المباني القرائية للتفسير

الملخص

إن بحث مباني التفسير من المسائل المهمة في علم التفسير، وقد حظي باهتمام علماء هذا الفن منذ القدم، وازداد البحث فيه في العصر الحاضر. ينتمي قسم من مباني التفسير إلى علم القراءات. ومن الواضح أنه لا بد للمفسّر قبل الشروع في التفسير من أن يتبنى نظرية في هذا المجال ويبني تفسيره عليها. تسعى هذه المقالة إلى دراسة المباني القرائية للتفسير، وتحاول بأسلوب وصفي-تحليلي بحث ثلاثة من مباني التفسير القرائية، وهي: تواتر القراءات، ونزول القرآن على سبعة أحرف، وانحصار حجية القراءات في قراءة واحدة. تشير نتائج البحث إلى أن دعوى تواتر القراءات غير مقبولة، وعليه فلا يمكن أن تكون أساسًا صحيحًا لتفسير القرآن. كما أن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، بالإضافة إلى عدم اعتبارها في المصادر الشيعية، فإنها محل تأمل من حيث السند ومبهمة من حيث الدلالة في مصادر أهل السنة، ولا يمكن قبولها إلا في حالة الاختلافات الناشئة عن اللهجات المختلفة، فلا يبدو من الصحيح اتخاذها أساسًا لتفسير القرآن بناءً على القراءات المتعددة. كما أن حصر الحجية والاعتبار في قراءة عاصم يفتقر إلى الأدلة الكافية ولا يتوافق مع التقارير التاريخية. بناءً على ذلك، يجب على المفسّر في تفسيره، بالإضافة إلى قراءة عاصم، أن يلتفت إلى سائر القراءات المعتبرة، ويُعدّ ذكر الاحتمالات التفسيرية المتعددة على أساس القراءات المشهورة والمعتبرة ميزة تفسيرية.

المقدمة

طُرح بحث قراءات القرآن والاختلاف في كيفية تلاوته منذ عصر النبي الأكرم ﷺ. وعلى مر تاريخ الإسلام، كُتبت كتب كثيرة في هذا المجال، وأصبح مبحث «أقسام وأنواع القراءات واعتبارها» من مباحث تاريخ القرآن وعلوم القرآن؛ خاصة وأن قراء القرآن اهتموا بالقراءات (السبع والعشر وغيرها)، وكانت اختلافاتهم تنتشر بين الناس (رضائي أصفهاني، منطق تفسير القرآن (1)، ١٣٨٧: ٣٧٦)، حتى إن مسألة قراءة الحمد والسورة في الصلاة قد طُرحت في المباحث الفقهية وصدرت فتاوى في هذا الشأن (الطباطبائي اليزدي، ١٤١٩: المسألة ٥٨٥٧). كما طُرحت في علم أصول الفقه أيضًا (القمي، قوانين الأصول، ١٣٧٨ق: ٤٠٩). ولكن ما يكتسب أهمية قصوى هو ارتباط قراءات القرآن بالتفسير؛ إذ يجب على المفسّر قبل الشروع في التفسير أن يتبنى مجموعة من المباني العامة والخاصة، ويؤسس تفسيره على تلك البنى التحتية. وفي بحث القراءات، لا بد للمفسّر من تحديد موقفه. المسألة الأساسية في هذا المجال هي حجية القراءات في التفسير وتحديد مقدار هذه الحجية. وبعبارة أخرى، البحث في أيّ من القراءات يمكن أن تكون سندًا للتفسير، وهل جميع القراءات السبع المشهورة وغيرها حجة للتفسير؟ في هذه المقالة، نشير إلى ثلاثة مبانٍ من المباني القرائية للتفسير.

خلفية البحث

لقد اتخذت مباحث علم التفسير والعلوم المرتبطة به في العصور الأخيرة تنظيمًا وانسجامًا خاصًا. ومن شواهد هذا الانسجام استقلال وفصل مباحث مثل المباني والقواعد والمسائل في علم التفسير. ولهذا، أُلّفت كتب متعددة في مجال مباني التفسير. من بينها كتاب مباني تفسير القرآن، تأليف السيد رضا مؤدب؛ ومنطق تفسير القرآن (١) مباني وقواعد تفسير القرآن الكريم، تأليف محمد علي رضائي أصفهاني؛ ومباني وروشهاي تفسير قرآن كريم، تأليف عباس علي عميد زنجاني؛ ومباني وروش هاي تفسيري، تأليف محمد كاظم شاكر. يُذكر أنه بالإضافة إلى هذه الكتب، كُتبت كتب ورسائل جامعية ومقالات متعددة في مجال مباني التفسير. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أن هذه الأعمال تتناول مباني التفسير بشكل عام، ولم تطرح بحثًا مستقلاً في مجال المباني القرائية للتفسير.

أما فيما يتعلق بتواتر القراءات – وهو أحد المسائل المطروحة في هذا البحث – فقد كُتبت حتى الآن أعمال متعددة. وقد أشار العديد من مؤلفي كتب علوم القرآن، مثل الزركشي والسيوطي والخوئي ومعرفة، في بحث القراءات إلى مسألة تواتر القراءات. وفي السنوات الأخيرة، تناولت مقالات متعددة هذه المسألة بشكل خاص بالبحث والتحقيق، منها مقالة «تحقيقي پيرامون تواتر قرائات قرآن كريم»، للكاتبة مهين شريفي أصفهاني، مجلة بينات (مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا عليه السلام)، العدد ٢١، ربيع ١٣٧٨؛ ومقالة «بررسي انگاره تواتر قرائات»، للكاتبين السيد رضا مؤدب وعلي رضا محمدي فرد، مجلة مطالعات قرائت قرآن، العدد ٢، ربيع وصيف ١٣٩٣؛ ومقالة «بررسي دلايل تواتر قرائات رايج»، للكاتب السيد محسن كاظمي، مجلة مطالعات قرائت قرآن، العدد ٣، خريف وشتاء ١٣٩٣؛ ومقالة «تواتر قرآن؛ حقيقت، محدوده و زمينه هاي روي آورد به آن»، للكاتبين مرتضى عرب ومرتضى إيرواني، مجلة كتاب قيم، العدد ١٤، ربيع وصيف ١٣٩٥. ومن المسائل الأخرى التي بُحثت في هذه المقالة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، والتي كُتبت فيها أيضًا كتب ومقالات متعددة، من أهمها ما يلي:

أ) الكتب

الأحرف السبعة للقرآن، أبو عمرو الداني؛ رسالة ابن تيمية في الأحرف السبعة، تقي الدين أحمد بن تيمية؛ شرح حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف، همو؛ الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن، محمد بخيت المطيعي؛ نزول القرآن على سبعة أحرف، مناع القطان؛ الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها، حسن ضياء الدين عتر؛ الأحرف السبعة وارتباطها بالقراءات، فتحي بن طيب خماسي؛ الرؤية الاستشراقية للأحرف السبعة والقراءات القرآنية، رجب عبد المرضي عامر؛ الأحرف القرآنية السبعة، عبد الرحمن المطرودي؛ القراءات والأحرف السبعة، محمد فهد خاروف؛ أم حبيبة الأحرف السبعة والقراءات السبع، نزول قرآن ورؤياي هفت حرف، السيد رضا مؤدب.

ب) المقالات

«نگاهي نو به روايات نزول قرآن بر هفت حرف»، للكاتب غلامحسين أعرابي، مجلة مطالعات تاريخي قرآن وحديث، العدد ١٩، صيف ١٣٧٨؛ «زمينه هاي صدور روايات احرف سبعه»، للكاتب محسن رجبي، مجلة مطالعات إسلامي، العدد ٧٢، صيف ١٣٨٥؛ «حديث سبعة أحرف در محك عقل ونقل»، للكاتب السيد محمد فتحي، مجلة سفينة، العدد ٢١، شتاء ١٣٨٧؛ «نظريه اي جديد درباره نزول قرآن بر هفت حرف»، للكاتب غلامحسين أعرابي، مجلة پژوهش نامه قرآن وحديث، العدد ٩، خريف وشتاء ١٣٩٠؛ «بررسي شواهد منتقله بودن روايت سبعه احرف»، للكاتبين السيد رضا مؤدب وكامران أويسي، مجلة لسان صدق، خريف ١٣٩١؛ «بررسي روايات احرف سبعه در ميراث روایی إماميه»، للكاتبين محمود كريمي ومحسن ديمه كار، مجلة علوم حديث، صيف ١٣٩٣؛ «بازخواني روايات جمع قرآن بر پايه حديث نزول قرآن بر هفت حرف»، للكاتبين السيد كاظم طباطبائي ومحسن رجبي قدسي، مجلة مطالعات فهم حديث، خريف وشتاء ١٣٩٣.

دراسة المفهوم

سيتم بحث ثلاث كلمات: المبنى، القراءة، والتفسير.

