الملخص
يتمتع الحجر الأسود بقداسة خاصة لوقوعه في أحد أركان بيت الله الحرام واستحباب استلامه. وتشير جملة من الروايات في المصادر الشيعية، التي تتمحور حول وصف «الحجر الأسود» وأحكامه، إلى خصائص أدت، في نظر مفكرين كالسيد المرتضى، إلى عدم اعتبار هذه الروايات؛ لكنها في نظر مفكرين آخرين، روايات معتبرة وذات مفاهيم مقبولة. يصف قسم من روايات الحجر الأسود فلسفة الاستلام بأنها ميثاق العبودية، وقسم آخر يصوّر الاستلام على أنه تجديد للعهد بميثاق مثير للتأمل يُعرف بـ«ميثاق الذر». يسعى البحث الحاضر، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، وضمن تقييم أسانيد أنواع الروايات المتعلقة بالحجر، إلى تقديم تحليل نقدي لمحتوى هذه الروايات، متخذاً من القرآن والعقل والسنة المعتبرة معياراً لذلك. ومن بين نتائج هذا التحقيق، الكشف عن بصمات الرواة الإسرائيليين من أمثال وهب بن منبه في إثبات خصائص ما ورائية للحجر الأسود، وكذلك إظهار عدم اعتبار الروايات التي تربط الحجر الأسود بفكرة عالم الذر. ومن الآثار السلبية لهذا الصنف من الروايات، استمرار النزاعات العقيمة بين علماء الإسلام وتحريف الفلسفة الحقيقية للاستلام.
1. طرح الإشكالية
تدلّ جملة من الأحاديث الصحيحة والمعتبرة على حرمة وقداسة «الحجر الأسود». بعض هذه الروايات تُعرّف الحجر بأنه بمنزلة يد الله في خلقه لمبايعة الله، وأرضية للشهادة على الوفاء بهذا العهد، وبعضها الآخر يشير إلى استلام رسول الله (ص) وتقبيله لهذه العلامة المقدسة (راجع: الكليني، 1407هـ، 4: 406-408). في مقابل هذه الأحاديث، ظهرت روايات أخرى تصف الحجر الأسود بأنه كائن ما ورائي ذو خصائص غير مرئية كياقوت من الجنة، وله عينان وأذنان ولسان، وهي خصائص تجعل الحجر قادراً على أن يرى ويسمع ويشهد على تجديد ميثاق (استلام) الحجاج، ليشهد يوم القيامة على وفائهم بعهدهم. في هذه الروايات، يُعرّف استلام الحجر بأنه تجديد للعهد بميثاق معروف في المصادر الإسلامية بـ«ميثاق الذر» في عالم يُدعى «عالم الذر» (راجع: الصدوق، 1385هـ.ش، 2: 427؛ المصدر نفسه، 430). الأسئلة الأساسية التي تسعى هذه المقالة للإجابة عنها هي كالتالي:
1. ما مدى اعتبار الروايات التي تثبت خصائص ما ورائية لـ«الحجر الأسود»؟
2. إلى أي مدى يتوافق محتوى الروايات الرابطة بين «ميثاق الحجر» و«ميثاق الذر» مع معايير القرآن والعقل والسنة المعتبرة؟
3. ما هي الآثار المترتبة على قبول الروايات الرابطة بين «ميثاق الذر» وأحكام ومعارف الحجر الأسود؟
قبل هذا، كانت هناك دراسات متفرقة تتعلق بالمسائل المذكورة أعلاه مطروحة بين مفكري الشيعة والسنة؛ ففي المسألة الأولى يمكن الإشارة إلى الرؤية التأويلية للعلامة الطباطبائي وابن حزم (راجع: الطباطبائي، 1417هـ، 1: 291-295؛ ابن حزم، دون تاريخ، 330-331) والتي سيُعرض ملخصها في القسم التالي. أما المسألة الثانية، فقد حظيت باهتمام بعض العلماء المتقدمين كالشيخ المفيد وكذلك الباحثين المعاصرين، وتم تبرير وتأييد بعض الروايات في هذا المجال (راجع: المفيد، 1413هـ، 102-106؛ رزق، 2003م، 29). وفيما يتعلق بالمسألة الثالثة، فإن تحذيرات وانتقادات السيد المرتضى ورشيد رضا الجادة لظهور الخرافات في روايات الحجر الأسود وما يتبع ذلك من تشويه لصورة الدين، جديرة بالاهتمام (راجع: السيد المرتضى، 1405هـ، 3: 276-277؛ المصدر نفسه، 4: 28-29؛ رشيد رضا، 1990م، 1: 383-384).
على الرغم من هذه الخلفية، فإن ما يميز هذا البحث عن غيره من الدراسات هو أن البحث الحالي، بجمعه لمختلف أنواع روايات الحجر الأسود – التي يبلغ عددها في بحار الأنوار ثلاثين (30) رواية – وتقسيمها وتحليلها، قد نظم مسار البحث بطريقة تجعل النتائج المستخلصة من دراسة كل نوع من أنواع روايات الحجر مؤثرة في الحكم على الأنواع الأخرى. بناءً على هذا، قُسمت روايات الحجر الأسود إلى أربعة أقسام؛ القسم الأول الذي يثبت الخصائص الما ورائية للحجر الأسود له نقاط مشتركة أساسية مع الأنواع الأخرى من الروايات. القسمان الثاني والثالث يختصان بروايات، بالإضافة إلى بيان خصائص الحجر الأسود، تخبر كل منهما بنوع من الارتباط والعلاقة بين هذه العلامة المقدسة وموضوع «ميثاق الذر». القسم الرابع هو روايات في قالب قصة، ضمن بيانها لخصائص الحجر وارتباطه بميثاق الذر، تتضمن موضوعات أخرى من المسائل المعرفية والكلامية والتفسيرية. في هذا البحث، تم تناول هذه الأنواع من الروايات بنظرة شاملة – أو «تركيبية» بتعبير آخر – تستند إلى البحث السندي والمضموني، مع اتخاذ القرآن والعقل والسنة المعتبرة معياراً؛ وهذا التوجه يرجع إلى أن نقد المحتوى مع مراعاة أحاديث العرض على القرآن، يتقدم على نقد السند أو يوازيه، بمعنى أنه إذا كان حديث ما صحيحاً من حيث السند، ولكنه لا يستوفي شروط الصحة من حيث المحتوى، فإنه لا يستحق القبول والتصحيح؛ كما أنه إذا كان الحديث ضعيفاً من حيث السند، فإن نقد المحتوى يظل مفيداً ومؤكداً، خاصة عندما يتضمن الحديث موضوعات معرفية وتفسيرية (راجع: مهريزي، 1375هـ.ش، 91؛ بستاني، 1395هـ.ش، 143). هذه الطريقة، التي تنطلق من باب الوثوق العقلائي وتعتمد على نقل المعصوم (ع) (راجع: الكشي، 1409هـ، 224)، بالإضافة إلى رأي علماء الحديث، قد جذبت اهتمام بعض علماء الرجال والأصول أيضاً (راجع: المامقاني، دون تاريخ، 1: 58).
مع هذه الملاحظة، تم في المقالة الحالية التوصل إلى استنتاج مدعوم بالأدلة وهو أن: أولاً، يمكن تتبع بصمات رواة الإسرائيليات والغلاة لترويج فكرة عالم الذر ضمن روايات الحجر؛ ثانياً، الروايات التي تتضمن الربط بين معارف الحجر وفكرة عالم الذر غير متوافقة مع معايير القرآن والعقل والسنة المعتبرة؛ ثالثاً، الروايات الرابطة بين «ميثاق الحجر» و«ميثاق الذر» تستلزم نتائج غير منسجمة مع روح الإسلام والفكر الشيعي. [1]
2. أنواع روايات الحجر الأسود المتعلقة بـ«ميثاق الذر»
۱-۲. الروايات الواصفة لخصائص الحجر الأسود
تتضمن هذه الفئة من الروايات خصائص للحجر تشكلت على أساسها بنية الروايات الأخرى قيد البحث. من هنا، فإن الجرح والتعديل فيها مؤثر في قبول أو رد الأنواع الأخرى. ما يلي هو تقرير لأهم الروايات التي تبين خصائص الحجر في المصادر الشيعية:
نقل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله (ص) قوله: «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله تبارك وتعالى نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» (ابن الأشعث، دون تاريخ، 249).
نقل الحسن بن علي بن أبي حمزة – ضمن حديث طويل – بواسطة عن الإمام الصادق (ع) قوله: «أنزل الله الحجر الأسود وهو أشد بياضاً من اللبن وأضوأ من الشمس، وإنما اسودّ من خطايا بني آدم» (الكليني، 1407هـ، 4: 191).
في رواية عن علي بن حسان الواسطي بواسطة عبد الرحمن بن كثير، نُقل أن الإمام الصادق (ع) في إجابة على سؤال قال: «إن الحجر الأسود لما أُهبط من الجنة ووضع موضعه (الركن)، استنار نوره في جميع جوانب الحرم، فمن ثم سُمّي منار الحرم» (الصدوق، 1385هـ.ش، 2: 385).
