الملخص
من الروايات المنقولة في مصادر الحديث الشيعية، روايةٌ تُعرف بـ«فطرس المَلَك»، وقد وردت قصتها في تلك المصادر. تُعدّ هذه القصة فضيلة عظيمة للإمام الحسين (ع). ونظراً لأن بعض المحققين والباحثين في مجال الحديث والتاريخ قد تناولوها بالنقد والتمحيص ولم يعتبروها صحيحة، فقد جعلت هذه المقالة من تقييم دلالة هذه الرواية محوراً لبحثها، مع التفاتة موجزة إلى أسانيدها. سُجّلت هذه الرواية في ستة عشر مصدراً حديثياً وتاريخياً كُتبت قبل القرن العاشر الهجري. وقد نقل بعض هذه المصادر الرواية مسندة، وبعضها الآخر مرسلة. يبدو أن الرواية معتبرة وموثوقة من الناحية السندية، ويمكن الاطمئنان إلى صدورها، لا سيما بناءً على نقل كتاب «السرائر». ومن النتائج المهمة للبحث أنه لم يُعثر على أي تعارض أو تنافٍ بين الرواية المنقولة في الكتاب المذكور وبين معايير تقييم صحة الأحاديث، المتمثلة في القرآن والسنة والعقل.
1. طرح المسألة
بناءً على المصادر الحديثية، كان فطرس من الملائكة الذين عوقبوا بسبب عصيان أمر إلهي أو التباطؤ في تنفيذه، وبعد مدة، وبمساعدة جبرائيل وشفاعة النبي الأكرم (ص) والتوسل بالإمام الحسين (ع)، نال المغفرة الإلهية وعاد إلى مقامه السابق (انظر: المسعودي، 1426هـ، ص 164؛ الكشي، 1409هـ، ص 582؛ ابن قولويه، 1356هـ ش، ص 66).
السؤال الرئيس في هذا البحث هو: ما درجة اعتبار وصحة الروايات المتعلقة بفطرس الملك من الناحية المضمونية؟
كما أن الأسئلة الفرعية لهذا البحث هي كما يلي:
1. ما هي النسبة بين متن روايات فطرس الملك والنصوص القرآنية؟
2. ما هي النسبة بين متن روايات فطرس الملك والسنة القطعية وقول المعصوم؟
3. ما هي النسبة بين متن روايات فطرس الملك والقضايا العقلية؟
حول خلفية هذا البحث، يجب القول إن هناك ثلاث خلفيات مهمة في هذا الموضوع؛ منها مقالة «اعتبار سنجی روایات فطرس» (تقييم روايات فطرس) لعباس مفيد. وبما أن كاتب تلك المقالة قد تناول أسانيد هذه الرواية بشكل مفصل، فقد تم في المقالة الحالية تجنب البحث المفصل في الأسانيد تجنباً للتكرار، ورُكّز فقط على الدراسة الدلالية للرواية. مقالة أخرى قريبة من موضوع مقالتنا الحالية هي مقالة «بررسی دلالی روایتهای فطرس ملک» (دراسة دلالية لروايات فطرس الملك) لمريم قاسم أحمد. تناولت هذه المقالة النقد المضموني لروايات فطرس الملك؛ ولكنها للأسف تعاني من نقاط ضعف كثيرة؛ منها عدم التتبع الكافي في المصادر، وعدم مراعاة التقدم والتأخر الزمني للمصادر، والافتقار إلى معلومات كافية حول مباني علم الدراية والرجال، والافتقار إلى معلومات كافية في مباحث الفقه والأصول، والافتقار إلى معلومات كافية في التاريخ والحديث، وعدم الالتفات إلى المسائل المنطقية ومنها كون الدليل أخص من المدعى في كثير من المواضع. والمقالة الأخرى هي «پژوهشی در روایات فطرس ملک» (بحث في روايات فطرس الملك) للسيد إحساني لنكرودي، التي على الرغم من احتوائها على نقاط إيجابية كثيرة، إلا أنها تحتوي على نقاط ضعف أيضاً؛ منها عدم التتبع الكافي في المصادر، وعدم التمييز بين المصادر الصحيحة، وعدم الالتفات إلى بعض النقود الدلالية المهمة، وعدم دراسة الروايات الضعيفة. مع ذلك، فإن المقالة الحالية قد تلافت جميع نقاط الضعف في المقالتين السابقتين، ومن خلال تتبع واسع في المصادر الحديثية والتاريخية واهتمام كبير بالمسائل الحديثية والأصولية والمنطقية والدلالية والعقلية، قامت بدراسة سند ومضمون روايات فطرس الملك. وبذلك، يبدو البحث مجدداً في هذه الرواية ضرورياً، لأن هذه الرواية تُعد من الفضائل العظيمة جداً للإمام الحسين (ع)، وكما قيل، فقد حظيت باهتمام بعض المحققين واعتبروها غير معتبرة. هذا الأمر يدفع الباحثين في مجال الحديث والتاريخ إلى دراسة الرواية بشكل أعمق وتقديم أي رأي مخالف لديهم. كما أن هذا النوع من الروايات يحمل مضامين مناسبة للأطفال والناشئة، فيجب التحقق من صحتها واعتبارها، حتى إذا تم تأكيدها، يمكن إدخالها في مجال قصص وروايات الأطفال والناشئة والاستفادة منها نظراً لجاذبيتها الخاصة.
