المنهج والمعايير الرجالية عند آية الله الشبيري الزنجاني

الملخص

إن إعطاء درجة الوثاقة أو الضعف لكل راوٍ من رواة سلسلة السند، أو قبول متن وسند وردهما وكيفية التعامل مع رواية ما، كل ذلك يرتكز على معايير وضوابط، والكشف عنها يعني معرفة منهج النقد وأسلوب التقييم لدى مفكر رجالي تجاه الموضوع المطروح أمامه. تتناول هذه المقالة بالمنهج الوصفي-التحليلي تبيين وشرح منهج ومعايير البحث الرجالي لمرجع التقليد الجليل آية الله الشبيري الزنجاني، بوصفه من الرجاليين البارزين المعاصرين، وتقوم بتحليل وتبيين مختصر لضوابط تقييم اعتبار أسانيد الروايات التي أشار إليها سماحته بشكل متفرق وغير مدوّن خلال دروسه وكتاباته، ولم تُعرض بعدُ بأسلوب أكاديمي. إن آية الله الشبيري، بمنهج علمي ومن منظور فقهي أصولي، يقر ويؤكد على ضرورة الاهتمام بعلم الرجال كأداة فعالة لتبيين صحة صدور الحديث، والتي هي بحد ذاتها مقدمة لإثبات حجيته وتبيين دلالته. وتأتي معاييره في تقييم اعتبار أسانيد ورواة الأحاديث في معظم الحالات متناغمة ومنطبقة مع آراء مشاهير الأصوليين، وفي بعض الحالات تكون مختلفة ونقدية.

١. طرح المسألة

تُعتبر سُنّة المعصومين (عليهم السلام) بوصفها الثقل الأصغر إلى جانب القرآن الكريم، من المصادر الأساسية والأصيلة لاستنباط العلوم والمعارف الإسلامية في جميع المجالات العقدية والعملية والأخلاقية. ولا يخفى على الباحثين في مختلف العلوم الإسلامية مدى أهمية الحديث وتطبيقاته؛ ولكن ما كان دائمًا يشغل بال المستفيدين من الحديث هو الاطمئنان بصدوره عن المعصوم (عليه السلام). ومن هنا، يُعد علم الرجال أحد أهم وأقدم العلوم في مجال الدراسات الحديثية. يتناول علم الرجال البحث في أحوال الرواة ليتحقق من خلاله الاطمئنان بصدور الأحاديث والاستفادة منها على النحو الأمثل (السبحاني، ١٤١٠هـ، ١١؛ مدير شانه جي، ١٣٧٧ش، ٨؛ صرامي، ١٣٩١ش، ٣). وقد اعتبر الكثير من العلماء والفقهاء تعلم هذا العلم ضرورة حتمية لطلاب العلوم الإسلامية؛ ورغم أن فئة قليلة تُعرف بالأخباريين حاولت التقليل من المكانة الحقيقية لهذا العلم واعتبار تعلمه أمرًا لا طائل من ورائه ومضيعة للوقت بحجة صحة جميع روايات الكتب الحديثية، خاصة الكتب الأربعة الشيعية، إلا أن هذا الفكر لم يدم طويلًا لعدم استقامة أدلته، وواصل علم الرجال مسيرته التكاملية بفضل الجهود العلمية للعلماء الكبار إلى جانب سائر العلوم الإسلامية (علي نجاد، ١٣٨٧ش، ١؛ كجوريي شيرازي، ١٣٨٩ش، ٤٣).

لقد كان نقد الحديث، وليس مجرد نقله، محل اهتمام المفكرين المسلمين منذ القدم، خاصة علماء الشيعة وأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، والحديث عن ذلك يتطلب مقامًا آخر. وفي العصر الحاضر، كان للمرحوم آية الله البروجردي (رحمه الله) هذا المنهج، ولكن للأسف لم يصبح تيارًا مؤثرًا ولم يولِ تلامذته اهتمامًا كبيرًا بعلم الرجال. وفي قم، كان هناك علماء مثل الإمام الخميني، وآية الله الكلبايكاني، وآية الله الأراكي يمثلون مناهج تتمحور حول السند والقرائن، وفي حال عدم الوصول إلى الاطمئنان من خلال دراسة السند، كانوا يلجؤون إلى دراسة القرائن. وقد اتبع المرحوم آية الله الخوئي هذا النهج وأعطاه زخمًا من خلال كتابه العظيم «معجم رجال الحديث»، وأصبح تيارًا مؤثرًا في الحوزات العلمية مع تلامذته من أمثال آية الله التبريزي، وآية الله الغروي، والشهيد الصدر وغيرهم (غلامعلي، ١٣٩٧ش).

ومن بين هؤلاء الأعلام، يأتي مرجع التقليد الجليل سماحة آية الله الشبيري الزنجاني، الذي له آثار متفرقة وغير مدونة ولكنها قيمة وعلمية في مختلف مجالات علم الرجال، والتي كانت في العصر الحاضر محط اهتمام ومراجعة كبيرة من قبل الباحثين في الحديث في مختلف العلوم الإسلامية. وقد قدم سماحته في موضوعات متنوعة في علم الحديث، خاصة الرجال والدراية، تحقيقات وآراء معمقة وعلمية لأهل المعرفة، منها: أ- تعليقات على معظم الكتب الحديثية، خاصة فيما يتعلق بأسانيدها، وبالأخص في الكتب الأربعة. ب- تعليقتان على رجال الشيخ: التعليقة الكبيرة (حتى أواسط باب ما رُوِيَ عَنِ النَّبي (ص) من الصحابة) في مجلد واحد، والتعليقة الصغيرة (حتى آخر الكتاب) في مجلد واحد. ج- تعليقات على بعض الكتب الرجالية مثل رجال النجاشي؛ وقد نُشر هذا الأثر بتحقيق دقيق من سماحته، وإن كان قد اكتُفي فيه بتقديم نص صحيح. د- دروس في الدراية والقواعد العامة لعلم الرجال. هـ- فهارس رجالية على أسانيد معظم الكتب الحديثية (باستثناء الكتب الأربعة) في مجلدات عديدة. وقد نُظمت هذه الفهارس بطريقتين: «ترتيب الأسانيد» و«أعلام الأسانيد»، مع تحديد «الراوي» و«المروي عنه». ونظرًا لأن «معجم رجال الحديث» وكذلك «تجريد أسانيد الكافي» و«تجريد أسانيد التهذيب» للمرحوم آية الله العظمى البروجردي، قدّما «فهرسًا رجاليًا للكتب الأربعة» (إلى حد مقبول نسبيًا)، فقد خصص سماحته فهارسه للكتب الحديثية الأخرى. و- أسانيد أصحاب الإجماع مع تحديد الراوي والمروي عنه (في خمسة مجلدات). تسعى هذه المقالة، بالمنهج الوصفي-التحليلي، إلى إيجاد إجابة على هذه الأسئلة الأساسية: ١- ما هو منهج آية الله الشبيري الزنجاني في علم الرجال؟ ٢- ما هي أهم معاييره في تبيين أحوال الرواة وتقييم اعتبار الأسانيد؟ بالإضافة إلى الملفات الصوتية لدروس الخارج في الفقه والأصول والموقع الإلكتروني والمحادثات المتفرقة لنجله الفاضل التي تعكس لمحة من القدرات العلمية لآية الله الشبيري الزنجاني في دراسة الحديث، فإن الكتاب القيم «أضواء على علمي الدراية والرجال» من تأليف السيد هاشم الهاشمي، إلى جانب آراء آية الله السيستاني، قد أشار أيضًا إلى آراء آية الله الشبيري. تختص هذه المقالة، وبشكل مختصر، بتبيين موقف سماحته من علم الرجال ومعايير تقييم اعتبار أسانيد الروايات ونقد الرواة.

