الملخص
من الموضوعات التي حظيت بالاهتمام في قراءة القرآن الكريم، سواء من جانب القرآن أو من جانب الروايات، هي مسألة التجويد. على الرغم من المكانة والأهمية الخاصة التي يتمتع بها موضوع تجويد القرآن في تجميل تلاوته، إلا أن ضرورة الاهتمام به وأسبابه من منظور القرآن وسيرة المعصومين (ع) لم تخضع للبحث والتمحيص كما ينبغي. وفي هذا السياق، قلل البعض من أهمية ضرورة وجوده، بل وحتى أصل وجوده في تلاوة القرآن. السؤال الرئيس في هذا البحث هو: ما هي الضرورات القرآنية والحديثية وغيرها من ضرورات تعلم علم التجويد والقراءة المرتلة؟ منهج البحث هو تحليلي وصفي، حيث سيتم الإجابة على هذا السؤال من خلال دراسة بعض التعاليم الدينية، بما في ذلك الآيات وأقوال المعصومين (ع). الضرورات القرآنية الست هي: 1) الترتيل هو نفسه التجويد، 2) مسار نزول القرآن على أساس الترتيل، 3) تلاوة القرآن بتأنٍ وتدبر، 4) حق تلاوة القرآن، 5) نزول القرآن باللسان العربي، 6) التأسي بالنبي (ص). وكذلك الضرورات غير القرآنية الست تشمل: 1) سيرة المعصومين (ع)، 2) الضرورة التبليغية لرفع مهجورية القرآن الكريم، 3) مقدمة الخشوع، 4) الضرورة الفقهية، 5) مقدمة التدبر، 6) الضرورات الدولية (ترويج الثقافة القرآنية، محاربة الاستكبار،…). نتيجة هذا البحث هي إظهار أهمية تعلم علم التجويد.
المقدمة
تنقسم المعارف القرآنية بنظرة شاملة إلى قسمين: «معارف حول القرآن» و«معارف مستقاة من القرآن» (معرفت، علوم قرآني، 1387: 9)؛ ويشمل القسم الأول مباحث لمعرفة القرآن وشؤونه، مثل علم الإعجاز، وعلم تاريخ القرآن، وعلم القراءة، وعلم التجويد، وما إلى ذلك. أما النوع الآخر من المعارف القرآنية فيتعلق بمعرفة محتوى هذا الكتاب المقدس، وهو ما يسمى بالتفسير. يتضح من هذا البيان أن علوم القرآن ومعرفة المباحث المتعلقة بمحتوى الآيات، أو بعبارة أخرى التفسير، تعد مقدمة. علم التجويد أو علم الأداء، كأحد المعارف المحيطة بالقرآن المجيد، له تاريخ طويل. على الرغم من أن القرآن كان يُقرأ بالتجويد في زمن النبي (ص) ولم يكن يُعتبر علمًا مستقلاً بعد؛ فإن التجويد بمعنى مجموعة القوانين التي تعلمنا كيفية القراءة الصحيحة والجميلة، قد تم تدوينه في القرن الرابع الهجري. وأول من دوّن فن التجويد هو أبو مزاحم موسى بن عبيد الله الخاقاني البغدادي (ت 325هـ) (سعدي، پرسمان قرائت قرآن، 1385: 113). بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن مسائل علم التجويد كانت موجودة ضمن الكتب الأدبية مثل كتاب سيبويه وكتب القراءات، ثم ظهرت لاحقًا كعلم مستقل عن علم الأدب والقراءات. إن تعليم وتعلم علم التجويد، كبوابة للدخول إلى معاني ومفاهيم هذا الكلام الإلهي، أمر مهم ولا مفر منه. وتتجلى هذه الأهمية أكثر عندما يتضح أن معظم الدقائق المعنوية وإعجاز القرآن تكمن في طريقة البيان والجودة الخاصة للألفاظ، حيث أنزل الله القرآن على قلب النبي بشكل مرتّل ويحب أن يُقرأ بنفس الشكل؛ وبطبيعة الحال، من دون معرفة كيفية النزول وترتيل الآيات، لا يمكن الوصول إلى فهمها ومعرفتها.
ضرورات تعلم علم التجويد والقراءة المرتلة
لبيان ضرورة تعلم علم التجويد، تم الاستناد إلى فئتين من العوامل كدليل لإثبات الموضوع: أ) الضرورات القرآنية؛ ب) الضرورات غير القرآنية.
أ) الضرورات القرآنية
المراد بالضرورات القرآنية هي الضرورات التي تُستنبط من خلال التأمل في الآيات القرآنية والاستناد إلى الآيات الإلهية؛ وفي الواقع، تُعد الضرورات القرآنية مصداقًا مهمًا للعمل بآيات القرآن الكريم أو مقدمة للعمل بها. في هذا القسم، سيتم دراسة ست آيات من كلام الله المجيد لإظهار أهمية ضرورة تعلم علم التجويد ضمن العناوين التالية: 1) الترتيل هو نفسه التجويد؛ 2) عملية نزول القرآن على أساس الترتيل؛ 3) تلاوة القرآن بتأنٍ وتدبر؛ 4) حق تلاوة القرآن؛ 5) نزول القرآن باللسان العربي؛ 6) التأسي بالنبي.
1. الترتيل هو نفسه التجويد
أول وأشهر آية قرآنية يُستدل بها على طريقة قراءة القرآن هي: ﴿… وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل/ 4)؛ «ورتل القرآن ترتيلاً». ورد معنى الترتيل في كتب اللغة مثل كتاب العين على النحو التالي: (الفراهيدي، العين، 1409: 8/ 113). «رتلت الكلام ترتيلاً إذا أمهلت فيه وأحسنت تأليفه» أي قراءته بتمهل مع تركيب حسن. وذكر الراغب الأصفهاني في معنى الترتيل: «إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة» أي أداء الكلمة بسهولة وصحة. في المعاني المذكورة، كان الاهتمام الأساسي للغويين هو قراءة الكلمة بشكل صحيح وسليم. والآن، بالنظر إلى معنى الترتيل وتطابقه مع المعنى اللغوي للتجويد الذي هو «التحسين والتجميل» وكذلك معناه الاصطلاحي أي «إخراج كل حرف من مخرجه مع إعطائه حقه ومستحقه من الصفات والأحكام» (شهيدي وقاسمي، آموزش قرائت قرآن 2، 1391: 40)، يتضح أن التجويد ليس سوى الترتيل، على الرغم من أن المفهوم الكامل للترتيل يتجاوز مجرد مراعاة قواعد التجويد ويشمل الانتباه للمعاني وحتى العمل واتباع الآيات القرآنية. بهذا البيان وبحكم الأمر في الآية المذكورة أي «رَتِّل»، فإن تعلم التجويد وتحسين التلاوة أمر لا مفر منه وضروري. في كتب التفسير الشيعية والسنية، تم التأكيد مرارًا على أن معنى الترتيل هو قراءة القرآن بوضوح في النطق وتمهل في الكلمات وتدبر وهدوء في القراءة، وسنذكر بعض الأمثلة.
