المستخلص
تُعَدُّ روايات الأريكة تقريراً استشرافياً وتنبؤياً يعكس هواجس النبي الأكرم (ص) بشأن كيفية تعامل الأجيال القادمة مع الأحاديث. فبناءً على ما ورد في هذه الروايات، يحذر النبي (ص) أمته من ظهور تيار في المستقبل يهجر الروايات ويعتبر القرآن وحده مصدراً واجب الاتباع. وقد دفعت شهرة هذه الروايات لدى محدثي أهل السنة بالتيار التاريخي الكلاسيكي إلى قبول هذه التقارير، حتى عُدَّت وصفاً موضوعياً لوقائع زمن النبي (ص). في حين أنه في دراسات التيارات، لا تتمتع تقارير النصوص القديمة بالضرورة بموضوعية تاريخية، بل قد تكون في كثير من الأحيان إعادة إنتاج لدوافع تنافسية وهوياتية تعود إلى عصور لاحقة. انطلاقاً من هذه الفرضية، يتناول هذا البحث تحليل روايات الأريكة، ويتوصل إلى نتيجة مفادها أن هذه الروايات، بدلاً من أن تشير إلى مسار تاريخي أصيل وتعكس مواجهة النبي (ص) للفكر القرآني والعداء للحديث، هي نتاج مواجهة أدارها أهل الحديث لاحقاً في صراعهم مع التيارات الأخرى. لقد كان الفكر القرآني، الذي شكّل عقبة كأداء في مسار الاتجاه الحديثي، دافعاً لتيار المحدثين لتعزيز مكانتهم بين المسلمين من خلال الرواية الواسعة لروايات الأريكة عن النبي (ص) التي تذمّ مناهضي الحديث والقرآنيين.
1. طرح المسألة
يُعد تبيين العلاقة المنطقية بين القرآن والحديث أحد الموضوعات الإشكالية في مجال الدراسات الحديثية. وتشير نشأة التيارات الفكرية المختلفة حول هذه القضية منذ القرن الأول الهجري وحتى يومنا هذا إلى أهميتها وتعقيدها وضرورة تبيينها. في هذا المجال، يمكن تحديد تيارين رئيسيين هما تيار القرآنيين وتيار المحدثين، واللذان تفرعت عنهما تيارات أخرى فرعية. أما تيار القرآنيين، الذي حظي بدعم الخلفاء بعد وفاة النبي الأكرم (ص) واستمر في وجوده قرابة قرن من الزمان، فقد جعل من مناهضة الحديث أو بعبارة أخرى محاربة تدوين الحديث شغله الشاغل. وقد استأنف هذا التيار نشاطه في القرون الأخيرة تحت مسمى “القرآنيون” في بعض المناطق الإسلامية (راجع: آهنگ وآریان فر، 1397ش، 55-73).
في المقابل، استطاع تيار المحدثين، الذي ظهر في أوائل القرن الثاني الهجري بالتزامن مع رفع القيود عن تدوين الحديث، أن يدفع بالتيار القرآني إلى العزلة بسرعة، وأن يواصل مسيرته كتيار قوي لا منافس له.
إن تحليل هذا النوع من التيارات الحديثية كظاهرة تاريخية شهدت تحولات عبر الزمن، ودراسة هذه التحولات بشكل منهجي في إطار “دراسة التيارات” أمر ممكن. ومن هنا، استقطبت دراسة التيارات في الدراسات الحديثية اهتمام الباحثين المعاصرين في الحديث (للاطلاع على نموذج، راجع: پاکتجي، 1393ش، 9-27). إن مفهوم “دراسة التيارات”، على الرغم من حداثته، يعد من المفاهيم التي تكررت بتردد عالٍ في الفضاء العلمي والفكري المعاصر. ويضاف هذا المفهوم عموماً إلى عناوين مثل “الفكري” و”السياسي” و”الثقافي”، ليشكّل تركيب “دراسة التيارات الفكرية/الثقافية/السياسية” (راجع: إبراهيم بور، 1398ش، 133).
دراسة التيارات هي علم يبحث في مختلف التيارات الفكرية والثقافية والسياسية أو الاجتماعية. ففي مسار دراسة التيارات، يتم تحليل نشأة وتطور وزوال التيارات المختلفة (أحمدي حاجيكلائي، 1386ش، 29-44). وتُعتبر دراسة التيارات ضرورة لا يمكن إنكارها في مجال الدراسات التاريخية لصدر الإسلام، ومن أهم المجالات التي تكون فيها دراسة التيارات كاشفة ومثمرة هي دراسة التيارات في الدراسات الحديثية (راجع: گرامی، 1398ش، 85). ويرى البعض أن فكرة منهجية ما لا يمكن أن تتحول إلى تيار إلا إذا كانت تتمتع بقاعدة اجتماعية وتظهر في شكل تنظيم اجتماعي (علوي، 1400ش، 21). هذه الفكرة أو الجماعة التي تدعمها، لأي سبب كان، تتميز في نظر مجتمع عصرها، وتكون معروفة ومشاراً إليها لدى غالبية ذلك المجتمع أو لدى الشرائح الاجتماعية المؤثرة (گرامی، 1396ش، 37).
