تحليل اختصاص حديث الرفع بأمة النبي (ص)

ملخص

في حديث الرفع، عُدّ عدم المسؤولية عن الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والوسوسة في التفكر في الخلق، من خصائص الأمة الإسلامية. وفي بعض هذه الموارد، يكون عدم المسؤولية موجهاً وعاماً من وجهة نظر العقل أيضاً. بناءً على ذلك، فإن كيفية اختصاص الرفع في الموارد المذكورة بالأمة الإسلامية تحتاج إلى تحليل. في هذه المقالة، وبالنظر إلى كلمات الأعلام وبمنظور جديد، تم تحليل وتوجيه اختصاص حديث الرفع في موارده المختلفة بأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سياق إجلال وإكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه الكرام. وبالطبع، وجوه الامتنان تختلف بحسب الموارد المختلفة، ومع وجود المقتضي لإيجاب الاحتياط، والتحفظ، وحفظ الطاقة، أو أصل التكليف، فإن عدم إيجاب هذه الأمور يُعد امتناناً على أمة النبي، لأنه في حال الإيجاب، لم تكن المؤاخذة على مخالفتها قبيحة.

المقدمة

في حديث مروي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والذي اشتهر بحديث الرفع، عُدّ عدم المسؤولية في تسعة موارد من خصائص هذه الأمة، وهي: عدم المسؤولية عن الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة (الفأل السيئ)، والوسوسة في التفكر في الخلق.

هذا الحديث الشريف استُدل به في أصول الفقه لإثبات أصل البراءة، كما استُند إليه في موارد متعددة في الفقه. فبناءً على هذا الحديث، لا تتوجه أي مسؤولية أو تكليف على الفرد المسلم من جهة الخطأ غير المقصود أو الذنب الناتج عن الجبر والإكراه، أو إذا ارتكب ذنباً بسبب الاضطرار كحفظ النفس، فلا مسؤولية عليه. في كثير من هذه الموارد، يتوافق حكم الشارع مع حكم العقل، لأن العقل يحكم أيضاً بأنه إذا صدر ذنب عن شخص عن غير قصد وخطأ، أو إذا ارتكب عملاً سيئاً بسبب النسيان، أو إذا قام بأمر غير مشروع من قبل الشرع بسبب الإجبار والإكراه، فلا مسؤولية على الإنسان، لأن القدرة على الامتثال لم تكن متوفرة له، والعقل يشترط القدرة للتكليف. ولكن مع ذلك، في هذا الحديث الذي يبدأ بعبارة ‘رُفع عن أمتي تسعة’، ذُكر رفع الأمور المذكورة كامتنان على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واختصاص بالأمة الإسلامية. وبهذا يكون الرفع في الحديث رفعاً شرعياً، وقد رفع الشارع في مقام الامتنان هذه الأمور عن أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدها. وبناءً عليه، إذا ارتكب مسلم عملاً غير مرغوب فيه في الحالة العادية بسبب أحد العناوين المذكورة، فلن يُعاقب، لأن العقاب والمؤاخذة على هذه الأمور مرفوعان. وعلى الرغم من كثرة المباحث التي جرت حول كيفية دلالة فقرات هذا الحديث المختلفة، لم يتم تبيين وجه الامتنان في حديث الرفع واختصاصه بأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشكل وافٍ وشافٍ. ومن جهة أخرى، عندما نلاحظ الأمور المرفوعة في هذا الحديث، نرى أن الكثير منها هي أمور يحكم العقل المستقل لكل عاقل برفعها ولا حاجة لرفع شرعي.

مثلاً، المسؤولية عن الفعل السهوي والخطأ مرفوعة عند العقل أيضاً. كذلك إذا أُكره شخص على فعل ما أو اضطر إليه، فإن العقل يعذره ويقول إنه لا يُعاقب ولا حاجة لبيان من الشارع. وكذلك في مورد ‘ما لا يعلمون’، يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ولا حاجة لرفع شرعي. إذن، الرفع في الموارد المذكورة عقلي، والأحكام العقلية لا تختص بفرد معين أو أمة خاصة، بل لها كلية وعمومية وتشمل جميع الأزمنة والأمكنة وجميع الأمم والأفراد. فكيف يمكننا أن نقول إن رفع هذه الأمور من مختصات أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامتنان في حقهم؟ بالنظر إلى ما قيل، كيف يمكن التأكيد على ظهور الحديث في الامتنان؟ ألا يمكن التغاضي عن الامتنان والاختصاص في الحديث بأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتبار حكم الرفع عاماً وشاملاً؟ واعتبار الرفع في هذا الحديث إرشاداً إلى الرفع العقلي لا رفعاً شرعياً مولوياً؟ وعلى فرض كون الحديث امتنانياً، ما هي ثمرة ذلك؟ وهل للامتنان دور في توسيع الحكم النقلي أو تضييقه؟ كذلك، هل المراد من أمة النبي التي رُفعت عنها المسؤولية هو كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية، أم أن رفع المسؤولية يصدق على مجموع الأمة وإن لم يشمل البعض؟ وبعبارة أوضح، هل الامتنان المذكور امتنان شخصي أم نوعي؟ وإذا كان الامتنان لفرد ما في مورد ما خلافاً للامتنان على آخر، فما هو الحكم؟ من جهة أخرى، على فرض أن الرفع في بعض الموارد عقلي، ففي سائر فقرات الحديث مثل الحسد والوسوسة والطيرة (الفأل السيئ)، هل رفعها أيضاً بحكم العقل؟ أم يمكن التفريق بين الموارد؟ من الواضح أن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب إعادة النظر في الأبعاد المختلفة للقضية وتبيينها. وفي هذه المقالة، نسعى إلى تحليل اختصاص حديث الرفع بالأمة الإسلامية بناءً على كلمات الأعلام وبنظرة جديدة. من المناسب أن ننقل الحديث الشريف أولاً من مصادره الروائية، ثم نجيب على الأسئلة.

