سيرورة انتقال النموذج الفكري الإمامي من الاجتهاد إلى الإخبارية في القرن الحادي عشر الهجري

الملخص

أدت التشددات التي مارستها الحلقة الفكرية للمحقق الأردبيلي في قبول الروايات إلى الكشف عن نقاط ضعف هذا النموذج في توثيق الروايات، ونتيجة لذلك، تشكلت انتقادات تجاه نموذج قبول الروايات في مدرسة الحلة، مما مهد الطريق لحدوث أزمة علمية وظهور نماذج فكرية جديدة في التعامل مع السنة. في غضون ذلك، اقترح البعض، مثل الملا عبد الله الشوشتري والميرزا محمد الأسترآبادي، العودة إلى سيرة المتقدمين، إلا أن الأول تبنى منهج المتكلمين المتقدمين (الشيخ المفيد والسيد المرتضى)، بينما تبنى الثاني منهج المحدثين المتقدمين (الكليني والصدوق). كما ظهر تيار آخر، على رأسه الشيخ البهائي والميرداماد، أبدى تعلقاً بمدرسة الحلة، وسعى بدلاً من تغيير مبادئها الأساسية إلى إجراء إصلاحات داخلية وتوسيع دائرة قبول الروايات. وفي منتصف القرن الحادي عشر، ظهرت مجموعة من المجتهدين، منهم محمد بن الحسن بن زين الدين، والفاضل التوني، والمحقق السبزواري، الذين تبنوا، بعد تأثرهم بكتاب «الفوائد المدنية»، منهج الاجتهاد ذي النزعة الإخبارية. ولكن من بين جميع هذه النماذج المطروحة في التعامل مع التراث، كان نموذج الميرزا محمد الأسترآبادي هو الذي نُظِّر له على يد تلميذه محمد أمين الأسترآبادي في قالب كتاب «الفوائد المدنية»، واستطاع أن يحظى بقبول عام في الأوساط العلمية الإمامية، وهيمنت المدرسة الأخبارية على الحياة الفكرية الإمامية لقرنين من الزمان.

1. طرح المسألة

من أهم النظريات التي تصور كيفية تطورات تاريخ العلم، رؤية توماس كون في كتاب «بنية الثورات العلمية». وفقاً لتعريف كون، في كل فترة من تاريخ العلم، يسود الفضاء العلمي لتلك الفترة تيار متجانس وموحد يستفيد من أصول وقوانين علمية متقاربة. ومتى ما فقد هذا التيار المتجانس قدرته على تفسير المسائل العلمية الجديدة والإجابة عنها لأي سبب كان، يحل محله نموذج فكري (پارادايم) آخر استطاع أن يقدم نموذجاً متجانساً وكاملاً لتفسير وتبرير منظومة المسائل العلمية بشكل منهجي. يحدد كون المراحل التي تمر بها العلوم على النحو التالي:

1) ما قبل النموذج الفكري (ما قبل العلم): حيث لا تتمتع المدارس النظرية بأي التزام من المجتمع العلمي.

2) المرحلة النموذجية (العلم السوي/الاعتيادي/العادي): حيث يحظى النموذج الفكري بتأييد علمي ويُعتبر الإطار الرئيسي لحل مسائل العلماء.

3) الأزمة العلمية: حيث يواجه النموذج الفكري السائد فشلاً لدى قسم كبير من المجتمع العلمي، ويتم ابتكار وإحياء نموذج فكري جديد.

4) الثورة العلمية: لكل نموذج فكري دائماً منتقدون غالباً ما يتم تهميشهم أو تجاهلهم. وعندما يزداد عدد المعارضين بشكل ملحوظ، تواجه فروع العلم نوعاً من الأزمة، وخلال فترة الأزمة، تحظى الأفكار الجديدة، وأحياناً الأفكار التي كانت مهملة سابقاً، بالاهتمام. ويقوم فرد أو أفراد، بتجاوز الأطر المعروفة في زمانهم أو حدود النموذج الفكري، بزعزعة أسس الفهم في عصرهم، ومن خلال إبراز جزء من النموذج الفكري السابق مقابل أجزاء أخرى أو من خلال ابتكارات جديدة، يستبدلون طريقة التفكير السابقة بنموذج فكري مختلف، ويحدث التغيير في النموذج الفكري.

5) تغيير النموذج الفكري: النماذج الفكرية، على الرغم من أنها تتمتع عادةً بعمر طويل وسلطة واسعة، إلا أنها بعد فترة تصاب بعمليات اضمحلال وانهيار. وفي أعقاب الثورة العلمية، تتداعى وتنهار، ويسود النموذج الفكري الجديد (كون، 1389هـ.ش، في جميع أجزاء الكتاب).

بناءً على ذلك، في عملية إنشاء نموذج فكري/مدرسة جديدة، نواجه «أزمة علمية» يتبعها تغيير في النموذج الفكري. في هذه المرحلة، يُظهر النموذج الفكري السائد (وهو هنا مدرسة الحلة) عدم كفاءته أكثر من أي وقت مضى، ونتيجة لهذه المشكلة، يتم ابتكار وإحياء نموذج فكري/مدرسة جديدة، وهذا النموذج يثبت هيمنته على المجتمع العلمي. لذلك، من الطبيعي تماماً أن نشهد، قبل تشكل أي نموذج فكري وهيمنته المطلقة على المجتمع العلمي (وهو هنا المدرسة الأخبارية)، مرحلة تتم فيها بعض الأنشطة المتفرقة والمتنوعة، والتي في النهاية، بعد أن يسيطر النموذج الفكري المقبول لدى المجتمع العلمي على الفضاء العلمي، تصبح جميع السلوكيات منظمة وهادفة، وينشغل العلماء في إطار النموذج الفكري الجديد بحل النزاعات والصراعات العلمية.

مع هذه التوضيحات، يجب القول إن النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري يجب اعتباره فترة الأزمة العلمية وبداية اضمحلال المدرسة التي أسسها العلامة الحلي. مدرسة «أصالة السند» التي كانت تتمتع بسيادة لا نزاع فيها بعد عصر العلامة الحلي حتى نهاية القرن العاشر، أظهرت، بعد ظهور الطيف الفكري للمحقق الأردبيلي، ثغراتها ونواقصها أكثر من أي وقت مضى. وفي هذا الوقت نفسه الذي نتجاوز فيه مرحلة الأزمة العلمية وقبل أن تتشكل سيادة المدرسة الأخبارية على المجتمع العلمي، نشهد مرحلة تتم فيها بعض الأنشطة المتفرقة والمتنوعة، والتي في النها-ية كان محمد أمين الأسترآبادي هو الذي وجد نموذجه الفكري قبولاً عاماً، وحافظ على سيادته وهيمنته المطلقة حتى ظهور ثغرات ونواقص هذا النموذج الفكري وظهور الوحيد البهبهاني.

