه الأمور كفر وإلحاد وخروج عن الدين؛ إذ تشهد على ذلك الأدلة العقلية والآيات القرآنية والأخبار. (المجلسي، د.ت، 256/3). لكن بعض الأفراد، بسبب معرفتهم الناقصة وعجزهم عن إدراك مقام ومرتبة الأئمة (ع) العالية، قد أفرطوا في تفسير معنى الغلو وطردوا العديد من الرواة الذين نقلوا معجزات وكرامات الأئمة (ع). (المرجع نفسه، 257).

2. ابن الغضائري، ابن جنيد والشهيد الثاني؛ عصمة وعلم الإمام (ع)

لقد نسب يحيى محمد نفي علم وعصمة الأئمة (ع) إلى ابن الغضائري وابن جنيد والشهيد الثاني أيضاً؛ في حين أنه على الرغم من أن ابن الغضائري قد ضعّف العديد من الرواة بتهمة الغلو؛ فإن أياً من تضعيفاته لا يحمل أي إشارة إلى نوع معتقدات الراوي الغالي بشأن الأئمة (ع) بما يعني نفي علمهم وعصمتهم. (راجع: حميدية، 1385، 15). بل إنه وثّق أشخاصاً مثل «ابن أورمة القمي» الذي كان راوياً لفضائل الأئمة (ع)، ولم يتهم العديد من الرواة الموجودين في الكتب التي كانت في متناوله والذين كانوا رواة للفضائل. (صفري، 1375، 55). وبالتالي، فإن نقد ابن الغضائري للرواة الغلاة لا يُعتبر دليلاً على اعتقاده بعدم علم وعصمة الإمام، ولهذا، فمن غير الواضح لأي سبب حمل المؤلف المحترم مخالفة ابن الغضائري للغلاة الشيعة على أنها مخالفة منه لعلم وعصمة الأئمة (ع) واعتبار ذلك غلواً؟! من وجهة نظر المحقق الشوشتري، فإن آراء الذين يرفضون روايات المعجزات المنقولة عن الأئمة (ع) بحجة أن ابن الغضائري يعتبر رواتها غلاة، غير مقبولة؛ لأن الاعتقاد بمعجزات الأئمة (ع) يُعد من ضروريات المذهب، وقد وصلتنا فقط عن طريق الروايات، ولا يمكن إنكارها. بل إن مرادهم بالغلو هو ترك الفرائض الإلهية استناداً إلى ولاية الأئمة (ع) والاعتماد عليها. (الشوشتري، 1368، 50/1). من جهة أخرى، ووفقاً للشواهد، فإن الغلو الذي كان يقصده ابن الغضائري هو الغلو في الذات وليس الغلو في الصفات والفضائل؛ لأن المتهمين بالغلو من وجهة نظره قد اعتبرهم آخرون مثل الكشي والنجاشي والشيخ الطوسي غلاة أيضاً. (صفري، 1375، 44).

أشار يحيى محمد أيضاً إلى آراء ابن جنيد (ت 381هـ) والشهيد الثاني (ت 966هـ) في هذا الصدد، واعتبرهما، تماشياً مع رؤيته، قائلين بنفي عصمة الأئمة (ع). (يحيى محمد، 2007م، 287). ومستند يحيى محمد في نسبة هذه الرؤية إلى ابن جنيد هو كلام للشيخ المفيد في «المسائل السروية». وبحسب الشيخ المفيد، فإن ابن جنيد، بسبب وجود اختلاف في الأخبار الواردة عن الأئمة (ع)، قد قال باجتهادهم ورأيهم في آرائهم.11 إن ابن جنيد من الشخصيات التي تحيط بها آراء مختلفة ومتضاربة. (راجع: پاكتچي، د.ت، 3). ولهذا، لكشف عقائد ابن جنيد، يجب تتبع جميع آرائه ونظراته. ونظراً لعدم توفر جميع آثار ابن جنيد، فإن الاعتماد على بضع آراء فقهية منسوبة إليه لا يمكن أن يوضح معتقده حول مسألة علم وعصمة الإمام. بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً لنقل الشيخ المفيد في القسم نفسه، فإن ظن ابن جنيد بشأن اختلاف الأخبار كان ظناً خاطئاً، وقد جمع الشيخ المفيد بين هذه الأخبار. (المفيد، 1414هـ، 75-76). وعليه، فإن الظن الخاطئ لابن جنيد بشأن منشأ تعارض الأخبار، في حين أن رأيه يخالف عموم علماء الإمامية (المرجع نفسه)؛ لا ينبغي أن يكون معياراً لتقييم عقائد المتقدمين حول علم وعصمة الأئمة (ع).