۱. حديث الرفع في المصادر الروائية

وردت هذه الرواية مسندة وغير مسندة في كتب الرواية، تارة بكلمة ‘وضع’ وتارة بلفظ ‘رفع’.[1] كما ورد في بعض النقول رفع تسعة أمور (الكليني، ١٤٠٧: ٤٦٣/٢)، وفي بعضها ثلاثة أمور فقط[2] (الأشعري، ١٤٠٨: ٧٤-٧٥؛ البرقي، ١٣٧١: ٣٣٩/٢).

وقد روى المرحوم الكليني حديث الرفع بكلمة ‘وضع’ عن محمد بن أحمد النهدي مرفوعاً عن الإمام الصادق عليه السلام عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ الْخَطَأُ وَ النِّسْيانُ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يَطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ الطِّيَرَةُ وَ الْوَسْوَسَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ وَ الْحَسَدُ مَا لَمْ يَظْهَرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ (الكليني، ١٤٠٧: ٤٦٣/٢). بناءً على هذا النقل، رُفعت عن أمة النبي تسع خصال: ١. الخطأ، ٢. النسيان، ٣. ما لا يعلمون، ٤. ما لا يطيقون، ٥. ما اضطروا إليه، ٦. ما استكرهوا عليه، ٧. الطيرة، ٨. الوسوسة في التفكر في الخلق، و ٩. الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد.

وقد أورد المرحوم الصدوق مضموناً قريباً من هذا مع اختلاف طفيف في كتاب ‘الفقيه’ مرسلاً: وَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ السَّهْوُ وَ الْخَطَأُ وَ النِّسْيانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يَطِيقُونَ وَ الطِّيَرَةُ وَ الْحَسَدُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقِ الْإِنْسَانُ بِشَفَةٍ (ابن بابويه، ١٤١٣: ٥٩/١). في هذه الرواية، ذُكر ‘السهو’ أيضاً إلى جانب الخطأ، ولم تُذكر كلمة ‘ما اضطروا إليه’. وعُبّر عن عنوان الوسوسة في التفكر في الخلق بتعبير ‘التفكر في الوسوسة في الخلق’، وعُدّ عدم المسؤولية عنها ما لم يجرِ الفكر في الوسوسة في الخلق على اللسان. ورغم أن هذين النقلين بمفردهما لا يثبتان صدور هذا الحديث لكون الأول مرفوعاً والثاني مرسلاً،[3] إلا أنه قد نُقل مسنداً أيضاً. فقد روى ابن بابويه في ‘التوحيد’ و’الخصال’ بالسند التالي: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ الْخَطَأُ وَ النِّسْيانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَطِيقُونَ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ الْحَسَدُ وَ الطِّيَرَةُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِشَفَةٍ (ابن بابويه، ١٣٩٨: ٣٥٣). ورغم أن عدداً من الأعلام مثل الميرزا القمي (الميرزا القمي، ١٤٣٠: ٤٩/٣)، والشيخ الأعظم (الأنصاري، ١٤١٦: ٣٢٠/١؛ ١٣٨٣: ٣٥٥/٣)، والمرحوم ضياء العراقي (العراقي، ١٤١٧: ٢٠٨/٣)، والمحقق الخوئي (الخوئي، ١٤١٧: ٣٥٧/١)، والأستاذ السبحاني (السبحاني، ١٤٢٤: ٢٤٤/٢) قد اعتبروا السند أعلاه صحيحاً، إلا أن صحته موقوفة على إثبات توثيق الراوي الأول للحديث (وهو أحمد بن محمد بن يحيى العطار)، وفي كتب الرجال لا يوجد توثيق أو تضعيف خاص به، حتى إن المرحوم السيد الخوئي، مع أنه اعتبر الحديث صحيحاً في كتابه الأصولي ‘مصباح الأصول’، فقد رد في ‘معجم الرجال’ الأدلة الأربعة المطروحة لتوثيقه واعتبر الراوي المذكور مجهولاً.[4] (الخوئي، ١٤١٠: ٣٢٧/٢-٣٣٠). بالطبع، يمكن إثبات وثاقته من طرق أخرى، مثل كثرة الترحم والترضية عليه من ابن بابويه، مما يدل على جلالته عنده، أو كثرة روايته عنه، لأن كثرة النقل عن الضعيف وغير الثقة أولاً تسبب وهناً للراوي، وثانياً إذا لم تكن دالة على وثاقة المروي عنه، فإن النقل يصبح لغواً ولن يحقق الفائدة المرجوة (السبحاني، ١٤١٠: ٣٥). وعلى فرض المناقشة في الطرق المذكورة وما شابهها، يمكن إثبات صدور الرواية عن طريق تعويض السند، كما صحح الشهيد الصدر الرواية بهذه الطريقة (الصدر، ١٤٠٨: ٢٥٩/٣). ذلك أن أحمد بن محمد بن يحيى روى الحديث عن سعد بن عبد الله، ومن جهة أخرى فإن للشيخ الطوسي رحمه الله طريقاً صحيحاً إلى جميع كتب وروايات سعد بن عبد الله (الطوسي، ١٤٢٠: ٢١٥). إذن، الرواية المذكورة وصلت إلى الشيخ أيضاً، لأنه أولاً روى مدرك الحديث، أي كتاب التوحيد، عن ابن بابويه، وثانياً لأن الصدوق نفسه واقع في الطريق المذكور. فبتعويض طريق الشيخ الصحيح بطريق ابن بابويه، تُحل مشكلة صدور الرواية (نفس المصدر).

۲. منشأ اختصاص حديث الرفع بأمة النبي ﷺ

حديث الرفع يدل على الامتنان على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الأمر مقبول لدى جميع الأصوليين، كما أن عبارة ‘رفع عن أمتي’ بحد ذاتها تعبر عن الامتنان على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك أن كلمة ‘رفع’ تُستخدم بمعنى إزالة الثقل والعبء، ومؤيد هذا المطلب هو أنه في رفع هذه الأمور قد لُحظ نوع من الإحسان والامتنان تجاه الأمة الإسلامية. كذلك، لا يوجد نقاش في أصل اختصاص الحديث بالأمة الإسلامية، كما هو ظاهر جملة ‘رفع عن أمتي’. أما وجه وعلة ذلك، فقد يكون لشأن ومكانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لوجود المعصومين الذين كانوا أهلاً لوصايته. وفيما يلي شرح ذلك.