بناءً على ذلك، فإن التمييز بين المعتقد الحقيقي للفرد أو فكرته الفردية وبين تصور المجتمع عن ذلك المعتقد والفكرة أمر بالغ الأهمية. ومن هنا تتشكل التيارات الاجتماعية، وما يهم هنا هو نوع تصور وذهنية المجتمع تجاه معتقد ما. وهذا لا يعني بالضرورة وجود تطابق بين معتقد الفرد الشخصي وذهنية المجتمع تجاهه، بل في كثير من الحالات، تكون الذهنية الاجتماعية تجاه فكرة ما مختلفة عن أصل ذلك المعتقد، وما يمهد لتشكل تيار ما قد يكون “الإحساس بالتقابل والاختلاف” لا “وجود التقابل والاختلاف في نفس الأمر”. بناءً على ذلك، يمكن القول إن معيار تشكل وتميز العديد من التيارات هو “حس التقابل” لا “وجود التقابل” (گرامی، نفس المرجع). وهذه الملاحظة تصدق أيضاً على التقارير التاريخية في النصوص القديمة. فأحياناً، لا تنتمي رواية ما إلى تيار اجتماعي متقدم، خلافاً لما يدعيه التيار الحديثي السائد أو يسعى لإثباته، بل هي انعكاس لهواجس تيار متأخر يسعى لتأسيس قاعدة راسخة له من خلال ربط نفسه بالماضي. وتُعد الروايات المسماة بروايات الأريكة نموذجاً مناسباً لهذا النوع من الدراسات، وهو ما سيتم تحليله لاحقاً.
تُظهر خلفية البحث أنه بصرف النظر عما قاله شراح الحديث من أهل السنة في ذيل روايات الأريكة (راجع: البغوي، 1403هـ، 1: 201)، أو ما تطرق إليه باحثو الحديث الشيعة المعاصرون في سياق ذكر أدلة منع تدوين الحديث (راجع: الأحمدي الميانجي، 1419هـ، 1: 508؛ معارف، 1398ش، 93)، فقد تناولت دراسات مستقلة موضوع “روايات الأريكة” أو “دراسة التيارات” بالبحث والتحليل؛ ومنها مقال “حديث أورنك؛ إعادة قراءة حديث الأريكة كدليل على وحيانية السنة” الذي يشكك كاتبه في الاستدلال بالرواية لإثبات قضية “وحيانية السنة” مع الإشارة إلى ضعف سندها (تمسکی بیدگلی، 1398ش، 127)، ومقال “دراسة تيارات أصحاب الحديث منذ بداية تشكلها حتى عصر هيمنة الأشاعرة” (أمیرخانی، 1391ش، 126-146).
إن ما يميز البحث الحالي عن هذا النوع من الدراسات، وخاصة المقال الأول، هو النظر إليه من زاوية تاريخ الفكر وبمنهج دراسة التيارات، وهو ما لم تتطرق إليه أي من الدراسات السابقة.