يروي حريز بن عبد الله عن الإمام الصادق (ع) قوله: «كان الحجر الأسود أشد بياضاً من اللبن، فلو لم تمسه أيدي الجاهلية الأنجاس، ما مسه ذو عاهة إلا برئ» (المصدر نفسه، 428).
يروي عبد الكريم بن عمرو أنه لما ذُكر الحجر، قال الإمام الصادق (ع): «إن للحجر لعينين وأذنين ولساناً، وكان أشد بياضاً من اللبن» (المصدر نفسه).
يقول وهب بن منبه في جزء من خبر نقله بواسطة ابن عباس عن النبي (ص): «إن الحجر ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة، ولكن الله عز وجل غيّر حسن صورته بمعصية المذنبين وستر جوهره الأصلي عن أعين الكفار والظالمين؛ لأنه لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء أصله من الجنة؛ فمن نظر إلى وجه كائن من الجنة حقاً، وجبت له الجنة» (المصدر نفسه، 427-428).
التقييم السندي
الروايات المذكورة أعلاه هي من أقدم النقولات حول الحجر في المصادر الشيعية. الروايتان الأولى والسادسة منقولتان عن طريق «عبد الله بن عمرو بن العاص» و«وهب بن منبه»، اللذين عُرّفا في أبحاث المحققين المعاصرين بأنهما من رواة الإسرائيليات (راجع: معرفت، 1418هـ، 2: 109-110). فيما يخص عبد الله بن عمرو، يُنقل أنه بعد فتح الشام، حصل على ما يعادل حمل بعير من كتب أهل الكتاب، وكان ينقل الحديث من هذه المصادر (راجع: ابن حجر، 1379هـ، 1: 207). ولتبرير عمله هذا، كان يُجيز النقل من التوراة بالتمسك ببعض الأحاديث التي صنعها بنفسه ونسبها إلى النبي (ص) (راجع: ابن حنبل، 1419هـ، 2: 222). ويبدو أن هذه الخلفية هي التي دفعت ابن أبي حاتم إلى نقل عن أبيه أن مرفوعة عبد الله – في البحث الحالي – ضعيفة وفي حكم الموقوف (راجع: 1426هـ، 3: 318).
وفيما يتعلق بوهب بن منبه، طُرحت تقارير مشابهة. الذهبي عدّ أخباره المسندة قليلة، لكنه نسب اطلاعه وغزارة علمه (الحديثي) إلى استخدامه للإسرائيليات وكتب أهل الكتاب (راجع: الذهبي، دون تاريخ، 8: 113). بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتراف وهب نفسه في مواضع متعددة باستخدامه للتوراة والكتب السابقة (راجع: ابن قتيبة، 1960م: 30، 55؛ الصدوق، 1385هـ.ش، 1: 29، 110)، وكذلك ملاحظة محتوى منقولاته الإسرائيلية ومخالفتها للعقل – والتي سيأتي نموذج منها في موضوع الحجر الأسود – تؤيد رأي من وصفوه بأنه من مروجي الإسرائيليات.
أما عن ابن عباس، فيجدر بالذكر أنه على الرغم من اتهامه في بعض الدراسات بنقل الإسرائيليات عن كعب الأحبار (راجع: أبو رية، دون تاريخ، 137-138)، إلا أن أخباراً أخرى تُعرّفه بأنه من الذين قاموا بتوبيخ ومخالفة شديدة لنقل الحديث عن أهل الكتاب (راجع: البخاري، 1422هـ، 3: 181). النقطة الأخرى المثيرة للتأمل هي أن ابن عباس – حسب بعض التقارير – كان قد سمع أربعة أحاديث فقط من النبي (ص) وقت وفاته لصغر سنه؛ ولكن في كتب المسانيد نُسبت إليه روايات مسندة كثيرة، لدرجة أنه في مسند أحمد بن حنبل وحده سُجلت له 1696 رواية مسندة (راجع: الآمدي، دون تاريخ، 2: 124؛ أبو رية، دون تاريخ، 44). مع هذه الملاحظات، اعتبر بعض محققي أهل السنة رواياته عن الحجر من جملة الإسرائيليات المنقولة عن وهب بن منبه (راجع: أبو رية، دون تاريخ، 203) والتي نُسبت كذباً إلى ابن عباس.
في المصادر الرجالية الشيعية، يُعرّف راوي الرواية الثانية، الحسن بن علي بن أبي حمزة، بأنه ضعيف، غالٍ، ومن وجوه الوقف (راجع: النجاشي، 1365هـ.ش، 37؛ الكشي، 1409هـ، 433؛ ابن الغضائري، 1364هـ.ش، 1: 51؛ الحلي، 1411هـ، 213). كما أن الشخص المذكور في سند الرواية الثالثة باسم «علي بن حسان الواسطي» هو في الحقيقة شخص يدعى «علي بن حسان بن كثير»، وهو معروف بأنه ضعيف، كذاب، وواقفي (راجع: النجاشي، 1365هـ.ش، 251؛ الكشي، 1409هـ، 452؛ ابن الغضائري، 1364هـ.ش، 1: 77). أما الراويان الآخران، حريز بن عبد الله وعبد الكريم بن عمرو، فقد وُصفا على التوالي بالذم (راجع: النجاشي، 1365هـ.ش، 145؛ الكشي، 1409هـ، 336) وبالوقف (راجع: الكشي، 1309هـ، 555؛ الطوسي، 1381هـ، 339؛ الحلي، 1411هـ، 243). نظراً لأن هذا النوع من التوصيفات لا يسبب جرحاً للراوي (راجع: الحلي، 1411هـ، 62) وأن حجية الروايات منوطة بتوافقها مع الخطوط العامة لمعارف القرآن والسنة المعتبرة والبراهين العقلية (راجع: جوادي آملي، 1392هـ.ش، 31: 89)، يتم التأكيد على البحث المضموني للتقييم النهائي.
التحليل المضموني
يثبت تحليل هذه الفئة من الروايات خصائص متعددة للحجر مثل: «النزول من الجنة»، «امتلاك عينين ولسان»، «كونه من جنس ياقوت متلألئ»، «اسوداده بلمس الكفار»، و«قدرته على الشفاء». وقد طُرحت آراء متباينة من قبل أهل النظر حول هذه المفاهيم، منها:
إثبات العينين والأذنين للحجر (كائن جمادي) يخالف بداهة العقل (راجع: المفيد، 1413هـ، 106؛ السيد المرتضى، 1405هـ، 4: 29). وبناءً على ذلك، فإن إثبات الرؤية والسمع للحجر ممكن على سبيل المجاز، وإسناد هذه المفاهيم حقيقةً لا يجوز إلا للملك الموكل بالحجر (راجع: المفيد، 1413هـ، 106).
إن نوع روايات الحجر، بالنظر إلى تعارضها مع بعضها البعض ووجود ضعف في أسانيدها ومخالفتها لظاهر القرآن، يُعد من جملة الخرافات الإسرائيلية التي روّجها الزنادقة اليهود بين المسلمين لتشويه صورة الدين (راجع: رشيد رضا، 1990م، 1: 383-384).
نزول الحجر الأسود من السماء واسوداده بلمس المذنبين إما أنه ناشئ من خبر الواحد أو من منقولات القصاصين وأهل الخرافات؛ ومعرفة هذا النوع من المسائل لا فائدة دنيوية لها ولا منفعة أخروية (راجع: مغنية، 1424هـ، 203-204).
إن ادعاء هبوط بعض الأشياء من الجنة هو ظن غير صحيح ومفهوم كاذب وباطل (راجع: ابن حزم، دون تاريخ، 5: 330)؛ ولكن تأويل هذه الروايات ليس خالياً من وجه، بمعنى أنه يمكن القول إن علة إثبات «المبدئية من الجنة» لبعض الأمور – ومنها الحجر الأسود – تكمن في تأثيرها المعنوي وبركاتها المادية في تحقيق السعادة ودخول الجنة؛ كما ورد في بعض الروايات خبر عن كون بعض الأيام والأشياء والنباتات والحيوانات من الجنة (راجع: المصدر نفسه، 330-331؛ الطباطبائي، 1417هـ، 1: 291-292).
لا يمكن الاستناد إلى خبر الواحد لإثبات المسائل الاعتقادية – مثل إثبات خصائص الحجر -؛ ومع ذلك، إذا وُجد دليل ظني معتبر كان الظن الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من خبر الواحد، فإنه يُقدَّم على الدليل النقلي (راجع: جوادي آملي، تفسير تسنيم، 5: 56-58).
يضعنا تحليل ونقد الآراء المذكورة أمام عدة نقاط مهمة:
أولاً، حمل ظاهر الآية أو الرواية على معنى مجازي يستلزم مرجحاً وقرينة (راجع: جوادي آملي، 1392هـ.ش، 31: 95؛ حسن بكي، 1396هـ.ش، 45). فمجرد كون إسناد العينين والأذنين للحجر غير معقول ليس قرينة كافية لصرف ظاهر الرواية عنه، ولا مبرراً لإسناد الخصائص المذكورة إلى الملك الموكل بالحجر. بالإضافة إلى ذلك، يُعرّف الحجر في بعض الروايات بأنه كائن متحول من ملك خاص (راجع: الكليني، 1407هـ، 4: 186)؛ وبالتالي، فإن إثبات وجود ملك موكل بالحجر ليس له وجه معقول.