۲-۱. إجلال النبي ﷺ وإكرامه

بسبب إجلال وإكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هو خاتم الأنبياء وأشرف الرسل، اختص رفع الأمور المذكورة بأمته. لعل إضافة الأمة إلى ضمير المتكلم في بيان النبي تعبر عن هذه النقطة، وهي أنه بسبب انتساب هذه الأمة إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أصبحت قابلية هذا الامتنان متوفرة لهم.

۲-۲. وجود المعصوم على مر الزمان في الأمة الإسلامية

إن استمرار وجود المعصوم في الأمة الإسلامية كان سبباً في اختصاص حديث الرفع بهم، لأن الأمة الإسلامية هي الوحيدة التي تتمتع بهذا الفخر، وهو وجود معصوم بينهم على مر الزمان، على خلاف الأمم السابقة التي كان وجود المعصوم بينهم مقتصراً على فترة زمنية معينة، فمثلاً في أمة موسى وعيسى عليهما السلام لم يكن هناك فرد معصوم بينهم بعدهم. في تبرير هذا الوجه، يمكن القول إنه احتراماً وتكريماً للمعصوم الموجود في الأمة الإسلامية، رُفعت الأمور التسعة عن الأمة الإسلامية.

فمن البديهي أن وجود المعصوم في أمة ما على مر الزمان يُعد ميزة وخصوصية لهم. وذلك الوجود المقدس كان متمثلاً في شخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه، وبعده الأئمة المعصومين عليهم السلام الذين يمثل وجود كل واحد منهم في زمانه امتيازاً خاصاً لهذه الأمة، وفي زماننا وجود الإمام المهدي (أرواحنا له الفداء) الذي ببركته ننعم نحن أيضاً بهذا الامتياز. وبالطبع، يمكن الجمع بين الوجهين. فيمكن القول إنه بفضل إجلال وتكريم النبي أو المعصوم الذي كان أو لا يزال في الأمة، تفضل الله على هذه الأمة بالامتنان والإحسان ورفع عن كاهلهم الأمور التسعة، ونتيجة لذلك، إذا ارتكب مسلم أمراً غير مشروع من قبل الشرع بسبب أحد العناوين المذكورة، فلن تقع عليه مسؤولية ولن يُعاقب.

وبناءً على كون الحديث امتنانياً، سيواجه هذا السؤال: هل لامتنانية حديث الرفع دور في تقييد الحكم النقلي أو توسيعه أم لا؟ وبعبارة أخرى، ما هي ثمرة الامتنانية؟ في ما يلي، سنتناول الإجابة على هذا السؤال.

۳. وجوه الامتنان في حديث الرفع واختصاصه بأمة النبي ﷺ

بالنظر إلى أن الكثير من الأمور المرفوعة في هذا الحديث هي أمور يرفعها العقل المستقل لكل عاقل ولا حاجة لرفع شرعي، مثلاً، المسؤولية عن الفعل السهوي والخطأ مرفوعة عند العقل أيضاً.

وكما أنه إذا وقع شخص في فعل مكره عليه أو مضطر إليه، فإن العقل يعذره ويقول إنه لا يُعاقب ولا حاجة لبيان من الشارع، وكذلك في مورد ‘ما لا يعلمون’، بناءً على المشهور، يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ولا حاجة لرفع شرعي أيضاً.[8] إذن، الرفع في الموارد المذكورة عقلي، والأحكام العقلية لا تختص بفرد معين أو أمة خاصة، بل لها كلية وعمومية وتشمل جميع الأزمنة والأمكنة وجميع الأمم والأفراد.

فكيف يمكننا القول إن رفع هذه الأمور من مختصات أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وامتنان في حقهم؟ في الإجابة على السؤال المذكور، قُدمت إجابات سنقرأها معاً فيما يلي:

۳-۱. قوام الامتنان برفع المجموع من حيث المجموع

قيل إن رفع المجموع من حيث المجموع هو امتناني، وإن لم يكن في رفع كل واحد منها امتنان. أي أن مجرد كون بعض هذه الأمور التسعة من مختصات هذه الأمة يجعل الحديث يضعها جميعاً بلحاظ المجموع من حيث المجموع من مختصات المسلمين. وقد أورد المرحوم الشيخ الأعظم هذا الجواب في ‘الرسائل’ (الأنصاري، ١٤١٦: ٣٢١/١) و’مطارح الأنظار’ (الأنصاري، ١٣٨٣: ٣٥٧/٣)، ثم رده.

ففي ‘الفرائد’ يقول في رده: إن هذا الجواب قول غير صائب وباطل (نفس المصدر). ولعل في تبرير كلامه يمكن القول إنه لا معنى لضم أمور ليست امتنانية وليست من المختصات إلى أمور امتنانية ومن المختصات، ثم نقول إن جميعها من المختصات.

فصدور مثل هذا القول بعيد عن أي عاقل عادي، فكيف بمتكلم حكيم ومعصوم كالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

۳-۲. قوام الامتنان برفع جميع الآثار

لو كان المرفوع بالحديث هو المؤاخذة فقط، لكان للإشكال المذكور أعلاه محل، لأن المؤاخذة على الأمور المذكورة قبيحة عقلاً ولا حاجة لرفعها شرعاً، كما أنها ليست مختصة بالأمة الإسلامية. ولكن لو رُفعت جميع آثار الأمور التسعة التي لا يكون رفعها خلاف الامتنان، فلن يكون للإشكال مجال، وهذا سيكون من مختصات أمة الإسلام. وبقرينة كون الحديث المذكور امتنانياً، نقول إن الله قد منّ على أمة النبي، وبالإضافة إلى المؤاخذة، رفع جميع آثار الأمور التسعة التي لا يكون رفعها خلاف الامتنان عن كاهلهم، وهذا من مختصات الأمة الإسلامية.