2. مسار تطور الرواية عبر الزمن
وُجدت روايات الأريكة في الفترة الممتدة من القرن الثالث حتى أواخر القرن الخامس الهجري في 18 مصدراً من المصادر الأولية لأهل السنة. هذا فضلاً عن المجاميع الروائية والتفاسير المتأخرة التي نقلت الرواية بنفس المتون والأسانيد السابقة. ويعود سبب اختيار هذه الفترة الزمنية إلى أن الشافعي (ت 204 هـ) وعبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ) في السنوات الأولى من القرن الثالث الهجري قدّما أولى تدوينات روايات الأريكة، بينما قدّم الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) أكثر التقارير اختلافاً. وباستثناء البخاري (ت 256 هـ) ومسلم النيسابوري (ت 261 هـ)، روى معظم محدثي أهل السنة هذه الروايات. والمصادر التي أوردت الرواية المذكورة هي، بالترتيب الزمني: مسند الشافعي (ت 204 هـ) (الشافعي، 1400هـ، 1: 151)، ومصنف عبد الرزاق (ت 211 هـ) (الصنعاني، 1403هـ، 10: 453)، ومسند الحميدي (ت 219 هـ) (الحميدي، 1996م، 1: 473)، ومسند ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) (ابن أبي شيبة، 1997م، 2: 403)، ومسند أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 39: 288)، وسنن الدارمي (ت 255 هـ) (الدارمي، 1407هـ، 1: 153)، وسنن ابن ماجه (ت 273 هـ) (ابن ماجه، 1430هـ، 1: 10)، وسنن أبي داود (ت 275 هـ) (أبو داود، 1430هـ، 4: 656)، وسنن الترمذي (ت 279 هـ) (الترمذي، 1996م، 4: 398)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (ت 287 هـ) (ابن أبي عاصم، 1411هـ، 3: 44)، ومسند البزار (ت 292 هـ) (البزار، 2009م، 15: 172)، ومسند أبي يعلى الموصلي (ت 307 هـ) (أبو يعلى الموصلي، 1404هـ، 3: 346)، وصحيح ابن حبان (ت 354 هـ) (ابن حبان، 1414هـ، 1: 25)، وسنن الدارقطني (ت 385 هـ) (الدارقطني، 1414هـ، 1: 181)، والإبانة الكبرى لابن بطة العكبري (ت 387 هـ) (ابن بطة العكبري، 1415هـ، 1: 265)، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (ت 463 هـ) (ابن عبد البر، 1387هـ، 220:4)، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ت 463 هـ) (الخطيب البغدادي، 1357هـ، 11).
تدعي هذه التقارير أن ما لا يقل عن ثمانية من الصحابة قد سمعوا هذه الرواية من النبي (ص). ومن بينهم، تكررت أسماء المقدام بن معديكرب، وأبي هريرة، وأبي رافع، والعرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس بتردد أكبر.
1-2. التدوينات الأولى لروايات الأريكة
الشافعي (ت 204 هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ)، والحميدي (ت 219 هـ) هم أول المحدثين الذين نقلوا روايات الأريكة. يروي الحميدي ما نقله الشافعي تماماً دون أي زيادة أو نقصان في السند والمتن. وفي هذا السياق، يورد عبد الرزاق بواسطة معمر بن راشد روايتين مرسلتين عن أستاذين بصريين، هما قتادة والحسن البصري، لم يرد فيهما أي إشارة إلى لفظ “الأريكة”. في الرواية الأولى، يدعي قتادة (ت 118 هـ) أن النبي (ص) قال: «هَلْ عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُرْتَفِقٌ، قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ يُحَدَّثُ عَنِّي بِالْحَدِيثِ فَيَقُولُ: مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)» (الصنعاني، 1403هـ، 10: 453).
وفي الرواية الثانية، ينقل الحسن البصري عن النبي (ص) قوله: «هَلْ عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى حَشَايَاهُ، يُحَدَّثُ عَنِّي بِالْحَدِيثِ، فَيَقُولُ: مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)، وَمَنْ لَنَا بِذَلِكَ» (نفس المصدر). إن اضطراب عبارات هاتين الروايتين دفع المحدثين اللاحقين إلى تصحيح المتن. وتُعد رواية أبي يعلى الموصلي (ت 307 هـ) عن جابر بن عبد الله عن رسول الله (ص) أقرب نسخة لروايات عبد الرزاق، وهي كالتالي: «عَسَى أَنْ يُكَذِّبَنِي رَجُلٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي، فَيَقُولُ: مَا قَالَ ذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)؟، دَعْ هَذَا وَهَاتِ مَا فِي الْقُرْآنِ» (أبو يعلى الموصلي، 1404هـ، 3: 346).
من المحتمل أن تكون هاتان الروايتان المرسلتان هما أولى تدوينات روايات الأريكة التي لم تفقد بساطتها بعد ولم تتعرض لتغييرات وتحويرات تحريرية. وعلى الرغم من أن هاتين الروايتين أقل شهرة ولم تحظيا باهتمام المحدثين اللاحقين بسبب ضعف سندهما وعدم إتقان عباراتهما، إلا أن عبارتي «وهو مرتفق»1 و«هو متكئ على حشاياه»2 اللتين وردتا حصرًا في هاتين الروايتين، استُبدلتا لاحقًا من قبل محدثين آخرين من أهل السنة بالعبارة المشهورة «وهو متكئ على أريكته».