يقول الشيخ الطوسي في “التبيان في تفسير القرآن” عن ضرورة التلاوة على طريقة الترتيل وإعطاء الحروف حقها: «أمر من الله تعالى له بأن يرتل القرآن والترتيل ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها، وتثبت فيها»؛ (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بيتا: 10/ 162). وقد أكد العلامة الطباطبائي في “الميزان في تفسير القرآن”، ضمن بيان معنى الترتيل، على النطق الصحيح لحروف القرآن المجيد: «﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾؛ ترتيل القرآن تلاوته بتبيين حروفه على تواليها…» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390: 20/ 61). “ترتيل القرآن” يعني تلاوته بحيث تُنطق حروفه بوضوح وجلاء مع تتابعها. وقد صرح بعض مفسري أهل السنة بهذا المعنى بوضوح أيضًا. يرى ابن كثير أن الهدوء والتأني في التلاوة يساعدان على فهم القرآن: «﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي اقرأه على تمهل فإنه يكون عونًا على فهم القرآن» (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1419: 8/ 261). إن دراسة المعنى اللغوي للترتيل وفهم وشرح المفسرين في تبيين معنى ومقصد الترتيل، يدل على أن الملازم الحتمي لقراءة القرآن المرتلة هو تعلم طريقة النطق الصحيحة ومراعاة أحكام التلاوة؛ كما أن العلاقة بين الترتيل والتجويد، بناءً على ما ذكر، هي علاقة العموم والخصوص.
2. نزول الآيات على أساس الترتيل
بعد تبيين معنى الترتيل وأمر النبي بالقراءة على أساسه الذي هو التجويد، تُطرح نقطة مهمة أخرى وهي أن القرآن، بشكل عام في بداية الأمر، نزل على قلب النبي بشكل مرتّل، وأن الله يحب أن يُتلى القرآن كما نزل. وقد صرح الله تعالى في الآية 32 من سورة الفرقان بأن عملية نزول القرآن كانت بشكل مرتّل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان/ 32)؛ «وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا». كان هذا النمط من نزول القرآن مثيرًا للدهشة للمشركين، وكانوا يتوقعون أن ينزل القرآن دفعة واحدة مثل الكتب السماوية الأخرى. لذا كانوا يتساءلون لماذا ينزل القرآن بهذا الشكل، أجزاءً متفرقة، ولا ينزل دفعة واحدة؟ وقد بيّن الله سبب هذا النزول التدريجي بأنه لتثبيت قلب النبي: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ليتحقق هدف هداية القرآن بشكل أفضل. في الواقع، الترتيل المذكور في سورة الفرقان ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ هو وصف يتبعه أمر، وهو الأمر بالترتيل (زهرا حيدري ومحمد أميري، ويژگي هاي تلاوت استادانه، مقاله معناشناسي ترتيل در آيات و روايات، 1393: 277). لهذا السبب، رتّل الله القرآن ويحب أن يقرأ قارئ القرآن أيضًا بشكل مرتّل، وهو القراءة بالخصائص المحددة ومراعاة قواعد القراءة الصحيحة. يروي الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة رواية عن الإمام الجواد (ع) تفيد بأن الإمام، باستخدام عبارة «كما أنزل»، أكد على قراءة القرآن بنفس الطريقة التي نزل بها على قلب النبي (ص)، واعتبر فضيلة الإنسان عند الله مرهونة بذلك: «قَالَ: مَا اسْتَوَى رَجُلَانِ فِي حَسَبٍ وَ دِينٍ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَفْضَلُهُمَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ آدَبَهُمَا قَالَ قُلْتُ قَدْ عَلِمْتُ فَضْلَهُ عِنْدَ النَّاسِ فِي النَّادِي وَ الْمَجْلِسِ فَمَا فَضْلُهُ عِنْدَ اللهِ قَالَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا أُنْزِلَ وَ دُعَائِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَلْحَنُ وَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ الْمَلْحُونُ لَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1409: 6/ 221). إذا تساوى رجلان في مفاخر النسب والأسلاف، فإن أكثرهما أدبًا هو الأفضل والأكثر فضلاً عند الله تعالى. قال الراوي: سألت: فداك نفسي، تفوق الشخص المؤدب عند الناس في المجالس معروف؛ فكيف يكون فضله عند الله؟ قال الإمام (ع): فضله بقراءة القرآن كما أُنزل، ובدعائه يتجنب اللحن؛ لأن الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله تعالى. ويجب أن نعلم أن نزول القرآن على أساس الترتيل ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، لا ينتهي بقراءته مرتلاً (كما أنزل)، بل إن القرآن المجيد يدعو الجميع إلى الاتباع العملي لمعارفه:
3. قراءة القرآن بتأنٍ وهدوء
في الآية 106 من سورة الإسراء، يدافع القرآن المجيد عن نزول الآيات التدريجي ويرد على شبهات المشركين والمنكرين بشأن عدم نزول القرآن دفعة واحدة (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1370: 12/ 318)، فيقول: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء/ 106)؛ «وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا». بالتدقيق في كلمة «مكث» التي تعني التمهل والتأني (كلمة تدل على توقف وانتظار) (أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، 1429: 957)، أُعطي الأمر بقراءة القرآن الكريم على هذا الأساس، أي القراءة بهدوء ودون استعجال، للنبي (ص) ليكون له تأثير أعمق في نفوس المخاطبين بكلام الوحي، وذلك بأن تكون القراءة البطيئة والهادئة، وآية تلو آية على الناس، مقدمة للفهم والتفكر. وقد فسر البيضاوي، من علماء أهل السنة، القراءة الهادئة والمطمئنة بأنها أفضل للفهم، وللحفظ من الخطأ. «لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم» (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1418: 3/ 269). بالإضافة إلى ذلك، في التفاسير المعاصرة، ذُكر تجنب الاستعجال والعجلة في قراءة القرآن وتعلمه كإحدى رسائل الآية (قرائتي، تفسير نور، 1389: 5/ 129). وفي حديث عن الإمام الصادق (ع) أُشير إلى أنه تم الجمع بين معنى الترتيل في الآية 4 من سورة المزمل والتأني والهدوء؛ حيث يقول في تفسير آية ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: «هو أن تمكث فيه وتحسن به صوتك» (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1372: 10/ 569)، الترتيل يعني التمهل في القرآن وتجميل الصوت عند قراءته.