إذن، بناءً على هذا، فإن مقتضى الامتنان هو أن تُرفع جميع آثار هذه الأمور شرعاً برفع كل واحد منها، وهذا ما تم بحديث الرفع، لذا فإن حديث الرفع من مختصات الأمة الإسلامية. هذه الإجابة يمكن استنباطها من كلام الذين يرون ضرورة تقدير شيء في الحديث من باب دلالة الاقتضاء، وبقرينة كون الحديث امتنانياً، يُقدّرون جميع الآثار.

بالطبع، لو أُجيب عن طريق النقض، يمكن القول إن هذا الإشكال لا يختص بالحديث محل البحث، بل هو مشترك بين الحديث والآية، لأن بعض هذه الأمور المذكورة في الحديث، طبقاً للآية الأخيرة من سورة البقرة، طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الله أن يغفرها لأمته، وقد غفر الله ومنّ عليهم. فالقرآن ينقل عن لسان النبي: ‘رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا… رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا’ (البقرة: ٢٨٦). وقد منّ الله وغفر. فالإشكال نفسه موجود هنا أيضاً، وهو أن هذا ليس امتناناً، لأن العقل يقول إن الخطأ والنسيان وما لا يطاق لا مؤاخذة عليها، ولا فرق بين الأمة الإسلامية وغيرها، لأنه قبيح. وأي جواب يُقدم بخصوص الآية، يمكن تقديمه بخصوص الحديث أيضاً.

۳-۳. عدم قبح المؤاخذة على الأمور المذكورة بشكل مطلق

في الإجابة الأصلية على السؤال المذكور، يمكن القول إجمالاً إن المؤاخذة على الأمور المذكورة في الآية والحديث ليست قبيحة بشكل مطلق. ففي بعض الموارد تكون قبيحة، مثلاً المؤاخذة على ‘ما لا يعلمون’ حيث لا يمكن الاحتياط، أو على النسيان والخطأ مع كمال التحفظ والاهتمام، أو على التكليف غير المقدور الذي لا تقصير فيه من المكلف، تكون قبيحة. أما إذا صدرت هذه الأمور نفسها عن لا مبالاة وتقصير من المكلف، فإن المؤاخذة عليها ليست قبيحة.

مثلاً، النسيان والخطأ الناتج عن لا مبالاة، أو في مورد ‘ما لا يعلمون’ مع إمكان الاحتياط وتركه، أو عدم القدرة على التكليف الناشئ عن تقصير المكلف نفسه، فإن المؤاخذة على هذه الأمور لن تكون قبيحة. وفي مثل هذه الموارد، مع وجود مقتضي إيجاب الاحتياط والتحفظ (وهو ملاك أصل التكليف)، لم يوجب الشارع المقدس ذلك، وبحديث الرفع منع تأثير مقتضى التكليف المذكور، ونتيجة لذلك زال استحقاق المؤاخذة، وإلا لكان من الممكن أن يمنع قبح العقاب بلا بيان بإيجاب التحفظ أو الاحتياط، ولكنه لم يفعل ذلك. إذن، بعدم إيجاب الاحتياط أو التحفظ، منّ على الأمة الإسلامية، وهذا من مختصات الأمة المرحومة.

وللحصول على إجابة تفصيلية، من الأفضل أن ندرس كل واحد من الأمور التسعة في الحديث.

٤. إثبات امتنانيّة الرفع بالنسبة للأمور التسعة

لإثبات اختصاص رفع الأمور المذكورة بالأمة الإسلامية وكونه امتناناً عليها، نتناول بحثه باختصار فيما يلي.

٤-۱. امتنانيّة رفع ‘ما لا يعلمون’

في ‘ما لا يعلمون’، سواء كان المرفوع هو الحكم المجهول نفسه ولو ظاهراً (الآخوند، ١٤٠٩: ٣٣٩)، أو إيجاب الاحتياط تجاه ذلك الحكم (العراقي، ١٤١٧: ٢١٣/٣)، في كلتا الحالتين لا يوجد استحقاق للعقاب، لأن موضوعه هو مخالفة التكليف الواصل، وهو منتفٍ فيما نحن فيه. ورفع مثل هذا التكليف عن أمة النبي هو امتنان وإحسان، لأنه في موارد الشك، كان بإمكان الشارع أن يجعل التكليف فعلياً بإيجاب الاحتياط، وفي هذه الحالة، كان إيجاب الاحتياط يُعتبر بياناً بالنسبة لقبح العقاب بلا بيان. ولكن مع وجود مثل هذا المقتضي، منّ الشارع على الأمة الإسلامية ولم يوجب الاحتياط، وهذه مزية وامتياز بالنسبة لأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.[9]

وبتعبير آخر، الامتنان من هذه الجهة أن الشارع كان بإمكانه ألا يرفع ذلك التكليف الواقعي المجهول بواسطة حديث الرفع، بل يوجب علينا الاحتياط حتى يصل المكلف إلى الواقع، وهذا الأمر لم يكن له مانع عقلي. ولكنه لم يفعل ذلك، وهذا بحد ذاته نوع من الامتنان على أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بناءً على هذا، الرفع في الواقع بمعنى الدفع لا بمعنى الرفع بمعناه الواقعي والخاص للكلمة (محمدي، ١٣٨٧: ٣٨/٤).

٤-۲. امتنانيّة رفع الخطأ والنسيان

هنا، بتصريح أكثر الأصوليين، المرفوع ليس عنوان الخطأ والنسيان نفسه، بل ‘ما أخطأ’ و’ما نسي’، كما في رواية البزنطي (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٢٢٦/٢٣) التي ورد فيها في سياق كلمات أخرى ‘ما أخطأوا’، وهذا يؤيد المطلب. والمقصود من رفع المنسي والمخطئ، بالنظر إلى أن الرفع الحقيقي غير ممكن، هو رفع الآثار الشرعية التي جعلها الشارع لهما في غير حالة النسيان والخطأ.

