المستخلص1
تستمد الكثير من العلوم اعتبارها وحجيتها من علوم أخرى. وعلم الأصول هو أيضًا من العلوم التي كان لعلم الكلام وقواعده أثر بليغ في اعتبارها وحجيتها. وقد استُخدمت العديد من القواعد الكلامية في مختلف المباحث الأصولية. ومنها قاعدة «أفعال الله معللة بالأغراض»، وهي في حد ذاتها قاعدة عقلية. وتؤيدها الآيتان 38 و 39 من سورة الدخان: «وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». في هذا البحث، بعد عرض آراء المتكلمين بخصوص هذه القاعدة والإشارة إلى آراء المفسرين حول الآيات، سيتم بيان مواضع تأثيرها في المباحث الأصولية بشكل مفصل، وتحديد الأثر الذي أحدثته في كل من مباحث الألفاظ، والملازمات العقلية، ومباحث الحجة، والأصول العملية، بحيث يمكن اعتبارها كفرضية مسبقة أو أحد المبادئ التصديقية لمسائل علم الأصول.
المقدمة
منذ أن قصرت يد المسلمين عن نيل الوحي، وحُرموا من الوصول إلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بسبب ظلم وجور حكام عصرهم، اضطروا إلى بذل الجهد الفكري والرجوع إلى مصادر الإسلام الأصيلة للتوصل إلى الأحكام الإلهية. وكان لابد لهذا الجهد الفكري أن يستند إلى أصول وقواعد راسخة، ليتمكن الإنسان من الاعتماد على نتائجه. وقد اشتهرت هذه الأصول والقواعد باسم أصول الفقه، وشهدت تطورًا وتكاملاً على مر القرون.
من أبرز أنواع التأثير والتأثر بين العلوم هو التأثير عن طريق المبادئ التصديقية؛ أي القضايا التي تُستعار من علم آخر ويُستدل بها على مسائل العلم موضع البحث. وفي هذا السياق، توجد بعض القواعد العقلية التي أيدتها الآيات القرآنية أيضًا. وقد بُحثت هذه القواعد العقلية ونُوقشت في علم الكلام، واعتُمدت كقواعد كلامية. وقد استعار علم الأصول هذه القواعد من علم الكلام واستخدمها في إثبات العديد من القوانين الأصولية؛ مثل قاعدة «امتناع الترجيح بلا مرجح»، و«قاعدة اللطف»، و«استحالة طلب الحاصل»، و«أفعال الله معللة بالأغراض»، والتي يتطلب بحث تأثير كل منها مجالًا مستقلاً.
يسعى هذا البحث للإجابة عن هذه الأسئلة: ما هو تأثير القاعدة الكلامية «أفعال الله معللة بالأغراض» على مباحث أصول الفقه؟ وفي حال وجود تأثير، فهل هو بالقدر الذي يجعلها تُقبل كأحد المبادئ التصديقية لعلم أصول الفقه أم لا؟ بدايةً، ولإيضاح القاعدة، سنبحثها من منظور المتكلمين والمفسرين، ثم نستعرض الموارد التي استُخدمت فيها هذه القاعدة في استدلالات الأصوليين، مع تفصيلها بحسب المباحث الأصولية، ونستنتج أنه يمكن اعتبار هذه القاعدة من المبادئ التصديقية لعلم أصول الفقه.
قبل الخوض في صلب البحث، سنعرض أولاً آراء المتكلمين والمفسرين حول تحليل مفهوم ومضمون القاعدة العقلية باختصار.
رأي المتكلمين حول صدور اللغو عن الله
تتنوع آراء المتكلمين في هذا الشأن. وفي الحقيقة، يعود هذا الاختلاف إلى مسألة كلامية أخرى، وهي: هل لأفعال الله هدف وغرض أم لا؟ بعبارة أخرى: هل أفعال الله معللة بالأغراض أم لا؟ اختلف المتكلمون حول تعليل الأفعال الإلهية بالأغراض؛ فالأشاعرة يعتقدون أنه لا يلزم أن تكون أفعال الله معللة بغرض وغاية. ويعتقد متكلمو الإمامية أن الواجب هو أن تكون الأفعال الإلهية ذات غرض وهدف. أما الماتريدية وبعض المعتزلة فيرون أنه وإن لم يكن وجود الغرض في أفعال الله واجبًا، إلا أن الله تعالى قد لحظ في أفعاله أغراضًا تفضلاً على العباد (الحلي، 1413: 304). وفيما يلي سنشير إلى أدلة كل فريق.
قبل بيان الأدلة، من الضروري أن نوضح أن بحث غرضية الأفعال الإلهية يترتب على بحث مبنائي هو الحسن والقبح. فكل الاختلافات القائمة بين المتكلمين في المسألتين السابقتين تعود في أصلها إلى اختلافهم في مسألة الحسن والقبح. فالذين لا يقولون بالحسن والقبح العقليين، لا يرون في هذا البحث أيضًا عدم وجود غرض في الأفعال الإلهية قبيحًا، ولا يعتبرون تعليلها بالأغراض لازمًا، ويرون إمكانية صدور اللغو من الباري تعالى. ومن جهة أخرى، فإن الذين يقولون بالحسن والقبح العقليين، كالمعتزلة والإمامية، يعتبرون عدم وجود غرض في الأفعال الإلهية عبثًا وقبيحًا، ويعتبرون الأفعال الإلهية معللة بالأغراض؛ ومن ثم يرون أن فعل اللغو قبيح وصدوره من الله محال. الأشاعرة هم من الفريق الأول الذين أكدوا واستدلوا على شرعية الحسن والقبح. ولا يتسع مجال هذا البحث لبيان أدلة الحسن والقبح العقليين والشرعيين ومناقشتها (السبحاني، 1384: 1/ 255 – 247؛ نفسه، 302؛ البحراني، 1406: 104؛ ابن نوبخت، 1413: 45؛ السيوري الحلي، 1405: 254). وفيما يلي، نتناول أدلة القائلين بوجوب وجود هدف للأفعال الإلهية ومنكري هدفية أفعال الله.
