الملخص
أورد الكليني في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» من كتاب الإيمان والكفر في “الكافي” روايتين يمكن أن يُستفاد منهما أن الذنب مع وجود الإيمان لا يضر بسعادة الإنسان. للوهلة الأولى، يبدو هذا المفهوم متعارضاً مع مدلول الآيات القرآنية والروايات الواردة في (باب الذنوب من كتاب الإيمان والكفر في “الكافي”)، التي تجعل الفلاح منوطاً باقتران الإيمان بالعمل الصالح. تكمن المسألة الأساسية في أن القرآن والروايات يصدران عن مصدر واحد، مما يجعل وجود التعارض بينهما أمراً غير مقبول، ويستدعي البحث عن حلّ. وهناك مسألة أخرى تتمثل في البُعد الثقافي والآثار السلوكية والعملية السلبية المحتملة لهذا الفهم من الروايات. في هذا المقال، ومن خلال المنهج التحليلي-النقدي، تمّت دراسة الروايات محل البحث في البابين المذكورين من كتاب “الكافي” سنداً ومحتوى، وقد تمّ حل التعارض الأولي في نهاية المطاف. والنتيجة النهائية هي أن العنوان الذي اختاره الكليني للباب المذكور «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» قد أدى إلى فهم خاطئ لدى البعض لهذه الطائفة من الروايات، وأن النظرة الشمولية لروايات الشيعة في هذا الموضوع تكشف عن عدم وجود تعارض حقيقي بين البابين المذكورين في كتاب “الكافي”.
1. طرح المسألة
أورد الكليني في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» من كتاب الإيمان والكفر في الكافي، روايتين بمضمون «أن ارتكاب الذنب مع وجود الإيمان لا يضرّ بسعادة الإنسان»، ويمكن أن يُستنبط منهما أنه بوجود الإيمان، لا يلحق الذنب ضرراً بسعادة المرء. في النظرة الأولى، يتعارض هذا المفهوم مع مدلول الآيات القرآنية والباب الآخر من روايات كتاب الإيمان والكفر للكافي، وهو «باب الذنوب»، الذي يرى الفلاح في اقتران الإيمان بالعمل الصالح.
نموذج من روايات باب الذنوب بمضمونها هو: «عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَداً» (الكليني، د.ت، 3: 373). وقد اعتبر العلامة المجلسي هذه الرواية موثقة كالصحيحة (المجلسي، 1404هـ، 9: 412). ومضمون هذه الرواية هو أن التوبة تمحو ذنب المذنب، وأنه مع تراكم الذنوب، لا يرى الإنسان سبيل السعادة.
بما أن القرآن والروايات لهما مصدر واحد، وكلاهما يُنسب إلى النبي الأكرم (ص) عن طريق المعصومين، وفي النهاية إلى الله تعالى، فإن وجود تعارض بينهما غير مقبول، ويجب إيجاد حل له. لم يجرَ حتى الآن تحقيق مستقل حول هذا الموضوع المهم، وإنما تمت الإشارة إليه بشكل عرضي في بعض المصادر والكتب (المجلسي، 1404هـ، 10: 57؛ المازندراني، 1429هـ، 10: 226؛ المطهري، 1381ش: 1: 326).
الجانب الآخر من أهمية المسألة هو بعدها الثقافي، حيث إن قبول مقولة «مع الإيمان، لا يضر ارتكاب الذنب بسعادة الإنسان» قد يؤدي إلى شذوذ اجتماعي. ونص رواية باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» هو كما يلي:
أ- «عَنْهُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلٌ وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ عَمَلٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ- وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ» (الكليني، د.ت، 4: 206).
ب- «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُfفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي سَعْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ، قَالَ: الْإِيمَانُ لَا يَضُرُّ مَعَهُ عَمَلٌ وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ عَمَلٌ» (الكليني، د.ت، 4: 207).
كذلك، هناك مقولات مشابهة في كتب روائية أخرى، مثل: «حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ»، والتي قد تُفهم على أنها ضوء أخضر لارتكاب الذنوب، وتدفع المجتمع الشيعي نحو اللامبالاة والسلوك السيئ. من الناحية التاريخية، فإن فكرة عدم إضرار السيئة والذنب بسعادة الإنسان قد تشكلت بعد استشهاد الإمام علي (ع) ومجيء بني أمية، مع ظهور فرقة المرجئة (مشكور، 1375ش، 401)، ثم بلغت أوجها في زمن الإمامين الباقر والصادق (ع)، ومنذ ذلك الحين، بقيت مطروحة بين شريحة من المسلمين.
تسعى هذه الدراسة، بالمنهج التحليلي-النقدي، إلى دراسة روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» في الكافي سنداً ومحتوى، وحل التعارض الظاهري بينها وبين القرآن وروايات باب الذنوب في الكافي.