من باب المثال، إذا ارتكب مكلف حراماً خطأً أو نسياناً أو ترك واجباً، فلا مؤاخذة عليه، لأن التكليف (أي الحرمة والوجوب) قد رُفع عنه امتناناً في هذه الحالة. وكون الرفع امتنانياً من هذا اللحاظ، أن المكلف هنا كان بإمكانه بالتوجه والتحفظ أن يحفظ نفسه من النسيان والخطأ، وبامتثال الحكم الشرعي لا يرتكب المخالفة. بناءً على هذا، كان هناك مجال لإيجاب التحفظ، وكان بإمكان الشارع (لحفظ غرض التكليف) أن يجعل التكليف فعلياً في حق المكلف بإيجاب التحفظ، وفي هذه الحالة لم يكن العقاب قبيحاً، لأن المؤاخذة والعقاب على النسيان والخطأ الناشئ عن عدم المبالاة وعدم الاهتمام بالحكم الشرعي ليس قبيحاً عقلاً. ولكن مع وجود هذا المجال، لم يوجب الشارع التحفظ، فمنع مجال المؤاخذة والعقاب، وهذا ليس إلا منّة وإحساناً على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

علاوة على ما سبق، فإن ظهور الآية المباركة ‘رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا’ التي سأل فيها النبي الأكرم عدم المؤاخذة على النسيان والخطأ، يدل على أن العناوين المذكورة كانت لها على الأقل أرضية ومقتضى للعقاب والمؤاخذة، وإلا لما كان للسؤال عن عدمها معنى. ومن هذا يتضح أيضاً أن المؤاخذة على النسيان والخطأ ليست قبيحة بشكل مطلق، ليُقال إن عدم المؤاخذة عليها ليس امتناناً واختصاصها بأمة النبي لا معنى له، لأن رفع الأمر القبيح عقلاً يشمل الجميع. ومن الجملة التالية في الآية ‘لاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا’، يظهر أن الأمم السابقة كانت عليها أثقال وآصار، وليس ببعيد أن يكون الإصر المذكور حتى بالنسبة لموارد الخطأ والنسيان كان على عاتقهم.

ومن الممكن أن يكون ذلك الإصر والثقل من ناحية وجوب التحفظ عليهم لئلا يقعوا في الخطأ والنسيان تجاه الأحكام الشرعية. وقد طلب النبي الأكرم من الله أن يمن على أمته ويرفعه عن كاهلهم، وقد استجاب الله. وبرفع الحديث عن أمة النبي، تحقق هذا الكمال من الامتنان عليهم، والذي لم يكن له سابقة في الأمم السابقة.

٤-۳. امتنانيّة رفع ‘ما اضطروا إليه’

في الاضطرار، يمكن تصور حالتين:

الأولى، الاضطرار الذي لا يصل إلى حد يجعل اجتناب مخالفة التكليف غير مقدور. في هذه الحالة، المرفوع هو التكليف الإلزامي نفسه، لأنه في هذه الحالة، وبدون أي إباء عقلي، يكون للتكليف نفسه قابلية الثبوت، ولكن الشارع رفعه امتناناً، لذا لا عقاب في الأمر.

الثانية، الاضطرار الذي يصل إلى حد يجعل اجتناب مخالفة التكليف غير مقدور على المكلف.

في هذه الحالة، ولأن فعلية التكليف ممتنعة عقلاً، فإن المرفوع بحديث الرفع لا يمكن أن يكون التكليف نفسه، بل يجب إرجاعه إلى إيجاب التحفظ. بمعنى أنه كان بإمكان المكلف من البداية أن يحافظ على نفسه بالتحفظ والاهتمام ولا يضطر إلى مخالفة التكليف، لذا كان هناك مجال ومقتضى لإيجاب التحفظ، ولكن الشارع رفعه امتناناً ولم تكن هناك مؤاخذة.

نعم، إذا كان التحفظ نفسه غير مقدور على المكلف، فإن هذه الحالة تخرج عن مورد حديث الرفع، لأن العقل مستقل بانتفاء التكليف والمؤاخذة (العراقي، ١٤١٧: ٢٢٢/٣).

٤-٤. امتنانيّة رفع ‘ما أكرهوا عليه’

في هذه الفقرة أيضاً، يمكن القول إن العقل ليس مستقلاً في نفي ضرر الإكراه،[10] بل ربما يحكم بتحمل ضرر الإكراه نظراً للأجر المترتب على امتثال التكاليف. مثلاً، قد يقول: لا يحق له شرب الخمر للفرار من الضرر. ولكن الشارع المقدس، تسهيلاً على العباد وامتناناً عليهم، رفع حكم الإكراه. وبالطبع، من المناسب الانتباه إلى هذه النقطة، وهي أن ما سبق يصح في حال عممنا الإكراه، بالإضافة إلى المعاملات، ليشمل التكليفيات، أي المحرمات والواجبات، وقلنا: كما تُرفع الأحكام الوضعية في المعاملات في حالة الإكراه، تُرفع الأحكام التكليفية أيضاً في تلك الحالة. أما إذا خصصناه، مثل المرحوم العراقي (نفس المصدر: ٢٢٤)، بباب المعاملات وقلنا إن التكاليف لا تُرفع بالإكراه المطلق إلا إذا وصل إلى حد الحرج، وذلك أيضاً من ناحية الحرج لا من ناحية الإكراه، فمن جهة الإكراه، في هذه الحالة، عدم استقلال العقل برفع الأحكام الوضعية بالإكراه المطلق الذي يتحقق بعدم الرضا القلبي على المعاملة، واضح وجلي جداً.

٤-٥. امتنانيّة رفع ‘ما لا يطيقون’ (‘ما لا يطاق’)

في هذه الفقرة، ما هو المراد بـ’ما لا يطاق’؟ هناك احتمالان:

الأول، الطاقة بمعنى القدرة، والمراد بـ’ما لا يطاق’ هو الشيء الذي ليس مقدوراً على المكلف أصلاً ومتعذراً عليه. في هذه الحالة، ارتفاع مثل هذا الشيء عقلي، لأنه من وجهة نظر العقل، التكليف بغير المقدور والعقاب عليه قبيح ولا يصدر عن الشارع الحكيم.