1. دليل الأشاعرة
يعتقد الأشاعرة أن الأفعال الإلهية ليست معللة بالأغراض، وقد استدلوا على ذلك بما يلي:
أ. إن كون الفعل ذا غرض يستلزم نقص الفاعل: توضيح ذلك أنه إذا كان فعل الله تعالى لغرض مثل دفع مفسدة أو تحصيل مصلحة، فإن الله يكون ناقصًا ذاتًا، وبتحصيل ذلك الغرض يسعى إلى إكمال نفسه؛ لأن الشيء لا يمكن أن يكون غرضًا للفاعل إلا إذا كان وجوده أفضل من عدمه بالنسبة له. بعبارة أخرى: ما كان وجوده وعدمه سيان بالنسبة للفاعل، أو كان وجوده مرجوحًا، فإنه بالضرورة لا يمكن أن يكون باعثًا أو سببًا لإقدام الفاعل على الفعل. إذن، كل ما هو غرض، يجب أن يكون وجوده للفاعل أفضل من عدمه، والكمال هو كذلك؛ وبالتالي، فإن الفاعل بوجود هذا الغرض يكون كاملاً، وبفقده يكون ناقصًا (الجرجاني، د.ت: 8/ 302 و 202؛ التفتازاني، 1409: 4/ 301؛ الفاضل المقداد، 1412: 57؛ السبحاني، 1384: 2/ 263).
الجواب: يرى الإمامية والمعتزلة أن هذا الاستدلال مغالطة. وذلك بالقول إن المستدل قد خلط بين الغرض العائد إلى الفاعل والغرض العائد إلى الفعل. إن النقص الذاتي للفاعل واستكماله بالأغراض المترتبة على الأفعال، يلزم حينما نعتبر الغرض عائدًا إلى الفاعل نفسه، لا إلى فعله. والإمامية والمعتزلة يثبتون النوع الثاني من الغرض في حق الله، لينزهوا الله تعالى عن أي فعل لغو وعبث، لا الغرض من النوع الأول الذي يستلزم النقص في الذات الإلهية (العلامة الحلي، نفسه: 306؛ السبحاني، 1383: 2/ 418؛ العبيدلي، 1381: 387).
ب. عدم وجود غرض في الأفعال الإلهية ليس قبيحًا: هذا الدليل مبني على شرعية الحسن والقبح، وبحسبه، فإن كل ما يصدر عن الله أو يأمر به، يكون حسنًا وجميلاً. وبناءً عليه، فلو أن الله قام بفعل لغو وبلا هدف، فإن هذا الفعل سيكون جميلاً (كل ما يفعله السلطان جميل). وعليه، فالفعل الصادر عن الله ليس قبيحًا؛ سواء كان له غرض وهدف أم كان لغوًا وبلا هدف (الفاضل المقداد، 1412: 58).
الجواب: هذا الدليل مبنائي ويعود إلى مسألة الحسن والقبح. وبما أن الأشاعرة يعتقدون بشرعية الحسن والقبح، فقد استدلوا على هذا النحو، ولكن بناءً على معتقد العدلية الذين يرون عقلية الحسن والقبح، فإن هذا الاستدلال لا اعتبار له؛ لأنهم في مسألة الحسن والقبح قد ردوا أدلة الأشاعرة وأقاموا الدليل على إثبات الحسن والقبح العقليين أيضًا. وبناءً عليه، فالفعل الذي لا هدف له ولا غاية يكون قبيحًا، وصدوره عن الله خلاف الحكمة (الحلي، نفسه: 4 – 303).
2. أدلة الإمامية
إن متكلمي الإمامية وكذلك المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليين والمعتقدين بحكمة الله، يرون أن الأفعال الإلهية معللة بالأغراض، وقد أقاموا أدلة، نذكر بعضها:
أ. العمل الذي لا غرض له ولا غاية، هو عبث ولغو، وفعل العبث واللغو قبيح، وصدور القبيح عن الله تعالى محال. إذن، صدور العمل بلا غرض عن الله محال، ويجب أن تكون جميع الأفعال الإلهية ذات هدف وغرض (نفسه: 4 – 302؛ الفاضل المقداد، نفسه).
ب. لو لم يكن لله تعالى في أفعاله غرض يكون داعيًا للقيام بها، لزم من ذلك الترجيح بلا مرجح، وهو أيضًا محال، وما يستلزم المحال فهو محال. إذن، محال أن تكون أفعال الله تعالى بلا غرض وغاية تكون داعية له على فعلها (البحراني، 1406: 110).
بالإضافة إلى الأدلة العقلية على إثبات هدفية الأفعال الإلهية، هناك أدلة نقلية وآيات قرآنية كثيرة يمكن الاستناد إليها. ومنها الآيات: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ» (المؤمنون: 115) و «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ» (الأنبياء: 16). من المثير للدهشة أن الأشاعرة وأهل الحديث، الذين هم من المتعبدين بظواهر الآيات والروايات، يتجاهلون الآيات التي تنفي العبث عن الفعل الإلهي (السبحاني، 1384: 1/ 269).
وقد نفى الحكماء أيضًا الغرض الزائد على الذات عن الواجب، واعتبروا الأفعال الإلهية ذات غرض، ولم يروا ذلك الغرض شيئًا سوى نفس ذات الحق (ملا صدرا، 1981: 2/ 263؛ نفسه: 7/ 84؛ السبزواري، 1372: 142).
آيات نفي صدور اللغو عن الله: تناول المفسرون، بناءً على صفة الحكمة الإلهية، آية «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (الدخان: 38 و 39)، حيث إن الله لا يفعل العبث واللغو، وأفعاله ذات غرض وهدف. وفي ذيل هذه الآية، ذكروا هذا المعنى، واعتبروا هذه الآية دليلاً على وجود المعاد وعالم الآخرة. بالإضافة إلى ذلك، توجد آيات متعددة بهذا المضمون في القرآن الكريم: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ» (المؤمنون: 115)؛ «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» (ص: 27)؛ «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات: 56) و…
اعتبر بعض المفسرين مضمون هاتين الآيتين حجة برهانية على ثبوت المعاد (الطباطبائي، 1374: 18/ 223؛ الطبرسي، 1372: 9/ 101؛ مكارم الشيرازي، 1374: 21/ 193؛ القرشي، 1377: 10/ 87؛ مغنية، 1424: 7/ 13).
وقال بعضهم أيضًا: إن خلق السماء والأرض بالحق هو للامتحان بالأمر والنهي والتمييز بين المحسن والمسيء (الطبرسي، 1372: 22/ 313).