المبنى

المبنى في اللغة يعني «مكان بناء الشيء، محله، أساسه، قاعدته، وركنه» (معين، فرهنگ معين؛ ودهخدا، فرهنگ دهخدا، ذيل مادة مبنا). أما المبنى في الاصطلاح فهو عبارة عن المبادئ التصورية والتصديقية لكل علم، والتي يلزم العلم بها وتعريفها واختيار النظرية بشأنها قبل الخوض في ذلك العلم (رضائي أصفهاني، منطق تفسير القرآن ١، ١٣٨٧ش: ١٧).

القراءة

القراءة من جذر «قرأ» بمعنى التلاوة. في كتاب العين، صُرح بأن كلمة قراءة تُستخدم للشعر أو الحديث عندما تكون التلاوة من نص مكتوب (الفراهيدي، العين، ١٤١٠: ٥/ ٢٠٤). وقد عرّف الراغب الأصفهاني القراءة بأنها جمع وضم الحروف والكلمات المكتوبة، ويوضح أن ليس كل جمع يُسمى قراءة، كما أن نطق حرف واحد بمفرده لا يُسمى قراءة (الأصفهاني، المفردات في غريب ألفاظ القرآن، ١٤١٢: ٦٦٩). ويرى الجوهري أنها بمعنى الجمع، وينقل عن أبي عبيدة قوله: «سبب تسمية القرآن بهذا الاسم هو أنه يجمع ويضم سورًا متعددة في نفسه» (الجوهري، معجم الصحاح، ١٤٢٩: ٨٤٥). وقد ذكر ابن منظور أيضًا رأي الجوهري (ابن منظور، لسان العرب، ١٤١٤: ١/ ١٢٨). ويبدو أن المعنى الجامع لهذه الكلمة هو الجمع نفسه، والذي يظهر ويتجلى بأشكال مختلفة حسب الاستخدامات.

القراءة في الاصطلاح

يعرّف الزركشي القراءات بقوله: «القراءات هي اختلاف يتعلق بألفاظ وعبارات الوحي في الكتابة أو كيفية الحروف مثل التخفيف والتثقيل وما شابه ذلك، مما نُقل عن القراء» (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤١٠: ١/ ٤٦٥). وبعبارة أخرى، يحصر الزركشي القراءات في الكلمات المختلف فيها. في المقابل، وسّع آخرون مثل ابن الجزري دائرة القراءات، حيث يقول في تعريف علم القراءات: «القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًا إلى ناقله» (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ١٤٢٨: ١٩). ويعرّف الدمياطي القراءات على هذا النحو: «القراءات هي علم يُعرف به اتفاق ناقلي كتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال من حيث السماع» (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، ١٤٢٢: ٦). ويعرّف الدكتور محمد سالم محيسن، من المعاصرين، القراءات بقوله: «علم بكيفية أداء كلمات القرآن الكريم من تخفيف وتشديد واختلاف ألفاظ الوحي في الحروف» (محيسن، المغني في توجيه القراءات العشر، ١٤١٣: ١/ ٤٥). وحول المعنى الاصطلاحي للقراءة، يكتب المرحوم العلامة معرفت: «القراءة هي تلاوة القرآن الكريم، وتطلق اصطلاحًا على نمط من تلاوة القرآن يتميز بخصائص معينة. بمعنى أنه متى كانت تلاوة القرآن بحيث تحكي عن نص الوحي الإلهي، وتستند إلى اجتهاد أحد القراء المعروفين – بناءً على أصول مضبوطة مشروطة في علم القراءة – تتحقق قراءة القرآن» (معرفت، علوم قرآني، ١٣٨٦: ١٨٢). من خلال دراسة التعريفات المقدمة للقراءات، يُستفاد أن علم القراءات هو العلم المتكفل ببحث كيفية نطق كلمات القرآن كما وصلتنا عن قراء القرآن المشهورين.

التفسير

يكتب الراغب الأصفهاني في معنى التفسير: «التفسير في المبالغة كَالفسر»، أي أن باب تفعيل لهذه المادة يأتي بنفس معنى الثلاثي المجرد، مع فارق أن في التفسير مبالغة بالنسبة للفسر. ويعرّف كلمة الفسر بأنها «إظهار المعنى المعقول»، أي كشف الستار وإظهار معنى معقول (في مقابل مادة السفر التي تعني كشف ستار الشيء المحسوس) (راغب، المفردات، ١٤١٢: ٦٣٦).

التفسير في الاصطلاح

قُدمت تعريفات متعددة للمعنى الاصطلاحي للتفسير. من أوجز هذه التعريفات تعريف المرحوم آية الله العظمى الخوئي حيث يقول: «التفسير هو إيضاح مراد الله من كتابه العزيز» (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ٣٩٧). وفي هذا السياق، يكتب المرحوم آية الله معرفت: «التفسير في اصطلاح المفسرين هو إزالة الإبهام عن اللفظ المشكل والصعب الذي يكون قاصرًا عن نقل المعنى المقصود أو يعتريه إشكال» (معرفت، تفسير ومفسران، ١٣٧٩: ١/ ١٧). ويعرّف العلامة الطباطبائي علم التفسير بقوله: «هو بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ١٣٧٤: ١/ ٤). التفسير يعني بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومدلولاتها. ويبدو أن التفسير هو العلم الذي يتولى توضيح مراد الله وإزالة الإبهام عن معاني آيات القرآن وتوضيح مقاصده.

المباني القرائية للتفسير

كما أُشير، ترتبط بعض مباني التفسير بعلم القراءات. في هذا البحث، سيتم تناول ثلاثة مبانٍ من المباني القرائية للتفسير. المبنى الأول هو تواتر القراءات، والمبنى الثاني هو نزول القرآن على سبعة أحرف، والمبنى الثالث هو وحدة القراءة المعتبرة. ومن الواضح أن فهم المفسّر لكل من هذه المباني الثلاثة سيكون له دور حاسم في تفسيره لآيات القرآن.

المبنى الأول: تواتر القراءات

اعتبر بعض المسلمين القراءات السبع أو حتى العشر متواترة. بالطبع، قبل الخوض في أصل المسألة، لا بد من بحث مصطلح التواتر ليتضح معناه ومفهومه.

التواتر في اللغة

التواتر من جذر «وتر». ذكر الخليل معاني العدد الفردي، والطريق، والأسلوب، والمداومة لكلمة «وتر» (الفراهيدي، العين، ١٤١٠: ١٣٢/٨). واعتبر ابن فارس أن «وتر» يدل على العدد الفردي والقوس، وفسر «وتيرة» بمعنى المداومة على الشيء (الرازي، معجم مقاييس اللغة، ١٤٠٤: ٨٤/٦). ويرى الراغب الأصفهاني أن التواتر يعني تتابع مجيء الشيء (الأصفهاني، المفردات في غريب ألفاظ القرآن، ١٤١٢ق: ٨٥٣). ويصرح ابن منظور في لسان العرب، مع ذكره أن التواتر يعني المجيء الواحد تلو الآخر، بأن التواتر يصدق عندما يكون التتابع مصحوبًا بفاصل زمني قصير، وإذا كان التتابع بلا فاصل فلا يقال له تواتر (ابن منظور، لسان العرب، ١٤١٤: ٢٧٥/٥). وقد أورد الطريحي هذا المطلب الأخير وأضاف أنه إذا كان المجيء بفاصل، يقال له مدارك ومواصل بدلًا من متواتر (الطريحي، مجمع البحرين، ١٤١٦: ٥٠٨/٣). وينقل الفيومي عن الأزهري أن معنى وتيرة هو الدوام والمداومة، ويعتبر الكلمة مأخوذة من التواتر، ويكتب: تواترت الخيل بمعنى مجيء الخيول واحدة تلو الأخرى (الفيومي، المصباح المنير، بيتا: ٦٤٧/٢).

التواتر في الاصطلاح

يعرّف الشهيد الثاني المعنى الاصطلاحي للمتواتر بأن يبلغ رواة الحديث في الكثرة حدًا يستحيل معه اجتماعهم على الكذب عادةً، ويجب أن تتوفر هذه الميزة في جميع الطبقات (العاملي، شرح البداية في علم الدراية، ١٤١٤: ١٢). ويقول الشيخ البهائي في الوجيزة إن الخبر الذي تصل سلسلة سنده في كل طبقة إلى حد يأمن معه من التواطؤ على الكذب، يكون متواترًا، وفي هذه الحالة يوجب اليقين بنفسه (البهائي العاملي، الوجيزة في الدراية، ١٣٩٦: ٤). ويكتب فخر الرازي: «التواتر في اصطلاح العلماء هو خبر جماعة يبلغون في الكثرة حدًا يحصل العلم بقولهم» (الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، ١٤٢٠: ٩٠٢/٣). بناءً على ذلك، يمكن تلخيص مفهوم التواتر بأن النقول المتتابعة والكثيرة التي يبلغ ناقلوها حدًا يوجب اليقين تسمى «تواترًا»، وكل ما نُقل بهذه الطريقة ووصل إلى الآخرين يسمى «متواترًا»، وفي مقابله «خبر الواحد»، وهو الخبر الذي لم يبلغ ناقلوه ذلك الحد من الكثرة.