4. حق تلاوة القرآن
من الآيات الأخرى التي يمكن من خلال التمسك بمفهومها إثبات ضرورة تعلم التجويد والآداب الظاهرية للتلاوة، هي الآية 121 من سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ…﴾ (البقرة/ 121)؛ «الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به…». هناك نقاش واختلاف بين المفسرين حول المقصود بحق تلاوة القرآن في الآية، والذي يقوم به المؤمنون الصادقون بالكتاب، لكن بعضهم فسر حق التلاوة بالقراءة المرتلة والأداء الصحيح للحروف بالإضافة إلى التدبر والتفكر والعمل به. ومنهم سعيد حوى من المفسرين المعاصرين في “الأساس في التفسير” حيث قال: «يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أي يقرءونه حق قراءته، في الترتيل، وأداء الحروف، والتدبّر، والتفكر، والإيمان بمضمونه، والعمل به» (حوى، الأساس في التفسير، 1424: 1/ 230). يتلونه حق تلاوته يعني أنهم يقرؤونه حق قراءته في الترتيل ونطق الحروف والتدبر والتفكر والإيمان والعمل به. وقد وردت هذه العبارة أيضًا في تفسير “مدارك التنزيل”: «حَقَّ تِلَاوَتِهِ أي يقرءونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبّر والتفكر، أو يعملون به ويؤمنون بما في مضمونه» (النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 1416: 1/ 122). وذهب البعض الآخر، بالنظر إلى معنى الآية، إلى ذكر بعض الأمور مثل السواك قبل تلاوة القرآن، والوضوء والطهارة، وقراءة أدعية بداية التلاوة، والاستعاذة، والصوت الحسن، والسكوت، والانتباه، والخشوع، وغيرها، وكل منها له مستمسك ودليل روائي، كإتيان حق التلاوة (شهيدي وقاسمي، آموزش قرائت قرآن 2، 1391: 21). ولكن لا شك أن الملازم الحتمي لحق تلاوة القرآن المجيد هو مراعاة قواعد وآداب التجميل في القراءة وإعطاء الحروف حقها ومستحقها للاستفادة من ثماره وآثاره وبركاته. من البديهي أن حق التلاوة لا يقتصر على التجويد وكيفية الوقف، فهو مفهوم عام وشامل؛ بل إن التجويد ومراعاة الوقف هما مقدمة للدخول إلى مراحل المعنى والمفهوم للتدبر والفهم الأفضل لكتاب الله، أو أنهما من مصاديق ومراحل حق التلاوة.
5. نزول القرآن عربيًا
صرح الله تعالى في القرآن المجيد بنزوله باللسان العربي وجعل العربية وصفًا لكتابه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف/ 2)؛ «إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون». وقد ورد هذا المعنى في تسع آيات أخرى من كلام الله المجيد. (الرعد/ 37)؛ (طه/ 113)؛ (الزمر/ 28)؛ (فصلت/ 3)؛ (الشورى/ 7)؛ (الزخرف/ 3)؛ (الأحقاف/ 12)؛ (الشعراء/ 195) و(النحل/ 103). في تفسير “نمونه”، تحت الآية 2 من سورة يوسف، جاء توضيح لكون القرآن عربيًا على النحو التالي: على أي حال، فإن تعبير «عربي بودن» الذي تكرر في عشرة مواضع من القرآن هو رد على أولئك الذين اتهموا النبي بأنه تعلم هذه الآيات من شخص أعجمي وأن محتوى القرآن فكر مستورد ولم ينبع من الوحي. كما أن هذه التعبيرات المتتالية تخلق واجبًا على جميع المسلمين بأن يسعوا جميعًا لتعلم اللغة العربية كلغة ثانية لهم بشكل عام، من حيث إنها لغة الوحي ومفتاح فهم حقائق الإسلام (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1371: 9/ 300). يتضح من الروايات أيضًا أن مراعاة قواعد وأحكام اللغة العربية ضرورية عند قراءة القرآن. ومنها رواية الإمام الصادق (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) أنه قال: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ بِعَرَبِيَّتِهِ وَإِيَّاكُمْ وَالنَّبْرَ فِيهِ يَعْنِي الْهَمْزَ» (ابن بابويه، معاني الأخبار، 1403: 345). تعلموا القرآن بعربيته، وتجنبوا استخدام النبر فيه، أي الهمز. تشير الرواية المذكورة صراحة إلى تعلم القرآن بخصائص اللغة العربية وتجنب إضافة النبر في القراءة، وهو من صفات حرف الهمزة المهمة. كما يروي الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «تعلموا العربية، فإنها كلام الله الذي يكلم به خلقه» (فيض كاشاني، نوادر الأخبار فيما يتعلق بأصول الدين (للفيض)، 1371: 24).
6. التأسي بالنبي (ص) في كل الأمور
في القرآن الكريم، قُدِّم النبي الأكرم (ص) كأسوة وقدوة للناس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب/ 21). في هذه الآية الشريفة، يقدم الله تعالى النبي بشكل مطلق في جميع الأحوال الشخصية والاجتماعية وغيرها كأسوة حسنة ويدعو الجميع إلى اتباع هذه القدوة. من أبرز شؤون الأنبياء الإلهيين، وخاصة خاتم الأنبياء (ص)، تلاوة الآيات على الناس وتبيينها، وقد ذكر الله تعالى في الآية الثانية من سورة الجمعة هذا العمل كأول هدف من أهداف النبوة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…﴾ (الجمعة/ 2). بناءً على هذه المقدمة، فإن إدراك أن النبي (ص) كان يتلو الآيات النازلة مع مراعاة جميع الدقائق الظاهرية والجمالية ليس أمرًا بعيدًا، وبالتالي فإن مراعاة ذلك كأحد مظاهر سلوك النبي وكلامه أمر قابل للإثبات، لأنه إذا لم يتمكن شخص النبي من نقل الرسالة الإلهية بشكل لائق ودقيق أو كان هناك نقص في طريقة بيانه، فإن ذلك يعد نقصًا ومثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون قدوة لأتباعه. يتضح من بعض الروايات أن طريقة قراءة رسول الله (ص) كانت متقطعة وحرفًا بحرف، بحيث تصل جميع الحروف والكلمات بوضوح تام إلى أذن السامع.