ويرى بعض مفسري الشيعة والعامة أن هذه الآية دليل على وجود البعث والنشر والحياة الأخروية (مغنية، 1424: 7/ 13؛ القرشي، نفسه: 10/ 87؛ حقي البروسوي، د.ت: 8/ 424؛ الطبري، 1412: 25/ 77؛ الرازي، 1420: 26/ 662).
والحقيقة هي أن الأفعال الإلهية تابعة للأغراض والمقاصد. وبعبارة أخرى، فإن أعمال الله تعالى لها غرض وطاعة، وهو لا يفعل اللغو والعبث (مطهري، 1369: 41-42).
وبشكل عام، استدل المفسرون أيضًا في تفسير هذه الآيات بحكمة الله واستحالة صدور اللغو والعبث منه (مغنية، 1424: 7/ 13؛ الزمخشري، 1407: 4/ 90؛ الطباطبائي، 14/ 259).
وقد أكد علماء الأصول أيضًا على أن حفظ غرض المولى واجب (الموسوي الجزائري، نفسه: 2/ 209). وقد بحثوا مسألة «إن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض» في المباحث الأصولية.
من مجموع المباحث السابقة، يمكن استنتاج وجود أساس ومبنى عقلي لعدم صدور الفعل العبث واللغو عن الله، وهو حكمة الله. وبناءً على ذلك، فإن آيات القرآن المتعلقة بأصل الحسن والقبح العقلي، وبالتالي نفي اللغوية عن الأفعال الإلهية، لها طابع تأييدي لا تأسيسي. فإذا استشهد علماء الأصول في بعض الموارد بهذه الآية، فإنهم في الواقع يستندون إلى الأصل العقلي «الحسن والقبح العقليان ونفي اللغوية عن الأفعال الإلهية». وفي هذه الحالة، حتى لو لم تكن الآيات المذكورة موجودة، لكان الأصل العقلي المذكور منتجًا للثمرات الأصولية.
فيما يلي، نتناول المباحث الأصولية التي استخدم فيها الأصوليون هذه القاعدة العقلية – الكلامية في تبيين تلك المباحث.
أثر القاعدة العقلية في المباحث الأصولية
بناءً على التقسيم المشهور للمباحث الأصولية إلى أربعة أقسام: «مباحث الألفاظ»، و«المباحث العقلية»، و«مباحث الحجة»، و«مباحث الأصول العملية»؛ سنتناول في ما يلي كل قسم على حدة، ونبين أثر آيتي 38 و39 من سورة الدخان ومفهوم «إن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض».
1. مباحث الألفاظ
نذكر باختصار بعض الاستدلالات التي استندت إلى هذه الآية واستُخدمت في مباحث الألفاظ:
أ. أمر الآمر مع علمه بفقدان شرط المأمور به
المشهور بين علماء الإمامية هو أنه عندما يعلم الآمر أن شرط المأمور به غير موجود، لا يجوز له الأمر؛ لأنه عندما يكون شرط الوجوب والوقوع منتفيًا، والآمر يعلم بانتفاء الشروط – كما هو مفروض – فإن الأمر بمثل هذا الشيء يكون لغوًا، واللغو لا يصدر عن المولى الحكيم. بالطبع، الأشاعرة، لأنهم لا يقبلون الحكمة والعدالة بالمعنى الذي يقول به المتكلمون والمعتزلة والإمامية، يجيزون هذا الأمر. لذا، فإن النزاع مبنائي، وله جذور في علم الكلام والحكمة الإلهية (الفياض، 1410: 4/ 7؛ الخوئي، 1410: 1/ 209).
ب. المفاهيم
أولاً. أحد أدلة المثبتين لمفهوم الشرط
استدل بعض العلماء على أن الجملة الشرطية لها مفهوم (الخميني، 1418: 5/ 143)، بالقول: لو لم يكن للجملة الشرطية مفهوم، لكان ذكر الشرط بلا فائدة ولغوًا، واللغو لا يصدر عن الحكيم. وبالطبع، ذكر بعض العلماء الآخرين فوائد أخرى للشرط، ويعتقدون أنه ليس من الضروري حتمًا أن يكون لجواب الشرط مفهوم لتترتب عليه فائدة.
ثانيًا. أحد أدلة المثبتين لمفهوم الوصف
أحد مباحث قسم الألفاظ في علم الأصول هو مفهوم الوصف، حيث يُبحث فيه: هل يدل الوصف وما يتعلق به حكم الوصف على انتفاء الحكم عن غير المورد المتصف بالوصف، بحيث ينتفي الحكم بانتفاء الوصف أم لا؟ المراد بالوصف هو المشتقات التي تُحمل على الذوات؛ مثل اسم الفاعل والمفعول، والمراد بـ «ما بحكم الوصف» هو كل شيء غير هذه مما يُحمل على الذوات، مثل ذو علم وزوج.
قال بعضهم بمفهوم الوصف. ومن الأدلة التي نُقلت لإثبات هذا المدعى أن ذكر الوصف، لو لم يكن له مفهوم، لكان لغوًا، وبما أن فعل اللغو لا يصدر عن الله تعالى، فإن للوصف مفهومًا. وجه كون ذكر الوصف لغوًا في حال عدم وجود مفهوم هو أن فائدة الوصف هي حصر الحكم في الذات المتصفة به؛ فمثلاً عندما يقول: «اللبن الحار له خاصية كذا»، يعني أن هذه الخاصية توجد فقط في اللبن الحار ولا توجد في اللبن غير الحار، ولازمة حصر الحكم في المتصف بالوصف هي المفهوم؛ أي انتفاء الحكم بانتفاء ذلك الوصف. فإذا لم يكن الحكم دائرًا مدار ذلك الوصف، فإن ذكره يكون لغوًا (الحيدري، 1376: 108).