التفريق بين ثلاثة مصطلحات

نبّه بعض أهل العلم إلى نقطة وهي ضرورة التفريق بين ثلاثة مصطلحات كالتالي:

١. القرآن: هو كلام الله ذو المعاني المنزل على النبي ﷺ، وقد تلاه على الناس، ووصل إلينا جيلاً بعد جيل بالتواتر.

٢. قراءات القرآن: هي الأوجه التي قرأ بها القراء القرآن على مر التاريخ، ونُقلت إلينا. وأشهرها القراءات السبع.

٣. مكتوب القرآن: هو الخط الذي كُتب به القرآن في عصر النبي ﷺ، ثم وُحِّد في عصر الخليفة الثالث، وشهد تغيرات طفيفة في طريقة كتابة الخط الكوفي والنسخ و… على مر التاريخ، وتطور عبر العصور وأُضيفت إليه النقاط والحركات (رضائي أصفهاني، منطق تفسير القرآن، ١٣٨٧ش: ٣٧٧/١).

تواتر القرآن

قبل الخوض في تواتر القراءات، لا بد من الإشارة إلى تواتر القرآن، وبحث تواتر القراءات بمعزل عن تواتر القرآن. جميع المسلمين، رغم اختلافاتهم الفكرية والعقائدية الكبيرة، متفقون على أن طريق إثبات القرآن منحصر في التواتر، وأن القرآن الكريم ثبت فقط عن طريق التواتر والنقول الكثيرة والموجبة لليقين، وليس له طريق ثانٍ. المرحوم الإمام الخميني (قده) لا يعتبر القرآن متواترًا فحسب، بل فوق حد التواتر، ويكتب: «قلّما يوجد في العالم شيء يبلغ هذا الحد مثل القرآن» (الخميني، كتاب الطهارة، ١٤٢١ق: ١/ ٢٤٩). ويعتقد المرحوم آية الله الخوئي أنه نظرًا لكون القرآن أساس الإسلام والمعجزة السماوية لإثبات النبوة، فإنه يتمتع بأهمية فائقة، ومن الطبيعي أن تكون الدواعي والدوافع لنقله بين المسلمين كثيرة جدًا. كل خبر يتمتع بمثل هذه الأهمية الفائقة، تكثر الدواعي والدوافع لنقله، ومن الطبيعي أن يُنقل بكثرة ويصل إلى حد التواتر ويكون ناقلوه أكثر. لذلك، أي كلام لا يُنقل بالتواتر بل بصيغة «خبر واحد»، فمن المعلوم أن ذلك الكلام ليس له جانب قرآني، ولم يكن ذا أهمية، ولهذا لا يُعتبر من القرآن. ثم ينقل المرحوم الخوئي كلام السيوطي عن القاضي أبي بكر، حيث أورد القاضي في الانتصار أن جماعة من فقهاء ومتكلمي أهل السنة يعتقدون أنه إذا نُقلت آية بخبر واحد، فإنها تكون في حكم القرآن، وإن لم يمكن الجزم بأنها جزء من القرآن. ولكن للسبب المذكور، فإن بطلان هذه النظرية واضح وجلي، لأنه إذا نُقل موضوع ذو دوافع ودواعٍ كثيرة للنقل بصيغة خبر واحد، كان ذلك دليلاً على كذبه وزيفه؛ لأنه لو كان صحيحًا، لنُقل بكثرة وتواتر مع كل تلك العلل والموجبات للنقل. ويتابع المرحوم الخوئي بأنه بهذا البيان يتضح جيدًا أنه إذا نُقل كلام بخبر واحد ونُسب إلى الله، فإن ذلك دليل قطعي على أن ذلك الكلام ليس كلام الله ولا يُحسب من القرآن، وعندما يثبت كذبه، فإن الحكم المستفاد من مثل هذه الآية لا يكون قابلاً للتعبد به، ويستحيل أن يكون العمل بمثل هذا الحكم واجبًا ولازمًا شرعًا (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ١٢٣). ويرد العلامة جعفر مرتضى العاملي الرواية التي تتحدث عن جمع القرآن في زمن أبي بكر – والتي تذكر أنهم وجدوا الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة فقط عند أبي خزيمة الأنصاري – لهذا السبب، لأنها تخالف تواتر القرآن، وكل ما لا يثبت عن طريق التواتر لا يمكن أن يكون جزءًا من القرآن. ويعتقد سماحته أن القرآن كله قد نُقل بالتواتر جماعة عن جماعة وطبقة عن طبقة وجيلاً عن جيل حتى يصل إلى النبي الأكرم ﷺ، لذا فإن هذه الدعوى في الرواية تخالف ضروريات التاريخ ومسلمات الدين. ويتضح هذا الأمر أكثر عندما نعلم أن مئات – إن لم نقل آلاف – كانوا من حفظة القرآن؛ ومعروف أن عشرات أو مئات من القراء وحفظة القرآن استشهدوا في واقعة اليمامة أو بئر معونة. فهل من المعقول مع وجود كل هؤلاء الحفظة والقراء للقرآن أن يكون خزيمة بن ثابت أو أبو خزيمة الأنصاري أو أي شخص آخر هو الوحيد الذي يعرف آيتين من القرآن، بينما يغفل الآخرون عن هذه الآيات، وأناس مثل أمير المؤمنين (ع)، وأُبيّ، وابن مسعود لا يعرفون هذه الآيات أيضًا؟! (العاملي، حقائق مهمة حول القرآن، ١٣٧٧ش: ٨٦). وقد أقر كثير من العلماء الآخرين بتواتر القرآن. فالمرحوم آية الله فاني الأصفهاني في كتابه لا يذكر فقط أن القرآن متواتر، بل يعتقد أنه قلما يوجد شيء يبلغ درجة التواتر العليا مثل القرآن، وأن القرآن هو أجدر ما يمكن أن يحمل عنوان المتواتر، وقد اهتم جميع المسلمين على مر التاريخ بتعليمه وحفظه وقراءته وكتابته، لذا فإن الحديث عن عدم تواتر القرآن غير معقول (فاني الأصفهاني، آراء حول القرآن، ١٤١١: ٧٨). ويعتقد المرحوم العلامة معرفت أنه لا يوجد أحد من المسلمين يشك في تواتر القرآن، وأن القرآن متواتر بشكل قطعي في جميع سوره وآياته وحتى كلماته، لدرجة أننا لو أخذنا كلمة من القرآن ووضعنا مكانها كلمة أخرى، لرفض جميع المسلمين هذا الأمر واعتبروه شيئًا غريبًا يتعلق بالقرآن (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٧٦/٢)؛ وكذلك العلامة الحلي (الحلي، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ١٤١٢: ٦٤/٥)؛ والمقدس الأردبيلي (الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ١٤٠٣ق: ٢/ ٢١٨)؛ والعلامة البلاغي (البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ١٤٢٠: ١/ ٢٩)؛ وآية الله المرعشي (المرعشي النجفي، القول الفاصل في الرد على مدعي التحريف، ١٣٨٢: ٢٧)؛ والعلامة محمد حسين الطهراني (الطهراني، نور ملكوت القرآن، ١٤٢١: ٣٩٩/٤)؛ والشهيد محمد الصدر (الصدر، ما وراء الفقه، ١٤٢٢: ١/ ٢٨٤) صرحوا بضرورة تواتر القرآن. إذن، ثبوت آيات القرآن لا يمكن أن يكون إلا عن طريق التواتر والنقول المتتابعة والموجبة لليقين.