في هذا البحث، يتم في الأقسام المختلفة دراسة دلالة هذه الرواية. في القسم الأول، يتم بشكل مفصل تناول حقيقة رواية فطرس الملك، وفي القسم الثاني، يتم دراسة دلالة ومحتوى جميع روايات فطرس الملك بناءً على ثلاثة معايير: القرآن، والسنة، والعقل.
2. حقيقة قصة فطرس المَلَك
قبل الشروع في دراسة دلالة ومحتوى رواية فطرس الملك، لا بد من عرض أصل قصة هذا الملك بشكل موسع مع مراعاة دقيقة للتقدم والتأخر الزمني للمصادر.
قبل البيان التفصيلي، يجب القول إجمالاً إن قصة فطرس الملك وردت في مصادر حديثية وتاريخية مختلفة، والتي يمكن تقسيمها من حيث التقدم الزمني إلى ثلاث فئات:
1. الفئة الأولى: مصادر القرون الخمسة الأولى، وتشمل: بصائر الدرجات، إثبات الوصية، رجال الكشي، كامل الزيارات، أمالي الصدوق، عيون المعجزات، دلائل الإمامة، وروضة الواعظين.
2. الفئة الثانية: مصادر ما بعد القرن الخامس حتى القرن الثامن، وتشمل: بشارة المصطفى، الثاقب في المناقب، الخرائج والجرائح، السرائر، مناقب آل أبي طالب، والدر النظيم.
3. الفئة الثالثة: مصادر القرن الثامن حتى القرن العاشر، وتشمل: مناقب الطاهرين، والصراط المستقيم.
أما من حيث التقدم الزمني، فإن أول من نقل هذه الرواية في كتابه هو محمد بن الحسن الفروخ الصفار في بصائر الدرجات، وقد نقل هذا الخبر مسنداً عن الإمام الصادق (ع) كالتالي:
«لما عرض الله ولاية أمير المؤمنين علي (ع) على الملائكة، قبلوها جميعاً إلا ملكاً يدعى فطرس، فكسر الله جناحه. وعندما وُلد الحسين بن علي (ع)، أرسل الله جبرائيل مع سبعين ألف ملك لتهنئة النبي الأكرم (ص) بولادة الحسين. مر جبرائيل بفطرس، فقال له فطرس: إلى أين تذهب؟ أجاب: أرسلني الله إلى محمد لأهنئه بالمولود الذي وُلد له هذه الليلة. قال فطرس: احملني معك واطلب من جنابه أن يدعو لي. قال جبرائيل: اركب جناحي. فركب جناحه ووصل إلى حضرة محمد وهنأه، ثم عرض عليه: يا رسول الله، بيني وبين فطرس أخوة، وقد طلب مني أن أطلب منك أن تدعو له ليعود له جناحه. فقال النبي الأكرم (ص) لفطرس: أتقبل؟ قال: نعم. فعرض عليه النبي الأكرم ولاية أمير المؤمنين فقبلها. فقال: الآن التجئ إلى المهد وامسح نفسك بمهد الحسين وتبرك به. ذهب فطرس إلى مهد حضرة الحسين (ع)، ودعا له النبي أيضاً. قال النبي: كنت أرى أن جناحه ينمو ويجري منه دم، فكبر حتى التصق بالجناح الآخر وعرج مع جبرائيل إلى السماء وعاد إلى مكانه» (الصفار، 1404هـ، 1: 68).
بعد الصفار، يمكن رؤية قصة فطرس الملك في كتاب «إثبات الوصية» المنسوب للمسعودي بشكل مرسل أيضاً. وقد نقل المسعودي هذه الرواية باختلافات كثيرة وواضحة عن رواية الصفار كالتالي:
«عندما وُلد الحسين، نزل جبرائيل بألف ملك ليهنئوا رسول الله ويباركوه. في إحدى جزر البحر، مر جبرائيل بملك يُدعى فطرس. كان الله القادر قد أرسل فطرس لأداء أمر من الأمور، فتباطأ فطرس في أدائه، فكسر الله القهار جناحه وحرمه من مقامه وأنزله في تلك الجزيرة. كان قد مضى عليه خمسمائة عام هناك. كان فطرس صديقاً لجبرائيل من قبل، لذا قال لجبرائيل: إلى أين تذهب؟ قال جبرائيل: في هذه الليلة وُلد لمحمد مولود، وقد أرسلني الله بألف ملك لأهنئه وأباركه. قال فطرس لجبرائيل: خذني معك إلى النبي، لعل ذلك الحضرة يدعو لي. فأخذه جبرائيل معه. أبلغ جبرائيل رسالة الله وتهنئته لرسول الله. نظر النبي إلى فطرس وقال: يا جبرائيل، من هذا؟ قص جبرائيل قصة فطرس على حضرته. فالتفت الله إلى فطرس وأمره أن يمسح جناحه ببدن الإمام الحسين عليه السلام. وبمجرد أن مسح فطرس جناحه ببدن الإمام الحسين، أعاده الله الرؤوف إلى حالته الأولى. وعندما تحرك فطرس، قال له رسول الله (ص): لقد قبل الله شفاعتي فيك، فكن موكلاً بأرض كربلاء دائماً، وأخبرني بكل من يأتي لزيارة قبر الحسين حتى يوم القيامة. قال الراوي: ذاك هو الملك الذي يُدعى عتيق الحسين عليه السلام» (المسعودي، 1426هـ، ص 164).