يجب البحث عن جذور ظهور هذه النماذج الفكرية المختلفة في النصف الأول ومنتصف القرن الحادي عشر في الكشف عن نقاط ضعف فقه حلقات مدرسة الحلة الأخيرة، مما مهد الطريق للأزمة العلمية وتقديم نماذج جديدة؛ لأن أتباع مدرسة الاجتهاد، على الرغم من أنهم اتخذوا السند معياراً لقبول الرواية، إلا أنهم حاولوا من خلال طرح تمهيدات أن يلبسوا الأخبار غير الصحيحة ثوب الاعتبار. أهم أداة في هذا الصدد كانت: نظرية الانجبار، ولهذا كان فقهاء مدرسة الحلة، استناداً إلى جبر ضعف السند بعمل المشهور، يدرجون الروايات ذات السند الضعيف ضمن الروايات المعتبرة (العلامة الحلي، 1414هـ، 1: 279 و 39؛ الشهيد الأول، 1419هـ، 1: 49؛ الفاضل المقداد، 1404هـ، 1: 562 و 585 و 363؛ ابن فهد الحلي، 1410هـ، 357 و 116؛ المحقق الكركي، 1408هـ، 1: 417 و 191 و 165 و 459 و 284).1 ولكن هذه الأداة تعرضت بمرور الوقت ومن قبل الحلقة الأخيرة لمدرسة الحلة، أي المحقق الأردبيلي (الأردبيلي، بلا تا، 1: 235 و 324)، وصاحب المعالم (العاملي، 1417هـ، 1: 207)، وصاحب المدارك (العاملي، 1410هـ، 1: 43) للنقد، ولم يعتبر هذا الطيف التمسك بعمل المشهور (فقهاء ما قبل الشيخ الطوسي) لجبر ضعف سند الروايات حلاً، وتجاهلوا الرواية. هؤلاء، بتركهم لـ«نظرية الانجبار»، قضوا عملياً على أهم قرينة يمكن أن تقوي الخبر. بالإضافة إلى ذلك، قام هذا الطيف، بتشدداته المتزايدة في المعايير السندية، بتجاهل العديد من الروايات. صاحب المعالم وصاحب المدارك لم يكتفيا بعدم اعتبار الأخبار غير الصحيحة حجة، بل لم يعتبروا أي خبر واحد صحيح حجة ومعتبراً، واكتفوا بالاستشهاد والاعتماد على الخبر الصحيح الأعلائي (الرواية التي يكون جميع رواتها إماميين ومعدلين بالعدالة) (التنكابني، 1380هـ.ش، 269). حتى أن البعض قال إن المحقق الأردبيلي كان يشترط تزكية عدلين لإثبات عدالة الراوي (التبريزي، 1369هـ.ش، 196). بمثل هذا المنهج، كان يمكن لنظرية الانجبار أن تلبس العديد من الأخبار غير المعتبرة ثوب الاعتبار، والتي تم تجاهلها أيضاً، ونتيجة لذلك، بقيت العديد من أحكام الدين بلا سند، وبهذا الشكل، أصيب فقه وفتاوى هذا الطيف بالخلل (الوحيد البهبهاني، 1415هـ، 224)، وأغلق باب قسم مهم من الفقه (نفسه، 1417هـ، 263)، واضطر المجتهدون لملء هذا الفراغ بالرجوع إلى الأصل (نفسه، 1416هـ، 441). لذلك، في هذه الفترة من تاريخ الإمامية، نشهد انتقادات لنموذج توثيق الروايات في الحلقة الفكرية للمحقق الأردبيلي، ويحاول علماء الإمامية اقتراح نماذج بديلة، من بينها كان الأسترآبادي هو الذي لاقت أفكاره قبولاً من المجتمع العلمي الإمامي. هذه التشددات من قبل بعض فقهاء مدرسة وثوق السند، هيأت مقدمات وأسباب ظهور الأخبارية، وأدت إلى اعتقاد الأخباريين بقطعية صدور روايات المجامع الروائية المتقدمة والإفراط في ذلك، مقابل تفريط الحلقات المتأخرة من مدرسة الحلة (مكارم الشيرازي، 1427هـ، 1: 119)، حتى أن هذه الفترة التاريخية (عصر المحقق الأردبيلي حتى العقود الأخيرة من القرن الثاني عشر) تُعرف بفترة التطرف (الإفراط والتفريط) (الهاشمي الشاهرودي، 1381هـ.ش، العدد 32).

على أي حال، في النصف الأول ومنتصف القرن الحادي عشر، نواجه ثلاثة تيارات مختلفة، جميعها تتعارض مع المسار العادي والتطور الطبيعي لمدرسة الحلة (التأكيد المتزايد على المعايير السندية). ينتقد تيار منها نموذج فقه مدرسة الحلة ونوع تعاملها مع السنة ويقترح العودة إلى سيرة المتقدمين؛ وتحاول مجموعة أخرى إجراء إصلاحات داخل مدرسة الحلة وإحياء نموذج الحلقة المتقدمة لمدرسة الحلة؛ وتيار ثالث، متأثراً بـ«الفوائد المدنية»، سعى إلى تبني اجتهاد ذي نزعة إخبارية. في هذه المقالة، نسعى إلى تبيين أنواع النماذج الفكرية التي قُدمت في هذه الفترة التاريخية الحساسة (النصف الأول ومنتصف القرن الحادي عشر).

حول خلفية هذا البحث، من الضروري أيضاً توضيح أنه لم يُكتب أي أثر مشابه حول هذا الموضوع حتى الآن. ابتكار هذا العمل يكمن في ثلاثة جوانب: أولاً، قام الكاتب بحصر وتصنيف أنواع النماذج المطروحة في التعامل مع السنة في القرن الحادي عشر؛ وثانياً، قام بتبيين سبب تشكل هذه النماذج الفكرية في هذه الفترة التاريخية في إطار نظرية «الثورات العلمية» لتوماس كون؛ وأخيراً، بيّن الكاتب لماذا من بين هذه النماذج المتنوعة المطروحة، كانت فكرة محمد أمين الأسترآبادي هي التي لاقت قبولاً من المجتمع العلمي الإمامي وهيمنت. يمكن أن يكون هذا العمل مقدمة لكتابة أعمال مشابهة، ويمكن أيضاً تبيين عملية الانتقال من مدرسة المحدثين إلى مدرسة المتكلمين، ومن مدرسة المتكلمين إلى مدرسة الحلة، ومن المدرسة الأخبارية إلى مدرسة الاجتهاد – وكل منها يمثل مراحل من الأزمة العلمية التي تؤدي إلى تغيير النموذج والمدرسة – بناءً على هذا النموذج نفسه، وإن كان كل منها يتطلب عملاً مستقلاً.

2. عرض نماذج جديدة في قبول الروايات

كما ذُكر، مع الكشف عن نقاط ضعف فقه مدرسة الحلة وابتعادهم المتزايد عن سيرة المتقدمين، عاد البعض إلى سيرة المتقدمين؛ وبالطبع، في هذا السياق، أحيا البعض سيرة الكليني والصدوق (المحدثون المتقدمون)، واختار البعض الآخر سيرة الشيخ المفيد والسيد المرتضى (المتكلمون المتقدمون). يصف المجلسي الأول أجواء عصره بأن فرقتين من المتطرفين (القائلون بعلمية الأخبار) والمفرطين (القائلون برد الأخبار لكونها خبر واحد) كانوا يروجون لأفكارهم (المجلسي، روضة المتقين، 1: 21). هنا، نتناول تبيين آراء أبرز شخصيات هذا الطيف.

1-2. الشوشتري (ت 1021هـ) وإعادة إنتاج نظرية مدرسة المتكلمين (المفيد والمرتضى)

وفقاً لبيان المجلسي (المجلسي، بلا تا، 1: 20)، من بين المتأخرين، كان المولى عبد الله بن حسين الشوشتري (ت 1021هـ)، من مشايخ المجلسي الأول ومن تلاميذ المحقق الأردبيلي، منكراً لحجية أخبار الآحاد. ومن خلال نقل أقوال العلامة المجلسي عنه، يمكن استنتاج عدم حجيته لأخبار الآحاد عنده (المجلسي، 1406هـ، 1: 261 و 4: 271)، إلا إذا كانت مصحوبة بقرينة (نفسه، 1: 165) ويحصل منها ظن قريب من العلم (نفسه، 1: 417). بالطبع، يشير المجلسي الأول إلى السيرة العملية لأستاذه بأنه على الرغم من عدم قوله بخبر الواحد، إلا أنه كان يتورع في العمل بكل خبر ممكن (المجلسي، بلا تا، 1: 43)، ويحتاط ولا يترك العمل بأي خبر واحد، حتى لو كان ضعيفاً في النهاية (نفسه، 1: 213).

للأسف، لا تتوفر معلومات أخرى حول هذه الرؤية أكثر مما أورده المجلسي. لكن هذا القدر كافٍ لنعلم أن تأكيدات حلقة المحقق الأردبيلي على المعايير السندية وعدم الاهتمام بعمل الأصحاب أدت إلى ظهور انتقادات حول هذا المنهج الفقهي، وهذا الاختلاف في السيرة مع المتقدمين كان ثقيلاً على أمثال الشوشتري الذي كان هو نفسه من تلاميذ المحقق الأردبيلي، ولذلك سعى إلى تقديم نموذج بديل ومتوافق مع المتكلمين المتقدمين. حول الاختلاف بين هذا الطيف وذلك، ذكر البعض (رباني، 1390هـ.ش، 206) أن الملا عبد الله عندما سافر إلى العراق، هرع جميع علماء النجف لاستقباله عند وصوله، باستثناء صاحب المدارك الذي امتنع عن لقائه؛ وعندما سُئل عن سبب فعله، أجاب: إنه منكر لحجية خبر الواحد ومبتدع، وقد أمر الشارع بالابتعاد عن المبتدع! وبالطبع، ادعى البعض أن الملا عبد الله كان يميل إلى الأخبارية، بل إنه انشغل بالدعاية وتدريس هذا المذهب، حتى أنه كان من رواد هذه المدرسة؛ بينما أهم آثاره تدل بوضوح على أنه كان يميل إلى منهج الاجتهاد: أحدها «جامع الفوائد في شرح القواعد وتتميم جامع المقاصد» الذي يقوم على الأصول ومنهج الاجتهاد، والآخر «حاشية على شرح المختصر العضدي» في مجال علم الأصول (بهشتي، 1390هـ.ش، 120)، كما أن تلامذته المتعددين الذين يعتبر كل منهم من كبار علماء الرجال، دليل آخر على هذا الادعاء، وهو نفسه له حاشية على رجال ابن داود. كما تحدث المجلسي الأول عن وجود تيارين من الإفراط والتفريط في عصره (المجلسي، بلا تا، 1: 21)، ويبدو أن قائد المتطرفين في عصره كان الأسترآبادي، الذي يشير إليه المجلسي مباشرة بعد هذه العبارات، وكان قائد المفرطين هو الشوشتري الذي ذكره قبل بضعة أسطر من هذه العبارات، وكان هذان التياران متقابلين. كما يقول المجلسي الأول في تقرير له: «كنت أناقش بعض المشايخ، وكلما ذكرت رواية، كانوا يردونها بحجة أنها خبر واحد؛ فدعوت الله أن يلطف به بسبب سوء أدبه تجاه أخبار الأئمة المعصومين (ع). فابتلي بمرض كبير في عينه وأسنانه. فكتبت له أن هذا الألم أصابك بسبب سوء أدبك، فتب إلى الله حتى يشفيك. فقال: لم أر مثل هذا قط، فلما تبت، زال المرض عن جسدي تماماً» (نفسه، 10: 354). هذا التقرير يدل على أنه في عصره، كان هناك تيار فكري نشط داخل الخطاب الشيعي لم نشهد له أي تقرير مشابه منذ ظهور مدرسة الحلة، وهذا بحد ذاته يدل على أن جذور ظهور هذه التيارات يجب البحث عنها في التشددات الرجالية للفروع المتأخرة من مدرسة الحلة والابتعاد عن سيرة المتقدمين من الإمامية.