السؤال الرئيسي في هذا البحث هو: كيف يمكن الجمع بين مضمون آيات القرآن ومدلول الروايتين المعتبرتين في باب الذنوب بالكافي مع محتوى الروايتين الموثقتين في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» بالكافي، وما هو حل التعارض بينهما؟ هل سند بعضها ضعيف أم يجب الجمع بينها من حيث المحتوى؟
حول سابقة البحث في دراسة سند ومحتوى البابين المذكورين، يمكن القول إن المجلسي في مرآة العقول قد تناول بالبحث سند ومحتوى روايات البابين المذكورين (المجلسي، 1404هـ، 9 و 10: 412)، والمازندراني في شرح الكافي (المازندراني، 1429هـ، 10: 226) قد تطرقا إلى بحث محتوى روايات البابين المذكورين.
2. دراسة مفاهيم الإيمان والسيئة والضرر
1-2. الإيمان
الإيمان من مادة «أمن» بمعنى الطمأنينة وهو نقيض الخوف والرهبة (الراغب الأصفهاني، 1383ش، 1: 125). طُرحت آراء متنوعة في المعنى الاصطلاحي للإيمان، منها: الإيمان بمعنى المعرفة، التصديق، التلفظ بالشهادتين، أداء الواجبات واجتناب المحرمات، اسم لجميع الطاعات التي هي أداء الواجبات والمستحبات، الاعتقاد القلبي والإقرار باللسان والعمل بالأركان، وكذلك الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان (الحلي، 1388ش، 454-455).
يبدو أن المعنى الاصطلاحي للإيمان، بنظرة أدق، هو حالة قلبية ونفسية تستلزم أداء الأمور المرتبطة بها؛ وبتعبير آخر، يجب على الإنسان أن يلتزم بلوازم الإيمان ويتعهد بها (الطباطبائي، 1370ش، 18: 411؛ مصباح اليزدي، 1380ش، 200).
والدليل على صحة هذا الرأي هو أن مضمون الآية 14 من سورة النمل: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا» يفيد بأن قلوب الفراعنة كانت على يقين بوجود الله ونبوة موسى (ع)، لكنهم أنكروها ظلماً وتكبراً (مصباح اليزدي، 1383ش، 197). كما ورد في القرآن على لسان موسى (ع) عن علم ويقين فرعون بنبوته: «قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا» (الإسراء: 102). هذه الآية، بتأكيدها (لام وقد)، تبين أن فرعون كان على يقين بأن المعجزات التي تحققت على يد موسى (ع) لم تكن إلا من عند الله، ولكنه لم يؤمن وأصر على كفره (مصباح اليزدي، 1383ش، 197). وينقل الله عن لسان فرعون قوله: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي» (القصص: 38).
2-2. السيئة
السيئة من جذر «سوء»، وكلمتا «السيء» و«السيئة» تعنيان العمل القبيح (الفراهيدي، 1410هـ، 7: 327؛ ابن فارس، 1404هـ، 3: 113؛ الراغب الأصفهاني، 1383ش، 2: 248؛ ابن منظور، 1405هـ، 13: 355؛ الطريحي، 1416هـ، 2: 446؛ المصطفوي، 1402ش، 5: 292). وتأتي (السيئة) دائماً بصيغة الوصف؛ مثل خصلة سيئة، وعادة سيئة وأمثالها، وإذا جعلناها لازمة كانت بمعنى السيئ والقبيح (القرشي، 1387ش، 4: 175). بناءً على المعاني المذكورة من قبل المتخصصين في علم اللغة، فإن السيئة تعني العمل القبيح الذي يقابل العمل الحسن والجيد. وقد ذكر بعض المفسرين أن السيئة كلمة تشمل الشرك والذنوب الأخرى (مغنية، 1383ش، 1: 275؛ الموسوي السبزواري، 1418هـ، 8: 121).
3-2. استعمال لفظ «السيئة» في الروايات
ورد لفظ «السيئة» في الروايات بمعانٍ عدة:
أ- مطلق الذنب:
في رواية، نقل زرارة عن أحد الباقرين (عليهما السلام) أن الإمام قال: «… وَمَنْ هَمَّ بِهَا وَعَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ»؛ … من عزم على فعل سيئ وفعله، كُتبت عليه سيئة واحدة (الكليني، د.ت، 2: 161).
وفي رواية أخرى، جاءت السيئة بمعنى مطلق الذنب: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا يَعْمَلْهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَمِلَ الْعَبْدُ السَّيِّئَةَ فَيَرَاهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَغْفِرُ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَداً» (الكليني، د.ت، 3: 374).
ب- الذنب الكبير:
روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «فَلَا تَحْتَقِرْ سَيِّئَةً وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً»؛ لا تستصغر الذنب وإن كان صغيراً (الطباطبائي البروجردي، 1366ش، 14: 321). بملاحظة قيد «صغيرة» من جانب الإمام (ع)، يُفهم أن كلمة «سيئة» تُستعمل في الذنب الكبير، ولهذا السبب ذكر الإمام (ع) قيد «صغيرة».