ثانياً، بافتراض إثبات أمور غير معقولة للحجر في الأقوال القليلة الأولى، ليس من المقبول أن يكون الهدف والنتيجة من ترويج هذا النوع من الروايات هو مجرد تشويه صورة الدين أو كونها عديمة الفائدة؛ بل من الممكن أن يكون طرح فكرة كونه من الجنة أو خلقه السابق في بعض الروايات مقدمة لتثبيت فكرة «ميثاق الذر» المثيرة للتأمل؛ كما صُرح بهذا المعنى في بعض الروايات (راجع: الصدوق، 1385هـ.ش، 2: 425).
ثالثاً، من الشواهد والقرائن الظنية التي يمكن من خلالها تأييد تأثير الإسرائيليات في روايات الحجر، وجود ناقلين مشهورين للإسرائيليات مثل عبد الله بن عمرو ووهب بن منبه في أسانيد هذا النوع من الروايات. هذه المسألة، وإن لم تكن دليلاً قطعياً على كون الروايات محل البحث إسرائيلية، إلا أنها إلى جانب الشواهد النصية – أي مخالفتها للقرآن والعقل، أو توافقها وتشابهها مع المصادر الإسرائيلية – تقوي احتمال نفوذ الإسرائيليات في هذا الطيف من الروايات. وهنا نشير إلى ثلاثة نماذج من الإسرائيليات التي يؤيد مدلولها مبدأ كون الحجر وغيره من الأشياء من الجنة:
أ) لا شك أن هذا الجزء من الرواية (السادسة) المنقول عن الراوي الإسرائيلي، وهب بن منبه، الذي قال: «غيّر الله صورة الحجر الجميلة والجنة بسبب معصية المذنبين… لأن من نظر إلى وجه كائن من الجنة حقاً وجبت له الجنة»، هو نموذج من الأساطير الخرافية المخالفة للقرآن والعقل التي نُسبت إلى النبي (ص). وذلك لأن، أولاً، المعيار المذكور في ذيل الخبر يخالف المعيار الذي بيّنه القرآن لدخول الجنة؛ ففي الآية 82 من سورة البقرة، حُدّد المعيار الوحيد لدخول الجنة بالعمل الجوانحي (الإيمان) والجوارحي (العمل الصالح). ثانياً، قبول صدر وذيل الرواية المذكورة يؤدي إلى تناقض؛ إذ يستلزم أن المذنبين الذين رأوا وجه الحجر المتلألئ وتسببوا باستلامهم في اسوداده، قد وجبت لهم الجنة؛ بينما من المؤكد أن مثل هذا اللازم غير مقبول.
ب) يروي وهب بن منبه في نقل آخر أورده ابن قتيبة الدينوري إلى جانب منقولات مأخوذة من التوراة المحرفة، فيقول: «شيث بن آدم (ع) هو الذي بنى الكعبة بالحجارة والطين، في مكان كانت فيه خيمة آدم (ع)، وهي خيمة أنزلها الله من الجنة لآدم (ع) على الأرض» (ابن قتيبة، 1960م، 20). النقطة المثيرة للتأمل في هذا النقل هي أن مضمون الخبر المذكور قد روي بتفصيل أكبر في المصادر الشيعية بواسطة وهب نفسه (راجع: الراوندي، 1409هـ، 70). وقد جاء في هذا الخبر أن هذه الخيمة كانت من ياقوت أحمر، وبنورها أضاءت أطراف مكة وحُددت حدود الحرم. ويُذكر أن هذه الخاصية قد نُقلت أيضاً عن راوٍ غالٍ، وهو علي بن حسان بن كثير، للحجر الأسود (انظر: الرواية الثالثة).
ج) روى أبو هريرة عن النبي (ص) قوله: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» (مسلم، دون تاريخ، 8: 149). هذه الرواية وإن كانت ظاهراً منسوبة إلى النبي الخاتم (ص)؛ إلا أن التأمل في مدلول الخبر يظهر أن النبي الذي روى عنه أبو هريرة الخبر هو في الحقيقة أستاذه كعب الأحبار؛ إذ أن كعباً روى خبر «نزول أربعة أنهار من الجنة» (راجع: ابن أبي أسامة، 1413هـ، 2: 944) ومن المؤكد أنه كان ينظر إلى التوراة المحرفة كمصدر لهذه الأسطورة (راجع: الطباطبائي نقلاً عن التوراة العربية، 1417هـ، 1: 140). وعن «أنهار الجنة» يجب أن نضيف أن هذه القصة الإسرائيلية بنفس خصائص الرواية العامة قد وجدت طريقها إلى المصادر الشيعية، ورواها أحد الكذابين الغلاة، يونس بن ظبيان (النجاشي، 1365هـ.ش، 448؛ الكشي، 1409هـ، 363) ونسبها إلى الإمام الصادق (ع) (راجع: الكليني، 1407هـ، 1: 409)؛ حتى أنه في بعض الروايات المرسلة والمجهولة، ورد خبر نزول قطرات من الجنة على نهر الفرات كل يوم وقدرتها على الشفاء قبل أن يدخلها المخطئون (راجع: ابن قولويه، 1356هـ.ش، 48). لا شك أنه بملاحظة أسانيد ونصوص الروايات المذكورة، يتأكد أن الغلاة أيضاً، اقتداءً بالرواة الإسرائيليين، كانوا من مروجي الأفكار المشبوهة بين أتباع أهل البيت (ع).
في المحصلة، يبدو أن تأويل ابن حزم والعلامة الطباطبائي في نسبة الجنة إلى الحجر الأسود والأشياء الأخرى، بتعبير «التأثير المعنوي لبعض الأمور في الوصول إلى السعادة ودخول الجنة»، لا إشكال فيه؛ لكن ملاحظة التشابهات والاشتراكات المعنوية بين الروايات التي تبين خصائص الحجر ومضامين الإسرائيليات، إلى جانب الدور المؤثر للرواة الإسرائيليين والغلاة في إثبات خصائص ما ورائية للحجر، تقوي احتمال تأثر هذا النوع من الروايات بالإسرائيليات، خاصة وأن في معظم روايات الحجر – بما في ذلك الروايات المتقدمة – يُذكر نزول الحجر من الجنة كمقدمة ومؤيد لفكرة «عالم الذر» المثيرة للتأمل.
۲-۲. الروايات الرابطة بين «دعاء الاستلام» و«ميثاق الذر»
تؤكد بعض أحاديث الحجر الأسود استحباب دعاء «اللَّهُمَّ أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ» عند الاستلام (راجع: الكليني، 1407هـ، 4: 403). وإلى جانب هذا النوع من الأحاديث الصحيحة التي تظهر أن «استلام الحجر» هو «ميثاق مع الله»، تُلاحظ روايات تُعرّف هذا الدعاء، بتأويل لفظ «ميثاق» فيه، بأنه تجديد للعهد بميثاق سابق في «عالم الذر». وفيما يلي أهم الروايات التي تشير إلى ارتباط ميثاق الحجر بميثاق الذر:
الرواية الأولى، رُوي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: سأل رجل أبي عن بدء خلق الركن (الحجر الأسود). فقال أبي: لما خلق الله تعالى الجنة، خاطب بني آدم قائلاً: «ألست بربكم؟» (الأعراف: 172) قالوا: «بلى». فجرى نهر وأمر القلم أن يكتب إقرارهم وكل ما سيقع إلى يوم القيامة. ثم أمر الحجر أن يبتلع ذلك المكتوب، وهذا الاستلام الذي تراه هو شهادة على الإقرار الذي جرى على الألسن سابقاً. ثم قال الإمام الصادق (ع): كان أبي عندما يستلم الركن يقول: «أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِيَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ» (ابن حيون، 1409هـ، 3: 279).
الرواية الثانية، يرويها معاوية بن عمار عن الإمام الصادق (ع) قائلاً: «إن الله تبارك وتعالى لما أخذ الميثاق على العباد، أمر الحجر فالتقمه؛ فلذلك يُقال [عند الاستلام]: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالوفاء» (الكافي، 1407هـ، 4: 181).
الرواية الثالثة، يرويها «القاسم بن الربيع» أن الإمام الرضا (ع) في إجابة على سؤال حول استلام الحجر قال: «إن الله تعالى لما أخذ ميثاق بني آدم، التقم الحجر ذلك الميثاق؛ فمن ثم كُلّف الناس بتجديد ذلك الميثاق، ولذلك يُقال عند الحجر: «أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ» (الصدوق، 1385هـ.ش، 2: 424).