المرحوم الآخوند، الذي ينكر مفهوم الوصف كالمشهور من الأصوليين، قد رد هذا الاستدلال على هذا النحو: هذا الاستدلال يكون صحيحًا فقط عندما نعتبر أن الفائدة الوحيدة لذكر الوصف هي إفادة حصر الحكم في مورد الاتصاف به، في حين أن الأمر ليس كذلك، ولذكر الوصف فوائد أخرى أيضًا؛ مثل إرادة الاهتمام بمورد الاتصاف بالوصف؛ مثل «إياك وظلم اليتيم»، أو أن المخاطب ليس في معرض الابتلاء بالموارد غير المتصفة بالوصف؛ مثل أن يقول لشخص لا يصل إلا إلى ماء البئر: «ماء البئر طاهر مطهر» وأمثال هذه الفوائد. فإذا ثبت أن لذكر الوصف فائدة، ولو لم يكن له مفهوم، فلن يكون ذكره لغوًا بعد ذلك (الخراساني، د.ت: 244).
ثالثًا. أحد أدلة المثبتين لمفهوم الغاية
استدل القائلون بمفهوم الغاية على هذا المطلب بأنه لو لم يكن للغاية مفهوم، لكان ذكرها لغوًا، وصدور اللغو عن المولى الحكيم محال. إذن، ذكر الغاية له فائدة. وبالتالي، فإن للغاية مفهومًا (القمي، 1378: 187؛ الحيدري، نفسه: 110؛ المظفر، د.ت: 1/ 114؛ النجفي، 1365: 1/ 156-157).
ج. الصورة الثانية من الدوران بين التخصيص والنسخ
الصورة الثانية من صور العام والخاص في هذه المسألة هي: أن يكون كل من العام والخاص معلوم التاريخ، وتاريخ صدور العام متقدم على تاريخ صدور الخاص. وهذه الصورة تنقسم إلى قسمين:
1. أن يصدر الدليل الخاص قبل حلول وقت العمل بالدليل العام، وهو التخصيص الأولى.
2. أن يصدر الدليل الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام. هذه الصورة هي من أكثر الصور إشكالاً ومورد خلاف بين العلماء؛ لأنه يثور هذا السؤال: هل في هذه الصورة يجب أن يكون الدليل الخاص ناسخًا للدليل العام حتمًا وجزمًا ولا يمكن أن يكون مخصصًا، أم يجوز أن يكون مخصصًا؟ وعلى فرض الجواز، فهل الحمل على التخصيص أولى أم الحمل على النسخ؟ أقوال العلماء متفاوتة.
قال بعض العلماء، وهم أكثر المتقدمين، إنه في هذه الصورة يجب أن يكون الخاص ناسخًا للعام ولا يجوز أن يكون مخصصًا؛ لأن أولاً: المخصص له دائمًا جانب بياني بالنسبة للعام. ثانيًا: البيان (الخاص) قد يكون مصاحبًا لذي البيان، وقد يكون متقدمًا، وقد يكون متأخرًا عنه، وبحثنا في القسم الثالث، وهو هل يجوز تأخير البيان عن وقته أم لا؟
يقول أكثر علماء الشيعة والمعتزلة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه يستلزم لغوية ذلك البيان، واللغو لا يصدر عن المولى الحكيم. أما الأشاعرة فيقولون: يجوز؛ لأنهم لا يعللون أفعال الله بالأغراض (الطوسي، 1376: 1/ 153؛ القمي، 1378: 255؛ الفياض، 1410: 5/ 324).
د. تشكيل مقدمات الحكمة
من الموارد التي يُستند فيها في علم الأصول إلى حكمة الشارع، بحث مقدمات الحكمة في مبحث الإطلاق والتقييد. يُطرح هذا السؤال حول بعض الألفاظ مثل اسم الجنس: هل لها دلالة على العموم والسريان أم لا؟ وإذا كانت تدل على السريان، فكيف تكون دلالتها؟
من المسلم به أن هذه الألفاظ ليس لها دلالة وصفية على العموم والسريان، ولكن هل يمكن استخلاص الإطلاق والسريان بمساعدة مقدمات أخرى (الفياض، نفسه: 5/ 354).
موضوع الحكم الذي يصدر عن الشارع أو المشرع، في مرحلة الإثبات والدلالة (كشف مراد المتكلم والمشرع)، له ثلاثة احتمالات:
1. حيث نعلم أن مراد المشرع هو جميع أفراد الموضوع.
2. حيث نعلم أن مراد المشرع هو بعض أفراد الموضوع.
3. حيث لا نعلم ما إذا كان مراد المشرع جميع أفراد الموضوع أم بعض أفراده الذين ينطبق عليهم.
في الاحتمال الثالث، أثبت العلماء العموم والسريان بالنظر إلى مقدمات الحكمة. وهذه المقدمات هي:
1. أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، ولا يقصد الإجمال أو الإهمال من حيث العموم أو الخصوص.
2. ألا تكون هناك قرينة في المقام تدل على الاختصاص ببعض الموضوع؛ سواء كانت قرينة حالية أو مقالية أو رمزًا وتعهدًا بين المتكلم والسامع.
بناءً على هذا، قالوا: إذا كان الشارع الحكيم في مقام بيان تمام مراده ولم ينصب قرينة على الاختصاص، واستخدم لفظًا له قابلية السريان، فبناءً على هذه المقدمات وبناءً على حكمة الشارع، نقول: إن مراده هو جميع الحالات والصفات التي ينطبق عليها هذا اللفظ، ولا يختص بوضع أو حالة خاصة (الخراساني، د.ت: 2/ 211؛ وحيد البهبهاني، 1415: 361).
2. الملازمات العقلية
أ. الإجزاء
إذا امتثل المكلف المأمور به، سواء كان أمرًا اختياريًا واقعيًا أم أمرًا اضطراريًا، بأجزائه وشرائطه، فإنه يكفي ولا حاجة إلى الامتثال مرة أخرى. بعبارة أخرى: لا يلزم المكلف أن يعيد العمل ويأتي به مرة أخرى؛ لأن التكليف الذي كان عليه قد أداه على النحو المطلوب من المولى. فالأمر الذي كان للمولى قد سقط في ظل الامتثال عن عهدة المكلف، ومحال أن يبقى، لأن بقاء الأمر أو الأمر الجديد بدون حكمة ومصلحة، يكون لغوًا، واللغو لا يصدر عن الشارع الحكيم (الحسيني البهسودي، 1417: 2/ 393؛ جعفر السبحاني، د.ت: 33؛ البروجردي، 1412: 1/ 217).