ج- الكفر:
بضم رواية عن الإمام علي (ع) قال: «… الْحَسَنَةُ حُبُّنَا وَالسَّيِّئَةُ بُغْضُنَا» (البرقي، د.ت، 1: 15) ورواية عن الإمام الباقر (ع) قال: «حُبُّنَا إِيمَانٌ وَبُغْضُنَا كُفْرٌ» (الكليني، د.ت، 1: 266)، يمكن استنتاج أن أحد معاني «السيئة» في الروايات هو الكفر؛ خاصة في الرواية الأخيرة، حيث يبدو هذا الاستنتاج صحيحاً بقرينة المقابلة.
كذلك استُعمل لفظ «السيئة» بمعنى الكفر في القرآن. وقد فسر بعض المفسرين، في ذيل الآية 81 من سورة البقرة، السيئة بمعنى الكفر: «وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّئَةِ هُنَا السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ وَهِيَ الْكُفْرُ، بِدَلِيلِ الْعَطْفِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَأَحاطَتْ…)» (ابن عاشور، د.ت، 1: 581).
4-2. الضرر
الضرر نقيض النفع (الراغب، 1383ش، 2: 444؛ ابن فارس، 1404هـ، 4: 360؛ المصطفوي، 1365ش، 5: 105). الضرر اسم، بمعنى الأذى والنقص والشدة (الراغب، 1383ش، 2: 444؛ القرشي، 1387ش، 4: 175). المراد بالضرر في روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، هو الضرر الذي يسبب الدخول في النار (المجلسي، 1404هـ، 11: 396) أو يوجب الخلود فيها (المجلسي، 1404هـ، 11: 396؛ المازندراني، 1429هـ، 10: 226).
3. الدراسة السندية لأهم روايات باب الذنوب في كتاب الكافي
في هذا القسم، سنتناول بالدراسة السندية روايتين مهمتين، السابعة والثالثة عشرة من باب الذنوب، وروايتين مهمتين، الثالثة والرابعة من باب «أن الإيمان…»، بشكل موجز يقتصر على مواضع البحث والنقاش، وتجنباً للإطالة، لن نتعرض لجميع الروايات. وقد أورد محدثون غير الكليني روايات بمفهوم روايات باب الذنوب التي ذكرناها؛ في كتبهم الحديثية، مثل: من لا يحضره الفقيه، باب معرفة الكبائر… (الصدوق، 1394ش، 4: 279) وبحار الأنوار (المجلسي، 1403هـ، 68: 100).
1-3. دراسة سند الرواية السابعة
«عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام …». رغم أن العلامة المجلسي اعتبر هذه الرواية موثقة (المجلسي، 1404هـ، 9: 402)، إلا أنه يبدو أنه يجب ترجيح رأي النجاشي وابن شهر آشوب في تضعيف محمد بن خالد (النجاشي، 1432هـ، 335؛ ابن شهر آشوب، 1380ش، 106) على رأي الشيخ الطوسي (الطوسي، 1430هـ، 363) الذي اعتبره ثقة، واعتبار الرواية ضعيفة. ووجه تقديم الجرح على التعديل هو كون النجاشي أضبط وأكثر تخصصاً.
أما سائر رجال سند هذا الحديث، وهم: أحمد بن أبي عبد الله (النجاشي، 1432هـ، 76؛ الطوسي، 1435هـ، 62)، وسليمان الجعفري (النجاشي، 1432هـ، 182-183؛ الطوسي، 1435هـ، 138؛ الطوسي، 1430ش، 338)، وعبد الله بن بكير (الطوسي، 1435هـ، 173؛ الطوسي، 1430هـ، 358)، وزرارة (النجاشي، 1432هـ، 175؛ الطوسي، 1430هـ، 337؛ الحلي، 1431هـ، 152)، فجميعهم موثقون.
2-3. دراسة سند الرواية الثالثة عشرة
«عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ …».
اعتبر العلامة المجلسي هذه الرواية موثقة (المجلسي، 1404هـ، 9: 412). ورجال السند في هذه الرواية هم: محمد بن يحيى (النجاشي، 1432هـ، 353؛ الطوسي، 1430هـ، 439؛ الحلي، 1431هـ، 260؛ الحر العاملي، 1396هـ، 20: 229؛ الخوئي، 1413هـ، 19: 43)، وأحمد بن محمد (النجاشي، 1432هـ، 82؛ الطوسي، 1430هـ، 351؛ الحلي، 1431هـ، 61)، وابن فضال (النجاشي، 1432هـ، 257؛ الطوسي، 1435هـ، 156؛ الحلي، 1431هـ، 177)، وابن بكير (الطوسي، 1435هـ، 173) وأبو بصير[4] (النجاشي، 1432هـ، 346)، وجميعهم موثقون. وقد تم اختيار الروايتين السابقتين، أولاً: بسبب التحدي المضموني (التعارض الظاهري) مع الروايات المعتبرة في باب «أن الإيمان لا يضر معه سيئة» في الكافي. ثانياً: لأنهما، بناءً على حكم المجلسي، روايتان معتبرتان، فقد تم اختيارهما في مقابل الروايتين المعتبرتين في باب «أن الإيمان لا يضر معه سيئة» في الكافي.