٢. المنهج الأصولي لآية الله الشبيري في علم الرجال

يستدل علماء الأخبار على أن علم الرجال لا ينبغي ولا يمكن اعتباره ضرورة أو حاجة، وذلك من خلال اعتبارهم جميع الروايات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) صحيحة، خاصة الكتب الأربعة، واعتمادهم على المحدثين ومؤلفي المصادر الروائية، وذكرهم لأدلة تدعم هذا الرأي (راجع: السبحاني، ١٤١٠هـ، ٢١-٢٩). وفي المقابل، يؤكد الفقهاء الأصوليون على ضرورة وحاجة علم الرجال من خلال ذكر أدلة أخرى (راجع: الخوئي، ١٣٧٢ش، ١: ٩٧). يتبنى آية الله الشبيري في هذا المجال منهج ومسلك الأصوليين، ويوضح هذه الحاجة بتقديم مقدمات واستدلالات، قائلاً: «علم الرجال من العلوم المستحدثة الإسلامية» (http://www.eshia.ir/feqh/archive/، ١٣٦٢ش، الجلسة ١). وأيضًا: «لا شك أن أهم دليل لإثبات الأحكام الشرعية هو الحديث. وفي السنة والأحاديث المروية عن المعصومين (عليهم السلام)، لا شك في وجود أخبار كاذبة ومكذوبة. ولإثبات وجود مثل هذه الأخبار بين الأحاديث، استدلوا أحيانًا بروايات كثيرة أفاد فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمعصومون (عليهم السلام) بوجود أشخاص يكذبون علينا. هذه الروايات في حد التواتر، ومن مجموعها يثبت وجود وضاعين كانوا يضعون الحديث وينسبونه إلى المعصوم (عليه السلام). وهناك طريقة أخرى لإثبات وجود الأحاديث الموضوعة لا نحتاج معها إلى إثبات التواتر المذكور، بل تكفي رواية واحدة لإثبات المدعى، وهي أن الرواية المذكورة إما أن يكون مضمونها صحيحًا أو كاذبًا. فإن كان صحيحًا، ثبت المدعى، وإن كان كاذبًا، فهو نفسه مصداق للحديث الكاذب. هذه من الحالات التي يثبت فيها الإثبات والنفي كلاهما المدعى. والنتيجة هي أنه يجب أن يكون هناك علم يفصل الحديث الكاذب عن غيره، وبالتالي فإن علم الرجال ضروري» (نفس المصدر، الجلسة ٢). وضمن تضعيفه لأدلة المخالفين لهذا الرأي (نفس المصدر، الجلسة ١)، يخلص في النهاية إلى النتيجة التالية: «خلاصة القول إن هذه الإشكالات التي يثيرونها على علم الرجال، والتي بناءً عليها يقولون إن علم الرجال لا فائدة منه على الإطلاق، هي إشكالات لا أساس لها. وحتى لو حصرت فائدة علم الرجال، فلا يمكنها أن تجعل هذا العلم عديم الجدوى تمامًا. نحن لا ندعي أن جميع مشكلات علم الرجال قد حُلت، ولكن لا يمكن إنكار الحاجة إلى علم الرجال بالجملة. لذلك، لا ينبغي القول إن علم الرجال لا فائدة منه كليًا، بل يجب البحث في سعة وضيق فائدة علم الرجال» (نفس المصدر، الجلسة ٣).

٣. المعايير الرجالية عند آية الله الشبيري

بإيجاز، وتجنبًا للمباحث الجانبية قدر الإمكان، وبالرجوع إلى كتاباته التي لم تُدوّن بعد وملفات جلسات دروسه الصوتية، خاصة دروس خارج الفقه والأصول، نتناول تبيين معايير سماحته في التحقيقات الرجالية وتقييم اعتبار الأسانيد ورواة الأحاديث:

١-٣. أصل الانسداد في إثبات عدالة الراوي

يشير آية الله الشبيري في بحث طرق إحراز العدالة إلى مسألة الانسداد، وبتقسيم الانسداد إلى انسداد صغير وانسداد كبير، يوضح المسألة كالتالي: «كيف نحرز عدالة الرواة بعد مرور هذا الزمن الطويل؟ إن أصل جعل الحجية لنا وعدم اختصاصها بزمن معين يدل على وجود توسعة في مفهوم العدالة أو في طريق إحرازها. بناءً على ذلك، إذا لم نعتبر الشهادة لازمة مثلاً (قد تكون الشهادة صحيحة أيضًا)، فإذا لم تكن كافية، يتضح أن الظنون الرجالية حجة. فبمقدمات معينة، عندما يراجع الإنسان كتب الرجال، يحصل له الظن بأن فلانًا كان عادلاً أو كانت له خصوصية معينة. هذا هو الانسداد الصغير، وبه تثبت حجية الظنون الرجالية وكفايتها في إحراز عدالة الرواة» (eshia.ir، ١٣٩٦/٠١/١٦).

٢-٣. ضرورة الدراسة السندية والنسخية للكتب الأربعة

هناك اختلاف بين علماء الشيعة حول قطعية أو عدم قطعية صدور روايات الكتب الأربعة، ومن ثم حول اعتبارها وصحة جميع رواياتها. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى ثلاثة آراء: قطعية الصدور واعتبار جميع الروايات (رأي الأخباريين)، صحة جميع الروايات وعدم القطعية، وظنية معظمها وحجية موثوق السند (رأي الفقهاء الأصوليين). يرى آية الله الشبيري في هذا المجال، بتخصيص عدة جلسات لدراسة أحاديث الكتب الأربعة، ضرورة الدراسة الحتمية لأسانيد الكتب المذكورة. ومع تضعيفه لدعوى صحة جميع أحاديث الكتب الأربعة (http://www.eshia.ir/feqh/archive/، ١٣٦٢ش، الجلسة ٣)، وقبوله لوثاقة الكليني بلا شك (نفس المصدر، الجلسة ١٠)، يوضح أسباب ضرورة دراسة أسانيد الكتب الأربعة قائلاً: «الكليني وسائر مؤلفي الكتب الأربعة ذكروا سندًا لأحاديثهم. وذكر هذه الأسانيد ليس لغوًا بالتأكيد، ولم يزيدوا حجم الكتاب بلا سبب. فلو كانت مطالب الكتاب، في نظرهم، صحيحة بالكامل وبشكل يقبله الجميع بسهولة، لما كان هناك داعٍ لذكر سندها. سبب ذكر السند هو لكي يتأمل الأشخاص بأنفسهم في سند الكتاب ويدرسونه» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٣). كما أنه، مع اهتمامه بدراسة النسخ الخطية المختلفة للكتب الأربعة وعدم إمكانية إثبات عرض كتاب الكافي على الإمام المهدي (عج)، يرفض صراحةً دعوى خلو الكتب الأربعة من الإشكال (نفس المصدر، الجلسة ٢)، وينفي عدم الحاجة إلى مراجعة كتب الرجال بشأن أسانيد الكافي ويؤكد على الحاجة إلى علم الرجال (نفس المصدر، الجلسة ١٠).

٣-٣. قيمة الأحاديث من حيث السند

ذكرنا في السطور السابقة أن دور السند في تقييم أحاديث المعصومين (عليهم السلام) كان محور نقاش أهل الرأي منذ القدم. «فيما يتعلق بقيمة الأحاديث من حيث السند ودراسة اتصالها بالمعصوم (عليه السلام)، يوجد رأيان رئيسيان. يرى فريق أنه لا حاجة لمثل هذه الدراسات؛ لأن روايات الكتب الأربعة وغيرها من المصادر الحديثية معتبرة بلا شك ولا مجال للبحث فيها. يُنسب هذا الرأي إلى المحدثين والأخباريين. وفي المقابل، لا يستبعد فريق آخر احتمال الوضع والدس في مجموعات الحديث، ويرون ضرورة هذه الدراسات لتنقية الحديث الصحيح من غيره. وهذا هو رأي العلماء الأصوليين» (مهريزي، ١٣٧٥ش، ٢). آية الله الشبيري، كما ذكرنا، بوصفه فقيهًا أصوليًا، لديه ضوابط ومعايير في بحث دراسة السند، يمكن بيانها على النحو التالي:

١-٣-٣. ضرورة نقد سند الروايات

يولي آية الله الشبيري في مباحثه ودروسه اهتمامًا خاصًا بضرورة نقد سند الروايات، وقد تناول هذه المسألة من زوايا مختلفة؛ مثلاً في «معالم العلماء» ورد عن إسماعيل بن عمار أنه فطحي. وقد قلنا سابقًا إنه من الممكن أن يكون السند مقلوبًا، وقلنا إنه في نظرنا، وبظن قوي، السند الذي يرويه ابن أبي عمير عنه مقلوب، والسند الوارد في الكافي هو كالتالي: عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل بن عمار، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله، وقلنا إنه في نظرنا، بظن قوي، السند المذكور مقلوب، أي أن إسحاق بن عمار هو الذي يروي عن إسماعيل بن عمار» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٣٦). وحول وجه الإضمار في سند الروايات، يرى سماحته: «بما أن مرجع الضمير (عنه) في كتاب الكافي واضح، فلا إشكال. ولكن شخصًا آخر ينقل حديثًا من كتاب الكافي، وأحيانًا يذكر رواية الكافي الأولى التي ذُكر فيها مرجع الضمير، أو يذكر سند الرواية التالية كاملاً باعتبار سند الرواية الأولى، وفي هذه الحالة لا إشكال. ولكنه أحيانًا ينقل سند الروايات ناقصًا وبدون ذكر القرائن، مما يؤدي إلى إضمار الرواية وعدم وضوح مرجع الضمير. الأشخاص الدقيقون يهتمون بهذه النقطة ويراعونها، ولكن الأشخاص الذين لا يتمتعون بهذه الدقة لا يلتفتون إلى هذه المسألة؛ مثلاً الشيخ الطوسي، الذي كان يرى ضرورة تأليف كتب في جميع العلوم، كتب كتبًا كثيرة، ولكنه بسبب سرعة العمل، غفل ونقل بعض الأسانيد ناقصة. ولهذا السبب، يُلاحظ السقط في السند بشكل متكرر في آثار الشيخ. والنتيجة هي أن معظم الروايات لم تكن في الأصل مضمرة» (eshia.ir، ١٣٩٧/٠٩/٢٥). وفي دراسته لسند قاعدة «على اليد»: «وَرَوَى سَمُرَةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ»، ومع اعتقاده بعدم انجبار ضعف السند، وبعد دراسة منهج اثنين من القدماء (الشيخ الطوسي وابن إدريس الحلي)، استنتج: «خلاصة القول، لا يمكننا القول إن القدماء عملوا برواية سمرة، وبالتالي فإن ضعف سندها لا ينجبر» (eshia.ir، ١٣٩٢/٠٣/٠٦).

٢-٣-٣. ضرورة المعرفة بطبقات الرواة

لطالما أكد المحققون على تأثير المعرفة بطبقات الرواة في تحليل الروايات: «المعرفة بطبقات الرواة والإلمام بالعصر والزمان الذي عاشوا فيه، وبشكل عام، الوقوف على كافة القرائن والشواهد التاريخية المرتبطة بهم، له تأثير كبير في تقييم الأحاديث وكيفية نقدها ودراستها، ويمكن من خلال ذلك معرفة وجود الإرسال والتدليس في أسانيدها، وكذلك تمييز الرواة الموثوقين عن غيرهم، والاطلاع على النقاط المغفول عنها، مثل كون الحديث مرسلاً أو مجهولاً أو وجود تدليس وخلط فيه» (كلانتري، ١٣٩١ش، ٢). بالرجوع إلى دروس الرجال وكذلك دروس الخارج لآية الله الشبيري، نجد حالات تدل على اهتمامه بهذا العلم، حيث يثبت في بعضها إرسال رواية من خلال دراسة الطبقات، وبهذا يحدد دور هذا العلم في الاستنباط: «مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ وَابْنِ بُكيرٍ جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ سُئِلَ عَنِ الْمُؤْمِنِ يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ مُتَعَمِّداً… إِلَى أَنْ قَالَ فَقَالَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُلِمَ بِهِ انْطَلَقَ إِلَى أَوْلِياءِ الْمَقْتُولِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُمْ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ فَإِنْ عَفَوْا عَنْهُ فَلَمْ يَقْتُلُوهُ أَعْطَاهُمُ الدِّيةَ وَأَعْتَقَ نَسَمَةً وَصَامَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ وَأَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً تَوْبَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. هذه الصحيحة نُقلت بالإضافة إلى الكافي في موضعين من التهذيب، ولكن في أحدهما ورد بدل عبد الله بن سنان، محمد بن سنان، وبدل ابن بكير، بكير، وهذا قطعًا خطأ. محمد بن سنان لم يدرك الإمام الصادق (عليه السلام). وبالطبع، في بعض نسخ التهذيب ورد ابن سنان وهو الصحيح. وبكير نفسه توفي في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) ولم يدرك الحسن بن محبوب، لذا فإن ابن بكير هو الصحيح» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٣٨).

٣-٣-٣. ضرورة تصحيح السند

إن وقوع التصحيف والتحريف في السند وضرورة تصحيحه حقيقة لا يمكن إنكارها: «يُرى التحريف في حلقات السند بأشكال مختلفة في أسانيد الروايات؛ منها: السقط: أحيانًا يسقط اسم شخص من السند لأسباب مختلفة ويحدث تغيير في حالته الأولى. الزيادة: أحيانًا يضاف اسم شخص إلى السند. القلب: أحيانًا يوضع اسم راوٍ ينتمي إلى طبقة معينة في طبقة أخرى» (غلامعلي، ١٣٨٧ش، ٣٩). وكذلك «إذا كان ترتيب العناوين في سند ما بالنسبة لبعضها البعض غير متوافق مع طبقات الرواة، فيمكن احتمال وقوع تحريف في حلقات ذلك السند من خلال دراسة طبقة الرواة الموجودين فيه» (آريان، ١٣٨٦ش، ١٥). تشير حالات ومصاديق متعددة إلى اهتمام آية الله الشبيري ببحث تصحيح السند: مثل؛ «مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامِ»؛ الطريقة الأولى لتصحيح سند الحديث: جميع رواة الحديث من الثقات. الشخص الوحيد الذي هو محل البحث، أبو الحسن زكريا بن يحيى. النجاشي ذكر شخصين بهذا الاسم: ١- زكريا بن يحيى الواسطي الذي صرح بأنه من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام). ٢- زكريا بن يحيى التميمي. هذان الشخصان صاحبا كتاب وثقتان. ولكن هناك أشخاص آخرون بهذا الاسم مهملون. لو روى داود بن فرقد في مواضع متعددة عن زكريا بن يحيى، لكان بإمكاننا القول إنه ينصرف إلى المعنى الشائع، ولكن داود بن فرقد لم يروِ عنه حديثًا إلا في هذا الموضع. لذا، فإن سند الحديث فيه إشكال من هذه الناحية. ولكن بناءً على النظرية المشهورة التي تقول إنه إذا كان السند صحيحًا حتى أصحاب الإجماع، فلا يُلتفت إلى من بعدهم، وستكون الرواية معتبرة، حتى لو لم يكن الراوي الذي بعدهم معتبرًا. ورغم أن كون ابن فضال من أصحاب الإجماع ليس محل اتفاق، إلا أن الحاجي النوري يقول: بما أن الكشي قال: «ذكره البعض ضمن أصحاب الإجماع»، وهذا القول لا يتعارض مع سائر العبارات، فيجب أن نأخذ به ونحمل عليه أحكام أصحاب الإجماع. وهناك طريقة أخرى يمكن ذكرها لتصحيح السند، وهي أنه فيما يتعلق بداود بن فرقد، ورد تعبير «ثقة ثقة». وهذا التعبير لا يتناسب مع روايته عن شخص ضعيف. بناءً على ذلك، هذه الرواية – حديث الحجب – ستكون معتبرة (eshia.ir، ١٣٩٦/١٠/٢٥). وأيضًا؛ «بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ الرَّجُلُ يَنَامُ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَتُوجِبُ الْخَفْقَةُ وَالْخَفْقَتَانِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ فَقَالَ يَا زُرَارَةُ قَدْ تَنَامُ الْعَيْنُ وَلَا يَنَامُ الْقَلْبُ وَالْأُذُنُ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَالْقَلْبُ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ قُلْتُ فَإِنْ حُرِّكَ إِلَى جَنْبِهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَالَ لَا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ نَامَ حَتَّى يَجِيءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ وَإِلَّا فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ وَلَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ وَلَكِنْ يَنْقُضُهُ بِيَقِينٍ آخَرَ»؛ في معظم الكتب، ذُكرت هذه الرواية بتعبير «صحيحة»، ولكن صاحب المعالم، وهو شخص دقيق، في كتاب «منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان» لم يذكر هذا الحديث بسبب إشكال سندي. ولكن في نظرنا، يمكن تصحيح الرواية موضع البحث بهذه الطريقة: توضيح ذلك أن الصدوق يروي هذه الرواية عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبد الله. في كتب الرجال، لم يُثبت كتاب لأحمد بن محمد بن يحيى، ولم يُعتبر من المؤلفين. ومع ذلك، فقد روى عن والده (محمد بن يحيى العطار) وكذلك عن سعد بن عبد الله روايات كثيرة جدًا، مما يدل على أنه كان يروي من كتبهم. وبما أن هناك طريقًا صحيحًا إلى كتاب سعد بن عبد الله، فإن الجهل بحال أحمد بن محمد بن يحيى لا يخل بالمسألة؛ لأنه حتى لو كان الطريق الذي فيه علو السند فيه مشكلة، فإن الحديث المأخوذ من الكتاب لا يمكن إنكاره. لذلك، حتى لو لم تثبت وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى (وإن كانت وثاقته ثابتة عندنا)، فإن هذا الحديث سيكون صحيحًا. وبهذا التوضيح، فإن وصف هذه الرواية – حديث الرفع – بأنها صحيحة، في تعبير الشيخ وسائر العلماء، لا إشكال فيه» (eshia.ir، ١٣٩٦/١٠/١٦).