2-2. دور الشافعي في ترسيخ خطاب أصحاب الحديث بالاعتماد على روايات الأريكة
لعب الشافعي (ت 204 هـ)، بوصفه حلقة وصل بين أصحاب الحديث المتقدمين وأصحاب الحديث المتأخرين (پاکتجي، 1390ش، 106)، دوراً لا مثيل له في ترسيخ خطاب أصحاب الحديث وتهميش خطاب أصحاب الرأي. وسعياً منه لتحطيم هيمنة خطاب أصحاب الرأي، مضى قدماً لدرجة أنه رفض حتى نهج أقرانه السابقين مثل مالك بن أنس (ت 179 هـ)، وقدم تعريفاً ضيقاً للسنة، فأخرج الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين، التي كانت يمكن أن تُعتبر رأيهم الشخصي، من دائرة شمول السنة. فإذا كان محدثون مثل مالك والأوزاعي قبل ذلك يعتبرون لرأي الصحابة والتابعين اعتباراً ومكانة، فإن الشافعي لم يعتبر تقليد رأي الصحابة والتابعين حجة، إلا ما كان منسوباً إلى النبي (ص). وخلافاً لرأي من يعتقدون أن الشافعي أقدم على ذلك سعياً للتقريب بين آراء أصحاب الحديث وأصحاب الرأي (راجع: قاسم پور ومهمان نواز، 1394ش، 124)، فإن هذا الإجراء يجب أن يُحسب في سياق التغلب على آراء أصحاب الرأي.
ولم يدخر الشافعي وسعاً في سبيل تحقيق هذا المقصد. ويمكن تقييم اهتمامه بروايات الأريكة وإبرازها في هذا السياق. فالشافعي هو أول من أدخل عبارة «متكئ على أريكته» في الفضاء الخطابي لهذه الروايات في روايته. ويقدم لنا طريقين لروايات الأريكة: طريق مرسل نُقل عن رسول الله (ص) من طبقة التابعين بواسطة محمد بن المنكدر، وطريق آخر يسعى للارتقاء به إلى درجة الحديث المرفوع وينسبه إلى أبي رافع مولى النبي (ص) المحرر. وكان سفيان بن عيينة، الذي نقل الشافعي كلتا روايتيه عنه، متردداً في نسبة الرواية إلى النبي (ص)، ومعترفاً بأنه أحفظ للطريق المرسل عن محمد بن المنكدر؛ لأنه سمعه أولاً ثم تلقى رواية أبي رافع عن رسول الله (ص) (الشافعي، 1400هـ، 1: 151؛ الحميدي، 1996م، 1: 473).
يكشف الشافعي (ت 204 هـ) في أهم آثاره الفقهية والقانونية، أي كتاب الأم، في سياق جدلي، عن رواية الأريكة. فالشخص الذي يناظره، على الأقل كما ينقل الشافعي، كان يعتبر القرآن الكريم معياراً لتقييم الروايات، ويستند في ذلك إلى رواية نبوية (ص) قال فيها: «مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى الْقُرْآنِ؛ فَإِنْ وَافَقَهُ فَأَنَا قُلْتُهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَلَمْ أَقُلْهُ» (الشافعي، 1410هـ، 7: 16). وفي موضع آخر، يقول بسنده: إن النبي (ص) بعد أن سمع أن اليهود يكذبون على عيسى (ع)، صعد المنبر وقال: «إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي، فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي، وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ عَنِّي» (نفسه، 7: 339).
يرد الشافعي على استدلال الخصم بادعاء أن الرواية المذكورة غير مشهورة بين المحدثين، ويستشهد في المقابل برواية الأريكة. وينقل بسنده عن أبي رافع عن رسول الله (ص) قوله: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» (الشافعي، بدون تاريخ، 7: 16؛ نفسه، 1400هـ، 1: 151؛ نفسه، 1427هـ، 3: 1329؛ نفسه، 1423هـ، 1: 53).
إن الخطاب الذي يقدمه الشافعي على أنه خطاب منافس، تحت عنوان روايات العرض، كان معروفاً ومشهوراً لدى محدثي الشيعة؛ لكن محدثي أهل السنة الأوائل كانوا ينظرون إلى هذه الروايات بعين الإنكار (للاطلاع على آراء معارضي روايات العرض، راجع: نوروزي، نقي زاده ومرتضوي، 1393ش، 131-159). ومع ذلك، يمكن تتبع آثار هذا الفكر في بعض التقارير السنية. ففي الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، قدم اثنان على الأقل من محدثي أهل السنة تقريراً مشابهاً لما نقله الشافعي، ولكن مع إضافة جديرة بالاهتمام. فقد روى الدارقطني (ت 385 هـ) وابن بطة العكبري (ت 387 هـ) بسند مشابه عن ابن عمر عن النبي (ص) أن النبي خاطب عمر بن الخطاب قائلاً: «يَا عُمَرُ، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ ثُمَّ يُكَذِّبُنِي، مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ، فَأَنَا قُلْتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ فَلَمْ أَقُلْهُ» (ابن بطة العكبري، 1415هـ، 1: 265؛ الدارقطني، 1414هـ، 1: 181).