2-2. الميرزا محمد الأسترآبادي (ت 1028هـ) ومحمد أمين الأسترآبادي (ت 1033هـ) وإعادة إنتاج نظرية مدرسة أهل الحديث (الكليني والصدوق)

الميرزا محمد الأسترآبادي، صاحب التصانيف الرجالية الثلاثة «منهج المقال» (رجال كبير)، «تلخيص الأقوال» (رجال وسيط)، و«توضيح المقال» (رجال صغير)، وهو من تلاميذ المقدس الأردبيلي. بعد وفاة أستاذه، ولأن الأردبيلي لم يعينه خليفة له، غادر النجف إلى مكة (الأفندي، 1410هـ، 1: 277). أبرز تلاميذه هو «محمد أمين الأسترآبادي»، ويبدو أن أمين الأسترآبادي كان متأثراً بتعاليم أستاذه في تبيين الطريقة الأخبارية، وربما كانت هذه الميول الأخبارية هي التي دفعت المحقق الأردبيلي إلى عدم تعيينه خليفة له لا في العقليات ولا في النقليات. لمحمد أمين الأسترآبادي كلام في بيان دافعه لتأليف كتاب «الفوائد المدنية» يدل على أن فكرة تأليف هذا الكتاب طرحها الميرزا محمد. يقول في «دانشنامه شاهي» عن الميرزا محمد الأسترآبادي: «بعد أن علّم جميع الأحاديث للفقير، أشاروا بأن أحْيِ طريقة الأخباريين وارفع الشبهات التي تعارض تلك الطريقة، فإن هذا المعنى كان يمر بخاطري، ولكن رب العزة قدّر أن يجري هذا المعنى على قلمك… حتى بتوفيق رب العزة وبركات سيد المرسلين وأئمة طاهرين (ص) بإشارة لازمة الإطاعة امتثلت، وبتأليف «فوائد المدنية» وفقت، وبمطالعة شريفة تشرفت، فاستحسنوا هذا التأليف وأثنوا على مؤلفه» (الأسترآبادي، بلا تا و 1424هـ، 11). من هذه العبارة يتضح تماماً أن الميرزا محمد كان ينوي تأليف كتاب يؤيد سيرة الأخباريين المتقدمين من الإمامية، لكنه لم يوفق لهذا الأمر لأي سبب كان، فأوصى تلميذه محمد أمين بمتابعة هذا الأمر المهم. بالطبع، قال بعض المعاصرين بنهج نقدي لهذا الادعاء: على فرض صحة نسبة «دانشنامه شاهي» إلى أمين الأسترآبادي، كيف يمكن أن يكون المشير والآمر هو الميرزا الأسترآبادي، الذي قضى عمره في تأليف الكتب الرجالية الثلاثة؛ بينما يرى الأخباريون قطعية الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة، وبالتالي لا يرون حاجة لتعلم أحوال الرواة وتنويع الحديث إلى الأقسام الأربعة (السبحاني، 1424هـ، 253). في الرد على هذا التشكيك، يجب القول: إن الأخباريين لا يلغون البحث في الرجال، بل صرحوا بأن أحوال الرجال، وخصوصاً المصنفين، من جملة القرائن على ثبوت الأخبار، وكذلك أحوال الرواة من جملة المرجحات المنصوصة، وجميع علماء الرجال هم من الأخباريين (الحر العاملي، 1403هـ، 445)، وحتى تلك الفئة من الأخباريين التي لا تعتبر خبر الواحد حجة، تعتبر خبر الثقة من الأخبار المحفوفة بالقرينة (الأسترآبادي، 1424هـ، 106؛ الحر العاملي، 1403هـ، 453)، حتى أن الحر العاملي في الفائدة الثانية عشرة من خاتمة «وسائل الشيعة» يتناول بيان بعض القرائن المستفادة من أحوال الرجال، ويعدد أولئك الذين وجودهم في السند قرينة على صحة النقل وثبوته والاعتماد عليه (الحر العاملي، 1414هـ ألف، ج 30، 286)، وهو في موضع آخر يعتبر العلم بأحوال رجال الأحاديث مفيداً ويشير إلى خمس فوائد في هذا المجال (نفسه، 30: 280). لذا، يجب القول إن الأخباريين لا يرفضون حصر صحة الحديث في إطار وثاقة الراوي ويحكمون بصحة الحديث وضعفه بناءً على المعطيات الرجالية فقط. فهم لا يعارضون علم الرجال، بل يعارضون كفاءة علم الرجال لتنويع الأحاديث؛ لأن ثمرة التنويع الرباعي للأحاديث هي أن معظم روايات الإمامية تخرج من نطاق استنباط الأحكام الفقهية وتعتبر فاقدة للحجية. وقد صرح بعض الرجاليين أيضاً بأن أخباريين مثل الحر العاملي، والعلامة المجلسي، والفيض الكاشاني كانوا يكنون احتراماً لعلم الرجال (الكاظمي، 1425هـ، 1: 28). كما أن بعض الذين يعتبرهم الميرزا محمد ومحمد أمين أئمة لهم، مثل الكليني، كانوا من مصنفي كتب الرجال (انظر: النجاشي، 1407هـ، 377، الرقم 1026)، ولهذا يعتبر هذان العالمان علم الرجال ذا تاريخ عريق بين الشيعة؛ بخلاف دراية الحديث التي ينسبون لها أصلاً سنياً.2 بين المعاصرين أيضاً، نواجه شخصية مثل الشيخ علي النمازي الشاهرودي الذي كتب مستدركاً على جميع الآثار الرجالية المكتوبة حتى العصر الأخير، وكذلك حواشي على كتب رجال الشيخ، ورجال المامقاني، ورجال الخوئي، وكتب «مستطرفات المعالي» لترتيب رجال الكشي؛ ولكنه مع ذلك، في «الأعلام الهادية الرفيعة في اعتبار الكتب الأربعة المنيعة» وفي مقدمة «مستدركات علم رجال الحديث»، أثبت قطعية صدور روايات الكتب الأربعة (النمازي، 1412هـ، 1: 32-58). يجب الانتباه إلى أن للمحدثين دافعاً للبحث في علم الرجال، لأن الشارع من جهة أمضى حجية خبر الثقة (الحر العاملي، 1414هـ ألف، 27: 150)، ومن جهة أخرى في الأخبار العلاجية، أمر بالرجوع إلى الأعدل والأورع والأفقه. كما أن العديد من الأخباريين طرحوا دعوى قطعية الصدور بشأن الكتب الأربعة وليس المصنفات الأخرى. كل هذا يدل على وجود دافع لدى المحدثين للبحث في علم الرجال، وكما صرح النمازي الشاهرودي، فإن ادعاء عدم الحاجة إلى علم الرجال ينسجم مع قول الحشوية القائلين بحجية كل خبر (النمازي، 1412هـ، 1: 13). كما كان عليهم أن يجيبوا مخالفيهم، ولذلك سعوا إلى إثبات صحة الأحاديث وفقاً لمباني المجتهدين أيضاً (للاطلاع على أمثلة، انظر: البحراني، بلا تا، 1: 379 و 2: 310 و 3: 171؛ 4: 34). علاوة على ذلك، وفقاً لتقرير «أوثق الوسائل»، أورد عبد علي بن أحمد الدراري البحراني (من الأخباريين المعتدلين) في رسالة «إحياء معالم الشريعة» ما يلي: قبل الأسترآبادي، كانت جماعة تقول بقطعية السند وقطعية الدلالة لروايات مصنفات الإمامية، وقد تبعهم محمد أمين الأسترآبادي (التبريزي، 1369هـ، 123). ونظراً لأن الميرزا محمد هو من قدم هذا الاقتراح لمحمد أمين ولم تسنح له فرصة القيام به بنفسه، فمن المحتمل جداً أنه في أواخر عمره حدث تطور في فكره، وكانت نتيجة دراساته الرجالية العميقة هي العودة الصحيحة إلى طريقة الأخباريين المتقدمين. بالطبع، في حال قبول أصالة «دانشنامه شاهي»، فإن هذه الشكوك لا محل لها.