٤-٣. تمييز المشتركات وتوحيد المختلفات

يُستخدم مصطلح «المشترك» أحيانًا للراوي وأحيانًا لجزء من الحديث. «في الفرض الثاني، المقصود به هو الحديث الذي يكون بعض رجال سنده مشتركًا بين الثقة وغير الثقة. بعبارة أخرى، يكون أحد رواته أو أكثر له نفس اسم شخص آخر، بحيث يؤدي الاشتراك في الاسم إلى التردد في وثاقة الحديث» (مدير شانه جي، ١٣٨١ش، ١٠٦). لطالما كانت المشتركات والمختلفات محل تحليل علماء الدراية والرجال: «تمييز المشتركات كأحد المباحث التحقيقية في علم الرجال له دور مؤثر في حجية الأخبار أو عدمها. وقد أولى الرجاليون المتأخرون اهتمامًا خاصًا بهذا الموضوع وسعوا في تمييز المشتركات. المختلفات هي حالة عكس الاشتراك؛ ومع ذلك، لرفعها، لم يُبذل اهتمام مثل تمييز المشتركات» (جلالی، ١٣٧٨ش، ٢٠٧). نشير إلى مثال من الحالات والمصاديق التي تظهر اهتمام آية الله الشبيري في بحث تمييز المشتركات وتوحيد المختلفات: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا ثِقَةٌ يُقَالُ لَهُ نَجِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ؛ محمد بن زياد الذي في السند، قيل إنه يُرجع إلى ابن أبي عمير، وبالتالي روى عن نجيّة بن إسحاق. الصحيح هو أنه على الرغم من أن اسم ابن أبي عمير هو محمد بن زياد، إلا أن محمد بن زياد الذي في السند المذكور يشير إلى شخص آخر. القرينة الأخرى هي أنه لم يقل أحد عن ابن أبي عمير إنه (مولى بني هاشم). نعم، ابن أبي عمير من الموالي وليس عربيًا أصيلاً، ولكن قيل إنه مولى بني أمية أو شيء آخر، وليس مولى بني هاشم» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٢٢). وحول «أبو سعيد القماط» كنموذج للتحريف في اسم الراوي وتوحيد المختلفات، يوضح سماحته كالتالي: «النجاشي في رجاله ذكر شخصين باسم أبو سعيد القماط: ١. خالد بن سعيد أبو سعيد القماط، كوفي، ثقة، رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)، لَهُ كِتَابٌ أَخْبَرَنَاهُ… عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِكِتَابِهِ. ٢. صَالِحُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْقَمَّاطُ، مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ، كُوفِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)… لَهُ كِتَابٌ يَرْوِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ النَّاشِرِيُّ أَخْبَرَنَا حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ بِكِتَابِهِ. في رجال الشيخ الطوسي، ذُكر شخص واحد فقط باسم أبو سعيد القماط، وهو نفسه صالح بن سعيد أبو سعيد القماط المذكور في باب أصحاب الصادق (عليه السلام). يبدو أن أبا سعيد القماط هو اسم شخص واحد فقط، وهو صالح بن سعيد القماط وليس خالد بن سعيد القماط. وأما أصل وحدة أبي سعيد القماط، فيثبت بالنظر إلى كثرة الجهات المشتركة بين العنوانين، لأن أبا سعيد ليس من الكنى الشائعة مثل أبي جعفر وأبي الحسن، واسم والده سعيد ليس شائعًا مثل علي ومحمد وحسن وحسين، بل اسم سعيد نادر نسبيًا، ووجود راويين كلاهما من أهل الكوفة وكلاهما مؤلف كتاب واسم والد كل منهما سعيد وكنيتهما أبو سعيد ومهنتهما قماط (بائع قماطات الأطفال) وكلاهما في عصر واحد، أمر مستبعد جدًا. وحدة عصر هذين الراويين تتضح من خلال رواية كل منهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) ورواية عيسى بن هاشم (ت ٢١٩ أو ٢٢٠هـ) عن أحدهما ورواية محمد بن سنان (ت ٢٢٠هـ) عن الآخر. مجموع هذه القرائن يدل على وجود شخص واحد فقط هو أبو سعيد القماط واسمه الصحيح صالح بن سعيد. كما يُرى في رجال الشيخ وفي الأسانيد، ولكن خالد بن سعيد القماط لم يُرَ في أي سند، ويبدو أن كلمة صالح قد صُحّفت في بعض المصادر الرجالية إلى خالد، وأن النجاشي وجد هذا المصدر المحرّف، وبدون الانتباه إلى التحريف، ذكر الاسم المحرّف خالد بن سعيد أبو سعيد القماط مع الاسم الصحيح صالح بن سعيد أبو سعيد القماط» (شبيري زنجاني، بيتا: ١١: ٤٠٣٢-٤٠٣٤).

٥-٣. اعتبار مراسيل بعض أصحاب الأئمة (ع)