هذا التقرير، الذي يفضل الشافعي حذف عبارة “يا عمر” من بدايته، سواء كان تدوينه سنياً أصيلاً أم له جذور في خطاب المنافس، يحكي عن تيار كان يعتبر عمر بن الخطاب المصداق الواضح لروايات الأريكة. وما ذكره الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ) بعد نقله لروايات الأريكة، عن إقدام عمر على حبس ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي ذر بسبب روايتهم عن النبي (ص) (الحاكم النيسابوري، 1417هـ، 1: 181)، يدل على شهرة هذا التصور وهذا التيار. ومع ذلك، استطاع الشافعي وأصحاب الحديث أن يوجهوا نصل هذه الروايات من مصداقها الواضح، أي الخليفة الثاني، نحو خصومهم من أصحاب الرأي والقرآنيين.
على أي حال، فإن هذه التقارير الأولى لروايات الأريكة وكيفية تعامل الشافعي معها تشير إلى وجود تيارين: أحدهما تيار قرآني يدعو إلى محورية القرآن على الإطلاق، أو محوريته في مقام تقييم الروايات، والآخر هو تيار المحدثين الذي بلغ في العقود الأخيرة من القرن الثاني الهجري من القوة ما جعل الأوزاعي (ت 157 هـ) ينقل عن شيوخه ادعاءه الصريح بأن «الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ» و «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ» (راجع: سعيد بن منصور، 1433هـ، 8: 505؛ المروزي، 1408هـ، 33؛ ابن شاهين، 1415هـ، 46).
كما أن الشافعي هو أول من أماط اللثام بوضوح عن النزاع بين القرآنيين وأهل الحديث. ويوضح في كتاب “جماع العلم” أولى علامات هذا النزاع بقوله: إنه لم يسمع من أي شخص يدعي العلم أو يعتبره الآخرون عالماً أنه ينكر وجوب طاعة أوامر النبي (ص) التي أوجبها الله تعالى، أو أنه لا يلتزم إلا بالقرآن وسنة رسول الله (ص). ولم يشكك أحد في وجوب قبول الأخبار الواردة عن رسول الله (ص) إلا جماعة سأبين آراءهم قريباً (الشافعي، 1423هـ، 1: 3).
ويمضي الشافعي في تصنيف معارضي الحديث في ثلاث فئات: الفئة الأولى التي يسميها «الطائفة التي ردت الأخبار كلها»، وهم مناهضو الحديث الذين لا يقبلون أي حديث. والفئة الثانية هم الذين يحصرون وظيفة الحديث في تبيين الأحكام والمفاهيم الموجودة في القرآن، وهم في الحقيقة يعارضون وظيفة الحديث المستحدثة. وأخيراً، الفئة الثالثة هم معارضو خبر الواحد (نفس المرجع). وبالطبع، لم يحدد الشافعي الجماعات المنافسة وفضّل عدم ذكر أسمائها. كما لم يشر كبار أهل الحديث الآخرون إلى هؤلاء الأفراد. ولاحقاً، ادعى الخضري بك في “تاريخ التشريع الإسلامي” أن الشافعي في مناظرته مع أصحاب الرأي، نسب الفكر القرآني ومعارضة الحديث إلى جماعة من أهل البصرة. ويرجح أنه نظراً لكون البصرة في ذلك الوقت مركزاً للجدل الكلامي لجماعات مهمة مثل المعتزلة، ونشأة معظم المعتزلة في البصرة، فمن المحتمل أن يكون الأفراد الذين أشار إليهم الشافعي من معتزلة البصرة (الخضري بك، 1427هـ، 147).
وهذا التحليل لا يبدو بعيداً عن الواقع، خاصة عندما نرى أن عبد الرزاق الصنعاني نقل كلتا روايتيه المرسلتين عن أساتذة بصريين، وهما قتادة والحسن البصري. وبصرف النظر عن كون هاتين الروايتين مرسلتين، فإن تحليلهما من منظور تاريخ الفكر وبمنهج دراسة التيارات يشير إلى أنه في البصرة، كانت بعض أحاديث رسول الله (ص) تُنكر أو على الأقل كان الآخرون يعرفونهم بهذه السمة. ويبدو أن الإشكال الرئيسي لديهم كان في مرحلة الثبوت لا الاعتبار؛ ولذلك كانوا يقولون: «مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)». ومع مرور الزمن، تم تفسير هذا الموقف تجاه الحديث على أنه عداء للحديث. ولهذا السبب، فإن الشافعي، الذي توفي قبل عبد الرزاق الصنعاني بسنوات قليلة ويُعتبر معاصراً له من حيث الزمن، يقف بحزم في مواجهة هذا الموقف. وفي السنوات الأولى من القرن الرابع الهجري، وكما يروي أبو يعلى الموصلي (ت 307 هـ)، فُسِّر هذا القول على أنه يعني التقابل مع الحديث والميل إلى القرآن: «دَعْ هَذَا وَهَاتِ مَا فِي الْقُرْآنِ» (أبو يعلى الموصلي، 1404هـ، 3: 346).