أنصار تواتر القراءات السبع

أُثيرت وطُرحت آراء ونظريات مختلفة من قبل علماء الإسلام حول القراءات السبع المشهورة. يعتقد عدد من علماء أهل السنة أن جميع القراءات السبع تصل بالتواتر إلى رسول الله ﷺ نفسه، الذي كان يقرأ القرآن بهذه القراءات السبع. وقد اعتبر بعض العلماء هذا الرأي هو المشهور والمعروف، ويرى السبكي (العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع، ١٤٢٠: ١/ ٢٩٩)؛ والسرخسي (السرخسي، أصول السرخسي، ١٤١٨: ١/ ٢٩١)؛ والنووي (النووي، المجموع شرح المهذب، بي تا: ٣٩٢/٣) أن القراءات السبع متواترة. ويرى صاحب مناهل العرفان أيضًا أن تواتر القراءات العشر موافق للأدلة (الزرقاني، مناهل العرفان، بيتا: ٤٢٨). وحسب نقل السيوطي، يعتبر جلال الدين البلقيني القراءات السبع متواترة وبقية القراءات الثلاث من القراءات العشر أخبار آحاد (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ١٤٢١: ٢٥٧/١). ويذكر السيوطي أيضًا، دون تقديم أي توضيح، أن غالبية القراءات متواترة (نفس المصدر). وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، متوهمين أن من لا يعتبر هذه القراءات السبع متواترة فقد كفر وأن عقيدته مخالفة للإسلام. وقد نُسبت هذه النظرية إلى مفتي الأندلس أبي سعيد فرج بن لب (الزرقاني، مناهل العرفان، بيتا: ٤٢٨). ومن بين علماء الشيعة، يعتبر الشهيد الأول في كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة (العاملي، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ١٤١٩: ٣٠٥/٣) والشهيد الثاني في كتاب المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية (العاملي، المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية، ١٤٢٠: ٢٤٤) القراءات العشر متواترة. والعجيب أنهم في كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان ذكروا أن تواتر القراءات السبع محل إجماع العلماء. ويذكر العلامة الحلي في كتاب منتهى المطلب أن القراءات السبع متواترة (الحلي، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ١٤١٢: ٦٤/٥). فيما يتعلق برأي الشهيد الثاني، يجب القول إن كبار علماء الشيعة قد استشكلوا على هذا الكلام، واستبعد البعض صدور مثل هذا الكلام عنه. وقد ذكر المرحوم العلامة معرفت بعض هذه الإشكالات في كتابه (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٥٩/٢). ويحتمل أن يكون هذا الكلام من الشهيد لم يصدر عن تحقيق، ولذا لم يذكر مثل هذه النظرية في كتبه المفصلة التي كتبها لاحقًا (نفس المصدر). وبالنظر إلى تاريخ كتابة آثار الشهيد الثاني، يمكن قبول كلام المرحوم معرفت، لأنه كما أُشير، اعتبر في كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان الذي كُتب عام ٩٤٩هـ أن تواتر القراءات السبع إجماعي، وفي كتاب المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية الذي كُتب عام ٩٥٠هـ عرّف القراءات العشر بأنها متواترة، بينما في كتابه المفصل روضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية الذي حرره عام ٩٥٧هـ لم يُرَ كلام عن تواتر القراءات، وكذلك في كتاب مسالك الأفهام الذي أكمله عام ٩٦٤هـ، قبل عام من وفاته، لم يذكر تواتر القراءات (تم الوصول إلى تاريخ كتابة الكتب المذكورة بمراجعة مقدمات هذه الكتب).

أنصار عدم تواتر القراءات

الرأي المشهور بين الشيعة هو أن هذه القراءات لم تُنقل بالتواتر، وأن نسبتها إلى النبي ﷺ ليست قطعية، بل إن بعض القراءات هي نوع من الاجتهاد من قبل القراء أنفسهم، وبعضها الآخر نُقل بصيغة «خبر واحد» عن النبي ﷺ وليس بالتواتر. وقد قبل هذا الرأي عدد من محققي وعلماء أهل السنة. (في هذا الصدد، انظر: سيد محمد لطيفي؛ مقالة «بررسي قرائات به لحاظ دارا بودن تواتر»، فصلنامه حسنا، العدد ١٠، صيف وخريف ١٣٩٠). ومن أهم الذين لا يقبلون تواتر القراءات يمكن الإشارة إلى العلماء التاليين: الشيخ الأنصاري (الأنصاري، كتاب الطهارة، ١٤١٥: ٣/ ٤٠٠)؛ وصاحب الجواهر (النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ١٣٦٦: ٢٩٥/٩)؛ والعلامة البلاغي (البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ١٤٢٠: ٢٩/١)؛ والإمام الخميني (الخميني، كتاب الطهارة، ١٤٢١: ١/ ٢٤٩)؛ وآية الله الخوئي (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ١٤٩)؛ والعلامة فاني الأصفهاني (فاني الأصفهاني، آراء حول القرآن، ١٤١١: ٧٤)؛ والعلامة معرفت (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٢/ ٤٢ و ٥١)؛ وآية الله السبحاني (السبحاني، المناهج التفسيرية، ١٤٢٢: ١٨٦). ومن بين أهل السنة، أنكر شهاب الدين أبو شامة تواتر القراءات (أبو شامة المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ١٤٢٢: ١٣٦). وفخر الرازي أيضًا لا يقبل تواتر جميع القراءات المشهورة (الرازي، تفسير كبير مفاتيح الغيب، ١٤٢٣: ٧٠/١). ويبدو أن ابن الجزري أيضًا في رأيه الأخير لا يرى صحة تواتر القراءات (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بيتا: ١٣/١). وإن كان في كتاباته السابقة يتبنى هذا القول (فقد طرح في كتاب منجد المقرئين تواتر القراءات العشر في الأصول والفروع. انظر: ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ١٤٢٨: ١٠٨؛ والزرقاني، مناهل العرفان، بي تا: ٤٣٤/١).

أدلة تواتر القراءات

استند القائلون بتواتر القراءات لإثبات دعواهم إلى أدلة، نشير إلى بعضها:

١. الإجماع

تواتر القراءات أمر إجماعي، وجميع المسلمين في كل العصور والأزمان يعتقدون بتواتر القراءات (أبو زهرة، المعجزة الكبرى القرآن، ١٤١٨: ٣٩). ومن بين الشيعة، يُنقل عن الشهيد الثاني (العاملي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، ١٤٠٢: ٧٠٠/٢) والمحقق الكركي (الكركي، جامع المقاصد في شرح القواعد، ١٤١٤: ٢/ ٢٤٥) أن هناك اتفاقًا على تواتر القراءات السبع.

التحقيق

بشأن الإجماع، يجب القول: إذا كان المراد من الإجماع اتفاق الأمة الإسلامية كلها بجميع مذاهبها، فإن هذا الإجماع لم يتحقق أصلاً، لأنه كما بُيّن، فإن الأغلبية الساحقة من علماء الشيعة لا يقولون بتواتر القراءات. وإذا كان المراد من الإجماع إجماع علماء أهل السنة، فيجب القول: أولاً، إثبات هذا الأمر مشكل أيضًا، لأنه كما اتضح، حتى علماء أهل السنة ليسوا على رأي واحد في هذا المجال، فبعضهم ردّ تواتر القراءات بالكلية، وبعضهم الآخر قبله بشروط وتفصيلات. ثانيًا، على فرض ثبوت إجماع علماء أهل السنة، فإنه معتبر فقط لأتباع أهل السنة، أما بالنسبة للإمامية فلن يكون له اعتبار، لأن ملاك الإجماع عندهم يختلف عن علماء الإمامية. وأما كلام الشهيد الثاني والمرحوم الكركي فهو محل تأمل أيضًا، لأنه كما مر في بحث أنصار عدم تواتر القراءات، فإن كثيرًا من فقهاء وكبار الشيعة لا يعتبرون هذه القراءات متواترة. بالطبع، هناك احتمال أن يكون المراد من الاتفاق الذي نقله المرحوم هو إجماع أهل السنة، وهو أيضًا لا يخلو من إشكال. علاوة على ذلك، يعتقد صاحب مفتاح الكرامة أن من قال بتواتر القراءات مثل الشهيد الثاني، فإن قصدهم هو التواتر عن القراء، لا عن رسول الله ﷺ (العاملي، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، ١٤١٩ق: ٢١٧/٧).

٢. لزوم تواتر القرآن

عدم تواتر القراءات السبع يستلزم عدم تواتر القرآن نفسه، وبما أن عدم تواتر القرآن باطل، فإن عدم تواتر القراءات السبع باطل أيضًا. وعلة التلازم هي أن القراءات المتعددة للقرآن تمثل كل منها أجزاء من القرآن، أو لأن نص القرآن وصل إلينا عن طريق هؤلاء القراء المشهورين والحفاظ المعروفين، فإذا كانت قراءتهم متواترة، فالقرآن متواتر، وإذا كان هناك شك في قراءتهم، فإن تواتر القرآن سيكون موضع شك أيضًا. بناءً على ذلك، لا خيار لنا إلا أن نقبل بتواتر القراءات (إسماعيل، القراءات أحكامها ومصدرها، ١٤٢٠: ٨١). بعبارة أخرى، بما أن التواتر لازم لإثبات القرآن، فإذا لم نقبل بتواتر القراءات، لزم أن تكون أجزاء من القرآن غير متواترة. مثلاً، في قراءة «مَلِك» و«مالك»، لا يمكن اعتبار كلتا القراءتين غير متواترتين، لأن إحداهما قطعًا هي القرآن، والقرآن ليس غير هاتين، والقول بتواتر إحداهما فقط باطل، لأن كل منهما متساوٍ من حيث النقل، ولا ترجيح لإحداهما على الأخرى. إذن، لا بد من اعتبار جميع القراءات متواترة (النيسابوري، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ١٤١٦: ١/ ٢٣).