يقول آية الله الشبيري حول اعتبار مراسيل ابن أبي عمير وتفاوتها مع مسانيده: «البحث في إشكال ورد حول مراسيل ابن أبي عمير، وهو أنه إذا كان ابن أبي عمير قد شهد بوثاقة مشايخه، ففي الحالات التي ثبت فيها غفلة أو خطأ ابن أبي عمير، نرفع اليد عن تلك الشهادة، وفي سائر الحالات نعمل بشهادته. قلنا إن هذا القول جيد بالنسبة لمسانيد ابن أبي عمير، لأن في المسانيد يمكن تمييز أي من مشايخه معتمد وأيهم ضعيف. ولكن الإشكال يظهر في مراسيل ابن أبي عمير، لأننا لا نعرف ما إذا كان الشخص الذي لم يُذكر اسمه من بين الضعفاء أم لا. الجواب الحاصل، الذي ذكره المرحوم الصدر أيضًا، هو أنه إذا كان لابن أبي عمير، بناءً على الفرضية، أربعمائة شيخ، فإن خمسة منهم فقط كانوا ضعفاء يقينًا. لذا، في الأحاديث المرسلة لابن أبي عمير، هناك احتمال واحد من ثمانين أن يكون الراوي الذي لم يُذكر اسمه من الضعفاء، والعقلاء لا يعتنون بهذا المقدار من احتمال الضعف» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٤٢). ويتابع سماحته: «لذلك، إذا درسنا غير المراسيل، أي روايات هؤلاء الأفراد ومشايخ الإجازات وما شابه، ورأينا أنهم جميعًا كانوا من الثقات، فسيكون من المستبعد جدًا أن نقول إن مراسيلهم لم تكن من الثقات. حتى لو اقتصرنا على الحالات التي لدينا اطلاع عليها ورأينا أن غالبية رواياتهم كانت من الثقات، فهذا دليل على وجود نوع من التقيد لدى هؤلاء الأفراد بأن ينقلوا فقط عن الثقات، ومن المستبعد أن يكون هؤلاء الأفراد قد نقلوا، بالصدفة، عن الثقات بنسبة خمسة وتسعين بالمائة. لذلك، يصبح هذا أمارة عرفية على أن الحالات التي لم نطلع عليها أو الروايات التي نقلوها مرسلة، كانت أيضًا من الثقات. وعلى هذا الأساس، يُرى أحيانًا أن زرارة ومحمد بن مسلم وأبا بصير ينقلون رواية واحدة معًا. فإذا نقل ابن أبي عمير رواية عن زرارة و’غير واحد من الأصحاب’، فإن احتمال أن يكون ذلك ‘الغير واحد’ غير محمد بن مسلم وأبي بصير ضعيفًا. لذا، فإن لفظ ‘عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا’ غالبًا ما يصدق على أفراد كانوا يجتمعون معًا ويذهبون معًا إلى الإمام (عليه السلام) ويسمعون منه حديثًا. لذلك، لا ينبغي اعتبار جميع مشايخ يونس أو ابن أبي عمير عدولاً، بل يجب البحث عنهم ضمن هذه المجموعات التي كانوا معًا. فعبارة ‘عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ’ تعني أن ابن أبي عمير في مقام تقوية المطلب، وأنه يقول إن أفرادًا كثيرين ممن يثق بهم قد نقلوها. فالتعبير المذكور من باب الكثرة، أي أن أفرادًا كثيرين نقلوه، وليس من الضروري ذكر أسمائهم. هذه المراسيل قابلة للاعتماد يقينًا، ولكن ليس بسبب الحساب الرياضي المذكور أعلاه، بل بسبب هذا المطلب الذي ذكرناه الآن» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٤٢). ويذكر سماحته في بيان وجوه تصحيح حديث السعة؛ «إِنَّ النَّاسَ فِي سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا» بخصوص الروايات المرسلة: «بما أن كبارًا مثل المرحوم المجلسي نقلوا روايات ابن أبي جمهور الأحسائي برمز ‘عو’، وأن السيد نعمة الله الجزائري كتب شرحًا على كتاب عوالي اللآلئ، وأن الحاجي النوري اهتم بكتابه، فمن الممكن أن نعتبر ابن أبي جمهور الأحسائي ثقة من حيث نقل الحديث. وإن كان من الممكن ألا نقر بصحته من جهة ما نُقل عنه من ميول إلى التصوف. ومن جهة أخرى، هناك بحث عام حول الروايات المرسلة، وهو هل يمكن التفصيل بين تعبير ‘عن النبي’ و’قال النبي’ ونقول إنه في الحالات التي يسند فيها الراوي جزمًا إلى المعصوم (عليه السلام)، فإن مرسلاته لها حكم المسند؟ لأنه إذا شككنا هل الراوي ينسب قولاً إلى المعصوم (عليه السلام) ‘عن حسٍّ’ أم ‘عن حدس’، فبناءً على الأصل الأولي، يجب أن نحمل عليه أحكام الأخبار الحسية ونأخذ بقول الراوي. الآن إذا شككنا أن ابن أبي جمهور الأحسائي نقل هذه الرواية ‘محدث عن محدث’ أو استخرج هذا المعنى ‘عن اجتهاد’، يجب أن نحكم بأن هذه الرواية وصلت إليه مسندة. وقد صحح بعض كبار المعاصرين، بناءً على هذا الأصل، مرسلات الصدوق وأمثاله. ولعل مبتدع هذا الأصل هو المرحوم السيد الخوئي الذي قال إن المرسلات التي تدور أمرها بين الحس والحدس يمكن التمسك بها. ولكن هذا الطريق ليس صحيحًا؛ لأنه وإن كان يُؤخذ بالرواية في دوران الأمر بين الحدس والحس، إلا أن هذا الكلام يتعلق بالحالة التي يكون فيها النقل بلا واسطة. أما النقولات التي تتم بواسطة، فهي دائمًا حدسية وليست حسية؛ لأننا فقط من خلال أدلة حجية خبر الواحد يمكننا القول إن الرواة قبل ابن أبي جمهور قالوا كذلك، ولكن بما أن شروط حجية خبر الواحد خلافية، ففي حال لم نحرز اتحاد مسلكهم ومسلكنا، لا يمكننا الأخذ بتلك الرواية. كما أنه عند العقلاء، لا يوجد أصل التطابق الذي يُحرز به اتحاد المسلكين. نعم، إذا علمنا أن مسلك الراوي (مثل الشيخ الصدوق) يماثل مسلكنا أو أشد منه، فيمكن التمسك بمرسلاته» (eshia.ir، ١٣٩٦/١٠/٣٠ و ١٣٩٦/١١/٠٢).

٦-٣. دراسة نقدية للتوثيقات العامة والخاصة

توثيق رواة الأحاديث نوعان: توثيق خاص وتوثيق عام. «إذا كان التوثيق يتعلق بشخص أو شخصين محددين من الرواة، يُسمى هذا النوع من التوثيق خاصًا؛ مثل أن يصرح المعصوم (عليه السلام) بوثاقة راوٍ معين. أما التوثيق العام فهو أن توثق مجموعة من الرواة بضابطة خاصة، مثل وثاقة ‘أصحاب الإجماع’» (الخوئي، ١٣٧٢ش، ١٤٩-١٥٠).

١-٦-٣. عدم قبول التوثيق العام للرسالة العددية للشيخ المفيد

يرفض آية الله الشبيري كون الرسالة العددية للشيخ المفيد توثيقًا عامًا (eshia.ir، ١٣٩٦/٠٩/١٩)، ويستدل على ذلك قائلاً: «إن كون الرسالة العددية للشيخ المفيد (رحمه الله) توثيقًا عامًا، وهو ما ورد في كلمات الكثير من الرجاليين، ليس صحيحًا. فالشيخ المفيد في هذه الرسالة، خلافًا لبعض رسائله الأخرى، رد القول بأن شهر رمضان دائمًا ثلاثون يومًا، وقال إن شهر رمضان يعتمد على الرؤية. ويقول في هذه الرسالة: رواة الرؤية هم ‘فُقَهَاءُ أَصْحَابِ أَئِمَّتِهِ وَالْأَعْلَامُ الرُّؤَسَاءُ الْمَأْخُوذُ عَنْهُمُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْفُتْيَا وَالْأَحْكَامُ الَّذِينَ لَا يُطْعَنُ عَلَيْهِمْ وَلَا طَرِيقَ إِلَى ذَمِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأُصُولِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنَّفَاتِ الْمَشْهُورَةِ’. ثم يذكر روايات الرؤية، وفي إحداها ورد اسم عبد الأعلى بن أعين ضمن الرواة. هنا وقع خطأ شائع، وبالطبع يخطئ الناس ويتوهمون أن الشيخ المفيد اعتبر جميع الأفراد الذين سيُذكرون لاحقًا في سند رواية الرؤية متصفين بالأوصاف المذكورة أعلاه، ويوثقهم، ولكن الأمر ليس كذلك، وهو لا يريد أن يقول إن جميع هؤلاء الرواة يتمتعون بهذه الأوصاف. بل يريد أن يقول إن شخصيات نقلت الروايات لا يمكن الطعن فيها وتستوفي الشروط المذكورة. ثم، كتأييد لتواتر المسألة، أضاف روايات الضعفاء أيضًا، وهذا الأمر لا إشكال فيه» (eshia.ir، ١٣٩٦/٠٩/١٩). وتجدر الإشارة إلى أن سماحته قد تراجع عن هذا الرأي وهو الآن يرى أن توثيق الشيخ المفيد يتعلق بالرواة المباشرين: «بالنسبة لعبارة رسالة الشيخ المفيد التي ذُكرت سابقًا، حدث خطأ في الفهم ارتكبه الآخرون أيضًا. يبدو أنه يقصد بـ’رواة الحديث’ الرواة المباشرين؛ أي الرواة الذين ينقلون الحديث مباشرة عن الأئمة (عليهم السلام)، وليس الرواة الذين ينقلون بواسطة. يذكر الشيخ المفيد أسماء ٢٥ راويًا مباشرًا عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) (مع الروايات)، ثم يذكر أسماء ٢٣ راويًا آخر (بدون ذكر رواياتهم)، حيث يوجد اسم أربعة منهم ضمن الخمسة والعشرين السابقين. ولكن سماحته لا يذكر الرواية واسم الإمام والمروي عنه لهؤلاء الثلاثة والعشرين. وبعد المراجعة، تبين أن جميع هؤلاء الأفراد، كما قال الشيخ المفيد، هم أصحاب كتب ومصنفات مشهورة، لذا لا يرد نقض على كلامه. وبالطبع، لم يُثبت في هذا السياق كتاب مشهور لعبد الأعلى بن أعين؛ ولهذا السبب يجب استثناء اسمه من بين هؤلاء الرواة. خلاصة القول هي أن الأوصاف التي ذكرها الشيخ المفيد في الرسالة العددية تتعلق فقط بالرواة المباشرين» (eshia.ir، ١٣٩٦/٠٩/٢٠).