من جهة أخرى، لم يثبت آية الله الخوئي نسبة كتاب «المسائل السروية» إلى الشيخ المفيد لعدم نقله من قبل النجاشي والشيخ الطوسي في ترجمة الشيخ المفيد. وقد نسب النجاشي كتاباً واحداً فقط باسم «النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي» إلى الشيخ المفيد، وهو عنوان غير واضح تماماً. لأنه لو كان الشيخ المفيد في هذا الكتاب قد نقض رأي ابن جنيد في «الاجتهاد بالرأي أو جواز العمل بالظن والظن»، لكان النجاشي والشيخ الطوسي قد ذكراه حتماً في ترجمة ابن جنيد. (الخوئي، 1413هـ، 337/15).

أما استدلال يحيى محمد في استناده إلى رؤية «علماء الأبرار» المنسوبة إلى الشهيد الثاني، فيقوم على قول السيد بحر العلوم في «الفوائد الرجالية» حيث ينقل السيد بحر العلوم عن كتاب «الإيمان والكفر» أو «حقائق الإيمان» من تأليف جده، السيد عبد الكريم الطباطبائي البروجردي، وينسب إليه عقائد. (راجع: بحر العلوم، 1363، 220/3). لكن هناك شكوكاً جدية في نسبة هذا الكتاب إلى الشهيد الثاني، ويبدو أن يحيى محمد، كغيره ممن نسبوا هذه الرسالة إلى الشهيد الثاني، قد وقع في هذا الخطأ، وبالتالي فإن استشهاده بقول الشهيد الثاني غير مقبول. وعلى فرض أن هذا القول قد نُقل عن الشهيد الثاني، فإن الشهيد الثاني نفسه كان من المعتقدين بعلم وعصمة الأئمة (ع)، وقد ذكر في الكتاب نفسه: «الأدلة العقلية والنقلية تصدق عصمتهم وطهارتهم من الذنوب؛ كما أنها تثبت كونهم منصوصاً عليهم من قبل الله ورسوله، وأنهم حفظة الشريعة، وعالمون بمصلحة المؤمنين في أمور معاشهم ومعادهم. علمهم ليس عن رأي واجتهاد، بل عن يقين مستمد من علم من لا ينطق عن الهوى، وقد وصل من جيل إلى جيل بأنفاس قدسية، أو هو جزء من العلم اللدني الذي وهبه الله الحكيم العليم لهم».12

لا يُستفاد من هذا الكلام إلا الاعتقاد بالعصمة والعلم الإلهي واللدني للإمام. أما ما استند إليه يحيى محمد، واعتبر معظم رواة الأئمة (ع) وأتباعهم من المعتقدين بنظرية «علماء الأبرار» دون الاعتقاد بعصمة الأئمة (ع)، فهو ناتج عن فهمه الخاطئ لعبارة «فإن كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار» (المرجع نفسه، 151) ودون النظر في سياق الكلام. ففي تتمة المطلب في كتاب «حقائق الإيمان»، يستمر البحث بهذا السؤال: هل مجرد الاعتقاد بإمامة الإمام المعصوم كافٍ أم أن طاعتهم واجبة في جميع الأمور؟ وفي رده على هذا السؤال، رجح المؤلف المجهول كفاية مجرد الاعتقاد بالإمامة لثبوت إمامة الأئمة (ع)، وخاصة عصمتهم التي ثبتت في محلها بالأدلة العقلية والنقلية، وبناءً على ما كان عليه حال معاصري الأئمة (ع) حيث كان معظم الناس يعتبرون الأئمة (ع) علماء أبرار بسبب خفاء أمر العصمة لداعي التقية وعدم تهيؤ الأذهان والظروف الاجتماعية لعرضه؛ فقد اعتبر مجرد الاعتقاد بإمامة الأئمة في تلك الظروف كافياً. وذلك لأن التقية وضرورة كتمان أسرار آل النبي (ص) والخوف من غلو بعض الأصحاب ذوي الضعف العلمي والعقائدي، حالا دون تمكن الأئمة (ع) من بيان فضائلهم بوضوح وصراحة للعامة. (حميدية، 1385، 18). لكن صاحب كتاب «حقائق الإيمان» قد وضع أصل نظرية العصمة ضمن معتقدات الإمامية ولم ينفها. (العاملي، 1363، 151).