3. إيجاد إصلاحات داخل مدرسة الحلة

مع الكشف عن ضعف نموذج فقه الحلقة الأخيرة لمدرسة الحلة في توثيق الروايات، برزت أفكار جديدة كانت إما مهملة من قبل أو أنها نشأت حديثاً، وهذه الأفكار مهدت الطريق لتشكيل مدرسة جديدة. ولكن بما أن المدارس لا تتخلى عن مكانها بسهولة للمدرسة التالية وتسعى للمقاومة، فإن العلماء الذين يتنفسون داخل هذا الخطاب، بدلاً من إعادة النظر في فرضياتهم الأساسية، يحاولون أحياناً الرد على المنتقدين، ويسعون بحيل مختلفة إلى إزالة الإشكالات والثغرات الموجودة من خلال إعادة صياغة النظرية وإجراء التغييرات اللازمة. لذلك، نرى أن البعض مثل الشيخ البهائي والميرداماد يقررون تعديل نموذج قبول الروايات والعودة إلى طريقة الحلقات الأولى لمدرسة الحلة؛ كما صرح الشيخ البهائي بأن المتقدمين لم ينحرفوا عن نهج القدماء بشكل كامل (الشيخ البهائي، بلا تا، 270)، حتى أن الحر العاملي يضع الشيخ البهائي ضمن أولئك الذين أقروا بتواتر وكون كتب ومصنفات الإمامية محفوفة بالقرائن، وهو أصولي اقترب كثيراً من طريقة الأخباريين (نفسه، 1414هـ ب، 8: 568).

1-3. الشيخ البهائي (ت 1030هـ)

بهاء الدين محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي، المعروف بالشيخ البهائي، من علماء الإمامية المشهورين. كان والده من تلاميذ وأصدقاء الشهيد الثاني، وبعد استشهاده وشعوره بانعدام الأمن في جبل عامل، وبدعوة وتشجيع من الشاه طهماسب، جاء مع عائلته إلى إيران واستقر في أصفهان. ربى الشيخ البهائي تلاميذ كثر، منهم: الملا صدرا، والفيض الكاشاني، ومحمد تقي المجلسي. اتخذ قراراً بإصلاح مباني مدرسة الحلة، رداً على المنهج المتطرف لصاحب المدارك وصاحب المعالم في نقد الروايات. ولذلك، طرح في آثاره مثل «مشرق الشمسين وإكسير السعادتين» و«زبدة الأصول» مباحث في مجال دراية الحديث، بل وكتب رسالة مختصرة في هذا المجال بعنوان «الوجيزة في علم الدراية» طُبعت في بداية كتاب «الحبل المتين» ووصلت إلينا. وفي هذه الآثار، تناول أهم مباحث هذا المجال بالدراسة. أهم محاولاته لتوسيع دائرة قبول الروايات هي كالتالي:

أ. ابتكار التنويع الخماسي

طرح في آثاره التقسيم الرباعي للأحاديث (صحيح، حسن، موثق، وضعيف) (نفسه، بلا تا ألف، 5 و 1423هـ، 95، وبلا تا ب، 269)، وبإضافة مصطلح «قوي» (إماميون مسكوت عن مدحهم وذمهم) إليها، حوّل التنويع الرباعي إلى تنويع خماسي.3 إضافة مصطلح «قوي» تدل على أن الشيخ البهائي سعى إلى التمييز بين الرواة المهملين (الذين ورد اسمهم في المصنفات الرجالية ولكن لم يُبدَ رأي في وثاقتهم) والمجهولين (الذين لم يرد لهم اسم في المصنفات الرجالية أصلاً) والمجروحين (الذين صُرح بضعفهم)، وإلا لما بقي وجه لتفريق الحديث القوي عن الضعيف. شهدنا العمل بهذا النوع من الروايات في بداية ظهور مدرسة الحلة؛ لأنه إذا كانت آراء شخص رجالية مبنية على أصالة العدالة، فإن قبول الرواية القوية ليس بعيداً. ولهذا السبب، يعتبر العلامة الحلي في «خلاصة الأقوال» رواية الراوي الإمامي الذي لم يرد فيه قدح صحيحة، ويعتبر ذلك كافياً لتوثيقه (الحلي، 1417هـ، 5 و 17). وكان منهج ابن داود الحلي أيضاً قبول روايات المهملين (التستري، 1419هـ، 37-40)، ويعتبر على الأقل مهملي فهرست النجاشي في حكم الممدوح (الميرداماد، 1422هـ، 115)، وحتى بتصريح الشوشتري، كان منهج القدماء العمل بروايات المهملين، وأنه إذا لم يكن راوي الخبر مجروحاً، فإن روايته قابلة للعمل، وليس من الضروري أن يكون ممدوحاً (التستري، 1419هـ، 38).

ب. الاعتماد على مراسيل ابن أبي عمير وصدوق وروايات أصحاب الإجماع

يعتقد الشيخ البهائي أن حال المرسل يُعلم أحياناً بأنه لا يروي مرسلاً إلا عن ثقة؛ لذا فإن مراسيله تُعد من الصحاح (الشيخ البهائي، بلا تا ألف، 5 و 1423هـ، 95). وقد اتخذ موقفاً مشابهاً بناءً على كلام الصدوق في بداية كتابه «من لا يحضره الفقيه» بخصوص مراسيل الصدوق (نفسه، بلا تا ألف، 11)، بل يرى أن عمل أمثال السيد المرتضى وابن إدريس وغيرهم من منكري حجية أخبار الآحاد بخبر واحد هو قرينة دالة على وثوق صدوره (نفسه، 256). قاعدة أصحاب الإجماع، على الرغم من أنها هُجرت بعد الشيخ الطوسي ولم يرد لها ذكر في الكتب الفقهية حتى طرحها العلامة الحلي في آثاره الرجالية والفقهية واعتبرها دالة على توثيق أصحاب الإجماع (الحلي، 1413هـ، 3: 440)، وشاع استخدام هذه القاعدة بعد العلامة الحلي. ولكن قبل الشيخ البهائي، لا يمكن العثور على من يقول بحجية جميع روايات أصحاب الإجماع، سواء كانت إمامية أو غير إمامية، مسندة أو مرسلة؛ بل كان المتقدمون يعتبرون عبارة الكشي دالة على توثيق أصحاب الإجماع (صحة حكاياتهم لا رواياتهم)، وبما أنهم لم يكونوا يعتبرون الموثقات حجة، كانوا يقبلون روايات تلك الفئة من أصحاب الإجماع الذين كانوا إماميين، على الرغم من أنهم كانوا يعملون أحياناً بتردد ويميلون إلى قبول رواياتهم. أما الشيخ البهائي (بلا تا ب، 366) وتلامذته (العلوي العاملي، بلا تا، 1: 15 و 4: 319؛ المحقق السبزواري، بلا تا، 1: 270) وبعده الميرداماد (1422هـ، 80) والآقا حسين الخوانساري (بلا تا، 231) فقد عدوا أحاديث أصحاب الإجماع المرسلة والمرفوعة والمقطوعة والمسندة من الصحاح.

پ. نظرية الانجبار

الشيخ البهائي، كمتقدمي المتأخرين، يعتبر الشهرة العملية جابرة لضعف السند (بلا تا ألف، 11، 33، 84، 115، 162، 227، بلا تا ب، 366، 384).