روى المرحوم العلامة المجلسي في موسوعة بحار الأنوار رواية من مصادر أهل السنة حول كيفية قراءة النبي (ص) في الصلاة: «وروي عن يعلى بن مملّك أنه سأل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله عن قراءة النبي، فقالت: وما لكم وصلاته؟ كان يصلّي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلى قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتّى يصبح ثمّ نعتت قراءته فإذا هي قراءة مفسرة حرفًا حرفًا» (المجلسي، بحار الأنوار، 1403: 84/ 116). وهناك حديث آخر يدل صراحة على كيفية قراءة النبي: «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ (ص) يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1409: 6/ 208)؛ قالت أم سلمة: كان النبي يقرأ القرآن آية آية (بدون استعجال). حتى أنه يتضح من بعض الروايات أن كلام النبي كان إلى حد ما مثل قراءته، واضحًا ومرسلاً ومرتلاً: «… عن مسعد قال سمعت شيخاً في المسجد يقول سمعت جابر بن عبدالله يقول: كان في كلام رسول الله ترتيل وترسيل» (سليمان بن أشعث، سنن أبي داود، 1420: 4/ 260، ح 4838). قال جابر بن عبد الله: كان كلام رسول الله (ص) هادئًا ومتمهلاً. كانت قراءة النبي الأكرم جميلة ومؤثرة لدرجة أن المشركين العرب كانوا يختبئون ليالي متتالية خلف منزله للاستماع إلى تلاوته للقرآن. ورد في سيرة ابن هشام أن ثلاثة من قادة قريش (أبو سفيان، وأبو جهل، والأخنس بن شريق) في إحدى الليالي جاءوا سرًا إلى منزل النبي للاستماع إلى آيات القرآن بينما كان يصلي ويتلو القرآن. اختبأ كل منهم في زاوية دون علم الآخر واستمعوا إلى التلاوة حتى الصباح، وعند طلوع الفجر تفرقوا؛ لكنهم سرعان ما التقوا في الطريق ولام كل منهم الآخر قائلاً: «لا تكرروا هذا الفعل، فإذا رآكم بعض سفهائكم على هذا الحال، ستخطر لهم أفكار». وفي الليلة التالية كرروا نفس الفعل، وعندما التقوا في الصباح، كرروا نفس كلام الليلة السابقة ونفس اللوم والاتفاق على عدم التكرار. حدث نفس الأمر بالضبط في الليلة الثالثة، وعندما التقوا مرة أخرى في الصباح، قال بعضهم لبعض: «لن نبرح من هنا حتى نتعاهد ونتواثق على ترك هذا الفعل إلى الأبد». وأخيرًا تعاهدوا وتفرقوا (ابن هشام، سيرة النبوية لابن هشام، بيتا: 1/ 337). إن التأسي بطريقة قراءة النبي (ص) كأسوة حسنة، يبرز ضرورة الاهتمام بالنطق الصحيح وتعلم أحكامه أكثر من أي وقت مضى.
ب) الضرورات غير القرآنية
بعد بيان الضرورات القرآنية لتعلم التجويد وتجميل قراءة القرآن المجيد، ننتقل الآن إلى أهمية وضرورات تعلم هذا الفن غير القرآنية. المقصود بالضرورات غير القرآنية هي تلك التي لا تستند إلى آيات القرآن وليست مستندة إليها؛ بل تشكلت بناءً على سيرة وأقوال المعصومين (ع) أو على أساس الأدلة العقلية والعرفية والفقهية؛ ومنها: 1) سيرة المعصومين (ع)؛ 2) الضرورة التبليغية لرفع مهجورية القرآن الكريم؛ 3) مقدمة الخشوع؛ 4) الضرورة الفقهية؛ 5) مقدمة التدبر؛ 6) الضرورات الدولية (ترويج الثقافة القرآنية، محاربة الاستكبار،…).
1) سيرة المعصومين (ع)
القرآن الكريم، حامل الرسالة الإلهية ومظهر طريق الإنسان نحو السعادة الأبدية. هذه الرسالة تكون فعالة ومؤثرة عندما تُتعلم وتُكتسب. الجدير بالذكر أن تعلم وتعليم القرآن متصور في جميع المستويات؛ القراءة البسيطة أو القراءة بالترتيل (التدوير) أو التحقيق، الفهم والترجمة، التدبر في الطبقات العميقة، وكذلك التفسير الترتيبي والموضوعي للقرآن، كلها تندرج ضمن أطر التعلم والتعليم المتداولة (مسعودي، قرآن در روايات، 1396: 68). في هذا السياق، يحظى تعلم وتعليم طريقة النطق الصحيح للحروف وأحكام التلاوة بمكانة خاصة نظرًا لتأثيره على المعنى وتأكيد القرآن الصريح على هذه المسألة، وهو أساس للمستويات الأخرى. وقد أوصى أئمة الدين، بشكل خاص، بتعلم القرآن وتلاوته الصحيحة. يمكن دراسة هذه التوصيات في عدة أقسام عامة:
1-1. تبيين معنى الترتيل وبيان طريقة القراءة المرتلة
لحسن الحظ، ذُكر مفهوم تجميل قراءة القرآن في الروايات بوضوح، لأن إحدى الآيات التي كانت دائمًا موضع سؤال واستفسار من المسلمين لأئمة الدين هي الآية 4 من سورة المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. وقد بيّن النبي الأكرم (ص) وأئمة الهدى (ع) ببيانات متنوعة وبليغة المقصود من الترتيل أو طريقة القراءة الصحيحة في هذه الآية الكريمة، وبعض الروايات هي كالتالي: نُقل عن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال: «الترتيل هو حفظ الوقوف وبيان الحروف». ما قاله الإمام في هذا الحديث هو التجويد الاصطلاحي. من الأقوال التي ذكرها المرحوم الفيض الكاشاني تحت هذا الحديث: «أنه يكون بحيث لو أراد السامع عدّ حروف الكلمات، يعدّه، كما روي في قراءة رسول الله (ص)». يجب أن تكون تلاوة القرآن بحيث لو أراد السامع عد حروف الكلمات، لاستطاع عدها؛ كما روي في طريقة قراءة النبي (ص). «… عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ- ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بَيِّنْهُ تِبْيَانًا وَ لَا تَهُذُّهُ هَذَّ الشِّعْرِ وَ لَا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمْلِ وَ لَكِنْ أَفْزِعُوا قُلُوبَكُمُ الْقَاسِيَةَ وَ لَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ» (الكليني، الكافي، 1407: 2/ 614). قال عبد الله بن سليمان: سألت الإمام الصادق (ع) عن قول الله عز وجل (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾) فقال: قال أمير المؤمنين (ع): أي بيّنه تبيانًا، ولا تهذّه هذّ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أفزعوا به قلوبكم القاسية، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة (أي اجعلوا همكم في تدبر وتأمل الآيات وتطبيقها والعمل بها، لا في إنهاء السورة). وقد وضع المرحوم الشيخ الحر العاملي في موسوعة وسائل الشيعة بابًا بعنوان «اسْتِحْبَابِ تَرْتِيلِ الْقُرْآنِ وَ كَرَاهَةِ الْعَجَلَةِ فِيهِ» وجمع فيه الروايات المتعلقة به، مما يدل على أهمية الموضوع؛ ومن الروايات المهمة في هذا الشأن: «… عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ – قَالَ هُوَ أَنْ تَتَمَكَّثَ فِيهِ وَ تُحَسِّنَ بِهِ صَوْتَكَ» (المزمل/ 74: 3)؛ (الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1409: 6/ 208).