التحقيق

في الرد على هذا الاستدلال، يجب القول كما ذكرنا، هناك فرق بين حقيقة القرآن والقراءات، ولزوم تواتر أصل القرآن لا يمكن أن يكون دليلاً على تواتر جميع القراءات المشهورة (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ١٥٨).

٣. الاهتمام الخاص لرسول الله ﷺ وأصحابه بالقرآن

الأهمية الخاصة التي أولاها أصحاب النبي والمسلمون في القرنين الأول والثاني للقرآن، تستلزم وتوجب أن تكون جميع القراءات متواترة، كما يدرك كل شخص منصف وباحث عن الحقيقة هذا الأمر جيدًا (نقل المرحوم آية الله الخوئي هذا المطلب ونقده. انظر أيضًا: زقروق، الموسوعة القرآنية المتخصصة، ١٤٢٣: ٣١٧).

التحقيق

يجيب آية الله الخوئي على هذا الدليل قائلاً: اهتمام المسلمين بالقرآن الكريم يثبت تواتر القرآن نفسه، لا تواتر كيفية قراءته، خاصة وأن قراءة القرآن بين عدد من القراء كانت مبنية على الاجتهاد أو على السماع والنقل عن الآخرين ولو كان عن شخص واحد. بالإضافة إلى ذلك، لو صح هذا القول وهذا الدليل، لجرى وسرى في جميع قراءات القرآن، ولا يوجد أي سبب لتخصيصه بالقراءات السبع أو العشر. وأصلاً، قبل القرن الثالث، لم يكن هناك خبر عن هذه المصطلحات والتخصيصات، وقد ظهرت هذه المصطلحات لاحقًا وانحصرت القراءات في سبع قراءات مشهورة. على هذا الأساس، إما أن نعتبر جميع القراءات السبع والعشر وغيرها متواترة، أو لا نعتبر أيًا منها متواترة. النظرية الأولى، وهي الاعتقاد بتواتر جميع القراءات، باطلة قطعًا، إذن يجب قبول النظرية الثانية، وعدم اعتبار أي من القراءات متواترة (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤٢٣: ١٥٦).

أدلة عدم تواتر القراءات عن النبي ﷺ

في مقابل الذين يسعون لإثبات تواتر القراءات، ذكر بعض العلماء أدلة كثيرة على أن القراءات لا تصل إلى النبي ﷺ بالتواتر. بعض هذه الأدلة هي:

١. تواتر القراءات دعوى بلا دليل

لم يُقَم أي دليل معتبر على تواتر القراءات، وعلى الذين يدعون تواتر القراءات أن يذكروا مستندهم (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٨٣/٢). دعوى تواتر القراءات هي كلام ظاهري تشريفي، لم يلتزم به عمليًا أي من العلماء قديمًا وحديثًا، ولم يعتنوا به (نفس المصدر، ٢/ ٣٤). عدم شيوع معظم القراءات بين عامة المسلمين على مر التاريخ هو دليل قاطع على عدم تواتر القراءات (الخميني، كتاب الطهارة، ١٤٢١: ١/ ٢٤٩).

٢. منافاة التواتر مع الاجتهاد والاحتجاج وإنكار القراءات

كل قارئ وأتباعه يقدمون أدلة على صحة قراءتهم، وبهذه الأدلة يعترضون على القراءات الأخرى. هذا الفعل نفسه يدل على أن هذه القراءات مستندة إلى اجتهاد ونظرية القارئ نفسه، لأنه لو كانت كل منها منقولة عن النبي ﷺ بالتواتر والقطع، لما احتاج إثباتها إلى دليل وبرهان، ولما كان لاختيار قراءة والإعراض عن القراءات الأخرى معنى ومفهوم (نفس المصدر). إنكار بعض كبار العلماء والفقهاء لجزء من القراءات المعتادة هو دليل واضح على عدم تواتر القراءات، لأنه مع وجود تواتر قراءة عن رسول الله ﷺ، لا يبقى مجال للنفي والإنكار (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤٢٣: ١٥٠). وكما أن بعض كبار علماء الإسلام أظهروا كراهتهم لبعض القراءات واعتبروها غير مستحسنة، مثل الإمام أحمد بن حنبل الذي كان لديه شعور سيء تجاه قراءة حمزة الكوفي، في حين أنه لو كانت القراءات متواترة عن رسول الله ﷺ، لما كان هناك مجال لمثل هذه الكراهة (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤١٠ق: ١/ ٤٦٨). بالبحث في عوامل اختلاف القراءات، يُفهم أن اجتهاد القراء كان له دور في اختيار قراءتهم، وهذا بحد ذاته دليل على عدم تواتر القراءات عن رسول الله ﷺ (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٢/ ٤٢).

٣. إشكالات سندية

الدقة والتدبر في كيفية ومصدر تلقي هؤلاء القراء لهذه القراءات يثبت ويوضح أن هذه القراءات نُقلت إلى القراء أنفسهم بخبر الواحد، لا بالتواتر عن النبي ﷺ (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ١٤٢١: ٢٧١/١). إسناد القراءات إلى أشخاص معينين يقطع التواتر، لأن كل قراءة في الأصل قرأها وقدمها قارئ واحد وليس أكثر. إذن ينقطع تواترها وتصبح خبر واحد (الخوئي، نفس المصدر، ١٤٩؛ معرفت، نفس المصدر، ٦٤/٢). بينما لو كانت القراءات منقولة عن رسول الله بالتواتر، لكانت نسبة القراءات إلى القراء بلا معنى (الفاضل اللنكراني، مدخل التفسير، ١٤١٨: ١٤٢).

٤. إشكالات محتوائية

عدم توافق بعض القراءات مع القواعد النحوية للغة العربية دليل قوي على أن هذه القراءات لم تُنقل بالتواتر عن النبي ﷺ (معرفت، نفس المصدر، ٢/ ٦٩). لو كانت القراءات متواترة، لما كان هناك مجال للاختلاف (نفس المصدر، ٤٩/٢). وجود قراءات شاذة بين القراء السبعة يتنافى مع تواتر كل من هذه القراءات (نفس المصدر، ٨٤/٢).

النتيجة

من مجموع ما ذُكر، يتضح أن تواتر القراءات غير مقبول بأي حال من الأحوال، وينطوي على إشكالات متعددة. ومع وجود هذه الإشكالات، لا يمكن أن يكون أساسًا صحيحًا لتفسير القرآن بناءً على قراءات متعددة. وبعبارة أخرى، لا يمكن للمفسر أن يستند في تفسيره إلى قراءات متعددة بحجة تواترها.

المبنى الثاني: نزول القرآن على سبعة أحرف

في التراث الروائي الشيعي والسني، توجد روايات متعددة تتحدث عن نزول القرآن على سبعة أحرف. ونظرًا للاختلاف في المباني الحديثية بين الشيعة وأهل السنة، من الأفضل بحث هذه الروايات من منظورين.

الرؤية الأولى: روايات الأحرف السبعة في المصادر الشيعية

الأحاديث الواردة في المصادر الشيعية تنقسم من حيث مدلولها إلى عدة فئات. الفئة الأولى هي الروايات التي تنفي نزول القرآن على سبعة أحرف، منها رواية الإمام الباقر (ع) أنه قال: «إن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة» (الكليني، الكافي، ١٣٦٥: ٦٣٠/٢، باب النوادر، ح١٢). وقريب من هذا المضمون رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «كذبوا أعداء الله، بل نزل على حرف واحد من عند الواحد» (نفس المصدر، ح١٣). الفئة الثانية هي الروايات التي تدل على التوسعة والتسهيل في قراءة القرآن لأمة رسول الله ﷺ، وحسب نقل الشيخ الصدوق، طلب النبي ﷺ من الله أن يوسع على أمته، وبعد عدة طلبات، جاء أمر الله بأن يقرأ القرآن بسبعة أحرف (الصدوق، الخصال، ١٤٠٣: ٣٥٨/٢). الفئة الثالثة تشمل الروايات التي تدل على بطون الآيات، مثل الرواية التي ينقلها حماد بن عثمان عن الإمام الصادق (ع) قال: قلت له: «إن الأحاديث تختلف عنكم». قال: «إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام فيه أن يفتي على سبعة وجوه»، ثم قال: «هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب» (نفس المصدر: ٣٥٨/٢). وفي كتاب بصائر الدرجات، نُقلت رواية عن الإمام الباقر (ع) أن الإمام قال: «تفسير القرآن على سبعة أحرف (أوجه)، بعضه ما كان وبعضه ما لم يكن بعد، ذلك يعرفه الأئمة» (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٨٩/٩٨). الفئة الرابعة هي الروايات التي تشير إلى سبعة أقسام من آيات القرآن تشمل الأمر والزجر والتشويق والتهديد والجدل والقصص والمثل (نفس المصدر، ٩٧/٩٠). وقد نُقلت هذه الروايات بعبارة «سبعة أقسام» أيضًا، وهي أوضح من حيث المعنى (نفس المصدر: ٤/٩٠). الفئة الخامسة هي الروايات التي تشير فقط إلى نزول القرآن على سبعة أحرف دون أي توضيح (السبزواري، مواهب الرحمن، ١٤١٣: ٦٢/٥).