ت. حجية الأحاديث الموثقة

أتباع مدرسة الحلة (وجبل عامل)، كانوا جميعاً يشترطون في الراوي صفات البلوغ، والعقل، والإسلام، والإيمان؛ خاصة من زمن الشهيد الثاني فصاعداً، حيث نشهد تشدداً أكبر في مجال قبول الروايات، وأمثال الشهيد الثاني (1410هـ، 5: 233؛ 1413هـ، 14: 306، 372)، والمحقق الأردبيلي (بلا تا، 2: 144؛ 3: 312؛ 4: 93)، وصاحب المدارك (العاملي، 1410هـ، 1: 111؛ 2: 391)، وصاحب المعالم (العاملي، 1417هـ، 200) يرفضون صراحة روايات الرواة الموثقين. في هذا السياق، فقط الحلقة الأولى من مدرسة الحلة (العلامة الحلي) عملت بالموثقات (الحلي، 1413هـ، 3: 71، 143، 145، 440؛ 1414هـ، 2: 312، 302، 368؛ 1417هـ، 114، 177، 185، 195، 297)، على الرغم من أن مبدأه الأساسي كان اشتراط الإيمان (العاملي، 1417هـ، 200)، ولذا نرى أنه عمل بتردد في قبول الروايات الموثقة؛ ولكن بعده زاد التشدد في قبول الروايات. حتى أن بعض الباحثين المعاصرين (الرباني، 1394هـ.ش، 420) صرحوا بأن الفقهاء بعد الشيخ الطوسي حتى فترة صاحب المعالم وصاحب المدارك لم يعملوا بالرواية الموثقة، وأن العمل بهذا النوع من الروايات شاع منذ فترة الشيخ البهائي (الشيخ البهائي، بلا تا ب، 269). يوضح الشيخ البهائي سبب قبوله للموثقات بأن أصحاب الإمامية كانوا يتجنبون من كان شيعياً في البداية ثم أنكر إمامة بعض الأئمة، حتى أنهم كانوا يسمون الواقفية بـ«كلاب ممطورة» (كلب أصابه المطر)، وكان الأئمة (ع) ينهون الشيعة دائماً عن مجالستهم. لذا، فإن نقل رواية علماء الإمامية عنهم والاعتماد عليها، مع علمهم بحالهم، يجب أن يكون مبنياً على وجه صحيح، ويبدو أن سماع الرواة الموثقين من الإمامية عنهم كان قبل عدولهم عن الحق واعتقادهم بالوقف أو بعد توبتهم ورجوعهم إلى الحق، أو أن نقل الرواية كان من أصل ألفه قبل وقفه وكان مشهوراً بين الأصحاب، أو من كتاب ألفه بعد وقفه ولكنه أخذه عن شيوخ أصحاب الإمامية الذين يثقون بهم (نفسه، 273).

ث. كفاية تزكية عدل واحد

كما ذُكر سابقاً، صرح صاحب المعالم (العاملي، 1362هـ.ش، 1: 20؛ 1417هـ، 203) باعتبار شهادة عدلين واعتبر الصحيح الأعلائي فقط معتبراً. ونُسب هذا المنهج إلى صاحب المدارك (التنكابني، 1380هـ.ش، 269) والمحقق الأردبيلي (التبريزي، 1369هـ.ش، 196) بأنهما كانا يشترطان تزكية عدلين لإثبات عدالة الراوي. أما الشيخ البهائي فيصرح بأن تزكية عدل واحد إمامي كافية في الرواية (الشيخ البهائي، 1423هـ، 94)، ويورد أدلة المشهور ويرد على الاستدلالات الدالة على اشتراط التعدد في التزكية (نفسه، بلا تا ب، 271).

2-3. الميرداماد (ت 1040هـ)

محمد باقر الأسترآبادي، المشهور بـ«الميرداماد» و«المعلم الثالث»، استفاد من كبار العلماء، منهم والد الشيخ البهائي، وربى تلاميذ كباراً مثل الملا صدرا، والملا عبد الرزاق اللاهيجي، والفيض الكاشاني، وقطب الدين اللاهيجي، والملا خليل القزويني. بيّن في ذيل «الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الإمامية» مبانيه حول نموذج قبول الأخبار. أهمها، التي تدل على سعيه لتوسيع دائرة قبول الروايات، هي كالتالي:

1- حجية نظرية الانجبار (الميرداماد، 1422هـ، 187).

2- الأحاديث المرسلة، والمرفوعة، والمقطوعة، والمسندة لأصحاب الإجماع عند أصحاب الإمامية تُعد من الصحاح (نفسه، 80). كما بذل جهوداً لتوسيع دائرة الرواة المشمولين بحكم أصحاب الإجماع (نفسه، 89، 178، 256).

3- إذا لم يُذكر بعض الرواة في كتب الرجال، أو ذُكروا ولكن حالهم غير معلوم، فليس من المستبعد أن يكون حكم العالم المزكي (مثل العلامة، المحقق، الشهيد و…) بصحة الحديث، في قوة التزكية والتعديل لكل راوٍ على نحو التنصيص والتعيين، ولذا فإن حكمهم شهادة معتبرة في حق الراوي (نفسه، 102).

4- مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسند (نفسه، 114 و 257)، وعبارة «ثقة ثقة، صحيح الحديث» دالة على أن الراوي لا يروي إلا عن عدل (نفسه، 170).

5- إذا لم يذكر النجاشي في قدح شخص شيئاً واكتفى بترجمته دون ذكر مدح أو ذم، فهذا يدل على أنه سالم من كل طعن عند النجاشي (نفسه، 115).

6- الميرداماد في توثيقاته الرجالية لا يكتفي بكلام الرجاليين، بل يعتمد على القرائن أيضاً (نفسه، 129)؛ لأن كتب الرجال الأربعة، نظراً لدافع تأليفها، ليست شاملة، ولذا إذا لم يكن الراوي صاحب كتاب، لم يرد له ذكر (نفسه، 132). وقد تناول في مواضع متعددة إثبات صحة أحاديث بعض الرواة بشكل منفصل ومستقل (نفسه، 82، 86، 88، 90، 93، 97، 112، 133)، ويعتبر تلك الفئة من أساتذة المشايخ الكبار للإمامية الذين يُذكرون بعظمة ويُروى عنهم الكثير من الروايات، غنيين عن التوثيق (نفسه، 170، 261).

7- لا يشترط العدد في المزكي والجارح في الرواية (وليس الشهادة) (نفسه، 164)، وخلافاً للمشهور الذي يقدم الجرح على التعديل، يعتبر المهارة في الجارح والمعدل معتبرة (نفسه، 169). كما لا يعتبر تضعيفات ابن الغضائري معتبرة لأنه يضعف الرواة بأدنى سبب (نفسه، 180).

8- إذا كان الإرسال قطعياً، مثلاً يقول المحدث: «قال النبي» أو «قال الإمام» (مثل بعض مراسيل الصدوق)، فهذا يدل على أن الوسائط عدول (نفسه، 255)، وأحياناً تُستثنى من الرواية الضعيفة روايات أُخذت من أصل صحيح له أو من كتاب معتمد عنده (نفسه، 176).

4. إيجاد اجتهاد ذي نزعة إخبارية

بعد تأليف «الفوائد المدنية» وقبل أن يجد النموذج الفكري والنظري لمحمد أمين الأسترآبادي قبولاً عاماً، سعى طيف من المجتهدين إلى الجمع بين مباني المدرسة الأخبارية ومدرسة الاجتهاد. هؤلاء، تحت تأثير «الفوائد المدنية» ومبنيين على النموذج الذي قدمه، اعتبروا نداء «العودة إلى السنة المحكية» دعوى صائبة، لكنهم أنكروا نفي الاجتهاد الذي كان وليد حاجة المجتمع العلمي، ولذا أسسوا اجتهاداً ذا نزعة إخبارية. نشهد أدلة على وجود مثل هذا الفكر في منتصف القرن الحادي عشر. أبرز شخصيات هذا الطيف هم: محمد بن الحسن بن زين الدين (حفيد الشهيد الثاني وابن صاحب المعالم) في «استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار»؛ والمحقق السبزواري في «ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد»؛ والفاضل التوني في «الوافية في أصول الفقه».

1-4. محمد بن الحسن بن زين الدين (ت 1030هـ)

تتلمذ محمد بن الحسن بن زين الدين على يد والده (صاحب المعالم) والشيخ محمد الموسوي العاملي (صاحب المدارك)، وبعد وفاتهما، رحل إلى مكة ولازم الميرزا محمد الأسترآبادي خمس سنوات (الخوانساري، بلا تا، 7: 43). حول تأثره بالأخباريين، يكفي أن الخوانساري صرح بأن محمد بن الحسن بن زين الدين كان يعتقد بفضل وعلم الميرزا محمد الأسترآبادي ويفتخر بالاهتداء إلى طريقه ونهجه (نفسه، 7: 39). صرح العاملي في «استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار»، الذي بدأ تأليفه حوالي عام 1025هـ (الطهراني، 1403هـ، 2: 30)، بأن نهج المتقدمين كان العمل بالأخبار بسبب القرائن (مثل أخذ الرواية من أصل معتمد) (العاملي، 1419هـ، 2: 110). هذا المبدأ أدى به إلى القول بقطعية اعتبار روايات الكافي (نفسه، 1: 49) ومن لا يحضره الفقيه (نفسه، 3: 30)، ولذلك في مواضع متعددة، على الرغم من ضعف سند الرواية، يقبلها بسبب نقلها من قبل الصدوق، ويعتبر رواية الصدوق مقتضية للمزية (نفسه، 4: 22، 101، 343، 347). بعض آرائه الأصولية والرجالية الأخرى الجديرة بالتأمل هي: حجية نظرية الانجبار (نفسه، 1: 34، مقدمة)؛ حجية الإجماع (نفسه، 2: 6)؛ كلما لم يصرح النجاشي بوقف شخص (فساد عقيدة)، فليس ذلك دليلاً على نفيه (نفسه، 4: 93)؛ رواية الكليني عن شخص تدل على جلالة شأنه (نفسه، 1: 51)؛ لأن رواية الثقة عن الضعفاء نادرة، وعندما ينقلون عن ضعيف، يشيرون إلى ضعف الراوي (نفسه، 1: 49)؛ إضمار الرواية لا يضر باعتبارها، لأن دليل الإضمار هو تقطيع الروايات (نفسه، 1: 47)؛ الرواية عن الضعفاء لا توجب القدح؛ لأن مرجع ذلك إلى الاجتهاد (نفسه، 1: 48) و…4