1-2. السيرة العملية لأهل البيت (ع) في التلاوة المرتلة
تذكر الكتب التاريخية والروائية الشيعية والسنية أن النبي (ص) وأئمة الهدى (ع) لم يكتفوا بالتوصية بتعليم وتعلم القراءة الصحيحة، بل كانوا في مقام العمل يلتزمون بمراعاة أصول التلاوة وتجميل قراءة القرآن، ونشير إلى نماذج من سيرة المعصومين العملية: نُقلت عن أم سلمة، زوجة رسول الله (ص)، روايات متنوعة ببيانات مختلفة حول طريقة قراءة النبي، وقد أُشير إلى بعضها في الآية السادسة من الضرورات القرآنية (أسوة حسنة)؛ ورواية أخرى: «… عن أم سلمة قالت: كان النبي (ص) يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يقطعها حرفاً حرفاً». قالت أم سلمة: كان النبي (ص) يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين؛ مرتلة ومقطعة وينطق كل حرف على حدة (سليمان بن أشعث، سنن أبي داود، 1420: 2/ 545). وفي سيرة أئمة الهدى (ع) أيضًا، توجد شواهد على اهتمام هؤلاء العظماء المعصومين بالقراءة حرفًا حرفًا. وردت رواية عن مولى أمير المؤمنين علي (ع) في الكافي الشريف تفيد بأن النبي عند قراءة صحيفة مقدسة، قرأها حرفًا حرفًا: «… فَقَالَ لَهُ اقْرَأْهُ، فَقَرَأَهُ حَرْفاً حَرْفاً، فَقَالَ يَا عَلِيُّ هَذَا عَهْدُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيَّ …» (الكليني، أصول الكافي، 1407: 1/ 282، ح 4). السيرة العملية للمعصومين (ع) في القراءة المرتلة لا تقتصر على الحالات المذكورة أعلاه، بل وفقًا لحديث منقول عن الإمام جعفر الصادق (ع)، كانت هذه القراءة أحيانًا مصحوبة بصوت جميل وتأسر قلوب الناس. «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) أَحْسَنَ النَّاسِ صَوْتاً بِالْقُرْآنِ وَ كَانَ السَّقَّاءُونَ يَمُرُّونَ فَيَقِفُونَ بِبَابِهِ يَسْمَعُونَ قِرَاءَتَهُ وَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) أَحْسَنَ النَّاسِ صَوْتاً» (الكليني، الكافي، 1407: 2/ 616).
1-3. الترغيب والتشجيع المستمر على تعلم وتعليم القرآن في كل الأحوال
يرتبط عدد كبير من روايات آل البيت (ع) حول القرآن المجيد بتعليم القرآن، بما في ذلك (مكانة المعلم، ثواب المعلم، حق المعلم، تعليم القرآن للأبناء) أو تعلم القرآن، بما في ذلك (التشجيع على تعلم القرآن، تعلمه في الصغر، الإخلاص في تعلمه، منزلة متعلم القرآن، مكانة وثواب متعلم القرآن، جزاء من يتعلم القرآن بصعوبة) أو فضل تلاوة القرآن والاستماع إليه، بما في ذلك (التشجيع على قراءة القرآن، فضل القارئ، فضل مجالس القرآن،…) (محمدي الري شهري، شناخت نامه قرآن، 1391: 3/ 139)، مما يدل على الأهمية والهمة العالية لأهل البيت (ع) في توجيه الناس أكثر فأكثر إلى كلام الله. من المؤكد أن التشجيع والتأكيد المستمر على تعلم وتعليم القرآن، بالإضافة إلى السيرة العملية للمعصومين (ع)، يتعلق بالتلاوة مع الحفاظ على القواعد والمعايير الجمالية للاستفادة القصوى وتوفير الأرضية لفهم واستقبال رسائل القرآن، وإلا فإن مجرد التشجيع على التعلم، بهذا القدر، لا معنى له، وتعلم القرآن الناقص دون الانتباه إلى عربيته ليس تعلمًا حقيقيًا للقرآن؛ لأن كلمة «القرآن» في الروايات تنصرف إلى القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين على النبي؛ ومن ناحية أخرى، فإن الإطلاق في الأحاديث، بالنسبة لتعلم وتعليم القرآن، يشمل أيضًا موضوع التجويد. من العجيب أن الأفراد أحيانًا يمضون ساعات بل شهورًا من حياتهم لفهم كلام بشري لعالم مسلم أو غير مسلم، وحتى في الفضاءات الافتراضية، ليتمكنوا من فهم شيء منه ويفتخرون بذلك، ولكن لتعلم الطريقة الصحيحة لتلاوة كتاب معبودهم، يطلقون لسان الاعتراض ويعتبرونه غير ضروري ويبحثون عن دليل! وبعض الأحاديث تؤكد بشكل مباشر على ضرورة التلاوة الحسنة واللائقة: قال الإمام علي (ع): «أحسنوا تلاوة القرآن فإنه أنفع القصص واستشفوا به فإنه شفاء الصدور» (محمدي الري شهري، ميزان الحكمة، 1394: 9/ ح 16594). أحسنوا (وبدقة) تلاوة القرآن فإنه أنفع القصص واستشفوا به فإنه شفاء الصدور.