بعد المسعودي، نقل الكشي في «اختيار معرفة الرجال» رواية عن محمد بن سنان، نقل فيها قصة فطرس. لا يختلف نقله كثيراً عن النقول الأخرى (الكشي، 1409هـ، ص 582). هذه الرواية للكشي منقولة أيضاً في «إثبات الوصية» المنسوب للمسعودي عن محمد بن سنان (المسعودي، 1426هـ، ص 210). ولكن بعد الكشي، نقل ابن قولويه قصة فطرس الملك في «كامل الزيارات» مسندة عن الإمام الصادق (ع) (1377هـ، ص 203). رواية ابن قولويه تشبه إلى حد كبير رواية «إثبات الوصية»، مع فارق أن المسعودي قدر مدة عبادة فطرس بخمسمائة عام، بينما قدرها ابن قولويه بستمائة عام. كما ورد في رواية المسعودي أن «النبي نظر إلى فطرس وقال: يا جبرائيل، من هذا؟ فقص جبرائيل قصة فطرس على حضرته». بينما كتب ابن قولويه: «أخذ جبرائيل فطرس معه، وعندما وصل إلى مكان رسول الله (ص)، أخرج فطرس، ودخل هو وتشرف بمحضر ذلك الجناب، وهنأه من قبل الله ومن قبله، ثم أخبره بحال فطرس. فقال رسول الله (ص): يا جبرائيل، أدخله. فأدخله جبرائيل، وشرح هو حاله لذلك الجناب» (ابن قولويه، 1356هـ ش، ص 66).
كما ورد في رواية المسعودي: «وعندما تحرك فطرس، قال له رسول الله (ص): لقد قبل الله شفاعتي فيك، فكن موكلاً بأرض كربلاء دائماً، وأخبرني بكل من يأتي لزيارة قبر الحسين حتى يوم القيامة». بينما جاء في نقل ابن قولويه: «مسح فطرس جناحه المكسور بالحسين (ع) فشُفي وطار في الهواء وقال: يا رسول الله، إن أمتك ستقتل هذا المولود حتماً، ومقابل الحق الذي لهذا المولود عليّ، ألتزم بأن أبلغ حضرته زيارة كل زائر يزوره، وسلام كل مسلم يسلم عليه، وتهنئة كل من يهنئه» (ابن قولويه، 1356هـ ش، ص 66).
توجد هذه الاختلافات في روايتي المسعودي وابن قولويه. ولكن بعد ابن قولويه، نقل الشيخ الصدوق هذه الرواية في «الأمالي» مسندة عن الإمام الصادق (ع) (ابن بابويه، 1376هـ ش، ص 138). وقد نقل الرواية بشكل مشابه جداً لرواية المسعودي، باستثناء هذا الجزء الذي كتبه ابن قولويه: «ثم أخبره بحال فطرس. فقال رسول الله (ص): يا جبرائيل، أدخله. فأدخله جبرائيل، وشرح هو حاله لذلك الجناب». وقد كتب الصدوق هذا الجزء هكذا: «فأخبر جبرائيل النبي بحال فطرس» (نفس المصدر).
بعد الشيخ الصدوق، نقل ابن عبد الوهاب هذه الرواية في «عيون المعجزات» مرسلة (بلا تاريخ، ص 68). وقد نقل الرواية دون أي اختلاف كما نقلها المسعودي. كما نقل الطبري الآملي في «دلائل الإمامة» رواية الإمام الصادق مرسلة (الطبري الآملي، 1413هـ، ص 189). ولكن الملاحظ أنّه نقل نفس قصة فطرس الملك مسندة عن الإمام الباقر (ع) أيضاً؛ وهي مطابقة تماماً لرواية حسين بن عبد الوهاب، ومثله جعل نهاية الرواية مختلفة عن النقول الأخرى (نفس المصدر).
بعد الطبري الآملي، نقل الفتال النيسابوري هذه الرواية في «روضة الواعظين» مرسلة عن الإمام الصادق (ع) (1375هـ ش، 1: 155)، ونقله مطابق تماماً لنقل ابن قولويه.
المصادر المذكورة كُتبت في القرون الخمسة الأولى؛ ولكن بعد القرن الخامس، نقلها محدثون وفقهاء آخرون أيضاً. نقل الطبري الآملي هذه الرواية في «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» مسندة عن الإمام الرضا (ع) (1383هـ، 2: 219). وقد نقلها بنسبة كبيرة بشكل مختلف. بعده، نقل ابن حمزة الطوسي الرواية في «الثاقب في المناقب» مرسلة عن الإمام الصادق (ع) (1419هـ، ص 338). وقد نقل الرواية مطابقاً لابن قولويه. بعده، نقل قطب الدين الراوندي هذه الرواية في «الخرائج والجرائح» مرسلة ومن حيث المتن مثل الشيخ الصدوق (1409هـ، 1: 253). كما نقل ابن إدريس الحلي في «السرائر» هذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) كالتالي:
«إِنَّ فُطْرُسَ مَلَكٌ كَانَ يُطِيفُ بِالْعَرْشِ فَتَلَكَّأَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَقَصَّ جَنَاحَهُ وَرَمَى بِهِ عَلَى جَزِيرَةٍ فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص تَهْنِئَةً بِوِلَادَةِ الْحُسَيْنِ فَمَرَّ بِهِ فَعَاذَ بِجَبْرَئِيلَ فَقَالَ قَدْ بُعِثْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ أُهَنِّئُهُ بِمَوْلُودٍ وُلِدَ لَهُ فَإِنْ شِئْتَ حَمَلْتُكَ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ شِئْتُ فَحَمَلَهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَبَصْبَصَ بِإِصْبَعِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ امْسَحْ جَنَاحَكَ بِحُسَيْنٍ فَمَسَحَ جَنَاحَهُ بِحُسَيْنٍ فَعُرِجَ» (الحلي، 1410هـ، 3: 580).