2-4. الفاضل التوني (ت 1071هـ)

عبد الله بن محمد التوني البشروي الخراساني، المشهور بـ«الفاضل التوني»، ألف كتاب «الوافية في أصول الفقه» وأنهى تأليفه في عام 1059هـ (الطهراني، 1403هـ، 25: 17)، أي بعد ستة وعشرين عاماً من وفاة الأسترآبادي. في هذا الكتاب، دخل في جدال مع تيار بدأه محمد أمين الأسترآبادي، ولذا بعد الهجمات الشديدة للأسترآبادي على الاجتهاد وأصول الفقه، كان له دور عظيم في إبقاء حياة هذا العلم، وسعى إلى مناقشة معارضي هذا العلم. بالطبع، على الرغم من أنه كان ينتقد بشدة معارضة الأسترآبادي للاجتهاد، إلا أنه كان يوافقه إلى حد ما في نداء العودة إلى السنة، وهذا ما أدى إلى اختلاف في توجهه. البعض يعتبره مجتهداً (السبحاني، 1418هـ، 11: 176؛ كحالة، بلا تا، 6: 113)، والبعض الآخر (الخوانساري، بلا تا، 1: 137؛ الأمين، 1989م، 3: 41) يعتبره إخبارياً (إخباري منصف). يجب اعتبار الفاضل التوني شخصية مستقلة، كغيره من العلماء مثل الشوشتري، والميرزا محمد الأسترآبادي، ومحمد أمين الأسترآبادي، و… يسعى إلى تصميم نموذج بديل لنهج فقه الحلقة الفكرية للمحقق الأردبيلي. أهم آرائه هي كالتالي:

1-2-4. حجية خبر الواحد

يبدأ الفاضل التوني كلامه حول حجية خبر الواحد بتقرير عن سيرة المتقدمين ويقول: «بين المتقدمين على العلامة، لا نجد قائلاً صريحاً بحجية خبر الواحد» (الفاضل التوني، 1412هـ، 158)، وبعد ذلك يقول: «الحق أن خبر الواحد حجة، كما اختاره متأخرو الإمامية وجمهور العامة» (نفسه، 159). أدلته على حجية أخبار الآحاد هي: أولاً، القطع ببقاء التكاليف إلى يوم القيامة، وأن معظم أجزاء وشروط وموانع ومتعلقات الأحكام تثبت بخبر واحد غير قطعي؛ ثانياً، القطع بأن أصحاب الأئمة (ع) ومعاصريهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد، وكان الأئمة على علم بذلك ولم ينكروه؛ وثالثاً، ظواهر الروايات (نفسه). بالطبع، لا يقبل الفاضل التوني الاستدلال بآية النفر وآية النبأ و… (نفسه، 163). كما يذكر شروطاً لحجية خبر الواحد تختلف عن المنهج الذي اتبعته مدرسة الحلة. يقول: «شروط العمل بخبر الواحد في هذا الزمان هي: وجود الخبر في كتب الشيعة المعتمدة، مثل الكافي والفقيه والتهذيب وأمثالها؛ أن تكون جماعة من أصحاب الإمامية قد عملت به؛ ألا يكون الخبر مبتلى برد ظاهر، وألا يكون متعارضاً مع خبر أقوى منه» (نفسه، 166). ويذكر في تتمة كلامه أمرين يعتبرهما فاقدين للاعتبار، وهذا يدل على أنه، خلافاً للمتأخرين، لا يعتبر المعايير السندية معتبرة: أحدهما، أنه لا فرق بين أن يكون الراوي عادلاً أم لا؛ والآخر، أنه لا فرق بين أن يكون سند الرواية صحيحاً أو حسناً، موثقاً، ضعيفاً، مرسلاً و… (نفسه، 166). بتصريحه، الأقوى في هذا الزمان هو: أن العمل بالأخبار في الكتب الثلاثة لمن له أهلية العمل بالحديث، جائز دون ملاحظة الأسانيد، بشرط ألا يكون له معارض، وألا يكون مضمونه مخالفاً لعمل مشاهير فقهاء الإمامية (نفسه، 271). أما في حال تعارض خبرين واحدين، فيجب الرجوع إلى كلام الروايات (نفسه، 232)، ووفقاً لروايات قوة الرواية (عامل ترجيح إحداهما على الأخرى عند تعارض الأخبار)، يكون الاعتبار للعدالة والورع والشهرة وعمل الأكثر وما شابه ذلك (نفسه، 166).

2-2-4. صحة الاجتهاد

في «الوافية»، تناول الفاضل التوني رد أفكار الأسترآبادي حول حرمة الاجتهاد وعدم الحاجة إلى أصول الفقه، ويعزو رد الاجتهاد من قبل الأسترآبادي إلى سوء فهمه لماهية الاجتهاد (نفسه، 290).

3-2-4. حجية ظواهر القرآن (نفسه، 257).

4-2-4. كفاءة علم الرجال

لم يترك الفاضل التوني ادعاء عدم الحاجة إلى علم الرجال، الذي طرحه الأسترآبادي في «الفوائد المدنية»، دون إجابة (نفسه، 261 و 266 و 267 و 271). بالطبع، يشير التوني أيضاً إلى تأييد أصالة الكتب الأربعة وأخذها من أصول ومصنفات معتمدة لدى الشيعة (نفسه، 277)، وبهذه المقدمة يقول: عندما يحصل لنا علم عادي بأن أخبار الكتب الأربعة مأخوذة من كتب معتمدة بين الشيعة، فإننا لا نحتاج إلى علم بأحوال الرجال حيث لا يوجد معارض لها، وفي حال التعارض، نبحث فيما يرجح أحد المتعارضين على الآخر، مثل العرض على كتاب الله، والعرض على مذهب العامة، وكذلك حال الراوي وكثرة الرواة ووثاقتهم و… . بالطبع، جواز العمل بالكتب الأربعة لا يعني قطعية صدورها، ولذا فإن قطعية العمل (القطع بجواز العمل في حال عدم التعارض) لا تقتضي قطعية الحديث (نفسه، 277).

3-4. المحقق السبزواري (ت 1090هـ)

محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري، المشهور بـ«المحقق السبزواري»، من تلاميذ محمد تقي المجلسي، والشيخ البهائي، والميرفندرسكي، وأستاذ المحقق الخوانساري، والمير محمد صالح الخاتون آبادي، والميرزا عبد الله الأفندي. للمحقق السبزواري في كتاب «ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد»، وهو شرح على «إرشاد الأذهان» للعلامة الحلي، آراء تظهر بوضوح تأثره بالأخبارية، وأنه قصد أن يكون حلقة وصل بين الأخبارية والاجتهاد، وبتعبير آخر، أن يؤسس لاجتهاد ذي نزعة إخبارية. يعود تأليف «ذخيرة المعاد» إلى حدود عام 1050هـ (الطهراني، 1403هـ، 10: 19)، أي العصر الذي نذكره بعنوان عصر الأزمة العلمية، ويحاول المحقق السبزواري بأخباريته أن يغطي إلى حد ما نواقص نموذج فقه الحلقة الفكرية للمحقق الأردبيلي. يوضح منهجه الفقهي في مواجهة الأخبار قائلاً: «أنا أعمل بكل خبر يحصل منه الظن بانتسابه إلى المعصوم (ع)» (المحقق السبزواري، بلا تا، 1: 3، 5). للسبزواري في «ذخيرة المعاد» آراء تدل بوضوح على تأثره بالمدرسة الأخبارية. على سبيل المثال، يعتبر روايات «من لا يحضره الفقيه» معتبرة بسبب كلام المؤلف في مقدمة الكتاب (نفسه، 1: 10، 22، 27، 39)، وكذلك يعتبر الروايات الموجودة في الأصول والمصنفات المعتمدة لدى الإمامية معتبرة. يعتبر منهجه الفقهي في «ذخيرة المعاد» هو تصحيح الأخبار على أساس سيرة القدماء (اعتبار المصدر)، ولذا أحياناً، على الرغم من ضعف السند، إلا أن السبزواري، بتبرير أن الرواية في كتاب معتبر أو أصل مشهور أو أن الواسطة من مشايخ الإجازة، يعتبرها معتبرة، ويعتبر ضعف السند غير ضار (نفسه، 1: 4، 3، 9، 22، 39)، ويعتبر الغرض من ذكر مشايخ الإجازة والوسطاء في السند مجرد مراعاة اتصال السند (المحقق السبزواري، ذخيرة المعاد، 2: 223، 305، 310)، دون أن يكون الاعتماد على نقلهم (نفسه، 1: 39). بالإضافة إلى ذلك، للسبزواري آراء تدل على سعيه لتوسيع دائرة قبول الروايات وأنه لم يتبع النموذج الفكري للمحقق الأردبيلي وتلامذته في مواجهة السنة. بعض هذه الآراء هي: حجية الروايات الموثقة (نفسه، 1: 3، 89)، حجية نظرية الانجبار (نفسه، 1: 4، 7، 34، 37، 39، 42، 43، 94)، حجية مراسيل أصحاب الإجماع ومشايخ الثقات (نفسه، 1: 5، 3، 37، 41، 48، 62، 160)، وحتى يعتبر نقل أصحاب الإجماع عن شخص مشعراً بحسن حاله (نفسه، 1: 37، 2: 285).