4. الدراسة السندية لروايتين مهمتين من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» في الكافي
في كتب حديثية أخرى مثل المحاسن (البرقي، د.ت، 1: 285) وبحار الأنوار (المجلسي، 1403هـ، 68: 103)، وردت روايات بمفهوم باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»؛ ولكن بعضها يختلف من حيث النص.
1-4. دراسة سند الرواية الثالثة
«عَنْهُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) …».
على الرغم من أن المجلسي وصف هذه الرواية بـ«موثقة كالصحيحة» (المجلسي، 1404هـ، 10: 57)، إلا أنه يجب القول بأن هذه الرواية ضعيفة. وذلك لأنه على الرغم من أن النجاشي وثّق محمد بن عيسى (النجاشي، 1432هـ، 338)، إلا أن الشيخ الطوسي (الطوسي، 1435هـ، 216) قد ضعّفه؛ والحق مع الشيخ الطوسي لأن الجرح مقدم على التعديل. أما بقية رجال السند، وهم يونس بن عبد الرحمن (النجاشي، 1432هـ، 446؛ الطوسي، 1435هـ، 266)، وابن بكير (الطوسي، 1435هـ، 173؛ الطوسي، 1430هـ، 358)، وأبي أمية يوسف بن ثابت (النجاشي، 1432هـ، 117-118؛ الطوسي، 1430هـ، 174)، فجميعهم موثقون.
2-4. دراسة سند الرواية الرابعة
«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُfفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي سَعْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) …».
وصف البعض هذه الرواية بالصحيحة (البهبودي، 1385ش، 1: 116)، ولكن العلامة المجلسي يقول في ذيل هذه الرواية: «أبو سعيد الموجود في سلسلة السند إذا كان هو نفسه القماط، فالخبر موثق» (المجلسي، 1404هـ، 10: 58). ولكن يجب القول إن الرواية موثقة قطعاً بسبب كون ابن فضال فطحي المذهب. وجميع رجال سند هذه الرواية، وهم: محمد بن يحيى، وأحمد بن محمد بن عيسى، وابن فضال (وقد مر البحث الرجالي عنهم في الصفحات السابقة)، وثعلبة (النجاشي، 1432هـ، 118)، وأبي أمية (النجاشي، 1432هـ، 117-118؛ الطوسي، 1430هـ، 174)، كلهم موثقون.
5. تحليل مضمون روايتي باب الذنوب في الكافي ومقارنتهما بالروايات المعتبرة والقرآن
1-5. الرواية السابعة
«… عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: الذُّنُوبُ كُلُّهَا شَدِيدَةٌ وَأَشَدُّهَا مَا نَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ وَالدَّمُ لِأَنَّهُ إِمَّا مَرْحُومٌ وَإِمَّا مُعَذَّبٌ وَالْجَنَّةُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا طَيِّبٌ» (الكليني، د.ت، 3: 371).
بناءً على آيات متعددة، يتأكد مفهوم الرواية المذكورة؛ فمثلاً الآيات التي تبين أكل المال بالباطل وقبحه وعقوبته الشديدة، تؤيد مفهوم هذه الرواية. يقول الله تعالى في شأن أكل المال بالباطل: «إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا» (النساء: 2). ومصداق أكل المال بالباطل في الآيات المتعلقة بأكل مال اليتيم: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» (النساء: 10). والربا: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ… فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة: 275). والرشوة: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ…» (المطففين: 1)، «ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ» (المطففين: 16). والتطفيف: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة: 188). كل هذه الموارد قد ذُمّت في القرآن ونهى الله تعالى عنها.
2-5. الرواية الثالثة عشرة
«… عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا» (الكليني، د.ت: 3، 373).
بناءً على محتوى الآية «بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة: 81)، يتأكد مضمون الرواية المذكورة. وخلاصة محتوى الآية هو أن تراكم الذنوب يسبب الدخول في النار الخالدة.
ومضمون الروايتين المذكورتين تؤيده روايات أخرى، بعضها سيأتي شرحه تالياً:
«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا يَعْمَلْهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَمِلَ الْعَبْدُ السَّيِّئَةَ فَيَرَاهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَغْفِرُ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا» (الكليني، د.ت، 3: 374). قال الإمام الصادق (ع): من عزم على ذنب، فلا يفعله؛ فإنه ربما يرتكب العبد ذنباً فيراه الله تبارك وتعالى ويقول: بعزتي وجلالي، لا أغفر لك بعد هذا أبداً.
«قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): اتَّقُوا الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا لَا تُغْفَرُ قُلْتُ وَمَا الْمُحَقَّرَاتُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: طُوبَى لِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي غَيْرُ ذَلِكَ» (الكليني، د.ت، 3: 394).
قال الإمام الصادق (ع): اتقوا محقرات الذنوب فإنها لا تُغفر. قلت: وما المحقرات؟ قال: أن يذنب الرجل ذنباً فيقول: طوبى لي لو لم يكن لي غيره.
«أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ طَاعَتِهِ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيهِ» (الكليني، د.ت، 3: 395). يقول أبو بصير: سمعت الإمام الصادق (ع) يقول: لا والله، لا يقبل الله شيئاً من طاعته مع الإصرار على شيء من معاصيه.