كما يتضح من نص ابن إدريس الحلي، فإنه نقل الرواية بشكل مشابه للروايات السابقة، مع فارق أنه، على عكس المحدثين الآخرين الذين نقلوا ذنب ومعصية فطرس بعبارة «أبطأ»، فقد نقلها هو بعبارة «تَلَكَّأ»، كما أن العبارة الأخيرة في الحديث لا توجد في المصادر الأخرى.
بعد ابن إدريس الحلي، نقل ابن شهرآشوب هذه الرواية بثلاثة أسانيد مرسلة (1379هـ، 4: 70). وقد نقل الرواية الأولى عن ابن عباس والإمام الصادق (ع) وهي تشبه الروايات السابقة. ولكنه نقل عن كتاب «المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة» لأبي محمد الحسن بن الطاهر القائني الهاشمي إضافات للرواية تختلف كثيراً عن النقول الأخرى سيشار إليها في دراسة المحتوى (نفس المصدر).
كما نقل يوسف بن حاتم الشامي في «الدر النظيم في مناقب الأئمة الهداة» قصة فطرس الملك مثل المسعودي وحسين بن عبد الوهاب عن الإمام الباقر (ع) (الشامي، 1420هـ، ص 528).
المصادر المذكورة كُتبت في القرنين السادس والسابع؛ ولكن بعد القرن السابع أيضاً، نقلها محدثون ومؤرخون آخرون، منهم حسن بن علي بن محمد الطبري (حي في 701هـ) في «مناقب الطاهرين» مرسلة، والعاملي النباطي في «الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم» نقلاً عن الراوندي (الطبري، 1379هـ ش، ص 590؛ العاملي النباطي، 1384هـ، 2: 179).
ولكن في بعض كتب الأدعية، توجد روايات تشير إلى أصل القصة، وإن لم تذكرها بالتفصيل؛ منها أن الشيخ الطوسي في «مصباح المتهجد وسلاح المتعبد» نقل دعاءً علمه الإمام العسكري (ع) لوكيله القاسم بن العلاء الهمداني في رسالة ليقرأه في اليوم الثالث من شعبان. قال الإمام في ذيل الدعاء: «ادعُ بهذا الدعاء: اللهم، اغفر لنا في هذا اليوم أفضل مغفرة، واقضِ لنا كل حاجة كما وهبت الحسين لمحمد ولاذ فطرس بمهده، ونحن عائذون بقبره بعد شهادته، حاضرون لتربته، ننتظر عودته، فتقبل يا رب العالمين» (الطوسي، 1411هـ، 2: 826). وقد نقل الشيخ الطوسي هذا الدعاء عن الإمام المهدي (ع) أيضاً (نفس المصدر). كما نقل ابن المشهدي في «المزار الكبير»، وسيد بن طاووس في «إقبال الأعمال»، وحسن بن سليمان الحلي في «مختصر البصائر» هذا الدعاء عن الإمام العسكري (ع) (انظر: ابن المشهدي، 1419هـ، ص 398؛ ابن طاووس، 1409هـ، 2: 689؛ الحلي، 1421هـ، ص 134).
بهذا الترتيب، اتضح أن قصة فطرس الملك قد وردت في ثمانية كتب حديثية ورجالية في القرون الخمسة الأولى، وكذلك في ستة كتب حديثية بعد القرن الخامس وقبل القرن الثامن، واتضح أنها وردت في مصدرين بعد القرن الثامن وقبل القرن العاشر. كما تبين أن أصل قصة فطرس الملك قد أشير إليه في بعض كتب الأدعية وتم تأكيده.
جدول رقم 1: نقل قصة فطرس الملك في المصادر الحديثية والتاريخية
الفئة الأولى (القرون الخمسة الأولى): بصائر الدرجات، إثبات الوصية، رجال الكشي، كامل الزيارات، أمالي الصدوق، عيون المعجزات، دلائل الإمامة، روضة الواعظين.
الفئة الثانية (بعد القرن الخامس حتى القرن الثامن): بشارة المصطفى، الثاقب في المناقب، الخرائج والجرائح، السرائر، مناقب آل أبي طالب، الدر النظيم.
الفئة الثالثة (القرن الثامن حتى القرن العاشر): مناقب الطاهرين، الصراط المستقيم.