4-4. تبيين سبب تفوق المدرسة الأخبارية على النماذج الموازية الأخرى المطروحة

لماذا من بين هذه النماذج الثلاثة البديلة المطروحة في النصف الأول ومنتصف القرن الحادي عشر، كان هذا النموذج الفكري الذي طرحه الأسترآباديون هو الذي لاقى قبولاً من المجتمع العلمي الإمامي؟ في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى نقطتين: أولاً، أن الكشف عن عدم كفاءة نظرية أصالة السند أدى إلى أن المجتمع العلمي الإمامي لم يكن ليقبل شيئاً سوى ثورة علمية، ولذا فإن محاولات الشيخ البهائي والميرداماد في إجراء إصلاحات داخل مدرسة الحلة والعودة إلى سيرة المتقدمين من مدرسة الحلة لم تجد نفعاً. من الطبيعي أن تشددات بعض فقهاء مدرسة وثوق السند هيأت مقدمات وأسباب ظهور الأخبارية والاعتقاد بقطعية صدور روايات المجامع الروائية المتقدمة (مكارم الشيرازي، 1427هـ، 1: 119)؛ كما أن هذه الفترة (عصر المحقق الأردبيلي حتى العقود الأخيرة من القرن الثاني عشر) تُعرف بفترة التطرف (الإفراط والتفريط) (الهاشمي الشاهرودي، 1381هـ.ش، العدد 32)، وقد أثبتت التجربة أيضاً أنه كلما تطرفت مجموعة في مسلك واعتقاد، كان للمخالفين أيضاً تشددات في النقطة المقابلة (الرباني، 1394هـ.ش، 79). النقطة الثانية هي أن محاولات أولئك الذين سعوا إلى الجمع بين الطريقة الأخبارية والأصولية وتقديم اجتهاد ذي نزعة إخبارية كانت محاولة متأخرة؛ لأن «الفوائد المدنية» كانت قد انتشرت بين الإمامية واكتسبت قبولاً نسبياً، وكانت موجة الأخبارية قد بدأت في المجتمع العلمي الإمامي؛ ولذا، قبل أن تجد نظرية هذا الطيف قبولاً، كانت محاولات المجلسي الأول في إجراء إصلاحات داخل الأخبارية ورسم صورة أكثر قبولاً واعتدالاً وقابلية للقبول منها، أكثر تأثيراً. ولكن لماذا من بين النموذج الفكري للملا عبد الله الشوشتري (إعادة إنتاج نظرية المتكلمين المتقدمين: الشيخ المفيد والسيد المرتضى) والميرزا محمد ومحمد أمين الأسترآبادي (إعادة إنتاج نظرية المحدثين المتقدمين: الكليني والصدوق)، وجدت نظرية الأسترآباديين قبولاً؟ كان القدماء يحكمون بصحة أحاديث الرواة بناءً على القرائن (اعتبار المصدر)، ولذا، على الرغم من أن الشيخ المفيد والسيد المرتضى لم يكونا يعتبران أخبار الآحاد حجة، إلا أنهما كانا يعتبران معظم روايات مصنفات الإمامية مستوفية لشرط التواتر والاحتفاف بالقرائن (السيد المرتضى، 1405هـ، 3: 312). ولكن مع مرور الزمن وزوال أصول ومصنفات المؤلفين الثقات، قلت قرائن الاطمئنان بصدور الحديث كثيراً، وأصبح الحصول على مثل هذه القرائن صعباً جداً، ولذا اضطر المتأخرون إلى اللجوء إلى التقسيم الرباعي الذي يقوم على دراسة السند وأحوال رواة الحديث. من العوامل المهمة التي أدت إلى ظهور التنويع الرباعي، الكشف عن ضعف النموذج السابق في فقه ابن إدريس الحلي. إذا كان النظام الفقهي مبنياً على القرائن، فمن الطبيعي أنه مع فقدان القرائن من جهة والإصرار على هذا النموذج في توثيق الأحاديث من جهة أخرى، يتم تجاهل العديد من الأخبار لكونها خبر واحد وعدم إفادتها للعلم، وهذا الأمر ظهر في فقه ابن إدريس الحلي، وتعرض لانتقادات الأصوليين (الحلي، 1413هـ، 9: 370 و 4: 356 و 7: 5) والأخباريين (الكركي، بلا تا، 94؛ الأسترآبادي، 1424هـ، 79) بعده، حتى أنهم وصفوه بالمخلط (التستري، 1419هـ، 9: 93) والمعرض عن أخبار أهل البيت (ع) (ابن داود، 1383هـ.ش، 498). لذا، فإن الطريق الذي سلكه الشوشتري أظهر عدم كفاءته سابقاً في فقه ابن إدريس، وهيأ موجبات تغيير نموذج توثيق الروايات إلى المعيار السندي. حتى الشوشتري نفسه كان، في العمل، بالاحتياط، لا يترك العمل بأي خبر واحد، حتى لو كان ضعيفاً في النهاية (المجلسي، بلا تا، 1: 43، 213).

5. الاستنتاج

1- أدت التشددات في الحلقات الأخيرة لمدرسة الحلة في قبول الروايات إلى ظهور انتقادات تجاه نموذج قبول الروايات في مدرسة الحلة، وهذا الأمر مهد الطريق لأزمة علمية وتقديم نماذج فكرية جديدة في مواجهة السنة.

2- في النصف الأول من القرن الحادي عشر، ظهر طيف على رأسه الملا عبد الله الشوشتري والميرزا محمد الأسترآبادي، اقترحوا العودة إلى سيرة المتقدمين (بالطبع، أحدهما المتكلمون المتقدمون والآخر المحدثون المتقدمون) في توثيق الأحاديث.

3- في مواجهة النموذج الفقهي للحلقة الفكرية للمحقق الأردبيلي، ظهر طيف من علماء مدرسة الحلة (مثل الشيخ البهائي والميرداماد) بعده، وسعوا إلى إجراء إصلاحات داخل مدرسة الحلة وتوسيع دائرة قبول الروايات.

4- في منتصف القرن الحادي عشر، ظهر طيف من المجتهدين، منهم محمد بن الحسن بن زين الدين، والفاضل التوني، والمحقق السبزواري، بعد تأليف «الفوائد المدنية» وقبل أن تحظى الأخبارية بقبول عام، وتحت تأثير «الفوائد المدنية»، تبنوا اجتهاداً ذا نزعة إخبارية. هؤلاء أخذوا الاجتهاد من الأصوليين والميول النصية من الأخباريين المعتدلين.

5- من بين أنواع النماذج الفكرية المطروحة في كيفية مواجهة السنة، كان نموذج الميرزا محمد الأسترآبادي هو الذي نُظِّر له على يد تلميذه العبقري محمد أمين في قالب «الفوائد المدنية»، ولاقى قبولاً في المجتمع العلمي الإمامي، وهيمنت المدرسة الأخبارية على الحياة الفكرية الإمامية.

المصادر

ابن داود الحلي، الحسن بن علي، رجال ابن داود، طهران، جامعة طهران، 1383 هـ.ش.

ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، المقتصر من شرح المختصر، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1410هـ.

المهذب البارع في شرح المختصر النافع، قم، النشر الإسلامي، 1407هـ.

ابن المطهر الأسدي، الحسن بن يوسف (العلامة الحلي)، خلاصة الأقوال، قم، نشر الفقاهة، 1417هـ.

منتهى المطلب في تحقيق المذهب، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1414هـ.

مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، قم، النشر الإسلامي، 1413هـ.

الأردبيلي، أحمد بن محمد (المحقق الأردبيلي)، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم، النشر الإسلامي، بلا تاريخ.

الأسترآبادي، الملا محمد أمين وسيد نور الدين العاملي، الفوائد المدنية والشواهد المكية، قم، إسلامي، 1424هـ.

دانشنامه شاهي، طهران، مكتبة ومتحف ومركز وثائق مجلس الشورى الإسلامي، بلا تاريخ (نسخة خطية).