بناءً على ذلك، يمكن القول إن روايات الأريكة أتاحت للشافعي وأصحاب الحديث الفرصة لقمع أي فكر معادٍ للحديث بشدة، بالاستناد إلى هذه الروايات. وبعد الشافعي أيضاً، أصبحت هذه الروايات أداة لمحاربة الفكر القرآني وترسيخ الفكر الحديثي.
3-2. تقارير متنوعة عن روايات الأريكة
يُظهر فحص تقارير المصادر القريبة من منتصف القرن الثالث الهجري أن المحدثين كانوا يسعون للحصول على نماذج أكثر تنوعاً من روايات الأريكة. لم يكن القرن الثالث الهجري قد انتصف بعد، ولم يمض وقت طويل على التدوينات الأولى لروايات الأريكة، حتى ظهرت تقارير متنوعة من حيث السند والمحتوى في حلقات الحديث والمصادر المكتوبة. فإذا كنا نواجه حتى ذلك الحين عدة روايات مرسلة في الغالب، فإننا في مسند أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) نواجه طيفاً أكثر تنوعاً من الرواة والصحابة الذين ادعوا سماع روايات الأريكة من النبي (ص).
وقد روى أحمد بن حنبل روايات الأريكة عن أبي رافع وأبي هريرة والمقدام بن معديكرب. والرواية التي نقلها الشافعي والحميدي قبله عن أبي رافع بواسطة ابن عيينة، ينقلها أحمد بن حنبل بتغيير طفيف بواسطة ابن لهيعة عن أبي رافع على النحو التالي: «لَأَعْرِفَنَّ مَا يَبْلُغُ أَحَدَكُمْ مِنْ حَدِيثِي شَيْءٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: مَا أَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 39: 288). إذا اعتبرنا تغيير أسلوب النفي «لَا أُلْفِيَنَّ» الذي ورد في تعبير الشافعي إلى أسلوب التأكيد «لَأَعْرِفَنَّ» هنا مهماً، فإن الرواية المذكورة تكون قد غيرت طبيعتها من وظيفة تحذيرية إلى وظيفة تنبؤية.
في رواية أخرى ينقلها أحمد بن حنبل بسنده عن أبي هريرة، عمد الراوي إلى النقل بالمعنى بهدف تجريد روايات العرض من وظيفتها. وفي هذه الرواية، يُدعى أن رسول الله (ص) قال: «لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَتَاهُ عَنِّي حَدِيثٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ فِي أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ اتْلُوا عَلَيَّ بِهِ قُرْآنًا، مَا جَاءَكُمْ عَنِّي مِنْ خَيْرٍ قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ فَأَنَا أَقُولُهُ، وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي مِنْ شَرٍّ فَأَنَا لَا أَقُولُ الشَّرَّ» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 14: 400).
إن الفقرة الأخيرة من الرواية التي تدعي أن النبي (ص) قال: «إذا كان الأمر خيراً، سواء قلته أم لم أقله، فاعتبروه مني»، يمكن تقييمها في سياق تجريد روايات العرض من خاصيتها؛ لأنه في هذه الحالة لا تعود هناك حاجة لعرض الروايات على القرآن. وكما قيل سابقاً، كان محدثو أهل السنة يعارضون بشدة روايات العرض، وكان الشافعي يدعي في مواجهة استشهاد خصمه بروايات العرض أن هذه الروايات لا أساس لها من الصحة من وجهة نظره (الشافعي، بدون تاريخ، 7: 16).
وقبل أحمد بن حنبل بقليل، يروي أبو بكر بن أبي شيبة (ت 235 هـ) رواية عن المقدام بن معديكرب تُعد نقطة تحول في هذا المجال، وقد رواها جميع المحدثين اللاحقين تقريباً. يدعي المقدام بن معديكرب أن رسول الله (ص) حرّم أكل بعض الأشياء مثل لحم الحمار ثم قال: «يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» (ابن أبي شيبة، 1997م، 2: 403؛ الدارمي، 1407هـ، 1: 153؛ الدارقطني، 1424هـ، 5: 516). إن الإضافة الأخيرة في الرواية، أي عبارة «أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، هي انعكاس للفكر والتيار الذي كان يؤكد على فكرة تماثل القرآن والسنة.