ب. مقدمة الواجب
بعد فرض الوجوب العقلي للمقدمة وإتيانها، لا تبقى ثمرة وفائدة للقول بوجوبها الشرعي؛ لأن المكلف ما دام لم يأتِ بذي المقدمة، لا يمكنه ترك المقدمة، وحكم الشارع بوجوب المقدمة بصورة الأمر المولوي لغو. وقد يأمر المولى بأمر وهو لا يلتفت إلى أن إتيانه متوقف على مقدمات، وبما أنه غير ملتفت، فإنه لا يأمر بها أيضًا، والعقل فقط يدرك وجوب تلك المقدمات. إذن، الأمر المولوي لغو، واللغو لا يصدر عن الحكيم (الخميني، 1418: 3/ 318؛ الخوئي، 1410: 1/ 231؛ الفياض، نفسه: 2/ 437؛ المظفر، نفسه: 1/ 238).
ج. مسألة الضد
قال علماء الأصول: الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، ولكن هذا النهي عقلي تبعي وليس شرعيًا ومولويًا؛ لأن الأمر بشيء وفي نفس الوقت النهي عن نقيضه محال، وما دام الامتثال من الناحية العقلية مستلزمًا لترك الضد، فلا حاجة إلى نهي شرعي ومولوي. وفي هذه الحالة، لو نهى المولى لكان لغوًا، واللغو لا يصدر عن المولى الحكيم (السبحاني، د.ت: 1/ 235؛ الفياض، نفسه: 3/ 37).
د. مسألة الترتّب
في محل جريان الترتب، يوجد تضاد في متعلق حكمين، وهذا التضاد لا ينبغي أن يكون دائمًا؛ أي أن يكون بحيث لا يستطيع المكلف الجمع بينهما في مقام الوجود؛ مثل الجلوس والقيام أو البياض والسواد، وهذا جعل متعلقين بحكمين، لغو، ولا يصدر عن المولى الحكيم أبدًا (الفياض، نفسه: 167).
هـ. الوجوب الشرعي للخروج من الدار الغصبية
اعتبرت مجموعة من العلماء الخروج من الدار الغصبية في مورد اجتماع الأمر والنهي واجبًا، بينما ترى مجموعة أخرى أن الخروج من الدار الغصبية ليس واجبًا شرعيًا؛ لأن الشارع لا يمكنه بعد جعل الحرمة لأي نوع من التصرفات في الغصب، أن يجعل الوجوب للخروج، الذي هو نوع من التصرف الغاصب؛ لأنه لغو، وبما أن اللغو محال، فإنه لا يصدر عن المولى الحكيم. قيل: يمكن اعتباره واجبًا عقليًا (العراقي، 1420: 1/ 365؛ الصدر، 1406: 2/ 256؛ الفياض، نفسه: 367).
و. اقتضاء النهي للفساد
في مبحث «اقتضاء النهي للفساد»، يُبحث في قسمين: النهي عن العبادات والنهي عن المعاملات. رأي المرحوم الآخوند في النهي عن المعاملات هو أن النهي لا يدل على فساد المعاملة، ويستدل على هذا المطلب بامتناع صدور فعل اللغو عن الشارع المقدس. بل يذهب إلى أبعد من ذلك ويدعي؛ أن النهي عن المعاملة في بعض الصور يدل على صحة تلك المعاملة. وذلك بتوضيح أن ما نُقل عن أبي حنيفة والشيباني أن النهي عن الشيء يدل على صحته، ونُقل أيضًا عن فخر المحققين أنه يوافقهم في هذا القول. ولكن التحقيق هو أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، بل إذا كان النهي عن معاملة، فهناك ثلاث صور، وفي صورتين فقط يدل على صحة تلك المعاملة، وتلك الصور الثلاث هي كالتالي:
1. أن يكون النهي عن المسبَّب؛ مثلاً ينهى عن تمليك المصحف لكافر، وهذا المسبَّب ناتج عن سبب هو الإيجاب والقبول.
2. أن يكون النهي عن التسبيب؛ مثلاً ينهى عن تمليك المصحف الشريف بواسطة الإيجاب والقبول.
3. أن يكون النهي عن السبب؛ أي أنه نهى فقط عن الإيجاب والقبول.
في الصورتين الأوليين، النهي عن المعاملة يدل على صحتها، لأنه لو فرضنا المعاملة باطلة في هاتين الصورتين، فإن هذا الشخص المكلف، وهو موضوع النهي، لن يكون قادرًا على المنهي عنه، أي تمليك المصحف للكافر وتمليكه عن طريق الإيجاب والقبول، وفي هذه الحالة يكون النهي عنهما نهيًا عن غير المقدور، وهو لغو أيضًا، وبما أن فعل اللغو والعبث لا يصدر عن الشارع الحكيم، فإننا نكشف من تعلق النهي بالمعاملة على نحو التسبيب أو المسبَّب، أن المكلف قادر على كليهما، وهذا مقتضى صحة تلك المعاملة. أما في الصورة الثالثة، فلأنه لو كان السبب باطلاً أيضًا، فإن المكلف قادر على القيام به، وبالتالي فإن تعلق النهي به حتى في حالة البطلان صحيح وليس لغوًا. لذا، لا يمكن كشف صحته من كونه متعلقًا للنهي (الخراساني، نفسه: 217 و 218).
3. مباحث الحجة
أ. حجية الأمارات
من المباحث الأصولية بحث الأمارات. وحول الأمارات العقلائية مثل خبر الثقة والظواهر وقاعدة اليد، يطرح هذا السؤال: هل جعلها الشارع حجة، أم أنها معتبرة فقط عند العقلاء والشارع لم ينفِ اعتبارها العقلائي؟ حاولت مجموعة إسناد حجيتها إلى الكتاب والسنة (التوني، 1412: 160). وفي المقابل، اعتبرت مجموعة أخرى أن عدم الموقف السلبي من الشارع تجاهها كافٍ (الحسيني البهسودي، 1417: 2/ 196)، واعتبر البعض أن الموقف السلبي من الشارع تجاهها لا يتوافق مع حكمته، وقالوا: «لو منع الشارع العمل بالأمارات العقلائية لاختل النظام الاجتماعي وتوقفت عجلته عن الحركة، وكل ما له مثل هذه السمة، فإن الجعل والاعتبار الشرعي بشأنه يكون لغوًا وبلا معنى» (الخميني، 1373: 1/ 106).