الأفندي الأصفهاني، عبد الله بن عيسى، تعليقة أمل الآمل، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1410هـ.

الأمين، السيد حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1989م.

الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة، بيروت، دار التعارف، 1406هـ.

البحراني، يوسف بن أحمد (المحدث البحراني)، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم، النشر الإسلامي، بلا تاريخ.

البشروي الخراساني، المولى عبد الله بن محمد (الفاضل التوني)، الوافية في أصول الفقه، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1412هـ.

البهبهاني، محمد باقر، حاشية مجمع الفائدة والبرهان، قم، مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، 1417هـ.

الرسائل الأصولية، قم، مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، 1416هـ.

الفوائد الحائرية، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1415هـ.

البهشتي، إبراهيم، إخباري گري (تاريخ وعقائد)، قم، دار الحديث، 1390هـ.ش.

التبريزي، موسى بن جعفر، أوثق الوسائل في شرح الرسائل، قم، كتبي نجفي، 1369هـ.ش.

التستري، محمد تقي بن محمد كاظم، قاموس الرجال، قم، النشر الإسلامي، 1419هـ.

التنكابني، محمد بن سليمان، قصص العلماء، قم، حضور، 1380هـ.ش.

الحسيني الأسترآبادي، محمد باقر (الميرداماد)، الرواشح السماوية، قم، دار الحديث، 1422هـ.

الحلي، محمد بن حسن، إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، قم، المطبعة العلمية، 1387هـ.ش.

الخوانساري، حسين بن جمال الدين (المحقق الخوانساري)، مشارق الشموس في شرح الدروس، قم، آل البيت (ع)، بلا تاريخ.

الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، قم، إسماعيليان، بلا تاريخ.

الرباني، محمد حسن، فقه وفقهاي إماميه در گذر زمان، طهران، چاپ ونشر بين الملل، 1390هـ.ش.

واكاوي معجم رجال الحديث، مشهد، بنياد پژوهشهاي إسلامي، 1394هـ.ش.

السبحاني التبريزي، جعفر، أدوار الفقه الإمامي، قم، إمام صادق (ع)، 1424هـ.

موسوعة طبقات الفقهاء، قم، إمام صادق (ع)، 1418هـ.

السبزواري، الملا محمد باقر (المحقق السبزواري)، ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، قم، آل البيت (ع)، بلا تاريخ.

السيوري الحلي، مقداد بن عبد الله (الفاضل المقداد)، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، قم، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1404هـ.

الطهراني، آغا بزرگ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، بيروت، دار الأضواء، 1403هـ.

العاملي، محمد بن حسن، استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار، قم، آل البيت (ع)، 1419هـ.

العاملي، محمد بن مكي (الشهيد الأول)، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، قم، آل البيت (ع)، 1419هـ.

العاملي، الحسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين (المقدمة في أصول الفقه)، قم، النشر الإسلامي، 1417هـ.

معالم الدين وملاذ المجتهدين (قسم الفقه)، قم، الفقه، 1418هـ.

منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، قم، النشر الإسلامي، 1362هـ.ش.

العاملي، حسين بن عبد الصمد، وصول الأخيار إلى أصول الأخبار، قم، مجمع الذخائر الإسلامية، 1401هـ.

العاملي، زين الدين بن نور الدين (الشهيد الثاني)، الرعاية في علم الدراية، قم، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1408هـ.

الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، قم، مكتبة الداوري، 1410هـ.

مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم، المعارف الإسلامية، 1413هـ.

العاملي الموسوي، السيد محمد بن علي، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، قم، آل البيت (ع)، 1410هـ.

العاملي، محمد بن حسين (الشيخ البهائي)، الحبل المتين، قم، بصيرتي، بلا تاريخ ألف.

مشرق الشمسين وإكسير السعادتين، قم، بصيرتي، بلا تاريخ ب.

زبدة الأصول، قم، مدرسة ولي العصر (ع)، 1423هـ.

العاملي، محمد بن حسن (الحر العاملي)، الفوائد الطوسية، قم، المطبعة العلمية، 1403هـ.

تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، آل البيت (ع)، 1414هـ ألف.

هداية الأمة إلى أحكام الأئمة (ع)، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1414هـ ب.

العلوي العاملي، السيد أحمد بن زين العابدين، مناهج الأخيار في شرح الاستبصار، بلا مكان، بلا ناشر، بلا تاريخ.

الغلامي، عبد الله، «جايگاه وكاركرد أصول وقواعد فقه الحديثي در «استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار»»، مطالعات فهم حديث، شماره 2؛ بهار وتابستان 1394هـ.ش، 75-97.

الكاظمي، عبد النبي بن علي، تكملة الرجال، قم، أنوار الهدى، 1425هـ.

كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين، بيروت، المثنى – دار إحياء التراث العربي، بلا تاريخ.

الكركي العاملي، حسين بن شهاب الدين، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار، بلا مكان، بلا ناشر، بلا تاريخ.

الكركي، علي بن حسين (المحقق الكركي)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم، آل البيت (ع)، 1408هـ.

كون، توماس، ساختار انقلاب هاي علمي، ترجمة سعيد زيباكلام، طهران، سمت، 1389هـ.ش.

المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، بلا مكان، كوشانبور، بلا تاريخ.

المجلسي، محمد باقر، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، قم، مكتبة آية الله المرعشي، 1406هـ.

مكارم الشيرازي، ناصر، دائرة المعارف فقه مقارن، قم، إمام علي بن أبي طالب (ع)، 1427هـ.

الموسوي البغدادي، علي بن حسين (السيد المرتضى)، رسائل الشريف المرتضى، قم، دار القرآن الكريم، 1405هـ.

النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم، جامعة المدرسين، 1376هـ.ش.

النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنفي الشيعة)، قم، جامعة المدرسين، 1407هـ.

النمازي الشاهرودي، علي، مستدركات علم رجال الحديث، طهران، شفق، 1412هـ.

الأعلام الهادية الرفيعة في اعتبار الكتب الأربعة المنيعة، قم، جامعة المدرسين، 1428هـ.

الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود، «مكتب فقهي أهل بيت (ع)»، فقه أهل بيت، شماره 32، زمستان 1381هـ.ش.

فرهنگ فقه مطابق مذهب أهل بيت عليهم السلام، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت (ع)، 1426هـ.

الهوامش

1. توجد ثلاثة أنواع من الشهرة: الشهرة الروائية، والشهرة العملية (الشهرة في الاستناد والعمل) (الشهرة المؤيدة للرواية الضعيفة)، والشهرة الفتوائية (انظر: النائيني، 1376هـ.ش، 3: 153). والمقصود بالشهرة هنا هو الشهرة العملية، والمشهور بين الفقهاء أن عمل المشهور (فقهاء ما قبل الشيخ الطوسي) وفقاً لرواية ضعيفة السند (الشهرة العملية) يجبر ضعف سندها (نظرية الانجبار)، ويمكن العمل بتلك الرواية (الهاشمي الشاهرودي، 1426هـ، 1: 682).

2. لا يعترف الأخباريون لعلم «دراية الحديث» بأي اعتبار، ويعدّونه من علوم العامة التي ابتدعوها لتوافق ما جرى على حديثهم (الحر العاملي، 1403هـ، 257).

3. لأول مرة، نجد استخدام مصطلح «القوي» في آثار العلامة الحلي (الحلي، 1413هـ، 4: 220؛ 7: 273) وابنه (فخر المحققين، 1387هـ.ش، 3: 90، 193). بل إن العلامة الحلي في الفائدة الثامنة من فوائد الرجال في نهاية «خلاصة الأقوال» استخدم مصطلح القوي بدلاً من الموثق (الحلي، 1417هـ، 443-435)، ونشهد رؤية مشابهة لدى ابن داود الحلي في تنبيهات نهاية كتابه (ابن داود، 1383هـ.ش، 558). ولهذا المصطلح استخدام بين الفقهاء أيضاً، لكنهم غالباً ما يستخدمونه بمعنى «المعتبر» في مقابل الرواية الضعيفة. كما طرحه البعض مثل الشهيد الأول (الشهيد الأول، 1419هـ، 1: 48)، وابن فهد الحلي (1407هـ، 1: 66)، والشهيد الثاني (1408هـ، 84)، وحسين بن عبد الصمد العاملي (1401هـ، 98) كمصطلح ثانوي (ضمن الحديث الموثق). إلا أن الشيخ البهائي (البهائي، بلا تا ألف، 5) والميرداماد (1422هـ، 72) هما اللذان طرحا المصطلح الخماسي بإضافة هذا المصطلح إلى التقسيم الرباعي.

4. للاطلاع على بقية الأصول والقواعد الفقهية الحديثية عند صاحب «استقصاء الاعتبار»، انظر: غلامي، 1394هـ.ش، 2: 75-97.

Scroll to Top