6. تحليل مضمون الروايتين المهمتين من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» في الكافي ومقارنتهما بالقرآن وروايتي باب الذنوب
أورد المرحوم الكليني في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» ست روايات، من حيث السند، الحديث الأول صحيح، والحديثان الثاني والخامس مرسلان، والحديثان الثالث والرابع موثقان (وقد مر ذكرهما)، والحديث السادس مرفوع.
بناءً على الشواهد والقرائن الموجودة في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» وروايات أخرى مثل موثقة أمالي الشيخ الطوسي وحديث محمد بن مارد في الكافي (سيأتي نص الحديثين قريباً)، يجب تحليل باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ». في الروايتين الثالثة والرابعة من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، على الرغم من أن كلمة «العمل» وردت مطلقة، إلا أن المقصود هو العمل الحسن. والشاهد على هذا الفهم هو موثقة أمالي الشيخ الطوسي (الطوسي، 1383ش، 1: 417) والحديث الخامس من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ». وعلى الرغم من أن الحديث الخامس المذكور مرسل، إلا أنه كشاهد، يصرح بأن مقصود الإمام من «العمل» هو العمل الصالح.
مضمون حديثي باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» هو أنه مع وجود الإيمان، لا يضر أي عمل (سيئ) بسعادة الإنسان، ومن جهة أخرى، مع وجود الكفر، لا ينقذ أي عمل صالح الإنسان من الشقاء. من خلال مقارنة هذا المضمون بمحتوى القرآن، يتضح أن آيات القرآن تشترط للوصول إلى الجزاء والثواب والأجر الحسن والعاقبة الحميدة، الإيمان والعمل الصالح. على سبيل المثال، آية «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» (البقرة: 25) وآيات (لقمان: 4-5، آل عمران: 200، النور: 31، الجمعة: 10، الحج: 77) تصرح بأن سعادة وفلاح البشر يكمن في ظل الإيمان والعمل الصالح. والعمل الصالح يشمل: إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، اليقين بالآخرة، اجتناب الفواحش والذنوب، التوبة، العبادة، ذكر الله، وفعل الخير؛ كما ورد في الآية التالية: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (لقمان: 4-5).
هذه القاعدة لها استثناءان: الأول، ألا تتاح للإنسان فرصة العمل الصالح (مصباح اليزدي، 1372ش، 1: 212)، والثاني، أن يُجبر على إظهار الكفر: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» (النحل: 106).
بناءً على الآيات المذكورة، فإن مضمون روايتي باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» لا يتوافق مع محتوى القرآن؛ لأنه بناءً على هاتين الروايتين، يُعتبر الإيمان كافياً للسعادة، في حين أنه من الواضح للجميع أن الإيمان والعمل الصالح هما عاملان للوصول إلى الفلاح. وعلى الرغم من أن عدم توافق محتوى روايات الباب المذكور مع مدلول روايات باب الذنوب واضح ولا يحتاج إلى توضيح؛ إلا أنه لتوضيح الأمر أكثر، سيتم إيراد نموذج لرواية تخالف محتوى باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ».
سأل سلام الجعفي الإمام الصادق (ع) عن مفهوم الإيمان، فأجابه الإمام (ع) قائلاً: الإيمان هو أن يُطاع الله ولا يُعصى: «عن سلام الجُعْفِي قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ يُطَاعَ اللَّهُ فَلَا يُعْصَى» (الكليني، د.ت، 3: 55).
7. آراء وتحليل طرق حل التعارض
سعى بعض العلماء (المجلسي، 1404هـ، 11: 396؛ المازندراني، 1429هـ، 10: 226)، مع إقرارهم بالتعارض المضموني بين روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» ومفهوم آيات القرآن ومدلول روايات باب الذنوب، إلى حل هذا التعارض وقدموا له حلولاً سنتناولها فيما يلي:
أ- المراد بالضرر في روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، هو الضرر الذي يسبب الدخول في النار (المجلسي، 1404هـ، 11: 396) أو يوجب الخلود في النار (المجلسي، 1404هـ، 11: 396؛ المازندراني، 1429هـ، 10: 226).
في نقد الرأي الأول، يمكن القول إن حمل الضرر على الدخول أو الخلود في جهنم يخالف ظاهر إطلاق الروايات. فمحتوى الروايات الأول في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» هو أن العمل (السيئ) أساساً لا يترتب عليه أي ضرر بوجود الإيمان، وحمل الضرر في هذه الروايات على الضرر الجسيم والدخول في النار خلاف الظاهر.
ب- أن يكون الإيمان في الرواية بمعنى أداء الواجبات وترك الكبائر (المجلسي، 1404هـ، 11: 396).
في دراسة الرأي الثاني، يمكن القول إنه في الغالب يُعطف العمل الصالح على الإيمان في القرآن. فإذا كان الإيمان والعمل الصالح شيئاً واحداً، فإن هذا العطف يخالف قواعد اللغة العربية (الحلي، 1388ش، 456).