التقييم السندي
الرواية الأولى ذُكرت في المصادر الشيعية دون سند. في سلسلة سند الرواية الثالثة، يوجد قاسم بن الربيع؛ والوصف الوحيد الذي ورد له في المصادر الرجالية هو الضعف والغلو (راجع: الحلي، 1411هـ: 248). وفيما يتعلق بالرواية الثانية، يُقال إنه على الرغم من صحة سندها؛ إلا أنه كما مرّ، فإن حجية الرواية منوطة بتوافقها مع الخطوط العامة لمعارف القرآن والسنة المعتبرة والبراهين العقلية. وفي النهاية، للحكم على صحة أو سقم الروايات، يجب النظر إلى خلاصة البحث السندي والمضموني.
التحليل المضموني
من خلال التأمل في الروايات الثلاث، يمكن استخلاص ثلاثة مفاهيم مشتركة: «أخذ ميثاق من عموم الناس»، «ابتلاع الحجر للميثاق»، و«اتخاذ الحجر شاهداً على تجديد الميثاق». وفيما يلي، دراسة موجزة لتعارض هذه المعاني الثلاثة مع القرآن والعقل والحديث المعتبر:
مخالفة ظاهر القرآن: في الرواية الأولى، أُعلن صراحةً أن أخذ الإقرار من «عموم بني آدم» في عالم الذر هو تفسير لآية ألست (الأعراف: 172)، وفي الروايتين الأخريين تم تأييد هذا المعنى ضمنياً. الجدير بالذكر أن أخذ الميثاق من عموم الناس بعد خروجهم من ظهر آدم (ع) هو موضوع يُعرف بين المفسرين بفكرة «عالم الذر». ومن الإشكالات المهمة التي أوردها أهل النظر، خاصة المحققون المعاصرون، على نظرية «عالم الذر» هي مخالفتها لظاهر آية ألست. يعتقد هؤلاء المحققون أن ما قيل في الروايات من أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأشهدهم على وحدانيته لا يتوافق مع المعنى الظاهري للآية؛ لأن مفاد الآية هو أن الله أخذ من ظهور بني آدم (وليس آدم) ذرياتهم وأنسالهم. وبناءً على ذلك، فإن مفاد هذه الآية يختلف عما هو معروف بين المفسرين بفكرة «عالم الذر». ومن جهة أخرى، فإن «روايات الذر» لا تملك القوة اللازمة للعدول عن ظاهر الآية (راجع: المفيد، 1413هـ، 113؛ السيد المرتضى، 1998م، 1: 28؛ السبحاني، 1383هـ.ش، 1: 67، 81؛ جوادي آملي، 1392هـ.ش، 31: 76-78).
مخالفة حكم العقل: نظرية عالم الذر التي صرحت بها (أو أشارت إليها) الروايات محل البحث، قد عُرضت أيضاً في بيان المحققين الشيعة المخالفين لحكم العقل. يرى هؤلاء المحققون أن كون المخاطب في الخطاب الإلهي (ألست) عاقلاً ومكلفاً – لغرض الاحتجاج الكامن في هذا الخطاب – أمر لازم. ومع هذا الوصف، فإن نسيان جميع المكلفين لواقعة الميثاق لا يتوافق مع هدف الميثاق (راجع: السيد المرتضى، 1405هـ، 4: 113-114؛ جوادي آملي، 1392هـ.ش، 31: 42-43، 80-81). علاوة على ذلك، فإن نظرية عالم الذر تشبه أو تطابق الفكرة الباطلة لأهل التناسخ (راجع: السيد المرتضى، 1405هـ، 4: 28؛ جوادي آملي، 1392هـ.ش، 31: 83-84). في الحقيقة، النظرية المذكورة هي أمر محال يستلزم وجود الإنسان مرة أخرى بشخصية مختلفة في الدنيا (راجع: الطباطبائي، 1417هـ، 8: 319).
كذلك، في متن روايات محل البحث، ضمن بيان «جريان الذر»، صُرّح بـ«ابتلاع» الميثاق من قبل الحجر. ظاهر هذا الإسناد (إسناد خاصية تتجاوز خواص الجمادات) إلى الحجر يبدو خيالياً لدرجة أن شخصية مثل الشيخ المفيد، مع إنكاره لهذا المعنى، لجأ إلى تأويله، وفي النهاية اعتبر عدم صحة هذه الروايات محتملاً (راجع: المفيد، 1413هـ، 104-106).
تعارض مع الحديث المعتبر: بناءً على الروايات الصحيحة، يُستحب للحجاج عند استلام الحجر أن يقرأوا هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ» (الكليني، 1407هـ، 4: 403). لا شك أن تعبير «اللهم» يدل على أن المخاطب في هذا الذكر هو ذات الباري تعالى، وهو الذي يُدعى في تلك اللحظة ليشهد على أداء الأمانة (الدعاء والعبادة)؛ فالخطاب إذن موجه إلى الله وهو وحده السامع (راجع: السيد المرتضى، 1405هـ، 3: 276).
أما في روايات محل البحث، فقد حُرّف دعاء الحجر المعتبر بشكل واضح (بالنقصان أو الزيادة) ليدل على أن المخاطب في الدعاء هو الحجر نفسه، وأنه هو الذي يملك القدرة على فهم ميثاق آخر، بالإضافة إلى «ميثاق الذر»، وحفظه في داخله. في الرواية الأولى، إضافة «عندك» وتحويل «لتشهد» إلى «ليشهد» في عبارة «اللهم أمانتي أديتها وميثاقي وفيت به ليشهد لي عندك بالوفاء» أمر مشهود. بهذا التركيب، تُعيَّن فاعلية الحجر للفعل «ليشهد». أما في الروايتين الثانية والثالثة، فبحذف عبارة «اللهم» – أي حذف الله من دائرة الخطاب – وبقرينة سياق الكلام، يُخصَّص خطاب «لتشهد» للحجر. يكتب السيد المرتضى في تضعيف هذه الروايات (الروايات التي تشير إلى مخاطبة الحجر): إن هذا النوع من الروايات يفتح الباب أمام الأمور غير المعقولة (فكرة عالم الذر). وحيثما يمكن حمل الكلام (الدعاء) على وجوه صحيحة (مخاطبة الله)، فإن الالتفات إلى هذا النوع من الروايات هو تكلف وخروج عن الطريق المستقيم؛ لأن الله قد أغنانا بالظواهر الصحيحة عن البواطن السقيمة (راجع: المصدر نفسه، 276-277). ما يؤيد رأي السيد المرتضى هو هذه النقطة الجديرة بالتأمل، وهي أن مخاطبة الحجر عند الاستلام لم يُؤكد عليها إلا في روايات إما غير مسندة (راجع: ابن حيون، 1409هـ، 3: 279؛ وهو، 1385هـ، 1: 293) أو أنها تعتمد على فكرة عالم الذر.
۳-۲. الروايات الرابطة بين «فلسفة الاستلام» و«ميثاق الذر»
حول فلسفة استلام الحجر، ورد حديث صحيح عن طريق محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع) عن رسول الله (ص) أنه قال: «اسْتَلِمُوا الرُّكْنَ فَإِنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ… يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالْمُوَافَاةِ» (الكليني، 1407هـ، 4: 406). يدل هذا الحديث على أن العهد الذي كُلّف جميع العباد بالوفاء به هو أداء العبادة وترك المعصية (راجع: المجلسي، 1403هـ، 96: 228؛ جوادي آملي، 1388هـ.ش، 391)، وهذا الاستلام للحجر هو علامة مقدسة على ميثاق العبودية لله، والله هو الشاهد على هذا الميثاق وسيشهد يوم القيامة على الوفاء به. في مقابل هذا المعنى، نُقلت مجموعة أخرى من الروايات تُظهر أن فلسفة الاستلام هي تجديد للعهد بـ«ميثاق الذر». بعض هذه الروايات كالتالي: [2]
يروي سهل بن زياد أنه سُئل الإمام الصادق (ع) عن علة استلام الحجر، فقال: «إن الله عز وجل لما أخذ من بني آدم الميثاق، دعا الحجر من الجنة فأمره فالتقم الميثاق، فهو يشهد لكل من وافى ذلك الميثاق» (الكليني، 1407هـ، 4: 184).
في حديث آخر، في طريقه عبد الله بن حسن، سُئل الإمام الكاظم (ع) عن علة استلام الحجر، فأجاب: «لأن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد؛ ثم دعا الحجر من الجنة فأمره فالتقم الميثاق، فمن وافى ذلك الميثاق فاستلمه شهد له بالبيعة» (الحميري، 1413هـ، 105).
الرواية الثالثة يرويها حريز بواسطة عن الإمام الصادق (ع) أن الإمام في معرض حديثه عن فلسفة وجود الحجر قال: «خلق الله عز وجل الحجر الأسود ثم أخذ ميثاق العباد، ثم قال للحجر: التقمْه، فالمؤمنون يجددون عهدهم بذلك الميثاق الأول» (الصدوق، 1385هـ.ش، 2: 425).
فيما يتعلق باستلام المجرمين والمنافقين، هناك رواية أخرى يرويها عبد الكريم بن عمرو الخثعمي بواسطة عن الإمام الصادق (ع) أن الإمام في وصف الحجر قال: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها في الميثاق (عالم الذر) ائتلف هاهنا، وما تناكر منها في الميثاق اختلف هاهنا… [هذا الحجر] كان أشد بياضاً من اللبن، ولكن استلمه المذنبون والمنافقون فصار كما ترون» (المصدر نفسه: 426).