3. دراسة دلالة الروايات المتعلقة بفطرس المَلَك
1-3. مدى تعارض روايات فطرس المَلَك مع النصوص القرآنية
في القرآن الكريم، نزلت آيات كثيرة حول الملائكة. وبما أنه وفقاً لأمر أهل البيت (ع)، فإن إحدى طرق تمييز الروايات الصحيحة من الموضوعة والمكذوبة هي عرض الروايات على القرآن، ففي هذا القسم يتم عرض روايات فطرس الملك على القرآن، وضمن الإجابة على إشكالات بعض المحققين، سيشار إلى مدى تعارض روايات فطرس. [1]
في القرآن الكريم، تدل آيات كثيرة على عصمة الملائكة وعدم عصيانهم. على سبيل المثال، يقول الله تعالى في القرآن: «لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» (التحريم: 6). أو قال: «لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (الأنبياء: 27). إذن، يجب أن نعلم أن الذنب والمعصية ومخالفة الطاعة الإلهية لا سبيل لها إلى الملائكة أبداً. ولكن، هل تتوافق رواية فطرس الملك مع هذه الآيات؟ من هنا، فإن أول وأهم إشكال يرد على روايات فطرس هو أن آيات القرآن الكريم كلها تدل على أن الملائكة معصومون من الخطأ والذنب، فكيف تتوافق رواية فطرس الملك، التي تدل على ذنب ملك، مع هذا النوع من الآيات؟
في الإجابة على هذا الإشكال، يجب القول إن دليل هذا الإشكال من الناحية المنطقية أخص من المدعى؛ لأن جميع روايات فطرس الملك لا تدل على ذنب ومعصية من قبل فطرس؛ بل فقط رواية الصفار في «بصائر الدرجات» هي التي تدل على أن ذلك الملك قد عصى أمر الله. يجب التدقيق في عبارة «بصائر الدرجات»: «إِنَّ اللَّهَ عَرَضَ وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَبِلَهَا الْمَلَائِكَةُ وَأَبَاهَا مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ فُطْرُسُ». كما هو واضح في هذه العبارة من «بصائر الدرجات»، نُسب الذنب والعصيان إلى ملك، ولكن هذه النسبة، بناءً على آيات القرآن التي تبعد المعصية والذنب عن الملائكة، تتعارض وتتنافى تماماً. ولكن كما مر، لم ترد هذه الرواية فقط في «بصائر الدرجات»، بل وردت في مصادر حديثية أخرى، ولم تُنسب فيها مخالفة لفطرس الملك، بل في كثير من النقول مثل «إثبات الوصية» و«كامل الزيارات» و«أمالي الصدوق» و«عيون المعجزات» و«دلائل الإمامة»، استُخدمت كلمة «أبطأ» للفعل الذي صدر من هذا الملك، وفي نقل واحد لـ«السرائر» استُخدمت كلمة «تلكّؤ»، وكلا الكلمتين تعنيان «التباطؤ».
من الواضح أن هاتين الكلمتين لا تعنيان المخالفة والذنب والمعصية. إذن، لو كانت لدينا فقط رواية «بصائر الدرجات» لقصة فطرس، لكان إشكال التعارض مع عصمة الملائكة صحيحاً، ولكن النقول الأخرى لم تعتبر فعله معصية أصلاً، بل اعتبرت أن الملائكة لا يخالفون أمر الله ولا يتأخرون عنه، بل يفعلون ما يؤمرون به.
وقد أورد البعض إشكالاً آخر مفاده أنه على الرغم من عدم نسبة العصيان والمخالفة إلى فطرس الملك في بعض الروايات، إلا أن مجرد التباطؤ غير ممكن للملائكة بناءً على آيات القرآن. هذا الإشكال غير صحيح أيضاً؛ لأنه أولاً لا توجد آية في القرآن الكريم تدل على أن الملائكة لا يتباطؤون في أوامر الله، بل على العكس، آيات القرآن تدل على أن الملائكة يتسابقون في تنفيذ أوامر الله. على سبيل المثال، نقرأ في سورة النازعات: «أقسم بالملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار بشدة، وبالملائكة الذين يقبضون أرواح المؤمنين برفق، وبالملائكة الذين يسبحون في البحر الواسع، ثم يتسابقون في أمر الله، ويدبرون أمور العباد» (النازعات: 1-4). هذه الآيات تدل بوضوح على أن الملائكة يتسابقون في الأعمال، وفي قصة فطرس الملك، أُشير بالضبط إلى هذه النقطة؛ [2] أن فطرس الملك تباطأ في أمر من أوامر الله، وهذا يعني أنه لم يستطع أن يسبق الملائكة الآخرين. كما أنه على فرض أن هذا التباطؤ من فطرس الملك كان معصية منه، فإن هذه المعصية بالتأكيد من نوع المعصية التي نُسبت إلى بعض أنبياء الله في الآيات والروايات؛ ومنها ما ورد في القرآن: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ» (البقرة: 35-36). كما يقول: «وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ» (طه: 121). كلا الآيتين تدلان بوضوح على معصية وذنب آدم الذي كان نبياً، وبالتالي فإن أي جواب يُقدم هنا، يُقدم بالأولوية لذنب ومعصية الملائكة. بعبارة أخرى، كما أن الذنوب التي نُسبت ظاهراً في آيات القرآن إلى الأنبياء، تُؤوّل بحكم العقل والنقل، فإن الذنب الذي يُنسب للملائكة يجب تأويله أيضاً. [3]
السبب هو أنه وفقاً لعلماء الإسلام، فإن مقام الأنبياء أعلى بكثير من مقام الملائكة؛ فكيف يمكن أن يكون العصيان ممكناً للأنبياء، ولكن لا يكون ممكناً للملائكة الذين هم أدنى مرتبة منهم؟ بعبارة أخرى، كما أن المفسرين قد أوّلوا الآيات التي تدل على عصيان الأنبياء وقالوا إن المقصود بـ«عصيان الأنبياء» هو ترك الأولى، يمكن قول الشيء نفسه عن عصيان الملائكة؛ خاصة وأن مقام الملائكة أدنى من مقام الأنبياء. من ناحية أخرى، اعترضت الملائكة على الله تعالى في خلق آدم (البقرة: 36). إذا قيل إن الملائكة معصومون عصمة مطلقة، فكيف يمكن تبرير هذه الآية؟ إذن، يجب القول إن هذه الآية أو الآيات والروايات التي تدل على عصيان الملائكة هي من نوع الذنوب الموقعية وترك الأولى. [4] بالطبع، كتب البعض: «إذا اعتقدنا بترك الأولى بالنسبة للملائكة، أي قبلنا الخلل والنقص في الأوامر الإلهية، فإن القول بأن معصية ملك مثل فطرس كانت بسبب انشغاله بطاعة أخرى وترك الإسراع في تنفيذ الأمر الإلهي، غير مقبول» (قاسم أحمد، 1383هـ ش، 116).