ج- قدّر الله سبلاً لمحو آثار الذنوب، كالاستغفار، والتوبة، والإنابة، وتعظيم الرسول وأهل بيته وزيارتهم (خدامیان، 1391ش، 92). ويبدو أن صاحب كتاب «الصحيح في فضل زيارة الرضوية»، مع قبوله بآثار الذنب، يعتقد أن من كان مؤمناً، يوفقه الله للتوبة وسائر أسباب محو الذنوب.
في تحليل الرأي الثالث، يمكن القول إنه صحيح أن التوبة والاستغفار وعدم العودة إلى الذنب يوجب مغفرة المذنب من قبل الله تعالى، وهذه المغفرة من أصول القرآن المسلم بها، ولكن في هذه الحالة، لن تكون هناك سيئة باقية، بل ستكون قد غُفرت أو بُدّلت حسنة؛ في حين أن المضمون الأولي للروايتين في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» هو أن الإيمان وحده كافٍ لسعادة البشر.
د- بما أن أحد استعمالات كلمة «السيئة» في النصوص الدينية هو الذنب الصغير، فإن المراد من عدم إضرار السيئة بسعادة الإنسان (وهو مضمون الروايتين الموثقتين 3 و 4 من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ») هو حمل السيئة على الذنوب الصغيرة؛ التي تُغفر بالطبع عند اجتناب الكبائر؛ كما تشير الآية «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا» (النساء: 31).
الرأي الرابع أيضاً ليس مقبولاً تماماً؛ أولاً، لأن المعنى اللغوي للسيئة عام، وتقييده بالذنب الصغير يحتاج إلى أدلة قوية وشواهد متعددة. ثانياً، الذنب مهما كان صغيراً، سيضر بسعادة الإنسان بنفس مقداره مع فرض عدم التوبة وعدم الجبران. وفي رواية عن النبي الأكرم (ص) جاء: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى صِغَرِ الذَّنْبِ وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنِ اجْتَرَأْتُمْ» (محمدي الري شهري، 1383ش، 220)؛ لا تنظروا إلى صغر الذنب، بل انظروا إلى من تجرأتم عليه. وكذلك روي عن الإمام الصادق (ع): «اتَّقُوا الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا لَا تُغْفَرُ قُلْتُ وَمَا الْمُحَقَّرَاتُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: طُوبَى لِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي غَيْرُ ذَلِكَ» (الكليني، د.ت، 3: 394)؛ اتقوا محقرات الذنوب فإنها لا تُغفر. قلت: وما محقرات الذنوب؟ قال: أن يذنب الرجل ذنباً فيقول: طوبى لي لو لم يكن لي غيره. وكذلك قال الإمام علي (ع) في توبيخ من استصغر الذنب: «أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ» (المجلسي، 1403هـ، 78: 356)؛ «أشد الذنوب ما استخف به صاحبه».
1-7. النظرية المختارة في حل التعارض الظاهري
لا يوجد تعارض حقيقي بين محتوى روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» ومدلول روايات باب الذنوب ومضمون آيات القرآن، بل يوجد تعارض ظاهري. والسبب الرئيسي للفهم الخاطئ (رغم وجود الآيات الصريحة والروايات الصحيحة والموثقة بشأن اقتران العمل الصالح بالإيمان) هو عنوان الباب الذي وضعه الشيخ الكليني: «بَابُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ…».
للوصول إلى الرأي الصحيح، يوجد تحليلان:
أ- يبدو أن الكليني، استلهاماً من الرواية السادسة التي تتوافق إلى حد ما مع عنوان «باب أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، اختار هذا الاسم للباب المذكور، وغفل عن الروايات الخمس الأولى من الباب (الصحيحة والضعيفة)، أو أنه طابق مضمون تلك الروايات الخمس مع الرواية السادسة ووجّه فهمه لمدلول الرواية المذكورة وأوّلها، وجعل تلك الرواية هي الأصل. هذا في حين أن الرواية السادسة من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون أساس هذا الباب؛ لأن الرواية السادسة ضعيفة بسبب كونها مرفوعة، وبسبب عارض الرفع، لا تصمد أمام الروايات الموثقة في هذا الباب ولا يمكن الاستناد إليها. والرواية السادسة المذكورة هي كالتالي: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كَثِيراً مَا يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ دِينَكُمْ دِينَكُمْ فَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ فِي غَيْرِهِ وَالسَّيِّئَةُ فِيهِ تُغْفَرُ وَالْحَسَنَةُ فِي غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ» (الكليني، د.ت، 4: 207). والنقطة الأهم هي أن روايات الباب المذكور لا تتوافق مع عنوان «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» (المطهري، 1381ش، 1: 326).
وتجدر الإشارة إلى أن الدراسة السندية بالكيفية التي أوردناها في هذا البحث لم تكن متبعة في زمن المتقدمين؛ ولكنها اليوم جزء من ضرورات العمل في دراسة الأحاديث. فإذا أغفلنا دراسة أسانيد الروايات أو تساهلنا فيها، سنتحمل خسائر فادحة في مجال الروايات، ولن تكون نتائج مثل هذه التحقيقات مرآة للواقع تماماً، وسيدخل في تحليلاتنا ودراساتنا، شئنا أم أبينا، حجم كبير من الكلام الذي لم يقله المعصومون، على أنه من كلامهم، ويلحق به ضرر جسيم.