بناءً على ذلك، يجب إرجاع الرفع في ‘ما لا يطيقون’ إلى إيجاب حفظ الطاقة. بمعنى أنه على الرغم من أننا كنا قادرين اختيارياً على حفظ طاقتنا من البداية، وكان هناك مقتضى لإيجاب حفظ الطاقة، إلا أن الشارع منّ علينا ولم يكلفنا بحفظها.

الثاني، المراد هو التكليف الشاق الذي لا يُحتمل عادة ومرهق، لا أنه غير مقدور أصلاً. طبقاً لهذا الاحتمال، المرفوع هو التكليف الفعلي نفسه، لأن العقل ليس مستقلاً برفعه ولا يقول إن التكليف بالمتعسر قبيح، بل ربما يعتبره حسناً نظراً للثواب العظيم الذي يترتب عليه، ولكن الشرع المقدس أحسن إلى الأمة الإسلامية برفعه. أما بالنسبة للآية المباركة ‘لا تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ’ (البقرة: ٢٨٦)، فمن المحتمل أن يكون المراد هو المعنى الثاني، أو أن المراد هو عقوبة وعذاب الآخرة، كما احتمل المرحوم الشيخ (الأنصاري، ١٤١٦: ٣٢٢/١)، وطبقاً لهذا الاحتمال، سيكون المعنى أن لا تحملنا عقوبة وعذاباً لا نطيقه ولا نقوى عليه.

٤-٦. امتنانيّة رفع الحسد والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق

بناءً على كلام بعض الأعلام، هذه الثلاثة، على خلاف سائر العناوين، لها بذاتها اقتضاء للحرمة، وليس الأمر بأن ما وراءها كان مقتضياً وهي كانت مانعة من تأثيره. لذا، في الحديث، أُضيف الرفع إليها مباشرة. ولأنها هي نفسها كانت مقتضية للحرمة، رفعها الشارع المقدس بسبب مانع خارجي مثل الامتنان على الأمة الإسلامية (العراقي، ١٤١٧: ٢١٠/٣). وليس ببعيد أن تكون في الأمم السابقة محرمة.

هناك احتمالات أخرى متصورة أو مطروحة في بعض الكلمات، منها غلبة وقوع مقتضى الرفع فيها، حتى إنه لم يسلم منها أحد. وغلبة الوقوع المذكورة منعت تأثير المقتضي، ومن باب الامتنان على الأمة المرحومة، لم تُجعل الحرمة لها (الأصفهاني، ١٤٢٩: ٥٧/٤). بالطبع، هنا يمكن طرح أو تم طرح أبحاث حول كيفية رفع الحسد والطيرة والوسوسة، ولكننا نصرف النظر عنها لأنها بالإضافة إلى أنها تطيل البحث، تخرج عن أصل الموضوع. نأمل أن يملأ الباحثون اللاحقون هذا الفراغ.

٥. دور امتنانيّة الحديث في تقييد الحكم (ثمرة امتنانيّة حديث الرفع)

أغلب القائلين بامتنانية حديث الرفع صرحوا بأن هذا الحديث لا يشمل الموارد التي يكون فيها رفع الآثار خلاف الامتنان. مثل البيع الاضطراري، فلو رُفعت صحة البيع فيه، فلن يكون ذلك امتناناً على الشخص المضطر، لذا لا يمكن بالاستناد إلى حديث الرفع القول إن بيعه ليس صحيحاً، لأن رفع صحة البيع عنه خلاف الامتنان، ويزيد من اضطراره بدلاً من رفعه. وذلك على خلاف بيع المكره، فإن رفع صحته يعد امتناناً بالنسبة للشخص المكره، لذا تُرفع صحته بالاستناد إلى حديث الرفع. كذلك، إذا أتلف شخص مال غيره خطأً، فإنه وإن رُفع عنه الحكم التكليفي (الحرمة) بالاستناد إلى الحديث المذكور، فإن الحكم الوضعي (الضمان) لا يُرفع، لأن ذلك خلاف الامتنان على صاحب المال.

٥-٥. عدم شمول حديث الرفع للأحكام المتوافقة

بعض الأعلام مثل المرحوم العراقي ذهبوا أبعد من ذلك في هذا المجال، حيث اشترط في جريان حديث الرفع ليس فقط ألا يكون الرفع خلاف الامتنان، بل اعتبر أن كون وضع الحكم خلاف الامتنان شرط أيضاً. وبعبارة أخرى، من وجهة نظره، لا يمكن رفع إلا الأحكام والآثار التي تتمتع بالخاصيتين التاليتين: أ) أن يكون رفع تلك الآثار امتنانياً لا خلاف الامتنان. ب) أن يكون وضع تلك الأحكام والآثار أيضاً خلاف الامتنان، لأن شمول حديث الرفع للآثار التي لا تتمتع بالخاصيتين المذكورتين سيكون مشكوكاً فيه، وفي موارد الشك يؤخذ بالقدر المتيقن، وهو الآثار التي تتمتع بكلتا الخاصيتين (العراقي، ١٤١٧: ٢١٢/٣).

بناءً على هذا، يصرح بأنه إذا جهل شخص حكماً عن تقصير، أو ارتكب خطأً أو نسياناً، أو اضطر، فإن الحكم المجهول أو ‘ما أخطأ’ أو ‘ما نسي’ والمضطر إليه لن يُرفع عن المقصر، لأن وضع وفعلية مثل هذا الحكم بالنسبة له ليس خلاف الامتنان. لذا، في هذه الموارد، لا يأبى العقل من فعلية الحكم واستحقاق العقوبة في حال المخالفة (نفس المصدر).

بالنظر إلى كلمات الفقهاء الذين صرحوا من جهة بامتنانية حديث الرفع، ومن جهة أخرى قيدوا جريان دليل الامتنان بموارد الامتنان، يتضح أن أدلة الامتنان، ومنها حديث الرفع، لا إطلاق لها بالنسبة لموارد خلاف الامتنان، لأن لسان الدليل، بالنظر إلى كونه امتنانياً، أو بعبارة أخرى، بالقرينة المقامية للامتنان، فاقد للإطلاق بالنسبة لموارد خلاف الامتنان، ونتيجة لذلك لا يشمل تلك الموارد.