هذا الإشكال ناتج أيضاً عن افتراض أن جميع الملائكة هم رسل الله ووسائط الفيض، وإذا لم يكونوا كذلك أو تباطأوا في أداء أعمالهم، فإن الوجود سيفنى؛ بينما يقول الله في القرآن الكريم: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» (الحج: 75). كما يتضح من حرف «من» الذي يدل على التبعيض، أن بعض الملائكة هم رسل ومبعوثون إلهيون، وليس جميع الملائكة رسل الله أو وسائط فيض ووجود؛ إذن ليس الأمر أن جميع الملائكة الذين هم تحت أمر الله هم وسائط، بل بعضهم يسبحون ويقدسونه (الشورى: 6)، وبعضهم ملائكة عذاب (التحريم: 6)، وبعضهم رسل (الحج: 75). إن حمل جميع روايات فطرس الملك دون أي قرينة على أن ذلك الملك كان رسولاً إلهياً أو واسطة فيض ولم يكن بإمكانه التباطؤ في الأمر الإلهي ليس نظرة دقيقة؛ لأنه يمكن أيضاً افتراض أن فطرس كان من الملائكة الذين ليسوا رسلاً ولا وسائط فيض ولا ملائكة عذاب، بل كان لديه مأمورية أخرى. إذن، بما أن كلا الاحتمالين وارد، فلا يمكن رفض جميع روايات فطرس الملك بشكل مطلق، بل يتم رفض تلك الرواية الواحدة التي تدل على العصيان والتمرد على أمر الله، وتبقى النقول الأخرى بقوتها. وأيضاً، بما أن ترك الأولى ممكن في الأنبياء الذين هم رسل ووسائط فيض وأوامر إلهية، فلا يوجد دليل على عدم قبول ترك الأولى من الملائكة، بل يمكن إثبات ترك الأولى في الملائكة بطريق الأولوية؛ لأن جميع العلماء متفقون على أن مقام الملائكة أدنى من مقام الأنبياء والأولياء الإلهيين، وبما أن ترك الأولى ممكن من الأنبياء، فمن المؤكد أنه ممكن في الملائكة أيضاً. بعبارة أخرى، كيف يمكن للأنبياء، الذين هم رسل الله ووسائط فيض وأوامر إلهية، أن يكون لديهم ترك أولى؛ ولكن الملائكة الذين هم في مرتبة أدنى من الأنبياء، لا يمكن أن يكون لديهم ترك أولى؟!
1-1-3. نتيجة العرض على القرآن
كما تم بيانه بشكل موسع، يجب أن تكون النظرة إلى روايات فطرس الملك نظرة شمولية وليست نظرة انتقائية؛ لأن نقول رواية فطرس الملك مختلفة ومتعددة، وفقط نقل واحد من رواية فطرس الملك (نقل بصائر الدرجات) يتعارض مع آيات القرآن القائمة على عصمة الملائكة، بينما لا يوجد تعارض بين الخمسة عشر نقلاً الأخرى وآيات القرآن.
2-3. مدى تعارض الروايات المتعلقة بفطرس المَلَك مع السنة
إحدى معايير تمييز الأخبار والأحاديث الصحيحة من الكاذبة والموضوعة هي عدم تعارض الأحاديث وتنافيها مع الأحاديث الصحيحة السند الأخرى أو مع السنة القطعية. من هنا، يتم في هذا القسم دراسة مدى تعارض روايات فطرس الملك مع الأحاديث الصحيحة والسنة القطعية.
حول صفات وخصائص الملائكة، نُقلت روايات وأحاديث كثيرة عن المعصومين (ع)؛ منها أن الإمام أمير المؤمنين علي (ع) قال في خطبة: «خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَعِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقًا بَدِيعًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ… أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ – أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ وَلَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئًا مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ – بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ» (السيد الرضي، 1414هـ، ص 129). كما نُقل عن الإمام السجاد (ع) أنه قال: «اللَّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لَا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ، وَلَا يَسْأَمُونَ مِنْ تَقْدِيسِكَ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَلَا يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ، وَلَا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إِلَيْكَ» (علي بن الحسين (ع)، 1376هـ ش، الدعاء الثالث). أو روايات أخرى ذكرها بعض المحققين أيضاً (قاسم أحمد، 1393هـ ش، ص 118-122)، كلها تدل على أن الملائكة لا يعصون أمر الله ولا يتخطونه ولا يمكنهم مخالفة الأمر الإلهي.