٢-٦-٣. نقد نظرية أصحاب الإجماع

طُرحت مكانة أصحاب الإجماع في علم الحديث والفقه بناءً على العبارة المشهورة «اجْتَمَعَتِ الْعِصَابَةُ عَلَى تَصْحِيحِ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ» من قِبل الرجالي المعروف أبو عمرو محمد بن عمر الكشي. «يعتقد البعض أن الرواية التي يوجد في سندها أحد أصحاب الإجماع لا تحتاج إلى تحقيق رجالي وهي مقبولة؛ أي إذا كان السند صحيحًا من أوله حتى أصحاب الإجماع، فإن الجزء المتبقي من السند من أصحاب الإجماع حتى الإمام المعصوم (عليه السلام) سيكون صحيحًا يقينًا. ويعتقد فريق آخر أن عبارة أصحاب الإجماع نفسها يمكن استخدامها كأحد ألفاظ المدح» (زرگوش نسب، ١٣٩٢ش، ١). ويرى آية الله الشبيري حول مرويات أصحاب الإجماع المباشرة، وكذلك امتياز أصحاب الإجماع من الناحية الفقهية لا الوثاقية: «في نظرنا، المراد من ‘تصحيح ما يصح’ هو خصوص المرويات المباشرة لأصحاب الإجماع، وهو تصديق لكلامهم. امتياز هؤلاء الثمانية عشر على غيرهم هو امتياز فقهي وليس امتيازًا في تصحيح ما يصح» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ١٥). «الكشي يعرّف عدد أصحاب الإجماع بثمانية عشر شخصًا. الامتياز الذي يتمتع به هؤلاء على غيرهم هو مقامهم الفقهي وليس مقام الوثاقة، ليُقال إن الآخرين يشاركونهم في الوثاقة. نعم، لو كان هناك شخص في هذه الدرجة من الفقه والوثاقة، لكان من الممكن إيراد هذا الإشكال، لماذا لم يذكر الكشي إلا هؤلاء الثمانية عشر. وبصرف النظر عن هؤلاء الثمانية عشر، هناك أفراد يوجد اتفاق على أنهم لا ينقلون إلا عن الثقات، ولكنهم من حيث الفقه لا يصلون إلى مستوى هؤلاء الثمانية عشر، ولهذا السبب نرى أن معظم رواياتنا منقولة عن طريقهم» (eshia.ir، ١٣٦٢، الجلسة ١٢). ومع قبوله لحجية إجماع العلماء على وثاقة أصحاب الإجماع (نفس المصدر، الجلسة ١٩)، وضمن إشارته إلى عدم دلالة كلام الكشي على وثاقة المروي عنه من أصحاب الإجماع (نفس المصدر، الجلسة ٢٣)، يقول سماحته عن مقام وثاقة أصحاب الإجماع: «المراد من الصحة عند القدماء ليس وثاقة الرواة، بل في نظرنا، الصحة لديهم جميعًا بمعنى ثبوت الرواية. النتيجة هي أنه لا يُستفاد من الصحة التي يتحدث عنها الكشي أن رواة الحديث الذين يأتون بعد أصحاب الإجماع كانوا جميعًا ثقات» (نفس المصدر، الجلسة ١٨). وفي النهاية، لا يعتبر سماحته نقل أصحاب الإجماع «بما هو» كافيًا لاعتبار الرواية، ويعلن أن هذا المبنى غير تام (نفس المصدر، ١٣٩٢/١٢/١٠).

٣-٦-٣. نقد مشايخ الثقات

يقول آية الله الشبيري حول مسألة هل كان الأشخاص يأخذون الحديث من الضعفاء مباشرة أم لا: «من الممكن أن يُقال إن الثقات المتعارف عليهم لم يكونوا يختارون شيوخهم الذين لهم روايات كثيرة من بين الضعفاء، ولكن الشيخ قد يكون من الضعفاء. أي لم يكن الأمر كذلك أن يكون من المتعارف عليه بين المشايخ أن يتوجهوا دائمًا إلى الثقات ويأخذوا الحديث منهم. النجاشي نفسه يصرح بأنه رأى شيوخنا يضعفون فلانًا الراوي، فقررت ألا أنقل عنه بلا واسطة، وبالتالي نقلت عنه بواسطة. حتى فيما يتعلق بصفوان وابن أبي عمير والبزنطي وأمثالهم، لا يمكن الادعاء بأن شيوخهم المباشرين كانوا دائمًا لا ينقلون إلا عن الثقات» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٤).

ويعتقد سماحته حول وثاقة مشايخ أصحاب الإجماع: «أولاً، وثاقة المشايخ تقتصر على مشايخ ابن أبي عمير وابن أبي نصر البزنطي وصفوان بن يحيى، وليس كل أصحاب الإجماع؛ وثانيًا، الوثاقة مقبولة فقط في حالة المشايخ المباشرين لهؤلاء الثلاثة» (نفس المصدر).

٤-٦-٣. اعتبار مشايخ الإجازة

يطرح آية الله الشبيري وثاقة شيوخ الإجازة كقاعدة، ولكنه يرى أن نقل الحديث للمرحوم الصدوق عن أستاذه الناصبي يعود لقرينة وسبب آخر، وليس بسبب أصالة العدالة واعتماد الصدوق على هذه الرواية، ولا يعتبره نقضًا لقاعدة وثاقة شيوخ الإجازة (eshia.ir، ١٣٩٦/٠٩/١٩).

كما أنه، باعتبار كفاية مشايخ الإجازة مبنىً له، في بحث وثاقة أحمد بن محمد بن الحسن (نفس المصدر، ١٣٩٧/٠٩/٢٥)، يعتبر صدور الإجازة من شيوخ الإجازة بمنزلة شهادة لفظية ويوضح: «شيوخ الإجازة عندما كانوا يجيزون لشخص كتابةً أو شفاهةً نقل ورواية كتاب (كما كان هذا الأمر مألوفًا في الماضي في نقل الكتب حيث كانوا يحصلون على إجازة من صاحب الكتاب)، كان هذا بمثابة شهادة شفهية. نحن لا نريد أن نقول إن جميع مشايخ الإجازات ثقات، ولكن مثلاً إذا أُحرزت وثاقة النجاشي بأي دليل، فإذا أجاز لشخص أن ينقل كتابه، فهذا المقدار كافٍ وهو بمنزلة شهادة لفظية» (eshia.ir، ١٣٦٢ش، الجلسة ٢).

٥-٦-٣. عدم قبول ورود اسم شخص في أسانيد تفسير القمي كتوثيق عام

لا يعتبر سماحته ورود اسم راوٍ في تفسير القمي وكتاب كامل الزيارات توثيقًا عامًا شاملاً (eshia.ir، ١٣٩٦/٠٩/١٩ و ١٣٩٧/١١/٠٧)، ويعتقد أنه يُستفاد من شهادة ابن قولويه بوثاقة رواة كامل الزيارات، وثاقة مشايخه المباشرين. كما يوضح أنه بالإضافة إلى إثبات الوثاقة، يُستظهر من مقدمة كامل الزيارات إمامية المشايخ أيضًا، ولكن المقدمة لا تدل على شهرة الرواة، وإثبات وثاقة علي بن حسين السعد آبادي، وعلي بن حاتم القزويني، ومحمد بن جعفر الرزاز هو نتيجة شهادة ابن قولويه في المقدمة (شبيري زنجاني، ١٣٩٧ش، ١).

٦-٦-٣. دلالة الإكثار على الوثاقة

يشير آية الله الشبيري في بحث توثيق «رزيق بن زبير» إلى دلالة الإكثار على الوثاقة قائلاً: «قلنا سابقًا إنه لم يُرَ توثيق لـ’رزيق بن زبير’، ولكن لو كان محمد بن خالد الطيالسي قد أكثر الرواية عنه، لكان من الممكن أن نقول إنه بما أن وثاقة محمد بن خالد قد أُثبتت ولم يُقل عنه إنه ‘يَرْوِي عَنِ الضُّعَفَاءِ وَيَعْتَمِدُ الْمَرَاسِيلَ’، فإن إكثار روايته يوجب وثاقة رزيق. ولكن بالنظر إلى أن كتاب رزيق يرويه محمد بن خالد الطيالسي نفسه، يمكن توثيقه» (eshia.ir، ١٣٩٤/٠٣/٠٩). وفي تتمة، يذكر أن أحد طرق توثيق محمد بن خالد الطيالسي هو كثرة رواية «حميد بن زياد» عنه. كما يعتبر سماحته أن أحد وجوه إثبات وثاقة ياسين الضرير البصري هو كثرة الرواية في الكتب الفتوائية (eshia.ir، ١٣٩٣/٠٢/١٥). وحول طرق إحراز وثاقة الرواة الذين ليس لهم توثيق صريح، يصرح: «إن الطريق الوحيد للحصول على وثاقة الأفراد ليس ذكر تعبير ‘ثقة’ في كلمات أهل الرجال، بل هناك طرق أخرى يمكن من خلالها الحصول على وثاقة الأفراد؛ مثلاً، على الرغم من عدم وجود توثيق صريح لإبراهيم بن هاشم في كلمات القدماء، إلا أن عمل الأصحاب بروايات إبراهيم بن هاشم يدل على كونه موثوقًا» (eshia.ir، ١٣٩٧/١٢/١٣). وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من علماء الرجال، بناءً على بعض الروايات مثل: «اعْرِفُوا مَنَازِلَ النَّاسِ مِنَّا عَلَى قَدْرِ رِوَايَاتِهِمْ عَنَّا» (الكليني، ١٣٦٧ش، ١: ١٢٥)، اعتبروا كثرة النقل عن المعصوم (عليه السلام) علامة على توثيق الراوي المجهول الحال (الذي لم يتضح كونه موثقًا أو غير موثق في المصادر الرجالية) (الأسترابادي، ١٤٢٢هـ، ١: ١٤٣؛ الخاقاني، ١٣٦٢ش، ٣٤٥؛ الأعرجي الكاظمي، ١٤١٥هـ، ١: ١٤٤؛ المامقاني، ١٤٢٨هـ، ٢: ١٠). وفي المقابل، لم يعتبر بعض المحققين الرجاليين كثرة الرواية دليلاً محكمًا على وثاقة الراوي، وبتعداد أدلة تفصيلية، عمموا دلالة هذه الروايات لتشمل، بالإضافة إلى الرواية، الدراية والفهم العميق لأحاديث المعصومين (عليهم السلام). كما أنهم اعتبروا عمل الأصحاب برواية الراوي دليلاً فقط على تأييد محتوى الرواية، وربطوا دلالته على وثاقته بقرائن وأمارات أخرى (الخوئي، ١٣٧٢ش، ١: ٧٥؛ الكلباسي، ١٤٢٢هـ، ٢: ٤١٠؛ كجوري شيرازي، ١٣٨٩ش، ٢٧٧؛ المحسني، ١٤٣٢هـ، ٢٧).