ب. آية «النفر» في حجية خبر الواحد
«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (التوبة: 122).
وفقًا لرأي علماء الأصول، في صدر الآية، لم يُقبل نفر جميع الأفراد، وفي تتمة الآية طُرح وجوب نفر عدد منهم. لذا، يمكن استنباط ما يلي: إذا نفر عدد منهم وتعلموا الأحكام، فبعد عودتهم يكون قولهم حجة على الآخرين؛ وإن لم يكن نقلهم مفيدًا لليقين ولم يصل إلى حد التواتر؛ وذلك لأن الآية الشريفة قالت: «لينذروا قومهم»، وهذا مطلق وغير مقيد بكون «لينذروا» مفيدًا لليقين، بل يشمل الإنذار الظني أيضًا، وتبعًا لذلك أوردت قبول الإنذار مطلقًا أيضًا، أي لم تقصد أن يكون قبول الإنذار واجبًا إذا كان في حد التواتر. فيتضح أن نقل الطائفة حجة بالنسبة لأحكام الله وإن لم يستلزم اليقين بالحكم، بل يكون خبر واحد، وإلا فإن هذا التدبير من الشارع يكون لغوًا، وصدور اللغو من المولى الحكيم محال (المظفر، نفسه: 3/ 156).
ج. آية «الكتمان»
«إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» (البقرة: 159).
الاستدلال بهذه الآية على حجية خبر الواحد يكون على النحو التالي: أن الله في الآية الشريفة حرم كتمان الحق، بقرينة «يلعنهم الله و…» التي فيها اللعن، واللعن ظاهر في الحكمة؛ خاصة لعن الله ولعن جميع اللاعنين الذي جاء بـ«الألف واللام» وأفاد العموم، وعندما يكون كتمان الحق حرامًا، فبالملازمة بالمعنى الأخص، يكون إظهار الحق واجبًا، وعندما يكون الإظهار واجبًا على العلماء، فبالملازمة العقلية يكون القبول واجبًا أيضًا على غير العالم؛ لأنه لو كان الكتمان حرامًا والإظهار واجبًا ولكن قبول الحق ليس واجبًا، للزم من ذلك أن «جعل التحريم للكتمان وجعل الوجوب للإظهار» يكون لغوًا وعبثًا؛ لأنه لا تترتب عليه فائدة، والله الحكيم لا يفعل العبث واللغو والباطل (ما كنا لاعبين). ومن هذه البيانات نستنتج أن إظهار وإخبار الحق للجهال حجة ولازم القبول، وهذا معنى حجية قول المخبر وخبر الواحد (القمي، 1378: 431؛ الخميني، 1418: 6/ 287؛ الصدر، 1406: 1/ 255).
د. الخطابات الشفاهية للمعدومين
بحث مهم آخر في علم الأصول هو: هل الخطابات الشفاهية تشمل الغائبين والمعدومين حين الخطاب أم لا؟ أي أن الخطاب الذي يتضمن تكليفًا، هل هو صحيح بالنسبة للمعدومين أم لا؟
هنا يمكن تصور ثلاثة أقسام:
أولاً: أن يكون هناك بعث وزجر فعلي للمعدومين.
ثانيًا: أن يكون هناك خطاب وتكليف للحاضرين والغائبين والمعدومين معًا.
ثالثًا: أن يكون الخطاب من حيث اللفظ شاملاً للمعدومين.
الفرض الأول لغو ومحال، والمولى الحكيم لا يضع خطابًا وتكليفًا فعليًا للمعدومين أبدًا (الخميني، نفسه: 2/ 241؛ جعفر السبحاني، نفسه: 2/ 46). في كيفية تعلق الأحكام والتكاليف بالمعدومين، توجد بحوث مختلفة، حيث أثبتت مجموعة من خلال اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، التكاليف لهم أيضًا. أما في الصورتين الثانية والثالثة، فيعتقد المشهور أنه بالإضافة إلى الإمكان، قد تحقق أيضًا (الصدر، نفسه: 2/ 14؛ السبحاني، نفسه: 1/ 243).
هـ. حجية الظواهر
استدلت مجموعة من العلماء على حجية ظواهر الكلام بهذا المطلب: أن جميع أهل اللغة والأفراد يحكمون بظواهر كلامهم، والشارع كذلك، وفي أحكامه يعتمد على هذه الظواهر، وإذا لم يعمل عباده بظواهر كلماته، فإن الله سيؤاخذهم ويحتج عليهم بهذه الظواهر، وإذا عملوا بها فسيكونون معذورين أمام المولى. بناءً على ذلك، لو أراد المولى كلامًا خلاف الظاهر، لوجب عليه بيانه، أو لو لم يقبل هذه الطريقة، لوجب عليه بيان طريقة جديدة، والآن حيث لم يبين طريقة جديدة لفهم الكلام، فإننا نستند إلى نفس طريقة أهل اللسان الذين يعتبرون الظواهر حجة؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك، للزم اللغو، في حين أن صدور اللغو عن الحكيم محال (الحسيني البهسودي، نفسه: 2/ 181).
و. تعارض الأدلة
في مسألة تعارض الأدلة، يطرح هذا السؤال: «أين يقع التعارض بين الدلالات وبين الأسناد؟» المرحوم الآخوند الخراساني، بطرح نوع من الترتيب بين هذين النوعين من التعارض، يقول: ما دام يوجد جمع عرفي بين مدلولين، لا تصل النوبة إلى التعارض بين سندين. إذن، تعارض الأسناد سيكون في موردين: أحدهما حيث يكون الدليلان المتعارضان قطعيين من حيث الصدور والدلالة؛ والآخر حيث يكون كلا الدليلين ظنيًا، ولكن لا يوجد بينهما جمع عرفي. استدلاله على مدعاه هو كالتالي: «عندما يوجد جمع عرفي بين دليلين ظنيين، فإن تعبيد المكلفين بكلا الدليلين ليس أمرًا غير معقول؛ لأن الشارع الحكيم في التعبيد يتبع هدفًا هو العمل بمضمون الدليل، وهنا هذا الهدف لا يتحقق؛ لأننا نعلم إجمالاً أن أحد هذين الدليلين لم يصدر (الصورة الأولى) وهذا غير قابل للتعيين. أو أن كلا الدليلين قد صدر ولكن ظاهرهما مجمل (الصورة الثانية)، والتعبد بدليلين مجملين ليس معقولاً؛ لأن الهدف من التعبد هو العمل بمضمون الدليل، والفرض أن المضمون مجمل وغير قابل للفهم. إذن، التعارض في هذه الصورة يقع بين أسناد الأدلة» (الخراساني، د.ت: 2/ 382). كما لوحظ، فإن الآخوند، بالنظر إلى صفة الحكمة وتنزه الشارع عن اللغو، يستنتج استنتاجًا خاصًا في مسألة أصولية.