دراسة سندية ودلالية للروايات ورأي علماء الشيعة في هذا الشأن

بالتدقيق في هذه الروايات، يتضح أن الرواية الوحيدة التي يمكن الاستناد إليها في حجية القراءات هي الرواية المذكورة في الفئة الثانية. أما الرواية الخامسة، فنظرًا لعدم وضوح المراد من الأحرف السبعة فيها، فهي مبهمة، ويمكن اعتبار روايات الفئة الثانية إلى الرابعة مفسرة لهذه الرواية. مدلول الفئة الثالثة بعيد عن بحث حجية القراءات، ويدل على ذي وجوه بودن القرآن (تعدد معانيه)، والسبعة أحرف تعبير عن البطون المتعددة للقرآن. والشاهد على هذا المعنى رواية نُقلت عن ابن مسعود بشأن الأحرف السبعة، يصف فيها أمير المؤمنين (ع) بأنه عالم ظاهر وباطن القرآن (انظر: المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٨٩/٩٢). أما الفئة الرابعة من الروايات، فهي تتعلق بمحتوى الآيات، وتقسم القرآن من حيث النوعية إلى سبعة أقسام، واستُخدم تعبير «حرف» لكل قسم منها. ومؤيد هذا المعنى روايات وردت بنفس المضمون، وذُكر فيها «سبعة أقسام» بدلًا من «سبعة أحرف». ومن المؤكد أن مثل هذه الروايات لا علاقة لها بالقراءات.

فيما يتعلق بالرواية الثانية التي يُدّعى أنها تثبت حجية القراءات، يجب التنبيه إلى النقاط التالية:

١. من منظور علم الرجال الشيعي، سند الرواية ضعيف وفيه إشكال. وقد استشكل كبار العلماء مثل العلامة المجلسي (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٦٥/٨٢)، والميرزا القمي (القمي، قوانين الأصول، ١٣٧٨: ٤٠٧/١)، وآية الله الخوئي (الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، ١٤٣٠: ١٤، المستند في شرح العروة الوثقى، ٤٤٠)، وآية الله السبزواري (السبزواري، مهذب الأحكام، ١٤١٣: ٦/ ٣٣١)، والعلامة معرفت (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٨٧/٢٢)، والعلامة البلاغي (البلاغي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ١٤٢٠: ٣١/١)، وأهل الاختصاص في علم الرجال على سند الرواية (انظر: مؤدب، نزول قرآن ورؤياي هفت حرف، ١٣٧٨: ٢٤١).

٢. معنى ومدلول الرواية يتنافى مع الرواية الصحيحة المذكورة في الفئة الأولى (السبزواري، مهذب الأحكام، ١٤١٣: ٣٣١/٦؛ العاملي، حقائق مهمة حول القرآن، ١٣٧٧ش: ١٤٠). بالإضافة إلى أن البعض اعتبر دلالة الرواية مبهمة (القمي، قوانين الأصول: ١، ٤٠٧؛ السبزواري، مهذب الأحكام، ١٤١٣: ٣٣١/٦)، والبعض الآخر اعتبرها محل تأمل (العاملي، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، ١٤١٩: ٧/ ٢١٥).

٣. بما أن هذه الرواية تتوافق مع رأي أهل السنة، فقد حملها بعض كبار العلماء من صاحب مفتاح الكرامة (نفس المصدر) وصاحب الجواهر (النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ١٣٦٦: ٩/ ٢٩٥) على التقية.

٤. لم ترد هذه الرواية في أي من المجامع الحديثية الأولية للشيعة، وإنما وردت فقط في كتاب الخصال للشيخ الصدوق. ولكن الشيخ الصدوق كان يقصد فقط ذكر الرواية في أحاديث الأحرف السبعة، وهو نفسه لم يقبل هذه الرواية، ولذلك لا يوجد أثر لهذه الرواية في كتبه الأخرى. ولهذا، يذكر في كتاب الاعتقادات، في مقام تعداد أصول عقائد الشيعة، الحديث الشريف عن الإمام الصادق (ع) بأن القرآن نزل على حرف واحد (الصدوق، الاعتقادات، ١٤١٤: ٨٦)، وهذا يمكن أن يكون دليلاً على أن الشيخ نفسه لم يقبل رواية الأحرف السبعة.

٥. الرواية تبيّن القراءة على سبعة أحرف، ولا تتحدث عن النزول على سبعة أحرف.

٦. أعرض علماء وكبار الإمامية عن هذه الرواية وأنكروها (انظر: مؤدب، نزول قرآن ورؤياي هفت حرف، دیدگاه علما ودانشمندان شیعه در حدیث سبعة أحرف، ١٣٧٨: ٢٥٣-٢٦٣)، حتى إن بعضهم مثل المحدث النوري (انظر: نفس المصدر، ٢٦٠)، وآية الله الخوئي (موسوعة الإمام الخوئي، ١٤٣٠: ١٤، المستند في شرح العروة الوثقى، ٤٤٠)، والمرحوم فاني (فاني الأصفهاني، آراء حول القرآن، ١٤١١: ٧٨) اعتبروا هذا الحديث موضوعًا. واعتبر العلامة مرتضى العسكري أن مثل هذه الأحاديث من صنع أعداء الإسلام والزنادقة (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، ١٤١٦: ١٩٠/٢)، واعتبر المرحوم الإمام الخميني أن مثل هذه الأحاديث من صنع الضالين والجهلة (الخميني، كتاب الطهارة، ١٤٢١: ١/ ٢٤٩).

٧. على فرض قبول الرواية، يجب حملها على اللغات واللهجات المختلفة (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٨: ٨٧/٢)، ولا علاقة لها بالقراءات.

الرؤية الثانية: روايات الأحرف السبعة في مصادر أهل السنة

في مصادر أهل السنة، وردت روايات كثيرة حول نزول القرآن على سبعة أحرف، تتشابه وتختلف في مضمونها. بعضها يدل على أن جبريل كان يقرأ القرآن على الرسول ﷺ بـ«حرف» واحد، وهو أيضًا يقرؤه بنفس الحرف، ثم طلب من جبريل الزيادة، فزاد حتى بلغ سبعة أحرف (الطبري، جامع البيان، ١٤١٥: ٣٠/١؛ انظر أيضًا: أحمد بن حنبل، مسند، بي تا: ١٢٧/٥ و ٣٨٥). وحسب عدد من الروايات، تم هذا التوسع بإشارة من ميكائيل (نفس المصدر: ٣٨/١). وبعضها يدل على أن رسول الله ﷺ أقرّ عدة قراءات مختلفة (نفس المصدر: ٣١/١). وبعض الروايات تشير إلى جواز تبديل الكلمات ما دامت آية الرحمة لا تتحول إلى آية عذاب (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ١٤٢١ق: ١/ ١٧٧؛ انظر أيضًا: البخاري، الجامع الصحيح، ١٤٠١ق: ١٠٠/٦؛ الطبري، جامع البيان، ١٤١٥: ٣٥/١؛ الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤١٠ق: ١/ ٢١٢). وفي رواية ورد أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه: عليم، حكيم، غفور، رحيم» (أحمد بن حنبل، مسند، بيتا: ٣٣٢/٢ و ٤٤٠). هذه مجرد نماذج من روايات أهل السنة في هذا المجال، ويصل عدد الروايات المشابهة إلى عشرات الروايات. (على سبيل المثال، ينقل الطبري أكثر من ٦٠ رواية في هذا الشأن).