٧-٣. اعتبار خبر الثقة أو الموثوق الصدور

خضعت أهمية موضوع خبر الثقة وتفاصيله للتحليل والتبيين في آثار الباحثين في الحديث: «أحد أهم مصادر الفقه الإمامي هو السنة في قالب خبر الثقة، وقسم كبير منها يتعلق بالموضوعات الخارجية؛ ولكن مشهور الأصوليين يحصرون نطاق اعتبار خبر الثقة في الأحكام، ويرون أن الأخبار تتعلق بباب البينة، حيث تكون عدالة وتعدد الشهود والأخبار عن حس ومشاهدة معتبرة. ومن جهة أخرى، فإن ظاهر، بل صريح، فتاوى بعض علماء الفقه والأصول هو حجية خبر الثقة في الموضوعات» (كرمي، ١٣٩٥ش، ١). وكذلك «أحد المباحث المطروحة في حجية الأخبار هو: هل ملاك حجية الخبر، وجودًا وعدمًا، هو وثاقة رواة الخبر أم الاطمئنان بصدوره، حتى لو لم يكن رواته ثقات؟ ولكل من هذين الملاكين بين الفقهاء أنصاره، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى اختلاف فتاويهم» (صفري فروشاني، ١٣٧٨ش، ٥). يعتبر آية الله الشبيري ملاك حجية الخبر هو خبر الثقة بما هو، ويعتقد: «لولا التعارض، لكانت الوثاقة حجة ذاتًا، وملاك الخبر هو خبر الثقة بما هو» (eshia.ir، ١٣٩٥/١١/١١). ومع اعتقاده بحجية خبر العادل مطلقًا (نفس المصدر، ١٣٩٦/٠١/١٦)، يعرّف العلاقة بين كون الخبر موثوق الصدور ووثاقة راويه بأنها من قبيل العامين من وجه، وبعد رد دعوى الشيخ حول ضرورة الاطمئنان بخبر الثقة، يوضح المسألة كالتالي: «اعتراضنا على جناب الشيخ الذي يشترط الاطمئنان بخبر الثقة هو أن الروايات التي تبين ملاك حجية الأخبار، مثل العدالة أو التشيع… إلخ، لا تختص قطعًا بزمن الصدور بل تشمل جميع الأزمنة. في هذه الحالة، كيف يمكننا مع هذا الفاصل الزمني من وقت صدور النص، أن نحرز اطمئنانًا بعدالة الراوي وعدم التصحيف والسقط؟ لا يمكن للإنسان أن يجد مثل هذا الاطمئنان. نحن نحصل على عدالة الرواة من شهادة الرجاليين في كتب الرجال، وإذا وقع شخص صُدّقت عدالته في كتب الرجال في سند رواية، فيجب أن نقبل تلك الرواية، سواء اطمأننا أم لا. لذلك، نحن لا نقبل ذلك التضييق الذي يدعيه الشيخ، أي لا يلزم أن نطمئن إلى شخص الخبر العادل أيضًا» (نفس المصدر، ١٣٩٥/١١/١٦). وحول مثلث «الوثاقة، العدالة، الصداقة» والعلاقة بين هذه المقولات الثلاث، يعتقد سماحته: «النسبة بين العدالة والوثاقة هي العموم والخصوص المطلق. أي الثقة على وجه الإطلاق أخص من العادل. أما النسبة بين الصدوق، أي الشخص المتحرز عن الكذب، والعادل، فهي من قبيل العامين من وجه. قد يكون الإنسان صدوقًا ولكنه ليس عادلاً، وأحيانًا تكون طبيعة التربية بحيث يلتزم الشخص بالتحرز عن الكذب. لذا، النسبة بين العادل والصدوق هي من قبيل العامين من وجه؛ قد يكون العادل ليس صدوقًا، أي ليس متحرزًا عن الكذب. الشخص الذي يكون خطؤه أكثر من المعتاد لا يتحرز عن الكذب الواقعي – لا عن تعمد الكذب -. لذلك، فإن عدم الخطأ فوق المعتاد يدخل أيضًا في عنوان الصدوق، والفطرة لا تقول إن الإنسان يمكن أن يراجع شخصًا كثير الخطأ – حتى لو لم يكن خطؤه عمديًا» (نفس المصدر، ١٣٩٥/١١/١٢). كما يرى سماحته أن كلمة «ثقة» تعني ‘مورد الاطمئنان’ والتي تختلف باختلاف الحكم والموضوع ومصاديقه (نفس المصدر، ١٣٩٥/١١/١٠)، وهو أيضًا يرى عدم اعتبار الروايات الموقوفة حتى لو كان راويها ثقة (شبيري زنجاني، كتاب الصلاة، ١: ١٥٨-١٥٩).

٨-٣. المراجعة إلى مرجحات الحديث

من المسائل التي يُبحث فيها في علم فقه الحديث مسألة التعارض في الأحاديث. «عندما يتعارض خبران لا يمكن الجمع بينهما، ويكون لأحدهما مزية وترجيح على الآخر، يجب تقديم ذي المزية والطرف الراجح. لذا يجب معرفة الأمور التي ترجح الحديث. تنقسم المرجحات بشكل عام إلى ثلاثة أقسام: ١. من جهة السند ٢. من جهة الصدور ٣. من جهة الدلالة، أو بعبارة أخرى: سندية، متنية، أمور خارجية» (آشناور، ١٣٩١ش، ٢٤). ويعرّف آية الله الشبيري «الأفقيهية» كأحد المرجحات في باب الروايات المتعارضة ولكنها مقطوعة الصدور في كتاب الكافي، قائلاً: «حتى لو تيقنا أن جميع الروايات الموجودة في الكافي صادرة عن المعصوم، فإنه قد تتعارض روايتان مقطوعتا الصدور، لأن إحداهما مثلاً صدرت من باب التقية. لذا يجب الرجوع إلى مرجحات الحديث. وأحد المرجحات هو أن يكون ناقل الحديث أفقه، لأنه في السابق كان نقل الرواية والفتوى سيان، لذا فإن فقه الشخص يقتضي أن يأخذ جهات التقية وما شابهها في الاعتبار وينقل الحديث» (eshia.ir، ١٣٦٢، الجلسة ٢). ويرفض سماحته التعدي عن المرجحات غير المنصوصة (نفس المصدر، ١٣٩٠/٠٧/٠٩)، وبعدم قبول مقولة ‘الأبعد عن كلام العامة’، يقدم التصرف وإزالة التباين على المراجعة إلى المرجحات (نفس المصدر، ١٣٩٠/٠٧/٠٦).