يقول وهب بن منبه، في جزء آخر من الخبر المنقول عنه: «إن الركن يمين الله تعالى في الأرض، وإنه ليبعثنه الله يوم القيامة وله لسان وشفتان وعينان، وليبعثنه الله يوم القيامة وهو ينطق بلسان طلق ذلق، يشهد لمن استلمه بحق، استلاماً هو اليوم بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله (ص)» (المصدر نفسه: 425).
التقييم السندي
إن كون عبد الله بن حسن مجهولاً هو الإشكال الوحيد الذي يضعف الحديث الثاني. [3] أما عن كون عبد الكريم بن عمرو واقفياً وكون حريز مذموماً، فقد بُيّنت النقاط اللازمة في القسم الأول (خصائص الحجر). ولكن راوي الحديث الأول، سهل بن زياد، هو موضع خلاف بين علماء الرجال المتقدمين والمتأخرين. فبينما وصفه معظم المتقدمين بصفات مثل «ضعيف»، «غالٍ»، «كذاب»، «أحمق»، و«فاسد الرواية» (راجع: النجاشي، 1365هـ.ش، 185؛ الكشي، 1409هـ، 566؛ ابن الغضائري، 1364هـ.ش، 1: 67)؛ إلا أن بعض المتأخرين، بالنظر إلى توثيق الشيخ الطوسي (1381هـ، 387)، وكثرة روايته، وأمارات أخرى، مالوا إلى توثيقه (راجع: بحر العلوم، 1405هـ، 3: 23-24). في المقابل، المرحوم الخوئي، ضمن رده على شواهد التوثيق وتذكيره بشهادات المتقدمين على ضعف «سهل»، رجّح تضعيف الشيخ في «الاستبصار» (الطوسي، 1390هـ، 3: 261) على توثيقه في «الرجال»، وفي النهاية حكم بضعف «سهل» أو عدم ثبوت وثاقته (راجع: 1410هـ، 8: 339-340). وقد استشهد بعض المحققين أيضاً في تأييد وثاقة سهل بسلامة رواياته من الانحرافات، خاصة الغلو (بالمعنى المقصود)، (راجع: مهدوي، 1392هـ.ش، 150-154).
ربما للتشكيك في هذا الادعاء، تكفي الإشارة إلى نموذجين من روايات (عقائدية) لسهل: أولاً، الاعتقاد بعالم الأظلة ووجود ظلي للأئمة المعصومين (ع) الذي يُنسب في كتب «الفِرق» إلى الغلاة (راجع: أبي خلف، 1360هـ.ش، 43-44) وهو مشهود في رواية سهل (راجع: الكليني، 1407هـ، 1: 441)؛ ثانياً، تشابه روايته (المصدر نفسه، 4: 195) مع الخبر المنقول عن الراوي الإسرائيلي، وهب بن منبه، بخصوص «نزول خيمة ياقوتية من الجنة لآدم (ع)»، يدل على مستوى بصيرة سهل ومبرر لبعض الصفات التي نسبها إليه متقدمو علم الرجال.
التحليل المضموني
العبارات المنقولة في الأحاديث من الأول إلى الثالث تحتوي على أربع نقاط مشتركة: 1- إثبات خلق سابق (من الجنة) للحجر الأسود؛ 2- أخذ ميثاق من عموم بني آدم؛ 3- ابتلاع الحجر للميثاق؛ 4- إظهار «تجديد العهد بميثاق الذر» بأنه «فلسفة الاستلام». حول النقاط الثلاث الأولى، تم الحديث سابقاً؛ والآن، الموضوع الرئيسي في هذا القسم هو النقطة المشتركة الرابعة.
توجد أدلة متعددة للتشكيك في معنى أن «فلسفة الاستلام هي تجديد العهد بميثاق الذر»:
أولاً، هذا المعنى مبني على قبول نظرية عالم الذر التي شُرحت مخالفتها لظاهر القرآن والعقل في بيان المحققين.
ثانياً، هذا الادعاء مبني على تحقق مفهوم «أخذ الميثاق» في عالم الذر، والذي سيتضح ضعفه في القسم التالي.
ثالثاً، المفهوم المذكور في بعض الروايات، قد نشأ أساساً من «تحريف رواية صحيحة». إذ بمقارنة الرواية الصحيحة (المنقولة عن محمد بن مسلم) والرواية المنقولة عن وهب، يتضح هذا الفارق، حيث في الحديث الصحيح، حُدد ركن الحجر الأسود بأنه «علامة ميثاق مع الله في الأرض»، وذات الباري تعالى «شاهد على هذا العهد»؛ أما في خبر الراوي الإسرائيلي – بحذف «يصافح بها خلقه» – فلم يُنكر فقط كون الركن (الحجر) علامة للميثاق مع الله؛ بل بإضافة عدة عبارات، أصبح «ركن الحجر» بديلاً لله في الشهادة على أداء الاستلام، وحتى أن استلام الحجر أُظهر في حكم البيعة مع رسول الله (ص)؛ بينما مماثلة الاستلام (ميثاق مع الله) والبيعة مع رسول الله (ص) أمر غير معقول؛ لأن البيعة مع النبي (ص) تستلزم أثراً سياسياً (الطاعة)، ولتحقيق مثل هذه البيعة – بعد رسول الله (ص) – يجب الرجوع إلى خلفائه الشرعيين؛ لا الاكتفاء باستلام الحجر.
لا شك أن هذا الانحراف عن حقيقة الاستلام (ميثاق العبودية) والميل نحو ميثاق آخر – بالإضافة إلى مواضع التعارض الأخرى في هذا الخبر مع ظاهر القرآن والعقل – ليس فقط تأكيداً على كون خبر الراوي الإسرائيلي، وهب بن منبه، موضوعاً؛ بل هو دليل على وجود دوافع للجعل والتحريف في كل الروايات التي تسعى إلى تأصيل ميثاق غير ميثاق الله تحت عنوان «فلسفة الاستلام».
المبدأ المذكور أعلاه يمكن تطبيقه بسهولة على الرواية الرابعة – بالإضافة إلى الروايات من الأولى إلى الثالثة -؛ لأنه، بناءً على التحقيق، فإن الرواية الرابعة هي أيضاً نموذج محرف من حديث مشهور: «إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»، والذي يحكي عن مبدأ نفسي. والحقيقة هي أنه في الخبر الرابع أيضاً، يمكن تحديد إضافة بعض الكلمات والعبارات – منها كلمة «ميثاق» وموضوع اسوداد الحجر باستلام المذنبين – لإيجاد صلة بين عالم الأرواح والمسألة الجدلية لميثاق الذر ثم ربطهما بموضوع استلام الحجر (راجع: كريم بور ونورائي، 1394هـ.ش، 69).
بناءً على ذلك، بالنظر إلى توافق وتناغم الروايات من الأولى إلى الثالثة مع روايتين تحريفيتين سابقتي الذكر، في تعريف «ميثاق الذر» بأنه «فلسفة الاستلام»، فإن احتمال كون هذه الروايات موضوعة يزداد قوة. ويُذكر أن شراح الحديث، بناءً على قبولهم أو إنكارهم لنظرية عالم الذر – دون نقد وتحليل تفاصيل الروايات محل البحث – قد أبدوا آراءهم بخصوص هذه الفئة من الروايات. وفي هذا الصدد، اعتبر السيد المرتضى، بإنكاره لميثاق الذر، احتمال كون روايات ميثاق الذر مصنوعة قوياً، ومن ثم نفى أي ارتباط بين «ميثاق الحجر» و«ميثاق الذر» (راجع: 1405هـ، 1: 114؛ المصدر نفسه، 4: 29)؛ وفي المقابل، العلامة المجلسي، بتسليمه بنظرية عالم الذر، ضمن تأييده لروايات «علة استلام الحجر»، أعلن أن روايات هذا الباب تؤيد رأيه في رد رؤية السيد المرتضى – بخصوص ميثاق الذر – (راجع: 1403هـ، 5: 276).