4. الأصول العملية
أ. حديث الرفع
قال الشيخ الأنصاري ومجموعة من العلماء: يجب أن نقدّر لحديث الرفع محذوفًا؛ لأنه لا يمكن أن يكون «ما» الموصولة في «ما لا يعلمون و…» حكمًا شرعيًا؛ لأن اضطرار الإنسان إلى الحكم نفسه أو إكراهه على الحكم نفسه لا معنى له؛ لأن الحكم فعل المكلف لكي يضطر إليه أو يكره عليه، بل هو فعل الله، والله فاعل موجب وليس مضطرًا، وما يتعلق بالأمة هو متعلق الحكم أي الأفعال الخارجية؛ مثل أكل الميتة عند الاضطرار. إذن، «رفع الفعل المضطر إليه» وكذلك من وحدة السياق في «رفع ما لا يعلمون» يُراد به الفعل أيضًا؛ أي «رفع الفعل المجهول العنوان». إذن، ظاهر الحديث لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأن الفعل المجهول العنوان أو المضطر إليه أو المكره عليه و… لم يُرفع عن الأمة. والمسلمون أحيانًا يضطرون إلى أمر أو يكرهون على عمل. لذا، لو أخذنا بظاهر الحديث لكان لغوًا وكذبًا، واللغو لا يصدر عن الحكيم، إذن، يحتاج إلى تقدير. ولكن المرحوم الآخوند يدعي أن المراد من الموصول في «ما لا يعلمون و…» هو الحكم الإلزامي، وفي الشبهات الحكمية والموضوعية يمكن أن يكون حديث الرفع دليلاً على البراءة، ولا نحتاج إلى تقدير وحذف ومجاز في الإسناد و…؛ لأن نفس الإلزام قابل للوضع والرفع الشرعي (البروجردي، 1412: 2/ 260؛ الخميني، 1418: 7/ 65؛ الصدر، نفسه: 3/ 34؛ جعفر السبحاني، نفسه: 2/ 302؛ الخراساني، نفسه: 2/ 386).
ب. مورد الابتلاء في أصالة الاحتياط
يكون العلم الإجمالي منجزًا للتكليف عندما يكون كلا طرفي الشبهة أو جميع أطرافها مورد ابتلاء المكلف. لو كان بعض الأفراد، وبالأولى جميع أطراف الشبهة، خارجة عن مورد ابتلاء المكلف، فإن العلم الإجمالي لا قيمة له وليس منجزًا للتكليف، وفي هذه الموارد، يكون المنهي عنه متروكًا بنفسه ولا حاجة إلى جعل من الشارع ولا إلى نهي مولوي؛ لأن وجود مثل هذا النهي لغو ولا يصدر عن الحكيم (الخميني، نفسه: 7/ 453، 3/ 351؛ الحسيني البهسودي، نفسه: 2/ 395).
ج. الأمر المولوي بالاحتياط
العمل بالاحتياط في الشبهات التي يكون الشك في المكلف به، هو بالعقل؛ أي أن العقل مستقل في إدراك حسن الاحتياط، والشارع يمكنه فقط أن يأمر بالاحتياط أمرًا إرشاديًا؛ لأن الأمر المولوي به يستلزم اللغو، واللغو لا يصدر عن المولى الحكيم (البروجردي، نفسه: 2/ 246).
د. اعتبار القدرة في التكليف
إنشاء الداعي والأمر والبعث لشيء من قبل الشارع، يستلزم أن يكون متعلق الأمر مقدورًا للمكلف؛ وإلا فإنه يستلزم المحال. وجه الملازمة هو أن التكليف بما لا يطاق من الناحية العقلية قبيح ولغو، ولا يصدر عن المولى الحكيم. بالطبع، لو كان متعلق التكليف جامعًا بين ما هو مقدور وما هو غير مقدور للمكلف، فليس محالاً، ولكنه سيكون لغوًا أيضًا؛ لأن المكلف يمتثل المقدور فقط ولا فائدة لتعلق الأمر بالجامع. وفي ضمن اعتبار القدرة في التكليف، يثبت إما بحكم العقل أو بمقتضى الخطاب، وفي كلتا الحالتين لا فرق؛ لأن التكليف بغير المقدور محال ولغو (العراقي، د.ت: 2/ 28؛ الفياض، نفسه: 2/ 147).
هـ. دوران الأمر بين المتباينين
المرحوم الآخوند بعد أن يفصل في بحث الاشتغال حول دوران الأمر بين المتباينين، بين ما إذا كان التكليف المعلوم بالإجمال فعليًا من جميع الجهات، وما إذا كان التكليف فعليًا من بعض الجهات؛ في الصورة الأولى يحكم بتنجز التكليف بواسطة العلم الإجمالي، وفي الصورة الثانية لا يعتبر العلم الإجمالي منجزًا ويحكم أدلة البراءة الشرعية.
يذكر في تنبيهات البحث شروطًا لتنجيز العلم الإجمالي. أحد تلك الشروط هو أن يكون المكلف عادةً مبتلى بجميع أطراف العلم الإجمالي؛ لأنه لو كان بعض أطراف العلم الإجمالي خارجًا عن دائرة الابتلاء العادي للمكلف، فلن يكون لدينا علم بالتكليف الفعلي؛ لأن النهي عن شيء هو لأجل أن يكون دافعًا للمكلف لتركه، وهذا صحيح فقط في الموارد التي لو لم يكن هناك نهي لكان للمكلف عادةً إمكانية فعله. أما لو فرضنا موردًا لا يتعرض المكلف لفعله وفقًا لمسار الحياة العادي، فإن النهي عنه سيكون لغوًا وباطلاً، وبما أن صدور فعل اللغو عن الله تعالى محال، فلن يكون هناك نهي فعلي شرعي في مثل هذه الموارد. إذن، لو لم يكن بعض أطراف العلم الإجمالي مبتلى به، فلن يكون هناك علم بالتكليف الفعلي، والحكم هو البراءة (الخراساني، نفسه: 406).