إن أصل الاعتقاد بالعصمة يظهر في روايات كثيرة، ولا ينبغي اعتباره من معتقدات المتأخرين. فالشيخ الصدوق، الذي يعتبره يحيى محمد ممثلاً لمدرسة قم ومتهماً بنفي علم وعصمة الأئمة (ع)، قد نقل بنفسه روايات عديدة في ذكر عصمة الأئمة (ع). والنقطة الأخيرة هي أن إطلاق عبارة «علماء الأبرار» على الأئمة (ع) لا ينتقص بالضرورة من مقام علمهم وعصمتهم وإمامتهم. فوفقاً لروايات مثل «نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون» (راجع: المجلسي، د.ت، 187/1)، فإن العلم الحقيقي والكامل يختص بالأئمة (ع)، ويُعتبر مقامهم العلمي غير قابل للمقارنة مع الآخرين.

النتيجة

1. لا تقتصر طاعة النبي الأكرم (ص) وأولي الأمر على مجال الحلال والحرام والحق والتكليف؛ فهذه الأمور وما شابهها تندرج ضمن دائرة «أطيعوا الله». ومصداق طاعة النبي الأكرم (ص) وأولي الأمر هو مسائل مثل التربية وإنشاء مجتمع صالح في ظل الأحكام الإلهية؛ فالحكم الصالح مكمل لإيمان الإنسان. إن طاعة النبي الأكرم (ص) في كثير من آيات القرآن الكريم تُطرح قطعاً برؤية سياسية-اجتماعية وبهدف ترسيخ الدين في المجتمع. وإلا، فإن مجرد تبليغ وإيصال أوامر الله إلى الناس لم يكن ليتطلب كل هذا التأكيد على طاعة النبي الأكرم (ص) وأولي الأمر.

2. تتمثل أسباب عدم وجود نص صريح في القرآن حول الإمامة وخلافة النبي الأكرم (ص) في: أسلوب القرآن الكريم في بيان أصول المسائل وليس في تعريف المصاديق والأشخاص؛ ومنع الرفض الصريح للقرآن والحيلولة دون وقوع العصيان والتمرد ضد أصل الدين والتشكيك في نص القرآن، وسنة الابتلاء والامتحان.

3. إن منشأ العصمة هو في المقام الأول اللطف الإلهي ثم علم الإمام (ع) الذي هو نفسه نابع من القرآن الكريم، وميراث علم النبي الأكرم (ص)، والإلهام والتحديث؛ كما أن علم الأئمة (ع) بالأمور الغيبية هو بمعنى علم الغيب غير الذاتي وليس علم الغيب الذاتي والمطلق الذي يختص به الله تعالى.

4. إن ذكر فضائل وصفات الأئمة (ع) الإلهية من قبل مشايخ قم هو دليل على أنهم كانوا يرون شأن الأئمة (ع) أسمى من علماء الأبرار، وأثبتوا خلافتهم الإلهية في الروايات التي اهتموا بجمعها ونقلها؛ كما أن نسبة إنكار علم وعصمة الأئمة (ع) إلى ابن الغضائري غير صحيحة. فعلى الرغم من اتهامه العديد من الرواة بالغلو، لم يُلحظ في أي من تضعيفاته إشارة إلى نوع معتقدات الراوي الغالي بشأن الأئمة (ع) بما يعني نفي علمهم وعصمتهم. والشاهد على ذلك أنه وثّق أشخاصاً كانوا رواة لفضائل الأئمة (ع).

الهوامش

1. محسن كديور أيضاً، في مقالة «قراءة منسية؛ إعادة قراءة نظرية علماء الأبرار، التصور الأولي للإسلام الشيعي من أصل الإمامة»، اعتبر الفكر السائد في المجتمع الشيعي من منتصف القرن الثالث حتى منتصف القرن الخامس بأنه رؤية بشرية لمسألة الإمامة، ولم يعتبر صفات الأئمة (ع) مثل العلم اللدني والعصمة والنصب والنص الإلهي (وليس النص من الإمام السابق أو النبي) من الصفات اللازمة لهم. وبناءً على ذلك، كان الشيعة في ذلك الزمان، وإن كانوا ملزمين بطاعة تعاليم الأئمة (ع) بنص ووصية النبي الأكرم (ص)، إلا أنهم كانوا يعرفون الأئمة (ع) بأنهم علماء أتقياء دون أي صفة فوق بشرية. ووفقًا لهذه النظرية، فإن الأئمة يفتقرون إلى العلم اللدني أو علم الغيب، بل إنهم اكتسبوا المعارف الدينية بطريقة اكتسابية من الإمام السابق، وحصّلوا الأحكام الشرعية بالرأي والاجتهاد والاستنباط، وعلى الرغم من أنهم الأقل خطأ، إلا أنهم كغيرهم من البشر يخطئون. (راجع: كديور، مدرسة، العدد الثالث، 1385هـ.ش، طهران، 92 إلى 102).

2. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. (الأنبياء: 73).

3. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾. (القصص: 41).

4. «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها»؛ لو لم تكن حجة الحق، لابتلعت الأرض أهلها. (راجع: المجلسي، د.ت، 37/108 – 253).

5. راجع آيات مثل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. (النساء: 80)، و﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. (آل عمران: 32)، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. (النساء: 59)، و﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. (المائدة: 92)، و﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. (الأنفال: 1)، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. (الأنفال: 20)، و﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. (النور: 54).

6. هذه النصوص على أنواع: بعضها من آيات القرآن الكريم مثل آية الولاية (المائدة: 55)؛ وبعضها الآخر مثل حديث الغدير (الخطيب البغدادي 284/8، المزي 484/20، الخوارزمي، المناقب 156، السيوطي، الدر المنثور 259/2)، وحديث الثقلين (مسلم 122/7، الدارمي 432/2، أحمد بن حنبل 367/4)، وحديث المنزلة (البخاري 208/4، أحمد بن حنبل 173/1، و175 و177 و179 و32/3 عن أبي سعيد الخدري، مسلم 120/7، ابن ماجه 43/1 و45، والترمذي 304/5، أحمد بن حنبل 185/1) وهي روايات صادرة عن النبي الأكرم (ص) وتعبّر عن أصل رؤية الإمامة. وفئة أخرى تكون مع ذكر اسم وبيان.

7. أن الأئمة (ع) قد ورد ذكرهم عن النبي الأكرم (ص). (راجع: الكليني، 178/1؛ الطوسي، الغيبة، 156-127؛ المجلسي، 51/102). وفئة أخرى من هذه النصوص هي روايات صادرة عن الأئمة (ع) أنفسهم، تشير إلى تمتعهم بمقام الإمامة وأحقيتهم بالخلافة. (راجع: الصفار، 90 و126).

8. بناءً على الروايات، كان النبي الأكرم (ص) بعد نزول آية التطهير، ينادي مراراً عند باب بيت الإمام علي (ع) وفاطمة (س) وقت الصلاة، ويتلو آية التطهير، وبهذا التكرار سعى إلى رفع أي شك أو شبهة في معرفة مصاديق أهل البيت. (راجع: السيوطي، الدر المنثور، 313/4، 99/15؛ تفسير الطبري 10/22؛ أسد الغابة 174/5).

9. المحدَّث هو من يستطيع سماع صوت الملائكة وهمسهم دون أن يراهم. أما النبي الأكرم (ص) فكان قادراً على رؤية جبريل وسائر الملائكة وتلقي رسالة الوحي مباشرة. راجع: المجلسي، د.ت، 66/26.

10. «لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب»، فضحك (عليه السلام)، وقال للرجل (وكان كلبياً): «يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم». (راجع: السيد الرضي، 1372، 186).

11. قال الشيخ المفيد: «وأجبت عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها وكتبها إلى أهل مصر، ولقبها بـ(المسائل المصرية) وجعل الأخبار فيها أبواباً، وظن أنها مختلفة في معانيها، ونسب ذلك إلى قول الأئمة عليهم السلام فيها بالرأي، وأبطلت ما ظنه في ذلك وتخيله، وجمعت بين جميع معانيها، حتى لم يحصل فيها اختلاف، فمن ظفر بهذه الأجوبة وتأملها بإنصاف وفكر فيها فكراً شافياً، سهل عليه معرفة الحق في جميع ما يظن أنه مختلف، وتيقن ذلك مما يختص بالأخبار المروية عن أئمتنا عليهم السلام». (راجع: المفيد، 1414هـ، 75-76).

12. «أما التصديق بكونهم معصومين مطهرين عن الرجس كما دلت عليه الأدلة العقلية والنقلية والتصديق بكونهم منصوصاً عليهم من الله تعالى ورسوله وأنهم حافظون للشرع عالمون بما فيه صلاح أهل الشريعة من أمور معاشهم ومعادهم وأن علمهم ليس عن رأي واجتهاد بل عن يقين تلقوه عن من لا ينطق عن الهوى خلفاً عن سلف بأنفس قوية قدسية أو بعضه لدني من لدن حكيم خبير». (راجع: العاملي، 1363، 149-150).

Scroll to Top