۴-۲. روايات الحجر والميثاق في قالب قصة
يجب أن نعلم أن تيار ميثاق الذر قد انتقل أولاً إلى أذهان المسلمين من خلال القصص. وبناءً على التحقيق، فإن أول من طرح موضوع ميثاق الذر في صورة قصة هم بعض مروجي الإسرائيليات مثل أبي هريرة (راجع: كريم بور ونورائي، 1394هـ.ش، 55-56). وبعدهم، نقل الغلاة أيضاً «ميثاق الذر» في قالب قصة. وفيما يلي، سيتم نقد وتحليل نموذجين من هذه القصص:
۱-۴-۲. القصة الأولى: قصة آدم (ع) والحجر الأسود
من روايات ميثاق الذر الطويلة، التي تظهر فيها بعض أجزاء الروايات السابقة، هي قصة آدم (ع) والحجر الأسود. في هذا الخبر، بعد ذكر مقدمات، يُلفت انتباه المخاطب أولاً إلى سبب وضع الحجر الأسود في ذلك الركن الخاص، ويُنقل إلى زمن أخرج فيه الله ذرية بني آدم من محل الركن (الحجر) وأخذ منهم الميثاق. بعد بيان هذه النقطة، يُنقل المخاطب إلى المستقبل ويُطرح أن ذلك المكان (ركن الحجر)، هو نفس المكان الذي سيهبط فيه ذلك الطائر (جبريل) على القائم (ع)، وهو أول من يبايعه. في تتمة القصة، يُربط موضوع العهد والميثاق في عالم الذر بمعنى استلام (ميثاق) الحجر، وتُعرّف فلسفة الاستلام بأنها تجديد للعهد بميثاق أخذه الله من جميع الناس في عالم الذر. ثم يُخلق تصور بأن المخاطب بذكر الحجاج أمام الركن: «أَمَانَتِي أَدَّيْتُهَا، وَمِيثَاقِي تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لِي بِالْمُوَافَاةِ»، هو في الحقيقة الحجر نفسه، والحجر هو حقيقة ترى وتسمع وتحفظ العهود والمواثيق. في هذا الخبر، يُطرح أيضاً ادعاء بأن الحجر الأسود لا يحفظ إلا عهد وميثاق الشيعة ويصدقهم فقط، أما غير الشيعة فيتعرضون لتكذيب وإنكار الحجر. [4]
في هذه الرواية القصصية، شُرح سبب خروج الحجر الأسود من الجنة على النحو التالي: إن هذا الحجر كان في الحقيقة أحد ملائكة الله العظام؛ وعندما أخذ الله الميثاق من الملائكة، كان أول من سبق في هذا الميثاق هو ذلك الملك العظيم الذي كان يحمل محبة شديدة لمحمد (ص) وآل محمد (ع). لذا، اختاره الله أميناً على ميثاق البشر وأودع المواثيق في فمه. وطالما كان آدم (ع) في الجنة، كان هذا الملك يذكره بالميثاق والإقرار كل عام؛ ولكن عندما أخطأ آدم وأُخرج من الجنة، أنساه الله العهد والميثاق الذي كان بينه وبين أولاده بشأن محمد (ص) ووصيه علي (ع)، وتركه حائراً تائهاً.
ولكن عندما قبل الله توبة آدم (ع)، حوّل ذلك الملك إلى درة متلألئة وألقاها من الجنة نحو آدم (ع) الذي كان في أرض الهند. فلما رآها آدم (ع) اقترب منها؛ لكنه لم يعرف حقيقة تلك الجوهرة حتى أنطق الله تلك الدرة المتلألئة وقالت لآدم: «يا آدم، أتعرفني؟ قال: لا. قالت: نعم، استولى عليك الشيطان وأنسىك ذكر ربك…» (الكليني، 1407هـ، 4: 186).
التقييم السندي
في سلسلة سند هذه الرواية، يوجد محمد بن سنان، الذي اتُهم لدى علماء الرجال المتقدمين بالضعف والكذب والغلو، وحُكم بتحريم رواياته (راجع: النجاشي، 1365هـ.ش، 328؛ الطوسي، 1381هـ، 364؛ الكشي، 1409هـ، 546؛ ابن الغضائري، 1364هـ.ش، 1: 92). وفي الوقت نفسه، قال البعض بالتوقف في أمره (الحلي، 1411هـ، 251) وقالوا: على الرغم من أن محمد بن سنان قد مُدح في بعض الروايات، إلا أنه بالنظر إلى أن ابن عقدة، والنجاشي، والشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وابن الغضائري قد ضعفوه، فإن تضعيف هؤلاء العلماء يمنعنا من الاعتماد عليه (راجع: الخوئي، 1410هـ، 16: 160).
التحليل المضموني
يضعنا تحليل القصة محل البحث أمام القضايا التالية: [5]
كان وضع الحجر في الركن بسبب الميثاق الذي أخذه الله في ذلك المكان المقدس من جميع الخلق.
جبريل هو طائر يبايع الإمام القائم (عج) في محل الركن.
تقبيل واستلام الحجر هو لتجديد العهد بالميثاق الأول.
الشيعة وحدهم هم من حفظوا ذلك الميثاق الإلهي وعملوا به.
الحجر يصدق الشيعة على أدائهم للميثاق؛ ولكنه يكذب غير الشيعة.
كان الحجر من الملائكة الذين كانوا عند أخذ الميثاق من الملائكة أول مؤمن ومقر بالميثاق.
وضع الله ذلك الميثاق وديعة في فم ذلك الملك (الحجر).
كان هذا الملك في الجنة مع آدم ليذكره بالميثاق كل عام.
عندما عصى آدم، أنساه الله ذلك العهد والميثاق وتركه حائراً.
استيلاء الشيطان على آدم (ع)، هو خبر رواه ذلك الملك المختار.
في نقد القضايا المذكورة، يُقال: باستثناء القضيتين الثانية والعاشرة، فإن سائر القضايا تتحدث في تأييد موضوع «الميثاق» في عالم قبل الدنيا. وبالتالي، فإن صحة هذه القضايا تستلزم إثبات مفهوم «أخذ الميثاق» في عالم سابق (عالم الذر). ولكن تأييد مثل هذا المعنى يترتب عليه محذور مخالفة ظاهر القرآن؛ لأنه بملاحظة الآيات التي تتضمن مفهوم «أخذ الميثاق»، يتضح أن «الميثاق الإلهي» يكون في موضع يأخذ فيه الله تعالى تعهداً من عباده بالأمر والنهي وغيره من الأدوات، ويمتحنهم على أدائه (نورائي، كريم بور ويدالله بور، 1396هـ.ش، 100). بعبارة أخرى، الميثاق الإلهي في القرآن هو الالتزام بالتوحيد في مقام العمل بأوامر الله (راجع: مغنية، 1424هـ، 2: 283) وهو تجلٍ للربوبية التشريعية لله؛ ومن المؤكد أن مثل هذا المعنى يختص بعالم الدنيا، ونسبته إلى عالم سابق (عالم الذر) أو عالم لاحق (البرزخ والقيامة) حيث لا يوجد عمل تكليفي، أمر غير معقول. بهذا التفسير والتحليل، فإن مجموعة الروايات التي تُعرّف عالم الذر (عالم قبل الدنيا) بمفهوم «الميثاق» تخالف ظاهر آيات «أخذ الميثاق». ومؤيد هذا الرأي هو كلام السيد المرتضى الذي يصرح بأن الميثاق الذي شرعه الله تعالى في مناسك الحج على لسان نبيه، يختلف عن الميثاق العام المستنبط من آية ألست؛ لأن مثل هذا الميثاق أساساً غير قابل للتأييد (راجع: 1405هـ، 4: 28).
أما في نقد القضيتين الثانية والعاشرة، فيجب القول: 1- تجسيم الملك بعنوان «طائر» وإضفاء صفات إنسانية على هذا الكائن في ارتباطه بـ«الميثاق»، يحكي عن انحطاط فكري لدى الغلاة وعلامة على عدم نضجهم في تصور كائن، بامتلاكه للعقل (التجرد) المحض والطاعة الخالصة، لا يحتاج إلى موضوعات مثل الميثاق. 2- في هذه القصة، استُغلت عناصر جذابة مثل «الإمامة» و«المهدوية»، والولاء لعتبة «الرسالة» لجذب انتباه محبي أهل البيت (ع)؛ بينما لم يُتوانَ عن الإهانة والتجاسر على مقام النبوة بتعبير «استولى عليك الشيطان». [6]
بالإضافة إلى هذه الأمور، في خلاصة القضايا الثالثة والرابعة والخامسة، تتضح هذه النقطة أيضاً، وهي أن الإيمان بالصلة بين ميثاق الحجر والميثاق يستلزم قبول عقيدة غير صائبة (تخصيص الأثر الإيجابي للاستلام للشيعة فقط)، وبالتالي إيجاد شرخ مذهبي أكبر بين التشيع والتسنن.
۲-۴-۲. القصة الثانية: الحجر في نظر عمر والإمام علي (ع)
من القصص التي نُقلت في ارتباطها بعالم الذر والحجر الأسود، قصة تتحدث عن مخاطبة الخليفة الثاني للحجر ثم إجابة علي بن أبي طالب (ع) على ذلك الكلام. هذه القصة نُقلت في كتب الفريقين باختلاف طفيف.
روى العامة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما دخل الطواف استقبل الحجر، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك».
في تتمة هذا الخبر، تدخل شخصية أخرى في هذه القصة، وهو أول إمام للشيعة؛ ومن لسانه، رُوي في رد قول عمر هكذا: «إن هذا الحجر يضر وينفع». قال عمر: بم؟ قال: بكتاب الله (عز وجل). قال عمر: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قول الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» إلى قوله «بلى» (الأعراف: 172). ثم، في تتمة القصة، نقلاً عن الإمام (ع)، يُشار إلى شرح وتفسير الآية، حتى قال: إن الله تعالى لما خلق آدم (ع)، مسح على ظهره وأخرج ذريته من صلبه على هيئة ذرات. ثم أخذ منهم الإقرار وكتب تلك الإقرارات على صحيفة. في تلك اللحظة، كان لهذا الحجر عينان ولسان. فقال له: افتح فاك. فلما فعل، ألقى ذلك المكتوب في فمه وقال: «اشهد لمن وفى بعهدك يوم القيامة». في نهاية هذه الرواية القصصية، يُنقل عن الإمام (ع) أن النبي (ص) قال: «يُؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتوحيد» (البيهقي، 1423هـ، 5: 480).