النتيجة
كانت الأصول والقواعد العقلية الكثيرة مؤثرة في علم الأصول. وهذه القواعد العقلية قد بُحثت وأُثبتت في علوم أخرى مثل الفلسفة والكلام؛ على الرغم من أن آيات قرآنية كثيرة جاءت لتأييدها. بعبارة أخرى: استعار علم أصول الفقه قواعد من علوم مثل الفلسفة والكلام واستخدمها في استدلالاته؛ ومن هذه الأصول العقلية، قاعدة «الحسن والقبح العقليان» و«أفعال الله معللة بالأغراض» التي أيدتها آيات كثيرة من القرآن، منها الآيتان 38 و 39 من سورة الدخان: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». بالاستقراء في أبواب علم الأصول المختلفة – مثل الأوامر، والمفاهيم، والعام والخاص، والملازمات العقلية، والإجزاء، ومقدمة الواجب، والضد، والترتب، ومباحث الحجة، وتعارض الأدلة، والأصول العملية – اتضح أن الأصول العقلية المذكورة استُخدمت في كثير من مباحث علم الأصول كفرضية مسبقة، وهي من المبادئ التصديقية لمسائل ذلك العلم.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- ابن نوبخت، الياقوت في علم الكلام، تحقيق: علي أكبر ضيائي، الطبعة الأولى، قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1413هـ.
- الإيجي، السيد الشريف، شرح المواقف، قم: الشريف الرضي، 1325هـ.
- البحراني، ابن ميثم، قواعد المرام في علم الكلام، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي، 1406هـ.
- البروجردي، الشيخ، الحاشية على الكفاية الأصول، قم: انصاريان، 1412هـ.
- التفتازاني، شرح المقاصد، قم: الشريف الرضي، 1409هـ.
- التوني، الفاضل، الوافية في أصول الفقه، تحقيق: سيد محمد حسين رضوي الكشميري، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1412هـ.
- الجرجاني، علي، شرح المواقف، مصر، د.ن، د.ت.
- الحسيني البهسودي، محمد سرور، مصباح الأصول (تقرير درس آية الله الخوئي)، قم: داوري، 1417هـ.
- حقي البروسوي، إسماعيل، روح البيان، بيروت: دار الفكر، د.ت.
- الحلي، حسن بن يوسف (العلامة الحلي)، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تصحيح: الأستاذ حسن زاده آملي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1413هـ.
- الحيدري، علي نقي، أصول الاستنباط، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1376ش.
- الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، طهران: إسلامية، د.ت.
- الخميني، روح الله، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1373ش.
- الخميني، مصطفى، تحريرات في الأصول، طهران: تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1418هـ.
- الخوئي، السيد أبو القاسم، أجود التقريرات (تقرير درس المحقق النائيني)، قم: مؤسسة مطبوعاتي ديني، 1410هـ.
- المحاضرات في أصول الفقه، تقرير: محمد إسحاق الفياض، قم: دار الهادي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، 1410هـ.
- الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتب العربي، 1407هـ.
- السبحاني، جعفر، الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع)، 1383ش.
- تهذيب الأصول، (تقرير درس الإمام الخميني)، قم: دار الفكر، د.ت.
- السبزواري، هادي، شرح الأسماء الحسنى للسبزواري، تصحيح: نجفقلي حبيبي، طهران: جامعة طهران، 1372ش.
- الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، بيروت: دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، الطبعة الثانية، 1406هـ.
- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ترجمة: موسوي همداني، قم: دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة، 1374ش.
- الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: ناصر خسرو، الطبعة الثالثة، 1372ش.
- الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة، الطبعة الأولى، 1412هـ.
- الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، د.ت.
- عدة الأصول، قم: ستاره، الطبعة الأولى، 1376ش.
- العبيدلي، عميد الدين، إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت، تصحيح: علي أكبر ضيائي، طهران: ميراث مكتوب، 1381ش.
- العراقي، ضياء الدين، مقالات الأصول، تحقيق: مجتبى محمودي وسيد منذر الحكيم، قم: مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1420هـ.
- نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، د.ت.
- الفاضل المقداد، الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد، تحقيق: ضياء الدين البصري، قم: مجمع البحوث الإسلامية، 1412هـ.
- فخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1420هـ.
- الفياض، محمد إسحاق، محاضرات في أصول الفقه، (تقرير درس آية الله الخوئي)، قم: دار الهادي، الطبعة الثالثة، 1410هـ.
- القرشي، علي أكبر، تفسير أحسن الحديث، طهران: بنياد بعثت، مركز چاپ ونشر، الطبعة الثالثة، 1377ش.
- القمي، أبو القاسم (ميرزاي قمي)، قوانين الأصول، طهران: المكتبة العلمية الإسلامية، 1378هـ.
- المطهري، مرتضى، عشرون مقالة، قم: صدرا، 1369ش.
- المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، قم: دار الفكر، د.ت.
- مغنية، محمد جواد، تفسير الكاشف، قم: مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1424هـ.
- مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية والثلاثون، 1374ش.
- سلسلة القواعد الفقهية، قم: مدرسة الإمام أمير المؤمنين، الطبعة الثالثة، 1411هـ.
- الموسوي الجزائري، سيد محمد جعفر، منتهى الدراية في توضيح الكفاية، قم، 1405هـ.
- النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، تحقيق: عباس القوچاني، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1365ش.
- وحيد البهبهاني، محمد باقر، فوائد الحائرية، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1415هـ.
الهوامش
1. مصطفى مؤمني2، فاطمة رجائي3
2. أستاذ مساعد في قسم المعارف الإسلامية بجامعة نيشابور للعلوم الطبية (momenim@nums.ac.ir).
3. أستاذ مساعد في قسم الفقه والحقوق الإسلامية بكلية الإلهيات بجامعة حكيم سبزواري (الباحث المسؤول) (f.rajaei@hsu.ac.ir).