يقدم أحمد بن حنبل تدوينين آخرين للرواية السابقة نقلاً عن المقدام بن معديكرب. في التدوين الأول، برواية عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معديكرب، نشهد نصاً موسعاً يقدم لنا معلومات إضافية مقارنة بجميع النصوص السابقة: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا…» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 28: 410).
إن الفقرة الأولى من الرواية، أي عبارة «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، هي بوضوح استنباط حر من الفقرة الختامية لرواية ابن أبي شيبة بعبارة «وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ»، مع فارق أن في رواية ابن أبي شيبة يمكن نسبة الإضافة الختامية إلى الراوي؛ أما في هذه الرواية، فإن العبارة المشار إليها قد صيغت على لسان رسول الله (ص). وقد تم تبيين وإثبات تفرد وغرابة هذه الإضافة في رواية عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معديكرب في بحث سابق. يعتقد الكاتب بحق أن رواية الأريكة بعبارة «أوتيت الكتاب ومثله معه»، على الرغم من شهرتها، تُعد من مصطلح الحديث “حديث غريب”؛ لأن رواية الأريكة بالعبارة المذكورة أعلاه لم يروها في طبقة الصحابة إلا المقدام بن معديكرب، وفي طبقة التابعين لم يروها إلا عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي (راجع: تمسکی بیدگلی، 1398ش، 127-147).
في التدوين الثاني، الذي ينقله الحسن بن جابر عن المقدام بن معديكرب، يربط زمن صدور روايات الأريكة بالإطار الزمني لفتح خيبر: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) يَوْمَ خَيْبَرَ أَشْيَاءَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ…» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 28: 429). كان تحديد هذا الإطار الزمني كافياً ليقوم محدثو أهل السنة بعد ذلك بقليل بالكشف عن روايات توضح هذه المسألة بشكل أكبر. في السنوات الأخيرة من القرن الثالث الهجري، يروي أبو داود (ت 275 هـ) وابن أبي عاصم (ت 287 هـ)، كلاهما بسنده عن العرباض بن سارية، نصاً أطول من جميع التقارير السابقة. نقرأ في هذه الرواية أن رسول الله (ص) وعدداً من الصحابة دخلوا خيبر، وكان رئيس خيبر رجلاً سيء الخلق (كان رجلاً منكراً مارداً)، فاعترض على النبي (ص) بأي حق تذبحون حميرنا وتأكلون ثمارنا وتدخلون بيوتنا وتضربون نساءنا؟ فغضب النبي (ص) من فعل الصحابة هذا وأمر عبد الرحمن بن عوف أن ينادي “الصلاة جامعة” ليجتمع الناس، ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلَا تَضْرِبُوا نِسَاءَهُمْ، أَيَحْسَبُ امْرُؤٌ مِنْكُمْ وَقَدْ شَبِعَ حَتَّى بَطِنَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، لَا يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، أَلَا إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُ وَوَعَظْتُ وَأَمَرْتُ بِأَشْيَاءَ هِيَ مِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ مِنَ السِّبَاعِ كُلَّ ذِي نَابٍ، وَلَا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ، وَلَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ…» (ابن أبي عاصم، 1411هـ، 3: 44؛ مع تغيير طفيف في أبي داود، 1430هـ، 4: 656).
في التقارير السابقة، لم تكن هناك أي صلة بين قصة خيبر ورواية الأريكة. وفي الرواية التي نقلها أحمد بن حنبل عن العرباض بن سارية، لم نشهد مثل هذا التفصيل فحسب، بل لم ترد أي إشارة إلى عبارة «وهو متكئ على أريكته» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 28: 384). وفي روايات أحمد بن حنبل الأخرى المتعلقة بغزوة خيبر، لم يرد أي ذكر للعبارة المشار إليها. في إحدى هذه الروايات، يدعي المقدام بن معديكرب أنه كان يقاتل في ركاب خالد بن الوليد، ورغب الأصحاب والرفاق في أكل اللحم؛ فربطوا فرساً واستأذنوني في ذبحه. فاستشرت خالد بن الوليد في هذا الأمر، فقال خالد: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) غَزْوَةَ خَيْبَرَ فَأَسْرَعَ النَّاسُ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ، نَادِ فِي النَّاسِ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ، فَفَعَلْتُ فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُكُمْ أَسْرَعْتُمْ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ، أَلَا لَا تَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ حُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ وَالْإِنْسِيَّةِ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 28: 19؛ في تقرير مشابه، ابن أبي عاصم، 1411هـ، 2: 29؛ بتلخيص في أبي داود، 1430هـ، 5: 623).