ب- يوجد بين الأحاديث حديث موثق في أمالي الشيخ الطوسي، يُحلّ بناءً على مضمونه التعارض الظاهري لمحتوى باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» مع مدلول روايات باب الذنوب في أصول الكافي ومفهوم القرآن.
نص الرواية الموثقة للشيخ الطوسي ودراستها السندية والمحتوائية تأتي فيما يلي.
2-7. الرواية الموثقة للشيخ الطوسي
الرواية الموثقة التي ذكرها الشيخ الطوسي في كتاب الأمالي، يمكن اعتبارها الشاهد الأول للجمع. ونص هذه الرواية هو: «عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِنَّ أَبَا أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلٌ، وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ عَمَلٌ فَقَالَ (ع): إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْنِي أَبُو أُمَيَّةَ عَنْ تَفْسِيرِهَا، إِنَّمَا عَنَيْتُ بِهَذَا أَنَّهُ مَنْ عَرَفَ الْإِمَامَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) وَتَوَلَّاهُ،[5] ثُمَّ عَمِلَ لِنَفْسِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ قُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَضُوعِفَ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، فَانْتَفَعَ بِأَعْمَالِ الْخَيْرِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ، فَهَذَا مَا عَنَيْتُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا إِذَا تَوَلَّوُا الْإِمَامَ الْجَائِرَ الَّذِي لَيْسَ مِنَ اللَّهِ (تَعَالَى)). فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ: أَلَيْسَ اللَّهُ (تَعَالَى) قَالَ: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» (النمل: 89) فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ مِمَّنْ تَوَلَّى أَئِمَّةَ الْجَوْرِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): وَهَلْ تَدْرِي مَا الْحَسَنَةُ الَّتِي عَنَاهَا اللَّهُ (تَعَالَى) فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هِيَ وَاللَّهِ مَعْرِفَةُ الْإِمَامِ وَطَاعَتُهُ، وَقَالَ (عَزَّ وَجَلَّ): «وَ مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (النمل: 90) وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالسَّيِّئَةِ إِنْكَارَ الْإِمَامِ الَّذِي هُوَ مِنَ اللَّهِ (تَعَالَى)» (الطوسي، 1383ش، 1: 417).
قال عمار بن موسى الساباطي: قلت للإمام الصادق (ع): إن أبا أمية يوسف بن ثابت يروي عنك أنك قلت: مع الإيمان لا يضر عمل [سيئ] ومع الكفر لا ينفع عمل [صالح]؟ فقال (ع): إن أبا أمية لم يسألني عن تفسيرها. إنما قصدت بهذا أن من عرف الإمام من آل محمد (ص) وتولاه، ثم عمل لنفسه ما شاء من عمل الخير، قُبل منه وضوعف له أضعافاً كثيرة، فانتفع بأعمال الخير مع المعرفة، هذا ما قصدته. وكذلك لا يقبل الله من العباد الأعمال الصالحة التي يعملونها إذا تولوا الإمام الجائر الذي ليس من الله تعالى. فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أليس الله تعالى قال: «من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون» (النمل: 89)؟ فكيف لا ينفع العمل الصالح ممن تولى أئمة الجور؟ فقال له أبو عبد الله (ع): وهل تدري ما الحسنة التي عناها الله تعالى في هذه الآية؟ هي والله معرفة الإمام وطاعته. وقال عز وجل: «ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون» (النمل: 90) وإنما أراد بالسيئة إنكار الإمام الذي هو من الله تعالى.
1-2-7. دراسة سند رواية أمالي الشيخ الطوسي
«أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّرَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): …».
1- المفيد (محمد بن محمد بن النعمان المفيد): النجاشي (النجاشي، 1432هـ، 399) والشيخ الطوسي (الطوسي، 1430هـ، 499؛ الطوسي، 1435هـ، 238-239) قد وثقوه.[6]
2- أحمد بن محمد: النجاشي (النجاشي، 1423هـ، 83-84) والشيخ الطوسي (الطوسي، 1435هـ، 78) يعتبرانه ثقة.[7]
3- الحميري (عبد الله بن جعفر الحميري): النجاشي (1432هـ، 219) والشيخ الطوسي (1435هـ، 167) والحلي (1431هـ، 167) حكموا بوثاقته.
4- ابن أبي الخطاب: النجاشي (النجاشي، 1423هـ، 334) والشيخ الطوسي (الطوسي، 1430هـ، 215 و 379) يعتبرانه ثقة وله كتاب.
5- ابن محبوب: الشيخ الطوسي في الرجال والفهرست، يعتبره ثقة (الطوسي، 1435هـ، 96-1430: 334) ومن أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا (ع) (الطوسي، 1430هـ، 334).