رأي علماء أهل السنة حول مفهوم الأحرف السبعة

كان علماء أهل السنة دائمًا في حيرة من أمرهم بشأن مفهوم الأحرف السبعة، حتى بلغت أقوالهم حول مفهوم الأحرف السبعة أكثر من أربعين قولاً (السيوطي، الإتقان، ١٤٢١: ١/ ١٧٢). يعتقد البعض أن المراد بالأحرف السبعة هي ألفاظ وكلمات سبع مترادفة في المعنى أو متقاربة، مثل «هلم» و«تعال» و«أقبل» و«إليّ» و«قصدي» و«نحوي» و«قربي»، وكلها تقريبًا بمعنى واحد وتتضمن معنى الأمر بالمجيء. وبناءً على روايات نزول القرآن بالأحرف والوجوه السبعة، يمكن قراءة القرآن بأي من هذه الكلمات وأمثالها. وقد تبنى هذا الرأي الطبري (الطبري، جامع البيان، ١٤١٥: ١/ ٣٨) وعدد آخر من المفسرين. ونسب القرطبي هذا الرأي إلى أكثر العلماء والفقهاء في توجيه الأحرف السبعة للقرآن (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ١٣٦٤: ٤٢/١). واعتبر البعض أن الأحرف السبعة تشير إلى الفصول السبعة للآية أو سبع فئات من الآيات، وهي: آيات الزجر، آيات الأمر، آيات الحلال، آيات الحرام، آيات المحكم، آيات المتشابه، آيات الأمثال (أبو شامة المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ١٤٢٤: ٩٧). وطرح فريق آخر هذا الرأي بتقسيم مختلف، أي: الأمر، الزجر، الترغيب، الترهيب، المناظرات الدينية، القصص، والأمثال. ويقول فريق آخر إن المراد بالأحرف السبعة هي لغات العرب الفصيحة المنتشرة في كل القرآن، وكل قسم من القرآن نزل بلغة إحدى القبائل السبع الفصيحة للعرب. وقد قبل هذا الرأي أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (فضائل القرآن، ١٤٢٦: ٢٠٣) وابن حجر العسقلاني (عسقلاني، فضائل القرآن، بيتا: ٥٢). وبالطبع، هناك خلاف حول لغات أي القبائل هي المقصودة. يعتقد البعض أن هذه القبائل هي: قريش، هذيل، هوازن، اليمن، كنانة، تميم، وثقيف. وقال بعض الأفراد إن المراد بلغة: قريش، اليمن، جرهم، هوازن، قضاعة، تميم، وطي. ويقول فريق إن المراد بالأحرف السبعة هي اللغات السبع لفروع قبيلة «مضر» المختلفة التي كانت تتكلم بها، وهذه اللغات منتشرة في مجموع القرآن، وهي: لغات قريش، أسد، كنانة، هذيل، تميم، ضبة، وقيس. وخصص البعض خمسة أحرف لقبيلة هوازن وحرفين لباقي القبائل. وأشار فريق إلى أن الأحرف السبعة هي قبائل هوازن، سعد، جشم، ونظر، وثلاثة أحرف لقريش. وقالت فئة إن الأحرف السبعة تشير إلى لغات كعب بن عمرو وكعب بن لؤي. واعتبر البعض أن الأحرف السبعة كناية عن جميع القبائل المشهورة (انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ١٤٢١: ١٧٧/١؛ العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، ١٤١٦: ١٤٢/٢؛ الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ١٨٥).

وهناك قول آخر حول الأحرف السبعة، وهو وجوه اختلاف القراءات، الذي طرحه ابن الجزري (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بيتا: ١/ ٢٦). وقد فسّر البعض الأحرف السبعة بالقراءات المختلفة (العسقلاني، فضائل القرآن، بيتا: ٥٢). وهناك رأي مهم في هذا المجال وهو أن الأحرف السبعة تشير إلى اللهجات المتعددة (أبو شامة المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ١٤٢٤: ٩٠؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٢/ ٨٨).

هل تشير الأحرف السبعة إلى القراءات السبع؟

قد يُظن في البداية أن الأحاديث التي تدل على الأحرف السبعة تشير إلى القراء السبعة، كما نقل هذا الوهم أبو شامة (أبو شامة المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ١٤٢٤: ١١٧)، وابن الجزري (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بي تا: ١/ ٣٦)، والسيوطي (السيوطي، الإتقان، ١٤٢١: ١/ ١٨٣ و ٢٧١) عن بعض الجهلة. ولكن عدم وجود أي أساس لهذا القول لا يخفى على أي عالم، لأن ظاهرة حصر القراءات في القرن الرابع قد وقعت، ولا يمكن اعتبار أحاديث القرن الأول ناظرة إليها. وقد صرح كثير من العلماء بعدم وجود ارتباط بين الأمرين لرفع هذا الوهم. من بين هؤلاء يمكن الإشارة إلى إسماعيل بن إبراهيم القراب، وابن الجزري (النشر في القراءات العشر، بيتا: ١/ ٤٦)، وأبو محمد الهروي (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤١٠: ٤٧٩/١)، ومكي بن أبي طالب (العسقلاني، فتح الباري، بي تا: ٢٨/٩)، وأبو شامة (أبو شامة المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ١٤٢٤: ١١٧)، والمرسي (السيوطي، الإتقان، ١٤٢١: ١/ ١٨٣)، والزركشي (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤١٠: ١/ ٤٧٩)، والسيوطي (السيوطي، الإتقان، ١٤٢١: ١/ ٢٧١). ومن بين علماء الشيعة، صرح كبار مثل الشهيد الثاني (الشهيد الثاني، المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية، ١٤٢٠: ٢٤٦)، وآية الله الخوئي (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ١٥٩)، والعلامة الطهراني (الطهراني، نور ملكوت القرآن، ١٤٢١: ٤/ ٤٥٤) بعدم وجود ارتباط بين الأمرين. وقد استشكل بعض الكبار مثل القراب والمهدوي على فعل ابن مجاهد من هذا الجانب، لأن حصر القراءات في سبع قراءات أوجد هذا الوهم بأن المقصود بالأحرف السبعة هم القراء السبعة أنفسهم (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بيتا: ١/ ٤٦).

النقد والتحقيق

روايات الأحرف السبعة، خلافًا لما يُدّعى، ليست متواترة في جميع الطبقات، ومجموع هذه الروايات يعاني من نوع من التعارض والاختلاف. كما أن سند بعض هذه الأحاديث ضعيف عند أهل السنة أنفسهم. بالإضافة إلى ذلك، تتعارض هذه الأحاديث مع أحاديث تدل على نزول القرآن على خمسة أو ثلاثة أو حرف واحد. ومن جهة أخرى، بعض الأمور الواردة في هذه الأحاديث غير مقبولة، مثل أن الأمة لا تستطيع القراءة على حرف واحد. ويعتقد أنصار هذه الروايات أنه في توحيد المصاحف في عهد الخليفة الثالث، أُزيلت جميع الأحرف ولم يبق إلا حرف واحد. والآن يجب أن نسأل: هل كان فعل رسول الله ﷺ صحيحًا عندما سمح للأمة بالقراءة حسب الأحرف السبعة، أم فعل الخليفة الثالث الذي منع الناس من ذلك؟ وأما تفسير هذه الروايات بجواز تبديل كلمات القرآن بكلمات مشابهة ومترادفة فهو غير معقول وغير مقبول على الإطلاق، ويقوض أساس إعجاز القرآن. بالطبع، على فرض صحة هذه الأحاديث، هناك احتمال أن يكون المراد بها اللهجات المختلفة، وذلك ليس بمعنى أن القرآن نزل نزولاً متعددًا حسب اللهجات المختلفة، أو أن رسول الله ﷺ تلا القرآن بطرق مختلفة، بل بمعنى أن الأفراد الذين لا يستطيعون تلاوة القرآن كما نزل من حيث اللهجة رغم سعيهم وجهدهم، فقد أُعطيت لهم هذه الرخصة لتلاوة القرآن باختلاف في اللهجة، بشرط ألا يخل ذلك بصحة القراءة. وفي هذا الأمر لا فرق بين العربي وغير العربي. وفي هذا الفرض، يدل العدد سبعة على الكثرة النسبية (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٤١٥: ٩٧/٢). مثلاً، إذا كان العربي ينطق الألف بالإمالة حسب لهجته واعتاد على ذلك، فإنه في قراءة القرآن ينطقها كذلك لا إراديًا. أو الأعجمي الذي لا يوجد في لغته حرف القاف، إذا نطق هذا الحرف في قراءة القرآن بشكل آخر، فهذا مقبول منه. وهذا يمكن أن يكون مصداقًا للتوسعة والتسهيل على الأمة الذي أشير إليه في بعض الروايات. وربما يكون حديث الإمام الصادق (ع) عن رسول الله ﷺ ناظرًا إلى هذا الأمر: «إن الرجل من العجم من أمتي ليقرأ القرآن بعجميته، فترفعه الملائكة على عربيته» (الكليني، الكافي، ١٣٦٥: ٢/ ٦١٩، باب أن القرآن يرفع كما أنزل، ح١).

في حالة قبول هذا الأمر، يمكن القول إن أحاديث الأحرف السبعة تؤيد تلك الفئة من القراءات الناتجة عن اختلاف اللهجات. ومن الواضح أن اللهجات لا علاقة لها بالتفسير، وعليه لا يمكن أبدًا اعتبار أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف أساسًا للتفسير. وبناءً على ذلك، فإن قول بعض الأفراد الذين يعتقدون أن اختلاف القراءات بمنزلة آيتين مختلفتين غير مقبول.