وقد روى أحمد بن حنبل قصة مشابهة عن صحابة آخرين مثل جابر بن عبد الله وأبي ثعلبة الخشني: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) خَيْبَرَ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَصَبْنَا بِهَا حُمُرًا مِنْ حُمُرِ الْإِنْسِ فَذَبَحْنَاهَا، قَالَ: فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ (ص) فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَنَادَى فِي النَّاسِ: أَنَّ لُحُومَ حُمُرِ الْإِنْسِ لَا تَحِلُّ لِمَنْ شَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: … لَا تَحِلُّ النُّهْبَى وَلَا يَحِلُّ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَلَا تَحِلُّ الْمُجَثَّمَةُ» (أحمد بن حنبل، 1420هـ، 29: 277، 22: 354).
4-2. الحشوية وروايات الأريكة
من بين جميع التدوينات الموجودة لروايات الأريكة، هناك رواية واحدة فقط منسوبة إلى ابن عباس، وهي فريدة إلى حد ما. هذه الرواية، التي هي بوضوح تقرير متأخر، نقلها الخطيب البغدادي. ويدعي بسنده عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال: «مَا بَالُ أَصْحَابِ الْحَشَايَا يُكَذِّبُونِي، عَسَى أَحَدُكُمْ يَتَّكِئُ عَلَى فِرَاشِهِ يَأْكُلُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُؤْتَى يُحَدَّثُ عَنِّي الْأَحَادِيثَ، يَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهَا، عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ، مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ» (الخطيب البغدادي، 1357هـ، 11). ليس من الواضح تماماً ما إذا كان مقصود الراوي بـ”أصحاب الحشايا” هو التيار الفكري “الحشوية” أم لا. لم يتعرض الخطيب البغدادي ولا أي من محدثي أهل السنة الآخرين لهذه القضية. ومع ذلك، من الواضح أن الراوي قدم استنباطاً حراً من روايات الأريكة، وربما نقلاً بالمعنى للتدوينات الأولى لروايات الأريكة، حيث يقول عبد الرزاق الصنعاني في تقرير منسوب إلى الحسن البصري نقلاً عن النبي (ص): «هَلْ عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى حَشَايَاهُ يُحَدَّثُ عَنِّي بِالْحَدِيثِ، فَيَقُولُ: مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)، وَمَنْ لَنَا بِذَلِكَ» (الصنعاني، 1403هـ، 10: 453).
على الرغم من أنه لم يذكر في أي مصدر “الحشوية” بعنوان “أصحاب الحشايا”، ولكن إذا كان المقصود الحقيقي للراوي هو “الحشوية”، فمع الأخذ في الاعتبار الأطياف المتنوعة التي أُطلق عليها هذا اللقب، على أي منهم سيكون إسناد فكرة الاكتفاء بالقرآن ومعاداة الحديث صحيحاً؟ من بين الجماعات المختلفة التي اشتهرت بهذا الاسم، يبرز اسما الخوارج وأهل الحديث أكثر من غيرهم (راجع: الحسيني الجلالي، 1388ش، 13: 491). إن إطلاق عنوان “أصحاب الحشايا” على الخوارج، الذين كانوا معروفين بتشددهم في قبول الروايات، يمكن أن يكون مصداقاً واضحاً للحشوية التي يحاول تقرير الخطيب البغدادي تطبيق روايات الأريكة عليهم.
3. الاستنتاج
مما سبق يمكن استنتاج ما يلي:
دخلت روايات الأريكة في الفضاء الخطابي لأصحاب الحديث في سياق جدلي وبجهود من الشافعي.
تم التأكيد على هذه الروايات رداً على التيار القرآني، وهو نفس التيار الذي كان، بالاعتماد على روايات العرض، يؤمن بمحورية القرآن على الإطلاق أو بمحوريته في مقام تقييم الروايات.
منذ منتصف القرن الثالث الهجري، حيث قدم أحمد بن حنبل روايات الأريكة بأسانيد ومتون أكثر تنوعاً، تلقى معظم محدثي أهل السنة اللاحقين هذه الروايات بالقبول، لدرجة أن المتأخرين وصفوا شهرة واعتبار هذه الروايات بأنها لا تقبل التشكيك.
لا مكان لهذه الروايات في الفضاء الخطابي الشيعي، ولم يستشهد بها إلا بعض باحثي الحديث الشيعة المعاصرين بهدف الطعن في أداء الخلفاء في منع تدوين الحديث.
الهوامش
1. المرتفق: أي المتكئ (الحربي، 1405 هـ، 2: 355).
2. الحشايا: جمع حشية، وتطلق على ظاهر البطن وبروزه، وعلى الوسادة التي يُتَّكأ عليها (الفيروزآبادي، 1426 هـ، 1: 471).