2. الضرورة التبليغية لرفع مهجورية القرآن الكريم
القرآن، باعتباره أساس وبنية جميع معارف الدين الإسلامي المبين والثقل الأكبر لنبي الرحمة، كان دائمًا يُطرح من قِبَله ومن قِبَل الأئمة المعصومين (ع) كمحور للحركة التوحيدية. كما أن للقرآن المجيد بطونًا مختلفة وفهمه له مراتب، وكلما غاص الباحث القرآني فيه أكثر، تعمق أكثر، فإن مهجورية القرآن لها أيضًا مراتب مختلفة مترابطة، وكل منها مقدمة للأخرى، وفي الواقع، ترك أي مرحلة من مراحل تعلم القرآن هو نوع من هجرانه في تلك المرحلة: مهجورية في مرحلة القراءة الأولية والطلاقة (بمعنى عدم القدرة الأولية والكافية على التلاوة)، ومهجورية في قراءته بشكل مرتّل ومبين (عدم الإلمام بالمخارج، والأداء الصحيح، والصفات، وأحكام التلاوة)، ومهجورية في مرحلة الفهم والتدبر (عدم الفهم الصحيح للمعنى ومفهوم الآيات واستقاء الرسائل منها)، وأخيرًا مهجورية في العمل بمحتوى الآيات وتجسيد مضمونها بشكل عيني. بناءً على ما سبق، وللخلاص من مهجورية هذا الكتاب الوحياني، الذي شهد القرآن نفسه على مهجوريته وسيعقبه شكوى نبي الرحمة في محضر الله يوم القيامة. ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان/ 30)؛ «وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا». على جميع المخلصين لساحة القرآن الكريم وأهل البيت (ع)، وخاصة المبلغين الكرام للعلوم الدينية، فرض وواجب في أي مستوى يستطيعون، بالإضافة إلى تعلم علم التجويد، بتعليمه للمستعدين في هذا المجال، أن يزيلوا غبار المهجورية عن وجه القرآن قدر الإمكان، فبؤس وشقاء بعض المجتمعات البشرية اليوم يعود إلى عدم إيلاء الأهمية لهذا الكلام الإلهي والإلمام بتعاليمه. اليوم، بالنظر إلى الاهتمام الجاد للدول الإسلامية بأمر قراءة القرآن الكريم، وخاصة دول أهل السنة، لا يليق بدولة شيعية أن تتخلف في هذه المسألة؛ خاصة بالنسبة لأولئك الذين تقع على عاتقهم مهمة تبليغ القرآن خارج حدود إيران. ورد في سيرة النبي التبليغية أن أول مبلغ أرسله النبي إلى المدينة كان مصعب بن عمير، الذي كان يتمتع بلحن فصيح وصوت جميل في تلاوة القرآن.
3. مقدمة الخشوع
الخشوع، مصدر عربي ومصطلح قرآني-حديثي، يعني في الأصل الانخفاض (أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، 1429: 298). وبناءً على ذلك، ذُكرت معانٍ أخرى مثل إطراق النظر إلى الأرض، وحني الرأس، وخفض الصوت، وكلها تعود بشكل ما إلى المفهوم الأصلي. في الآية 21 من سورة الحشر، يُلام ويُدعى إلى التفكر أولئك الذين لا يخشعون لله على الرغم من قراءة القرآن: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر/ 21). في كتاب “التحقيق في كلمات القرآن الكريم” تحت مادة “خشع” وبعد ذكر الآية، يُعتبر نتاج الخشوع؛ حصول حالة من الهدوء والتأثر والقبول والوصول إلى المحبة أمام عظمة الله: «لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا فيحصل له حالة لينة وخفض وتأثّر وانفعال وقبول ومحبّة في قبال تجلّي العظمة» (مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، 1368: 3/ 63). بالنظر إلى المعنى اللغوي والاستخدامات القرآنية والحديثية للخشوع، ولتحقيق هذا الهدف المهم في التلاوة، يجب إيلاء عناية واهتمام خاص بخصائص التلاوة الخاشعة، أي حضور القلب، والهدوء والطمأنينة، والحزن في التلاوة، واستشعار الخوف والخشية من تلاوة القارئ وغيرها من الأمور. بعض عوامل الخشوع والطمأنينة في التلاوة تعود إلى نوع القراءة؛ فالنطق الصحيح للحروف وإعطاء كل حرف حقه ومستحقه له تأثير كبير في استدعاء الهدوء. من الواضح أن الذين يقرؤون نصًا بسرعة ودون هدوء لن يكون لديهم القدرة على النطق الصحيح واللائق لجميع الحروف، وبالتالي سيفقدون التأثير المطلوب على القارئ والمخاطب (الخشوع في التلاوة ومنشأ المصطلحات التجويدية، مقال الخشوع في التلاوة من منظور القرآن والحديث، محمد حاج أبو القاسم، 1392). ورد في حديث عن الإمام الصادق (ع): «قَالَ الصَّادِقُ (ع): مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَ لَمْ يَخْضَعْ لِلَّهِ وَ لَمْ يَرِقَّ قَلْبُهُ وَ لَا يَنْشَأُ حُزْنًا وَ وَجَلًا فِي سِرِّهِ فَقَدِ اسْتَهَانَ بِعِظَمِ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى وَ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا» (جعفر بن محمد، مصباح الشريعة، 1400: 28)؛ «من قرأ القرآن ولم يخضع لله ولم يرق قلبه ولم ينشئ حزنًا ووجلًا في سره فقد استهان بعظم شأن الله تعالى وخسر خسرانًا مبينًا». يُظهر هذا الحديث أن تلاوة القرآن يجب أن تكون بطريقة تثير الخشوع والتأثير في الروح والنفس؛ وفي القصص المنقولة عن كبار قراء العالم الإسلامي، ذُكرت أمثلة كثيرة على تأثير تلاوتهم المتقنة على المخاطبين، وهذا يدل على تأثير مراعاة القواعد التجويدية وترتيل القرآن على المخاطبين. من الطمأنينة والهدوء في التلاوة، يمكن استنتاج ضرورة تجنب بعض الحركات غير اللائقة مثل المبالغة في التلحين في الكلمات، وخاصة المدود والقفلات في نهاية الآيات.