٩-٣. الاهتمام بالفروق في تعريف المصطلحات

لقد تناول آية الله الشبيري خلال مباحثه بيان الفروق الاصطلاحية بين المتقدمين والمتأخرين، وقدم هذه الفروق بشكل علمي: «المتأخرون لا يدخلون مناطات القدماء في صحة الرواية. لذا، إذا استخدم الكليني مصطلح ‘صحيح’، فلا يعني ذلك أننا يجب أن نقول إنه صحيح. حتى النجاشي عندما يعبر عن روايات بأنها صحيحة، فإن مراده هو مصطلح القدماء. الصحيح في مصطلح المتأخرين يتعلق بالراوي نفسه لا بالقرائن الأخرى، أي إذا كان الراوي نفسه ثقة بالمعنى الأخص، أي صدوقًا وعادلاً وإمامي المذهب وما شابه» (نفس المصدر، ١٣٦٢ش، الجلسة ٥)، و«الموثوق الصدور الذي يكون راويه عادلاً وغير إمامي كان صحيحًا عند القدماء وليس عند المتأخرين» (نفس المصدر)، «في نظرنا، كان لفظ الصحة عند القدماء يعني الصحيح والمقبول، وبالطبع كانت مصاديق الصحة مختلفة، وكان الأفراد يطلقون الصحة على أشياء مختلفة حسب مبانيهم المختلفة» (نفس المصدر، الجلسة ١٩)، وأيضًا؛ «البعض استدل لإثبات حجية خبر الواحد بآية النبأ، ولتأييد الاستدلال بهذه الآية، تمسكوا برواية. هذه الرواية منقولة في كتاب الكافي، والآن يعتبر جميع السادة تقريبًا صحة سندها مسلمًا، ولكن في السابق، بسبب وجود إبراهيم بن هاشم في سندها، كانوا يطلقون عليها حسنة كالصحيحة» (نفس المصدر، ١٣٩٥/١١/٠٤). وكذلك؛ «في نظرنا، كلا التعبيرين، الخبر والحديث، له معنى أعم ومعنى أخص. ولكن البعض قاس المعنى الأعم لأحدهما بالمعنى الأخص للآخر واستنتج أن أحدهما أعم من الآخر وأن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق. ولكن هذا الكلام ليس صحيحًا. ‘أخبرنا’ تُستخدم في نقل الأحكام الدينية و’حدثنا’ تُستخدم في نقل غير الأحكام الدينية. قد يُستخدم لفظ الخبر أكثر في غير الأحكام الدينية ولفظ الحديث أكثر في الأحكام الدينية، ولكن كلاهما من حيث الوضع أعم» (نفس المصدر، ١٣٩٥/١١/٠٩).

٤. الخاتمة

١. يتمتع آية الله الشبيري الزنجاني في مجال علم الرجال ودراسة أحوال الرواة، بالإضافة إلى آراء الرجاليين السابقين المحكمة، بابتكارات ونقديات قيمة، وتظهر آثاره المتعددة، وإن كانت غير مدونة، في مجال علم الحديث، تبحره الكبير في التحقيقات الرجالية.

٢. يتبنى آية الله الشبيري، كفقيه أصولي، منهجًا وظيفيًا وأداتيًا في علم الرجال، ويعتبر الأبحاث العلمية في هذا المجال ضرورية، وضمن النقل والاستناد والاستدلال بأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، أولى اهتمامًا لنقدها المنهجي في مجالي المتن والسند.

٣. قضايا مثل؛ «أصل الانسداد في بحث حجية الظنون، ضرورة الدراسة السندية والنسخية للكتب الأربعة ونقد سند سائر الروايات حتى أصحاب الإجماع، الاهتمام بطبقات الرواة، تمييز المشتركات وتوحيد المختلفات، اعتبار أخبار الثقة، اعتبار مراسيل بعض التابعين، نقد التوثيقات العامة والخاصة، نقد مشايخ الثقات، اعتبار مشايخ الإجازة، الاهتمام بالفروق في تعريف المصطلحات الرجالية بين المتقدمين والمتأخرين ونقد آراء أصحاب الرأي السابقين»، وبالطبع قضايا إضافية أخرى، قد دُرست كمعايير رجالية في آثار ودروس خارج الفقه والأصول لآية الله الشبيري من قبل العلماء. في معظم الحالات، تتناغم معاييره وتتسق مع كبار الفقهاء الأصوليين والرجاليين المشهورين، وفي حالات قليلة، مثل ضرورة دراسة الأسانيد التي تحمل اسم أصحاب الإجماع وبعض معايير التوثيق العام، تبدو مختلفة ونقدية.

٤. بما أن الأبحاث الرجالية لسماحته لم تُجمع بعد في أثر جامع مكتوب، ففيما يتعلق بمنهج تدوين دراساته حول الرواة، والتي يمكن أن تكون على شكل معجم أو أبجدي أو طبقاتي، يجب انتظار المستقبل.

المصادر

آريان، حميد، «إزالة الخلل من أسانيد الروايات؛ الحلول والقرائن»، علوم الحديث، صيف ١٣٨٦، العدد ٤٤، صص ١٦٠ – ١٨١.

آشناور، مهدي، «التعارض في الأحاديث وطرق حله»، حسنا، خريف ١٣٩١، العدد ١٤، صص ١٤٠-١٧٩.

الأسترابادي، محمد بن علي، منهج المقال، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٢٢هـ.

الأعرجي الكاظمي، محسن بن حسن، عدة الرجال، قم، انتشارات اسماعيليان، ١٤١٥هـ.

الجلالی، سيد محمدرضا، المنهج الرجالي والعمل الرائد في الموسوعة الرجالية للسيد البروجردي، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ١٣٧٨ش.

الخاقاني، علي بن حسين، رجال الخاقاني، قم، مكتب الاعلام الاسلامي، ١٣٦٢ش.

الخوئي، سيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، قم، مركز نشر الثقافة الإسلامية في العالم، ١٣٧٢ش.

زرگوش نسب، عبدالجبار، وآخرون، «نقد ودراسة نظريات حول أصحاب الإجماع»، مباني فقهي حقوق إسلامي، ربيع وصيف ١٣٩٢، العدد ١١، صص ٣١-٤٦.

السبحاني، جعفر، كليات في علم الرجال، قم، منشورات الحوزة العلمية، ١٤١٠هـ.

الشبيري الزنجاني، سيد موسى، كتاب النكاح، قم، مؤسسة پژوهشی رای پرداز، بلا تا.

_____ كتاب الصوم، قم، انتشارات مرکز فقهی امام محمدباقر (ع)، بلا تا.

_____ «كامل الزيارات وشهادة ابن قولويه بوثاقة الرواة»، پژوهش های رجالی، ١٣٩٧ش، العدد ١، صص ٧-٢٩.

صرامي، سيف الله، مباني حجيت آراء رجالي، قم، دار الحديث، الطبعة الرابعة، ١٣٩١ش.

صفري فروشاني، نعمت الله، «مباني رجالي الإمام الخميني»، علوم حديث، شتاء ١٣٧٨، العدد ١٤، صص ٣٨-١٣٨.

علي نجاد جويباري، أبو طالب، «أهمية ومكانة علم الرجال عند الشيعة»، شيعة شناسي، صيف ١٣٨٧، العدد ٢٢، صص ١٥٣-١٧٦.

غلامعلي، مهدي، سندشناسی الأحاديث، طهران، دانشکده مجازی علوم حديث، ١٣٨٧ش.

__________، بحث حول موضوع معرفة التيارات المعاصرة في علم الرجال، http://ijtihadnet.ir//، ٩٧/٠٦/١٤.

كجوري شيرازي، مهدي، الفوائد الرجالية، طهران، دار الكتب الاسلامية، ١٣٨٩ش.

كلانتري، علي أكبر، «دور المعرفة بالتاريخ في تقييم الحديث»، سفينه، صيف ١٣٩١، العدد ٣٥، صص ١٢-٣٢.

الكلباسي، محمد بن محمد إبراهيم، الرائل الرجالية، قم، دار الحديث، ١٤٢٢هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، صدوق، ١٣٦٧ش.

المامقاني، عبد الله، مقباس الهداية، قم، دليل ما، ١٤٢٨هـ.

المحسني، محمد آصف، بحوث في علم الرجال، قم، مركز المصطفى العالمية، ١٤٣٢هـ.

مدير شانه چي، كاظم، علم الحديث، قم، نشر إسلامي، ١٣٨١ش.

__________، تاريخ الحديث، طهران، سمت، ١٣٧٧ش.

مهريزي، مهدي، «نظرة إلى طرق توثيق النصوص»، ترجمة حسن وسام، مجلة الفكر الإسلامي، ارديبهشت ١٣٧٥، العدد ١٣ و ١٤، صص ٢٥٣-٢٨٦.

http://www.eshia.ir/feqh/archive/

الهوامش

Scroll to Top