روى الشيخ الطوسي أيضاً قصة مشابهة نقلاً عن أبي سعيد الخدري (راجع: الطوسي، 1414هـ، 476-477). وكذلك روى العياشي القصة المذكورة عن الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع) (راجع: 1380هـ.ش، 2: 38). ونُسبت هذه القصة نفسها، بصورة مختصرة، في علل الشرائع عن طريق «علي بن حسان» إلى الإمام الصادق (ع) (راجع: الصدوق، 1385هـ.ش، 2: 426).
التقييم السندي
يُظهر النظر في مصادر أهل السنة أن محدثي العامة قد صححوا فقط الجزء الأول من القصة (كلام الخليفة الثاني) واهتموا بشرحه وبيانه، لدرجة أنهم جعلوا كلام عمر محور دراساتهم الكلامية والحديثية. وبناءً على ذلك، فقد ضعفوا الجزء الثاني من القصة محل البحث (جواب الإمام) بشكل جدي، وشككوا في كل حديث تصوروه يتعارض مع «كلام عمر» (راجع: ابن حجر، 1379هـ، 3: 462-463؛ رشيد رضا، 1990م، 1: 384). ومع ذلك، فإن سند رواية العامة موقوف، ومثل سند رواية الشيخ الطوسي، غير متصل بالمعصوم. ورواية العياشي أيضاً مرسلة وغير قابلة للبحث. وحول اتصاف علي بن حسان (راوي خبر علل الشرائع) بالكذب والغلو، قد تم التقرير سابقاً.
التحليل المضموني
بغض النظر عن صدق أو كذب أصل القصة، فإن بعض القضايا في هذه القصة قابلة للنقد على النحو التالي:
في القصة المنقولة عن أبي سعيد، بناءً على آية ألست، أخرج الله جميع أبناء آدم على هيئة ذرات من ظهره وأخذ منهم إقراراً بربوبيته. وقد مرت مخالفة هذا التفسير للعقل وظاهر آية «ألست» في نقد روايات الفئة الثانية.
كما أشير سابقاً، قبل الشيخ المفيد إثبات العيون واللسان والشفاه للحجر على سبيل المجاز، ولكنه اعتبر الحمل الحقيقي لهذه المعاني على الحجر مخالفاً لبداهة العقل (راجع: المفيد، 1413هـ، 106). ومن الواضح أنه بعد مخالفة أصل «جريان الذر» للعقل وظاهر آية ألست، فإن تبرير أجزاء وتوابع هذه القصة يصبح بلا فائدة.
في هذه القصة، طُلب من الله شهادة الحجر في القيامة بلسان طلق وناطق، وأُعلن ذلك خبراً عن رسول الله (ص). بينما، بناءً على الروايات الموثوقة والمعتبرة، فإن الشهادة على أداء الاستلام هي فعل الله؛ لا الحجر. كما أن رأي السيد المرتضى جدير بالاهتمام، حيث إن إثبات السمع والشهادة للحجر متوقف على الحياة، وإسناد ذلك إلى الجماد غير معقول (راجع: 1405هـ، 4: 29).
إذا قيل إن إثبات الشهادة على الوفاء بالعهد للحجر هو مصداق لآية «أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ» (فصلت: 21)، فيجب القول، بناءً على رأي المفسرين، إن هذا النطق والشهادة في الآية ليس من نوع الشهادة القولية، حتى يحتاج إلى لسان وشفتين أو يختص بكائن معين (مثل الحجر)؛ بل هو من جنس الشهادة التكوينية ويجري في جميع الموجودات (راجع: صادقي طهراني، 1365هـ.ش، 26: 56-57)؛ بعبارة أوضح، الأثر الوجودي والتكويني للموجودات – بما في ذلك «أعضاء بدن الإنسان» أو «الأرض» – هو بحيث أنها بعد تسجيل أعمال الإنسان وعند النطق العام، تشرع في بيان مشاهداتها. إذن، هذه الشهادة عامة ومغايرة للشهادة الخاصة التي هي على عاتق الأنبياء والملائكة وغيرهم من الموجودات الواعية التي تتمتع بمراتب وجودية أسمى (راجع: جوادي آملي، أدب فناء المقربين، 4: 329-331).
كما مر في البحث السندي، فإن الجزء الأول من القصة الذي يختص بكلام عمر، هو موضع تأييد علماء العامة؛ أما الجزء الثاني من القصة، فنظراً لتقابله مع كلام عمر، فهو موضع تضعيف جدي منهم، ولكن بسبب انتسابه إلى أمير المؤمنين (ع)، فمن المحتمل أنه جذب انتباه الشيعة. ويبدو أن نشر مثل هذه الأخبار من قبل الغلاة اقتداءً بالرواة الإسرائيليين بهدف إلهاء الأمة الإسلامية بمباحث عقيمة – بل ومضرة – وتحريف الفلسفة الحقيقية للعبادات، أمر قابل للتقييم. لا شك أن المخرج من هذه التبعات المدمرة في مجال الفكر الديني هو تحديد وطرد الروايات الموضوعة والرجوع إلى الروايات الصحيحة – مثل: «اسْتَلِمُوا الرُّكْنَ فَإِنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ…» – التي يوجد مفهومها المشترك في مصادر الفريقين.
3. الاستنتاج
- نُقلت عدد من الروايات التي توضح مكانة الحجر الأسود وفلسفة استلامه في مصادر الشيعة بأشكال مختلفة. إن وجود أقطاب الإسرائيليات والغلاة في نقل هذه الروايات أمر لافت ومثير للتساؤل.
- تقدم دراسة وتحليل روايات الحجر الأسود طيفين مختلفين من الروايات المتعلقة بالحجر؛ طيف يمثل مجموعة محدودة من الروايات المعتبرة والموثوقة التي تستند إلى العقلانية والمعنوية، وتُعرّف استلام الحجر بأنه علامة على الطاعة والعبودية وميثاق لترك المعصية. في المقابل، يوجد طيف من الروايات المشكوكة التي بتقديمها صورة ما ورائية وذكية للحجر، تُظهر أن المقصد الحقيقي من الاستلام ليس العهد والميثاق مع الله، بل تجديد العهد بموضوع مثير للتأمل تحت عنوان «ميثاق الذر».
- في مواجهة الطيف الثاني، تصرف علماء الشيعة بشكل مختلف. فالفئة التي تعتقد بنظرية عالم الذر (مثل المجلسي)، قبلت هذا الطيف من الروايات؛ أما الذين أنكروا نظرية عالم الذر من الأساس، فبعضهم (مثل الشيخ المفيد) لجأوا إلى تأويل هذا النوع من الروايات، وبعضهم الآخر (مثل السيد المرتضى) قاموا بإنكارها.
- في الجانب الآخر من هذا البحث، لم يتصرف علماء أهل السنة بشكل موحد تجاه روايات الحجر. فمعظمهم، بمحورية «حديث عمر»، قاموا بمخالفة الروايات التي – حسب تصورهم – تتضمن مفهوماً مخالفاً لكلام عمر.
- بغض النظر عن التوجهات المذكورة، فإن العلامات – السندية والنصية – على عدم اعتبار الطيف الثاني من روايات الحجر الأسود متنوعة؛ فوجود مروجي الإسرائيليات والغلاة في أسانيد الروايات، والتحريف اللفظي للأحاديث الصحيحة، وطرح مسائل مخالفة للعقل وظاهر القرآن في متن الروايات، هي من بين عوامل تضعيف هذا الطيف من الروايات.
- هذه العلامات، بالإضافة إلى تأكيد عدم اعتبار هذا الطيف من الروايات، تدل على عدم وجود أساس لادعاء الصلة بين استلام (ميثاق) الحجر و«ميثاق الذر». وبهذه النتيجة، يُخدش أيضاً ادعاء تواتر روايات «الذر».
- خلال الأبحاث والتحليلات المقدمة حول مختلف أنواع روايات الحجر، أُشير إلى بعض الآثار السلبية لقبول هذا النوع من الروايات. ومن بين هذه الآثار: استمرار النزاعات العقيمة، بل والمضرة بين علماء الإسلام، وخلق شرخ مذهبي أكبر بين التشيع والتسنن، وتحريف الفلسفة الحقيقية للاستلام (ميثاق العبودية)، وكذلك استمرار نفوذ وحضور الخرافات في مجال أحكام ومعارف الدين.