4. الضرورة الفقهية
من الحالات الأخرى التي تجعل تعلم التجويد ضروريًا، أهميته ومكانته في الفقه؛ فقد تناول الفقهاء المباحث المتعلقة بالتجويد في عدة أبواب من أبواب الفقه، منها الأذان والإقامة، والصلاة، والتلبية، والدعاء، وبحثوا فيها. على سبيل المثال، يوجب جميع فقهاء الشيعة قراءة الصلاة باللغة العربية الصحيحة، ويعتبرون مراعاة قواعد التجويد في الصلاة واجبة بشرط أن يؤدي عدم مراعاتها إلى الإخلال بالمعنى (الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، 1485: 1/ 159). يكتب المحقق الحلي (ت 676هـ) في “المعتبر في شرح المختلف”: «كما وجب الإتيان بحروفها، وجب الإتيان بالإعراب المتلقى عن صاحب الشرع…» (المحقق الحلي، المعتبر في شرح المختلف، 1407: 2/ 167). كما أن في القراءة، مراعاة الحروف واجبة، والإخلال بها غير جائز، حتى لو لم يؤد إلى تغيير المعنى، فإن مراعاة إعراب الحروف كما ورد عن صاحب الشريعة واجب أيضًا. حتى الذين يعتبرون التجويد بدعة، يؤكدون على صحة القراءة العرفية. والذين يرون أن الخوض في التجويد غير لائق، يقرون أيضًا بأن قراءة الصلاة بشكل صحيح على الأقل واجبة. (فقه القراءة وهندسة التلاوة، مقال التجويد من الوجوب إلى الحرمة، محمد علي محمدي، 1395: 276). فقهاء الشيعة لا يجيزون الإخلال في الحروف والإعراب، وجميعهم يعتقدون أن القراءة يجب أن تكون بالعربية الصحيحة (يوسفي، فقه قرائت، 1396: 57). إحدى المسائل الشرعية المذكورة في الرسائل العملية لمراجع التقليد الشيعة، تصرح بالمطلب المذكور بحيث أن عدم مراعاته يؤدي إلى بطلان الصلاة؛ هذه المسألة ورأي باقي الفقهاء ضمن فتوى الإمام الخميني هي كالتالي: مسألة 1000) 1. إذا لم يعرف إحدى كلمات الحمد أو السورة؛ 2. أو لم يقلها عمدًا؛ 3. أو قال حرفًا بدل حرف آخر، مثلاً قال (ظ) بدل (ض)؛ 4. أو حيث يجب أن تُقرأ بدون فتح وضم وكسر، أعطاها فتحًا وضمًا وكسرًا؛ 5. أو لم يقل التشديد، فإن صلاته باطلة. هذه المسألة وردت بنفسها في رسائل حضرات آيات: تبريزي، صافي، وفاضل. (1) (زنجاني) إذا لم يعرف إحدى كلمات الحمد أو شك فيها. (وحيد) وكان مقصرًا. (2) (سيستاني) إذا لم يقل إحدى كلمات الحمد أو السورة عمدًا أو عن جهل تقصيري. (3) (بهجت) بحيث يقال في اللغة العربية إنه لم ينطق بالحرف ولم يكن موافقًا لأي من القراءات السبع. (4) (سيستاني) مثلاً يقول (ذ) أو (ز) بدل (ض) أو لا يراعي فتح وضم وكسر الحروف بحيث يُعتبر خطأ. (5) (بهجت) بناءً على الاحتياط (توضيح المسائل للمراجع، مسألة 1000، محمد حسن بني هاشمي خميني، 1385). في “أجوبة الاستفتاءات” للمقام المعظم للقيادة، ورد أيضًا: س 467: هل أداء الألفاظ العربية بشكل كامل واجب في الصلاة؟ إذا لم تُنطق الكلمات بشكل عربي صحيح وكامل، هل تُحكم الصلاة بالصحة؟ ج: واجب أن تُقرأ جميع الأذكار الواجبة في الصلاة مثل قراءة الحمد والسورة وغيرها بشكل صحيح، وإذا لم يعرف المصلي كيفية النطق الصحيح للكلمات العربية، يجب عليه أن يتعلم، وإذا لم يكن قادرًا على التعلم، فهو معذور (أجوبة الاستفتاءات، 1393: 146، سؤال 467). ذكر هذه النقطة ليس خاليًا من اللطف، فالموارد الفقهية لضرورة التجويد، خاصة في الصلاة، من مراعاة المخارج الصحيحة للحروف العربية في القراءة أو المد اللازم في بعض الكلمات، هي مرحلة دنيا وشرط لصحة العمل؛ وهذا المطلب في بعض قواعد تجميل القراءة مثل الصفات المحسنة لم يُطرح بشكل وجوبي وليس شرطًا للصحة، على الرغم من أن مراعاة هذه التعليمات التجويدية أيضًا في تبيين معنى الترتيل، أي تطبيق الهدف النهائي وهو التدبر والتعمق في الآيات، لها تأثيرها الخاص.
5. مقدمة التدبر
بناءً على الآية 29 من سورة ص، يعتبر الله تعالى غاية وهدف نزول القرآن الكريم هو التفكر والتدبر في آياته: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص/ 29). أهمية التدبر تصل إلى درجة أن قراءة القرآن بدونه ليس لها قيمة كبيرة؛ في حديث عن أمير المؤمنين علي (ع)، حول المكانة الرفيعة للتدبر كإحدى صفات العلماء المهمة، نُقل: «أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ…» (الكليني، الكافي، 1407: 1/ 36)؛ «القراءة التي لا تدبر فيها لا خير فيها…». يطلب الإمام الصادق (ع) في دعاء قبل التلاوة من الله التدبر، وهذا المطلب كافٍ في قيمة مسألة التدبر: «وَ لَا تَجْعَلْ قِرَاءَتِي قِرَاءَةً لَا تَدَبُّرَ فِيهَا بَلِ اجْعَلْنِي أَتَدَبَّرُ آيَاتِهِ وَأَحْكَامَهُ آخِذًا بِشَرَائِعِ دِينِكَ…» (المفيد، الاختصاص، 1413: 141)؛ «يا الله، لا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها، بل وفقني لتدبر آياته وأحكامه، آخذًا بشرائع دينك…». بالنظر إلى هذه المطالب والمعنى المذكور في آية ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ في قسم الضرورات القرآنية، فإن مفتاح الدخول إلى التدبر والقراءة المرتلة هو تعلم أحكام التلاوة والطريقة اللائقة لقراءة الآيات، لأن القراءة الهادئة والمتمهلة للآيات هي التي ستتبعها التعمق والتفكير في العواقب الذي هو المعنى الأصلي للتدبر (علامي، آداب تلاوت قرآن، 1393: 104 و 105). يشير حديث الإمام الصادق (ع) عن قول أمير المؤمنين (ع) إلى هذا الموضوع نفسه: «… عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بَيِّنْهُ تِبْيَانًا وَ لَا تَهُذَّهُ هَذَّ الشِّعْرِ وَ لَا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمْلِ وَ لَكِنْ أَفْزِعُوا قُلُوبَكُمُ الْقَاسِيَةَ وَ لَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ» (الكليني، الكافي، 1407: 2/ 614). قال عبد الله بن سليمان: سألت الإمام الصادق (ع) عن قول الله عز وجل (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾) فقال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أي بيّنه تبيانًا ولا تهذّه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرمل (عند القراءة)، ولكن أفزعوا به قلوبكم القاسية، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة (أي اجعلوا همكم في تدبر وتأمل الآيات وتطبيقها والعمل بها، لا في إنهاء السورة).