في المقابل، يُستفاد من بعض كلمات المرحوم الإمام أن المشهور، بسبب الخلط بين الأحكام القانونية والشخصية، في الموارد التي يكون فيها جريان أدلة الامتنان، مثل دليل الحرج وحديث الرفع و’لا ضرر’، خلاف الامتنان، قد قالوا بنفي إطلاق الأحكام الامتنانية.

في حين أن الأحكام الامتنانية هي امتنانية فقط بحسب القانون الكلي، وفيها لا تُؤخذ آحاد الأفراد بنظر الاعتبار. ونتيجة لذلك، عندما يكون في قانون ما امتنان بالنسبة لـ(مجموعة) الأمة، فإن القانون الموضوع هو حكم امتناني، وإن كان في مورد ما يلحق ضرراً بشخص أو أشخاص أو يسبب حرمانهم من حق أو ملكية (الخميني، ١٤٢١: ٥٢٦/١).

ثم في تنظير المطلب يقول: مصالح ومفاسد الأحكام على مبنى العدلية هي كذلك أيضاً، أي أن كون الأحكام ذات مصلحة لا يعني أن كل حكم بالنسبة لكل فرد له مصلحة. ونظير آخر لهذا المطلب هو في الأحكام السياسية والجزائية، فإن هذه الأحكام هي أحكام امتنانية على (مجموع) الأمة، وإن كانت تلحق ضرراً وحرجاً بالأفراد المجرمين.

ويقول سماحته: حديث الرفع، مع أنه امتناني، في موارد الاضطرار يشمل التصرف في مال الغير بدون إذن أو مع نهيه؛ في حين أنه بالنسبة لصاحب المال خلاف الامتنان، وهذا لا يتنافى مع كونه امتنانياً بحسب القانون.

وفي بيان استدلاله يقول: أولاً، لا يصح رفع اليد عن إطلاق الأدلة بدون إحراز حجة ودليل. وثانياً، يُحتمل أن يكون الامتنان في الأدلة نكتة الحكم لا علته. وثالثاً، الامتنان في الأدلة، مثلاً في حديث الرفع، هو بالنسبة لأصحاب العناوين المذكورة، أي بالنسبة لمن هو مضطر أو جاهل أو مكره… إلخ، هو امتنان، لا بالنسبة لجميع الأمة (نفس المصدر: ٥٢٦-٥٢٧).

في الرد على كلامه يمكن القول: أولاً، صحيح أنه لا يصح رفع اليد عن إطلاق دليل صحيح بدون إحراز دليل، ولكن هذا في حال كان الإطلاق محرزاً، وفيما نحن فيه، إطلاق الدليل بالنسبة لموارد خلاف الامتنان هو أول الكلام؛ لأنه ليس ببعيد أن يكون الدليل، بالقرينة المقامية للامتنان، فاقداً للإطلاق بالنسبة للموارد المذكورة.

ثانياً، تنظير كون الامتنان نكتة وفلسفة الحكم بمصالح ومفاسد الأحكام الذي طرحه في كلامه لا يبدو متوافقاً، لأن مصالح ومفاسد الأحكام تُعتبر عللاً غائية لها. إلا إذا قيل إن التنظير هو فقط من هذه الجهة أنه في الأحكام الكلية لا تُؤخذ آحاد الأفراد بنظر الاعتبار، كما أن كون الأحكام ذات ملاك، بتصريح سماحته، لا يعني أن كل حكم بالنسبة لكل فرد له مصلحة. وبالطبع، هذا الكلام أيضاً قابل للتأمل.

علاوة على ذلك، العناوين المذكورة في بعض فقرات الحديث، مثل الجمل التي جاء فيها ‘ما’ الموصولة في أولها، يبدو أن لها حيثية تعليلية بالنسبة للرفع، بمعنى أن رفع الأمور المذكورة هو بسبب الجهل والاضطرار والإكراه وغيرها، وبتعبير آخر، هذه العناوين هي التي سببت منع تأثير المقتضي في الإنشاء أو الفعلية للحكم.

ثالثاً، كون حديث الرفع امتنانياً فقط بالنسبة لأصحاب العناوين المذكورة لا يتنافى مع كون الامتنان شخصياً. فكل فرد من الأمة الإسلامية يقع تحت العناوين المذكورة، ولا يكون جريان حديث الرفع من موارد خلاف الامتنان، فباستناد هذا الحديث، لا تتوجه إليه أي مسؤولية أو تكليف ولا يُؤاخذ.

مثلاً، لو فرضنا أن جميع أفراد الأمة الإسلامية قاموا بأمر غير مشروع من قبل الشريعة عن إجبار وإكراه، فلا تتوجه مسؤولية إلى أي منهم، وبالتالي لا مؤاخذة عليهم، لأن من باب الامتنان، رُفع التكليف عن كاهل كل واحد منهم. ومن البديهي أنه في مثل هذه الموارد، الامتنان بالنسبة لجميع أفراد الأمة الإسلامية.


٦. كون الامتنان نوعياً أو شخصياً

بالنظر إلى المطالب المذكورة أعلاه، وفي الإجابة على هذا السؤال: هل الامتنان بالنسبة لكل فرد من الأمة الإسلامية، أم أنه بالنسبة لمجموع الأمة وإن لم يكن للبعض؟ وبعبارة أوضح، هل الامتنان المذكور امتنان شخصي أم نوعي؟

نواجه رؤيتين:
أ) من وجهة نظر أغلب الفقهاء، كون الرفع امتنانياً هو بالنسبة لكل فرد من الأمة الإسلامية، وبعبارة أوضح، الامتنان المذكور هو امتنان شخصي لا نوعي. لذا، إذا كان الامتنان لفرد في مورد ما خلاف الامتنان لآخر، فبتصريحهم لن يجري حديث الرفع. مثلاً، لحفظ النفس، اضطر إلى أكل مال الغير بدون إذنه، فإنه وإن رُفع الحكم التكليفي، أي الحرمة، بسبب الاضطرار والامتنان عليه، فإن الحكم الوضعي، أي الضمان، لا يُرفع، لأنه خلاف الامتنان على صاحب المال.