- في قصة الميثاق مع الحجر الأسود، يوجد توجهان إفراطي وتفريطي يجب الحذر منهما. فمن جهة، يوجد كلام أمثال وهب بن منبه الذي يصور الحجر كائناً ذكياً – أو متحولاً من ملك سماوي – لدرجة أن استلامه يمكن أن يحل محل البيعة (الميثاق السياسي) مع النبي (ص)، ومن جهة أخرى، يُرى كلام بعض الصحابة الذي يُعرّف الحجر الأسود كسائر الأحجار. الحقيقة هي أن الحجر الأسود – بناءً على الرواية الصحيحة – هو علامة على الميثاق والصلة مع الله، واستلام وتقبيل رسول الله (ص) للحجر يمكن تفسيره على هذا الأساس.
المصادر
القرآن الكريم.
الآمدي، علي بن أبي علي، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت، مكتب إسلامي، دون تاريخ.
ابن أبي حاتم، عبد الرحمن، تفسير القرآن العظيم، الرياض، مكتبة نزار مصطفى، الطبعة الثالثة، 1419هـ.
ابن أبي حاتم، عبد الرحمن، كتاب العلل، الرياض، مكتبة الملك فهد، 1426هـ.
ابن الأشعث، محمد بن محمد، الجعفريات (الأشعثيات)، طهران، مكتبة النينوى الحديثة، دون تاريخ.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة، 1379هـ.ش.
ابن حزم، علي بن أحمد، المحلى بالآثار، بيروت، دار الفكر، دون تاريخ.
ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، بيروت، عالم الكتب، 1419هـ.
ابن حيون، نعمان بن محمد المغربي، شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار (ع)، قم، جامعة مدرسين، 1409هـ.
ابن حيون، نعمان بن محمد المغربي، دعائم الإسلام، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1385هـ.ش.
ابن الغضائري، أحمد بن حسين، الرجال (لابن الغضائري)، قم، دار الحديث، 1364هـ.ش.
ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، المعارف، القاهرة، دار المعارف، 1960م.
ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، النجف الأشرف، دار المرتضوية، 1356هـ.ش.
أبو رية، محمود، الأضواء على السنة المحمدية، القاهرة، دار المعارف، الطبعة السادسة، دون تاريخ.
أبي خلف، سعد بن عبد الله، المقالات والفرق، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، الطبعة الثانية، 1360هـ.ش.
بحر العلوم، سيد مهدي البروجردي، الفوائد الرجالية، طهران، مكتبة الصادق، 1405هـ.
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار طوق النجاة، 1422هـ.
بستاني، قاسم، «تقدم تجويزي نقد سند يا متن»، مطالعات فهم حديث، 1395هـ.ش، العدد 4، صص 125-149.
البيهقي، أحمد بن حسين، شعب الإيمان، الرياض، مكتبة الرشد، 1423هـ.
جوادي آملي، عبد الله، صهباي حج، قم، مركز چاپ اسراء، الطبعة العاشرة، 1388هـ.ش.
جوادي آملي، عبد الله، أدب فناء المقربين، قم، مركز چاپ اسراء، الطبعة الثالثة، 1389هـ.ش.
جوادي آملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، مركز چاپ اسراء، 1389هـ.ش.
جوادي آملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، مركز چاپ اسراء، 1392هـ.ش.
حسن بكي، علي، «واكاوي تأثير باورهاي كلامي بر فهم حديث وآسيب هاي آن»، علوم حديث، 1396هـ.ش، العدد 83، صص 42-70.
الحلي، حسن بن يوسف، رجال العلامة الحلي، قم، دار الذخائر، 1411هـ.
الحميري، عبد الله بن جعفر، قرب الإسناد، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1413هـ.
الخوئي، سيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث، قم، مركز نشر آثار الشيعة، 1410هـ.
دلبری، سيد علي، «تحريف در حديث، عوامل وپيامدها»، كتاب قيم، 1393هـ.ش، العدد 11، صص 181-201.
الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، مكان غير محدد، مؤسسة الرسالة، دون تاريخ.
رزق، خليل، «الحجر الأسود والعالم الذر»، بقية الله، 2003م، العدد 137، صص 26-29.
رشيد رضا، محمد، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م.
السبحاني، جعفر، منشور جاويد، قم، مؤسسة إمام صادق (ع)، 1383هـ.ش.
السيد المرتضى، علي بن حسين، رسائل الشريف المرتضى، دار القرآن الكريم، 1405هـ.
السيد المرتضى، علي بن حسين، أمالي المرتضى، القاهرة، دار الفكر العربي، 1998م.
صادقي طهراني، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، قم، انتشارات فرهنگ إسلامي، 1365هـ.ش.
الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، قم، كتاب فروشي داوري، 1385هـ.ش.
الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات، قم، مكتبة آية الله مرعشي نجفي، 1404هـ.
الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات جامعة مدرسين، 1417هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، رجال الشيخ الطوسي، النجف، انتشارات حيدرية، 1381هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1390هـ.ش.
الطوسي، محمد بن حسن، الأمالي (للطوسي)، قم، دار الثقافة، 1414هـ.
العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، طهران، المطبعة العلمية، 1380هـ.ش.
الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، قصص الأنبياء (ع)، مشهد، مركز پژوهش هاي إسلامي، 1409هـ.
كريم بور، سيد حسين ومحسن نورائي، «بررسي فقه الحديثي روايات أظله وأشباح»، مطالعات فهم حديث، 1394هـ.ش، العدد 3، صص 49-71.
الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي – اختيار معرفة الرجال، مشهد، دانشگاه مشهد، 1409هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.
المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في علم الرجال، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، دون تاريخ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
مسلم بن حجاج النيسابوري، صحيح مسلم، بيروت، دار الفكر، دون تاريخ.
معرفت، هادي، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، مشهد، جامعة الرضوية للعلوم الإسلامية، 1418هـ.
مغنية، محمد جواد، تفسير الكاشف، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1424هـ.
المفيد، محمد بن محمد، المسائل العكبرية، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ.
مهدوي، حسن، سهل بن زياد در آينه علم رجال، قم، مركز فقهي أئمه أطهار (ع)، 1392هـ.ش.
مهريزي، مهدي، «درآمدي بر شيوه هاي ارزيابي حديث»، فصلنامه علوم حديث، 1375هـ.ش، العدد 1، صص 69-99.
النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، مؤسسة نشر إسلامي، 1365هـ.ش.
نورائي، محسن؛ سيد حسين كريم پور ومحمد هادي يدالله پور، «نقد مقاله پيمان ألست ونقد ديدگاه هاي مفسران درباره آيه ميثاق»، پژوهش هاي قرآني، 1396هـ.ش، العدد 85، صص 84-107.
الهوامش
1. يهدف البحث الحالي إلى تقييم الحديث بتجاوز الرأي المشهور للفقهاء والأصوليين (القرائن المعتبرة أو الوثوق الصدوري) ورأي المتأخرين (وثاقة الرواة)، إلى نظرية شاملة يُلحظ فيها نقد السند والمتن معاً؛ لأنه إذا كان هدف علم الرجال هو تمييز الحديث الصحيح من السقيم، فيجب للوصول إلى هذا الهدف الاهتمام بكل الطرق المؤثرة في تحقيق هذا الغرض.
2. إثبات كون حديث ما محرفاً ممكن بأدلة مثل: مخالفته للقرآن والعقل والسنة القطعية، مخالفته لضرورة من ضروريات الدين أو المذهب، واكتشاف العبارة الصحيحة للحديث في مصادر أقدم وأكثر اعتباراً (راجع: دلبری، 1393هـ.ش، 203).
3. أصل هذه الرواية قد تم بيانه في بحث خصائص الحجر، ومواضع تعارضه وتناقضه مع القرآن والعقل.
4. نموذج من هذه الإسرائيليات هو قصة وهب حضرة آدم (ع) من عمره لحضرة داود (ع) التي تبدأ بإخراج ذرات بني آدم من ظهر آدم (ع) وكيفية خلق حواء من أحد أضلاع آدم (ع) (راجع: ابن أبي حاتم، 1419هـ، 5: 1614).
5. بعض المفسرين المعاصرين، بالنظر إلى أن ظاهر آية ألست هو خطاب للمكلفين، توصلوا إلى نتيجة أن حادثة ميثاق ألست قد وقعت في نشأة التكليف، أي الدنيا. بناءً على ذلك، فإن غير الجن والإنس الذين عليهم تكليف شرعي، ليسوا موضع أخذ ميثاق. وكذلك، الجن والإنس هم فقط في نطاق الدنيا حيث يوجد مجال للاختبار والطاعة والعصيان، موضع أخذ هذا الميثاق؛ أما حيث لا يوجد مجال للعصيان، مثل خزانة الغيب الإلهي وعالم الأرواح الذي لا يوجد فيه كثرة وتكليف، فإن مثل هذا الميثاق لا وجود له هناك (راجع: جوادي آملي، أدب فناء المقربين، 5: 404).
6. أسطورة «انكسار جناح الملك بسبب العصيان» (راجع: الكشي، 1409هـ، 583؛ الصفار، 1404هـ، 1: 67) هي مثال واضح على الفكر الغالي في «نفي العصمة وتجسيم الملك».