لكن السؤال الأساسي هو: إلى أي مدى تتعارض هذه الروايات مع روايات فطرس الملك؟
في الإجابة على هذا السؤال، يجب القول، كما أُشير إليه في الأقسام السابقة، أن الدراسة الدقيقة لروايات فطرس الملك تتطلب نظرة شمولية مع الروايات ذات الصلة؛ لأنه من بين روايات فطرس الملك، هناك نقل واحد فقط (نقل بصائر الدرجات) يتعارض مع السنة القطعية والرواية المذكورة. والسبب هو أنه في النقل المذكور، صُرح بأن ذلك الملك قد عصى أمر الله، وبما أن السنة القطعية تدل على أن العصيان من جانب الملائكة ومخالفة الأوامر الإلهية غير ممكنة لهم، فإن هذا النقل يُعتبر مردوداً. أما بقية نقول رواية فطرس الملك، فلا تتعارض أساساً مع هذا النوع من الروايات؛ لأن ما يُلاحظ في النقول الأخرى هو التباطؤ، والتوقف، وأداء الأمر الإلهي بدون سرعة، وهذا لم يُسلب من الملائكة في أي رواية أو سنة قطعية. بل على العكس، ورد في الآيات والروايات أن الملائكة أساساً يتسابقون في أداء الأمر الإلهي: «فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا» (النازعات: 3)، وكل سباق يستلزم تخلفاً. إذن، كان فطرس الملك من هذا النوع من الملائكة، ولم يستطع في الأمر الإلهي أن يسبق بعضهم، وبما أن الملائكة خالون من الشهوة، فإن التباطؤ يستحق العقوبة أيضاً، ولهذا السبب تعرض فطرس الملك للعقوبة الإلهية. وهذا الفعل منه كفعل الأنبياء والأوصياء في موضوع الذنوب الموقعية أو ترك الأولى الذي تم تناوله بالتفصيل في الأقسام السابقة. إذن، من بين روايات فطرس الملك، تعارض نقل واحد فقط (نقل بصائر الدرجات) مع السنة القطعية، ولم تتعارض الروايات الخمس عشرة الأخرى مع السنة القطعية.
3-3. مدى تعارض الروايات المتعلقة بفطرس المَلَك مع القضايا العقلية
من بين معايير تمييز الأخبار والأحاديث الصحيحة من الكاذبة والموضوعة، عدم وجود تعارض وتنافٍ مع القضايا العقلية؛ ومن هنا، يتم في هذا القسم دراسة مدى تعارض روايات فطرس الملك مع القضايا العقلية.
ربما يتبادر إلى الذهن هذا الإشكال: «تصور نمو الجناح وجريان الدم لملك هو كائن مجرد وليس له جسد مادي… أو التعلق بجفن العين مع كون الملائكة مجردين، غير مقبول» (قاسم أحمد، 1393هـ ش، ص 123). إذن، لا يتوافق مع العقل، وبالتالي فإن رواية فطرس الملك، بسبب تعارضها مع تجرد الملائكة، تُعتبر غير عقلانية.
في الإجابة على هذا الإشكال، يجب القول إن الدليل في هذا الإشكال أخص من المدعى. المدعى هو أن رواية فطرس الملك مزيفة ومصطنعة. والدليل هو أن في هذه الرواية عبارة لا تتوافق مع تجرد الملائكة. قبل الإجابة الأساسية على هذا الإشكال، من الجيد أن نعود إلى العبارتين المذكورتين وننقلهما حرفياً. العبارة الأولى هي التي وردت في نقل الصفار في «بصائر الدرجات»، حيث كتب: «ذهب فطرس إلى مهد حضرة الحسين (ع)، ودعا له النبي أيضاً. قال النبي الأكرم: كنت أرى أن جناحه ينمو ويجري منه دم، فكبر حتى التصق بالجناح الآخر وعرج مع جبرائيل إلى السماء وعاد إلى مكانه» (الصفار، 1404هـ، 1: 68).
العبارة الثانية من كتاب «مناقب آل أبي طالب»، حيث كتب ابن شهرآشوب: «خير الله العليم فطرس بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختار فطرس عذاب الدنيا. تعلق فطرس برموش عينيه في جزيرة بحرية لم يمر به أي حيوان» (ابن شهرآشوب، 1379هـ، 4: 70). هذه هي العبارة التي استند إليها صاحب الإشكال. ولكن كما مر، الدليل أخص من المدعى؛ لأن هاتين العبارتين موجودتان فقط في نقلين من هذه الرواية، وفي الأربعة عشر نقلاً الأخرى لا يوجد ذكر لهاتين العبارتين. إذن، من الأفضل القول إن رواية «بصائر الدرجات» ورواية «مناقب آل أبي طالب» الثانية غير مقبولتين بسبب عدم توافقهما مع تجرد الملائكة، وليس الادعاء بأن جميع روايات فطرس الملك مزيفة ومصطنعة.
إشكال آخر يُطرح في هذا السياق هو أن «مدلول النص القرآني حول الملائكة يقع في نطاق المباحث العقدية، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بالملائكة صراحة ضمن الإيمان به (البقرة: 285)؛ ولهذا السبب، يجب في الآيات المتعلقة بالملائكة الاكتفاء بالظهور اللغوي أو السياقي لها، ولا ينبغي تأويلها» (قاسم أحمد، 1393هـ ش، ص 123).