ب) من وجهة نظر المرحوم الإمام، كونه امتنانياً هو بالنسبة لمجموع الأمة وإن لم يكن للبعض. حيث يقول سماحته: حديث الرفع، مع أنه امتناني، في موارد الاضطرار يشمل التصرف في مال الغير بدون إذنه، في حين أنه بالنسبة لصاحب المال خلاف الامتنان، وهذا لا يتنافى مع كونه امتنانياً بحسب القانون (نفس المصدر).

وبالطبع، يمكن القول رداً على هذا الكلام: إن رفع حرمة التصرف وجوازه بدون إذن المالك في الموارد المذكورة لا يُعتبر خلاف الامتنان بالنسبة لصاحب المال، لأن ما هو خلاف الامتنان عليه هو رفع الضمان، وهو لم يُرفع، وما رُفع (أي حرمة التصرف) ليس فقط ليس خلاف الامتنان عليه، بل هو امتنان بالنسبة للشخص المضطر.


٧. النتيجة

حديث الرفع مقبول لدى الجميع، وهو امتنان على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن علة ذلك إما شأن ومكانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو وجود المعصومين الذين كانوا أهلاً لوصايته.

وهذا الحديث لا يجري بالنسبة للآثار والأحكام التي يكون رفعها خلاف الامتنان، ونتيجة لذلك، الامتنان المذكور شخصي وبالنسبة لكل فرد من أفراد الأمة، لا نوعي وبالنسبة للمجموع.

في جميع فقرات الحديث، الرفع شرعي، والشارع بما هو شارع رفع حكم هذه الأمور، ولا مانع من أن تكون هذه الأمور والتشديدات موجودة في الأمم السابقة، كما أن بني إسرائيل عندما كانت بقعة من أبدانهم تتنجس بالبول كانوا مكلفين بقطعها (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٣٥٠/١)، ولكن هذه الأمور رُفعت عن الأمة الإسلامية، وهذا يتوافق مع مقام الامتنان ولا محذور فيه.

المؤاخذة على الأمور المذكورة ليست قبيحة بشكل مطلق ليُقال إن رفعها عقلي ولا حاجة لرفع شرعي.

يمكن أن يكون الامتنان من هذا اللحاظ أيضاً، أن شريعة الإسلام من جهة هي أكمل الشرائع، ومن جهة أخرى هي دين سمح وسهل. لذا، أُخذت جميع شؤون وحالات الإنسان من القوة والضعف إلى الشدة والرخاء بنظر الاعتبار، وكما أُعطيت عناية للاحتياجات الإلزامية، أُعطيت عناية واهتمام للاحتياجات التسهيلية أيضاً، والأمور التسعة رُفعت عن الأمة الإسلامية من هذا الباب.

الهوامش

1. الظاهر أن ‘وضع عن’ مثل ‘رفع عن’ بمعنى إزالة شيء، وليس ببعيد أن تكون الآية التالية من هذا الباب أيضاً: ‘وَ وَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ’ (الانشراح: ٢).

2. كما نُقل في النوادر عن طريق الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام: ‘وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَ النِّسْيانُ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ’. وفي رواية أخرى عن الإمام الكاظم عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ‘وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَمْ يُطِيقُوا وَ مَا أَخْطَئُوا’. والرواية الثانية نُقلت في المحاسن أيضاً.

3. إلا إذا قيل في مراسيل الصدوق إنها على نوعين: ١. لا ينسبها إلى المعصوم جزماً، بل ينقلها بكلمة ‘روي’ و’رفع’ وما شابه ذلك. ٢. ينسبها إلى المعصوم جزماً وقطعاً، مثل الحديث محل البحث. قيل إن القسم الأول لا اعتبار له، ولكن القسم الثاني، بما أن المرحوم الصدوق ينسبه بجزم وقطع إلى المعصوم، يُكشف عن أن صدوره كان ثابتاً عنده، لذا له اعتبار (الإمام الخميني، ١٣٨٢: ٢٤٣/٢، ذيل حديث كل شيء مطلق).

4. في الخصال ورد ‘رضي الله عنه’.

5. في الخصال، هذه الجملة نُقلت بعد جملة ‘ما لا يعلمون’.

6. وقد بيّن النتيجة في ذيل الرقم ٩٢٩ – أحمد بن محمد بن يحيى العطار القمي، بعد رد جميع الأدلة، بهذه الصورة: (فالمتحصل مما ذكرناه: أن الرجل مجهول، كما صرح به جمع، منهم صاحب المدارك).

7. كما يقول في ذيل الرقم ٣١٦ باب سعد: ‘أخبرنا بجميع كتبه ورواياته عدة من أصحابنا، عن محمد بن علي بن الحسين (بن بابويه) عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبدالله، عن رجاله’. وضمن أفراد العدة الذين ينقلون عن الصدوق، الشيخ المفيد، كما صرح الشيخ نفسه في ترجمة الصدوق (نفس المصدر: ٤٤٤، رقم ٧١٠). لذا، طريقه إلى كتب وروايات الصدوق صحيح أيضاً.

8. بالطبع، هذا الإشكال مبني على المشهور الذي يجري البراءة العقلية في الشك في التكليف بملاك قبح العقاب بلا بيان، كما أُشير في المتن. أما بناءً على مبنى حق الطاعة ولزوم الاحتياط في مثل هذه الموارد، فلن يرد الإشكال المذكور.

9. بالطبع، بهذا البيان، ما حصل هو دفع لا رفع بمعناه الخاص.

10. الإكراه الذي هو في حدود التهديد بضرر جاني أو مالي فقط، والظاهر أن هذا هو المقصود، لا الإكراه الذي يوجب سلب القدرة من المكرَه.

Scroll to Top