6. الضرورات الدولية (ترويج الثقافة القرآنية، محاربة الاستكبار،…)
اليوم، بالنظر إلى الدعاية الواسعة المعادية للشيعة من قبل المستكبرين العالميين وأتباعهم الإقليميين، وخاصة فرقة الوهابية الضالة، ضد الشيعة، متهمين إياهم بعدم الاهتمام الكافي بالقرآن الكريم وعدم قدرة الشيعة على القراءة المطلوبة، تبرز ضرورة تعلم التجويد والقراءة المرتلة، خاصة للمبلغين ومروجي العلوم الإسلامية، أكثر من أي وقت مضى. بالطبع، مع الحساسيات التي نشأت في السنوات الأخيرة وكذلك الثمار والبركات الكثيرة لمجالسة ومؤانسة القرآن وكذلك تبليغ وتبيين مفاهيمه، سيكون للمبلغين ذوي الصوت الحسن والملمين بأسس تجميل قراءة القرآن تأثير أكبر على المجتمع ومخاطبيهم. وقد أكد قائد الثورة في لقاءات مختلفة مع أهل القرآن وغيرهم، دائمًا على تعلم القرآن على أساس التجويد كأحد الزخارف المهمة للقرآن، قائلاً: «أود أن أقول هذا هنا وأذكّر بأنه إذا كنا نعتقد – ونحن نعتقد – أن العمل بالقرآن هو أساس ومحور إحياء القرآن وأن المسألة لا تنتهي بالتلاوة والقراءة – ونحن نؤمن بذلك؛ نعتقد أنه يجب علينا العمل بالقرآن، يجب أن نجعل مجتمعنا قرآنيًا، يجب أن نجعل فكرنا قرآنيًا، يجب أن نجعل عملنا قرآنيًا، يجب أن نؤمن بالقرآن؛ نؤمن بالقرآن ونعتبر وعد القرآن وعد صدق وحق، كما يقول القرآن نفسه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ كما يجب أن يكون تعاملنا مع أنفسنا، مع أفراد عائلتنا، مع أفراد بيئة عملنا، مع أفراد مجتمعنا، مع مسلمي الدول الأخرى، مع القوى، مع الشعوب، كل هذا يجب أن يُنظم بروح ونفس القرآن؛ كل هذا صحيح ونحن نؤمن به؛ إحياء القرآن، العمل بالقرآن، وتكريم القرآن هو هذا؛ – هذا صحيح – لكن هذا لا يعني أننا نقلل من شأن تلاوة القرآن. أريد أن أؤكد لكم يا «أهل القرآن» – أنتم أهل التلاوة، أهل التجويد، وأهل اللحن، والنغم، والصوت، وقراءة القرآن – أحيانًا يُسمع أن البعض يقول: يا سيدي، يجب العمل بالقرآن؛ حسنًا، هذا كلام صحيح؛ لكن قصدهم هو التقليل من شأن تلاوة القرآن وزخارفه القرآنية، وأنا أعارض هذا. تلاوة القرآن هي جزء من مجموعة ومنظومة تتصل بها كل هذه الأمور؛ يجب أيضًا أن تحظى بالاهتمام وتُكرم. يجب عليكم أن تتلوا وأن تفهموا معاني القرآن؛ إذا فهمتم معنى القرآن، يمكنكم أن تتلوا بشكل أفضل» (كلمات في لقاء قراء مشاركين في المسابقة الدولية الثالثة والعشرين للقرآن، 1385/07/04) (موقع Khamenei.Ir). وفي بيان آخر، يقدم سماحته تلاوة القرآن كمقدمة وسبيل للتحرر من خطط ومكائد العدو المتنوعة: «إخواني! هذه القراءة وتلاوة القرآن هي الخطوة الأولى، وليست الخطوة الأخيرة. أولاً، الألفة والأنس بالقرآن ضروري. ثم، مفاهيم القرآن كسطور حاسمة ومجسمة لبرنامج الحياة يجب أن تكون نصب أعيننا حتى لا يجرونا إلى هذا الطرف وذاك؛ يومًا يجرونا نحو الشيوعية، ويومًا نحو الليبرالية؛ يومًا يتحدثون عن الاشتراكية، ويومًا عن الرأسمالية. عندما نتعلم القرآن ونألفه، لا يستطيعون أن يجرونا إلى هذا الطرف وذاك؛ لأن خط القرآن الواضح يهدينا، وبعد ذلك، تطبيق هذه المفاهيم في واقع الحياة هو» (كلمات في لقاء مع مجموعة من قراء القرآن 1383/06/26) (موقع Khamenei.Ir).
النتيجة
بالنظر إلى الضرورات القرآنية مثل أن الترتيل هو نفسه التجويد، وأن عملية نزول القرآن كانت على أساس الترتيل، والأمر بتلاوة القرآن بتأنٍ وتدبر، ومراعاة حق التلاوة في القرآن، ونزول القرآن باللسان العربي، والتأسي بالنبي (ص)، وكذلك الضرورات غير القرآنية مثل سيرة المعصومين (ع) في تلاوة القرآن، والضرورة التبليغية لرفع مهجورية القرآن الكريم، والتجويد كمقدمة للخشوع في التلاوة، وضرورة تعلم التجويد الفقهية، ومقدمة للتدبر، والضرورات الدولية (ترويج الثقافة القرآنية، محاربة الاستكبار،…)؛ فإن علم التجويد في القراءة المرتلة كأحد أهم العلوم المحيطة بالقرآن المجيد والذي له تأثير مباشر في كيفية الاستفادة من هذا الكلام الإلهي، يجب أن يحظى باهتمام جاد من جميع المسلمين، وخاصة المراكز التعليمية الدينية والمؤسسات صانعة القرار في هذا المجال.
الهوامش
1. أستاذ مساعد في جامعة المصطفى العالمية (amini63@chmail.ir).
2. ماجستير في التفسير الأثري من جامعة القرآن والحديث بقم – الكاتب المسؤول (m.esmaeil1365@gmail.com).
3. تاريخ الاستلام: 15/03/1398 وتاريخ القبول: 17/04/1398.