المبنى الثالث: انحصار الحجية في قراءة واحدة

يعتقد بعض أهل العلم أن قراءة القرآن الصحيحة والمعتبرة هي واحدة فقط، وسائر القراءات لا حجية لها. وبناءً على ذلك، لا يمكن لتفسير القرآن أن يستند إلا إلى قراءة واحدة، والاستفادة من سائر القراءات في التفسير غير صحيحة. وقد اعتبر معظم هؤلاء الأفراد قراءة عاصم، وتحديدًا برواية حفص، هي القراءة المعتبرة الوحيدة. ويبدو أن هذا الرأي أسسه العلامة محمد جواد البلاغي (البلاغي، آلاء الرحمن، ١٤٢٠: ٢٩/١) (شريفي نسب، ارزيابي ادله ديدگاه رواج تاريخي قرائت عاصم به روايت حفص، ١٣٩٦: ٧). لكن هذا الرأي بلغ ذروة شهرته على يد العلامة معرفت (معرفت، علوم قرآني، ١٣٨٦: ٢٤٦).

أهم أدلة نظرية وحدة القراءة المعتبرة

أقام أنصار هذه النظرية أدلة متعددة لإثبات دعواهم، منها رواية «اقرؤوا كما يقرأ الناس» (الكليني، الكافي، ١٣٦٥: ٦٣٣/٢). يكتب المرحوم آية الله معرفت في الاستدلال بهذا الحديث على حجية القراءات: «حديث (اقرؤوا كما يقرأ الناس) ناظر إلى الحقيقة الجارية بين الناس، والتي ورثوها عن النبي ﷺ، لا ما يجري على ألسنة القراء وهو وليد اجتهاداتهم ومحل خلاف بينهم. وبناءً على ذلك، فإن المعتبر والذي له حجية شرعية هو القراءة ذات الطابع العام والشعبي، وهي قراءة ثابتة دائمًا وبدون خلاف، وجميع المصاحف الموجودة في الحوزات العلمية المعتبرة في عصور التاريخ متطابقة، ولا يوجد خلاف في ثبتها وضبطها» (نفس المصدر). ويكتب العلامة العسكري أيضًا بذكر هذه الروايات: «بناءً على هذه الروايات، يجب على الإنسان أن يتجنب جميع القراءات المنقولة ويقرأ القرآن فقط كما يقرؤه عامة المسلمين» (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، ١٤١٦: ٢٦٧/٢). ومن الأدلة الأخرى لهذه المجموعة يمكن الإشارة إلى الاهتمام الخاص لرسول الله ﷺ والمسلمين بالقراءة. وتوضيح ذلك أن هذا الاهتمام يستلزم بقاء القراءة الحقيقية للقرآن عند المسلمين، وهي نفس قراءة حفص عن عاصم (بابائي وآخرون، روش شناسي تفسير قرآن كريم، ١٣٨٨: ٧٥). وتعتقد هذه المجموعة أن قراءة عاصم هذه هي القراءة التي حظيت بتقرير وتأييد المعصومين (ع) (بابائي، قواعد تفسير قرآن، ١٣٩٤: ٥٧).

النقد والتحقيق

أهم نقد يمكن توجيهه لهذه النظرية هو أن هؤلاء الأفراد طرحوا هذه المسألة بناءً على فرضية مسبقة، وهي شيوع قراءة عاصم برواية حفص على مر التاريخ في العالم الإسلامي، وهي فرضية لم تثبت. فإثبات شيوع قراءة ما يحتاج إلى أدلة تاريخية تفتقر إليها هذه النظرية. فهذه النظرية تدعي شيوع قراءة عاصم برواية حفص دون أن تثبت ذلك تاريخيًا. بل إن التقارير التاريخية تثبت عكس هذه الدعوى. فمن الناحية التاريخية، كانت ظاهرة اختلاف القراءات موجودة منذ عهد الصحابة، لدرجة أن الخليفة الثالث أقدم على توحيد المصاحف للقضاء على هذه الاختلافات. ولم يتمكن هذا الإجراء من القضاء على اختلاف القراءات بالكلية، بل إن المصحف العثماني نفسه كان فيه اختلافات وإن كانت جزئية، مما أدى بدوره إلى اختلافات في القراءة (السجستاني، المصاحف، ١٤٢٣: ١٤٤). وفي العصور التالية التي ظهر فيها القراء السبعة والعشرة، لم يوجد أي أثر أو شاهد يدل على وجود قراءة واحدة بين الناس. بل كان عدد القراء في مدينة مثل بغداد يصل أحيانًا إلى ثلاثمائة. وقد ذكر ابن مجاهد القراءات الشائعة حتى زمنه (القرن الرابع) على النحو التالي: قراءة أهل المدينة هي قراءة نافع، وأهل مكة قراءة ابن كثير، وغالب أهل الكوفة قراءة حمزة، وأهل البصرة قراءة أبي عمرو، وغالب أهل الشام قراءة ابن عامر (ابن مجاهد، السبعة، ١٤٠٠: ٦٣). ووفقًا لهذا النقل، حتى أهل الكوفة لم يكونوا متفقين على قراءة عاصم. وبالطبع، فإن الذين كانوا يتبعون قراءة عاصم كانوا يقرؤون في الغالب وفقًا لرواية شعبة. واستمر هذا الوضع بدرجات متفاوتة في القرون التالية، ولكن قراءة عاصم شاعت في القرون المتأخرة أولاً برواية شعبة ثم برواية حفص. ويجدر بالذكر أنه حتى في العصر الحاضر، لا يتفق العالم الإسلامي كله على قراءة واحدة. ففي أجزاء من الأراضي الإسلامية، تشيع قراءة نافع برواية ورش ورواية قالون، وفي أجزاء أخرى قراءة أبي عمرو البصري برواية الدوري. وبناءً على ما ذُكر، فإن اتخاذ مبدأ القراءة الواحدة لتفسير القرآن ليس صحيحًا. وبعبارة أخرى، ليس من اللائق أن يبني المفسّر تفسيره على قراءة واحدة فقط، ولا يولي أي اهتمام لسائر القراءات. بل لتقديم تفسير شامل، لا بد للمفسّر من أن يأخذ بعين الاعتبار سائر القراءات المشهورة والمعتبرة. وبالطبع، فإن الحالات التي يؤدي فيها اختلاف القراءات إلى اختلاف في المعنى والمدلول ليست كثيرة؛ لأن معظم حالات اختلاف القراءات تتعلق بالأداء واللهجة، والتي لا دور لها في تفسير القرآن.

النتيجة

في هذه المقالة، تم بحث ثلاثة مبانٍ من المباني القرائية للتفسير، وهي: تواتر القراءات، ونزول القرآن على سبعة أحرف، والقراءة الواحدة. وبعد عرض الآراء ودراستها ونقدها، يمكن تلخيص أهم النتائج على النحو التالي:

١. لا يمكن قبول تواتر القراءات بسبب الإشكالات المتعددة الواردة عليه، فلا يمكن أن يكون أساسًا مقبولاً لتفسير القرآن.

٢. أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تعاني من إشكالات سندية ودلالية كثيرة، وقد تعرضت للنقد والتشكيك من قبل كثير من العلماء. وعلى فرض قبولها، فإن التوجيه المقبول الوحيد لها هو حملها على اختلاف اللهجات.

٣. الاختلاف والتفاوت في اللهجات، الذي يشمل معظم حالات اختلاف القراءات، لا تأثير له على معاني القرآن، وبالتالي لا تأثير له على الاستنباطات التفسيرية.

٤. فيما يتعلق بالاختلافات القليلة التي تؤدي إلى اختلاف في المعنى، يجب القول إن النص القطعي للقرآن هو واحد فقط، ويوجد بين طيات القراءات المشهورة.

٥. شيوع قراءة واحدة على مر التاريخ غير ثابت، لذا فإن القول بأن قراءة عاصم فقط، أو رواية حفص عن عاصم، هي المعتبرة، غير مقبول؛ إلا إذا قيل إن قراءة حفص عن عاصم تطابق القراءة المتواترة لدى المسلمين على مر التاريخ.

٦. من الأفضل للمفسّر أن يستخدم في تفسيره القراءات المشهورة ويفسر القرآن بناءً عليها، وإذا حدث اختلاف في مراد ومدلول الآيات من خلال القراءات، أن يذكر الاحتمالات المختلفة دون أن ينسبها بشكل قطعي إلى الله تبارك وتعالى. ولهذا السبب، فإن التفاسير التي تهتم بالقراءات تكون أكثر كمالاً.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: ٩٨/۳/۲۰ وتاريخ القبول: ٩٨/٥/١٦.

2. أستاذ مشارك في جامعة المصطفى العالمية (mjeskandarlo@miu.ac.ir).

3. خريج دكتوراه في التفسير المقارن بجامعة المصطفى العالمية – الباحث المسؤول (smujtabarizvi@yahoo.com).

Scroll to Top