هذا الإشكال أيضاً غير مقبول؛ لأن المفسرين قد أوّلوا بعض آيات القرآن التي لها جانب عقدي أيضاً. على سبيل المثال، توجد آيات كثيرة ظاهرها ونصها يدل على جسمانية الله تعالى؛ مثل: «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (الفجر: 22)؛ «الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ» (طه: 5). وهذه مسألة عقدية؛ بينما قام علماء الشيعة وبعض علماء أهل السنة بتأويل هذه الآيات وفسروها بمعانٍ أخرى، ونفوا الجسمانية عن الله التي هي ظاهر نص القرآن (انظر: الطوسي، بلا تاريخ، 10: 347؛ الثعلبي، 1422هـ، 1: 201). [5]
كما أن ظاهر كثير من آيات القرآن الكريم يدل على أن عدداً من الأنبياء الإلهيين ارتكبوا العصيان والذنب: «وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ» (طه: 121)؛ «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهُمَا» (البقرة: 36). وعصمة الأنبياء أيضاً مسألة عقدية، ولا ينبغي تأويل هذه الآيات وفقاً لاستدلال صاحب الإشكال؛ بينما قام علماء الشيعة وبعض علماء أهل السنة بتأويل هذه الآيات (على سبيل المثال، انظر: الطوسي، بلا تاريخ، 5: 479). [6]
إذن، هذا الادعاء بأنه بما أن الآيات المتعلقة بالملائكة هي مسألة عقدية فلا ينبغي تأويلها، هو ادعاء بلا دليل؛ بل يمكن القول إن عصمة الملائكة مثل عصمة الأنبياء، وإذا ارتكبوا خطأً، فإن ذلك الخطأ ليس عصياناً وذنباً أساساً، بل هو ترك الأولى، وهو ما تم بيانه في النقود الأخرى.
1-3-3. نتيجة العرض على العقل
يبدو أن روايات فطرس الملك لا تتعارض مع القضايا العقلية، فقط نقل «بصائر الدرجات» والنقل الثاني لـ«مناقب آل أبي طالب» يُستبعدان بسبب عدم التوافق مع تجرد الملائكة. أما النقول الأخرى، خاصة نقل «السرائر» الذي له سند مطمئن، فلا يوجد فيها أي تعارض مع القضايا العقلية.
4. الخلاصة
1- نُقلت روايات فطرس الملك في 16 مصدراً حديثياً ورجالياً وتاريخياً قبل القرن العاشر الهجري.
2- نُقلت هذه الرواية بشكل مستفيض، وبسبب تعدد الرواة في الطبقات المختلفة، يمكن اعتبارها من الأحاديث المشهورة أيضاً.
3- من بين الروايات المنقولة، هناك روايتان منقولتان في «السرائر» و«المزار الكبير» تعتبران مطمئنتين من الناحية السندية.
4- من بين روايات فطرس الملك، يتعارض نقل «بصائر الدرجات» فقط مع النصوص القرآنية بسبب دلالته على العصيان والمخالفة؛ أما النقول الأخرى التي تشير إلى «التباطؤ» في أداء أمر الله، فلا تتعارض مع أي نص قرآني، وبالتالي فإن فعل هذا الملك مثل ترك الأولى لدى الأنبياء والرسل الذي أُشير إليه في بعض آيات القرآن.
5- من بين روايات فطرس الملك، يتعارض نقل «بصائر الدرجات» فقط مع السنة القطعية والروايات الصحيحة؛ أما بقية النقول، فلا تتعارض فحسب، بل تتأيد بروايات أخرى أيضاً.
6- من بين روايات فطرس الملك، يتعارض نقل «بصائر الدرجات» والنقل الثاني لـ«مناقب آل أبي طالب» مع القضايا العقلية، ولكن لا يوجد في نقل «مناقب آل أبي طالب» دليل على رد الرواية بأكملها.
7- بناءً على ذلك، نُقل أصل قصة فطرس الملك بشكل مستفيض، بالإضافة إلى أن سند ابن إدريس الحلي في «السرائر» معتبر ومطمئن، ويتأيد بالدعاء المنقول في «المزار الكبير». كما أنه لا يتعارض مع النصوص القرآنية والسنة القطعية والقضايا العقلية.
الهوامش
1. في هذا السياق، انظر: «فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي مِنْ حَدِيثٍ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ حَدِيثِي» (الحميري، 1413هـ، ص 92)؛ «فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ» (الكليني، 1407هـ، ج 1، ص 69)؛ «إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ» (الصدوق، 1376هـ ش، ص 367).
2. ما عدا رواية بصائر الدرجات.
3. لأن رواية واحدة فقط من روايات فطرس الملك تتعارض مع عصمة الملائكة، بينما لا تتعارض الروايات الخمس عشرة الأخرى معها.
4. للمزيد من المطالعة حول الذنوب الموقعية وترك الأولى للأنبياء والملائكة، بيّن السيد إحساني لنكرودي عدم تعارض روايات فطرس الملك مع الذنوب الموقعية وترك الأولى بشكل جيد (انظر: إحساني لنكرودي، 1383هـ ش، ص 73-75).
5. الطوسي: [«وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» معناه وجاء أمر الله أو عذاب الله]. الثعلبي: «وَجَاءَ رَبُّكَ… أمره وقضاؤه».
6. «وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ» أي خاب من الثواب الذي كان يحصل له بتركه.