6- هشام بن سالم: النجاشي (النجاشي، 1432هـ، 434) وثقه بتأكيد، والشيخ الطوسي وابن شهر آشوب يعتبرانه صاحب أصل.[8] (الطوسي، 1435هـ، 257؛ ابن شهر آشوب، 1380هـ، 129).[9]
7- الساباطي: عمار بن موسى: النجاشي يعتبره ثقة[10] (النجاشي، 1432هـ، 290) ولكن الشيخ الطوسي وابن شهر آشوب يعتبرانه صاحب كتاب وفطحي المذهب (الطوسي، 1435هـ، 189؛ ابن شهر آشوب، 1380هـ، 87).
النتيجة هي أنه على الرغم من أن الشيخ الطوسي وصف عمار بن موسى الساباطي بأنه فطحي، إلا أن هذا الرأي ليس قطعياً؛ لأن النجاشي (النجاشي، 1432هـ، 290) عند ترجمته للساباطي، لم يذكر كونه فطحياً. وبفرض صحة هذا القول، أي عدم تصريح النجاشي بمذهب الساباطي، الذي هو قرينة على كونه إمامياً؛ لأن النجاشي كان بصدد جمع مصنفي الشيعة؛ ولهذا السبب، سيُعتبر شيعياً ويجب الحكم بصحة الرواية، وبفرض قبول كونه فطحياً، فإن مذهب الراوي لا يضر بتوثيقه، وبالتالي فإن الرواية موثقة ويمكن الاستناد إليها.
2-2-7. تحليل محتوى رواية أمالي الشيخ الطوسي
توضح رواية أمالي الشيخ الطوسي الموثقة هذه الحقيقة، وهي أنه لا يوجد في الواقع تعارض بين مفهوم آيات القرآن ومدلول روايات باب الذنوب في أصول الكافي التي ربطت فلاح البشر بعاملي الإيمان والعمل الصالح، وبين محتوى روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» في أصول الكافي؛ إذ يتضح من بيان الإمام المعصوم في رواية الأمالي الموثقة أن مفهوم كلمة «الإيمان» في روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» ليس بمعناه اللغوي والاصطلاحي، بل الإيمان في روايات هذا الباب يعني معرفة الأئمة وولايتهم؛ أي بمعرفة الإمام وولايته، يُقبل كل عمل صالح للمؤمن ولا يُنظر إلى كميته. كما ورد في رواية أن حب الأئمة إيمان، وبغضهم وعداوتهم كفر: «قال أبو جعفر (ع): حُبُّنَا إِيمَانٌ وَبُغْضُنَا كُفْرٌ» (الكليني، د.ت، 1: 266).
في توضيح معرفة الإمام، ورد في بعض الروايات أنه يجب أن نعلم أن طاعة الإمام واجبة. يسأل حمزة بن عمران الإمام الصادق (ع): «وَمَا عِرْفَانُ حَقِّهِ؟ قَالَ أَنَّهُ إِمَامٌ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ» (الحر العاملي، 1397هـ، 10: 435). يقول الإمام الصادق في جوابه: معرفة الإمام هي أن تعلم أن طاعته واجبة.
في حديث آخر، يصف الراوي البصيرة المذهبية لزائر أيده الإمام الجواد (ع) بقوله: «ثُمَّ أَتَاكَ عَارِفاً بِحَقِّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَبَابُهُ الَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ» (ابن قولويه، 1383ق، 922)؛ أي أن يأتيك زائراً وهو عارف بحقك، يعلم أنك حجة الله على خلقه وبابه الذي يؤتى منه.
كلمة «الولاية» مشتقة من مادة «ولي»، وتحدث عندما يكون شيئان بجانب بعضهما أو خلف بعضهما، بحيث لا يكون بينهما حاجز (الراغب الأصفهاني، 1383ش، 3: 489). وكلمة «تولى» إذا استُخدمت متعدية، تكون بمعنى الولاية (الراغب الأصفهاني، 1383ش، 3: 491). وعندما تُستخدم مادة «ولي» بشأن إنسانين، فإنها تعني أنهما اقتربا من بعضهما إلى درجة أنهما أصبحا واحداً في الأمور الثلاثة: المعرفة، والعواطف والميول، والسلوك؛ أي أن معارفهما متشابهة؛ وعواطفهما وأحاسيسهما ممتزجة، ويحبان بعضهما، وسلوكهما متشابه. في هذه الحالة، تكون الولاية علاقة متبادلة، والطرفان يؤثران ويتأثران ببعضهما (مصباح اليزدي، 1395ش، 40).
بناءً على التوضيحات في النص، فإن المقصود بـ«تولى» في رواية أمالي الشيخ الطوسي الموثقة، هو الطاعة للأئمة المعصومين؛ كما ورد في رواية أخرى: «مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، مَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ» (الكليني، د.ت، 3: 119). قال الإمام الباقر (ع): «من أطاع الله فهو ولينا، ومن عصى الله فهو عدونا. لا تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع (ترك القبيح)». في هذه الرواية، جعل الإمام الباقر (ع) ملاك محبته وولايته طاعة الله، وملاك عداوته معصية الله، واعتبر العمل الصالح والورع أساس الولاية والمحبة، ويقول إنه بمعصية الله والتساهل في أداء التكاليف الإلهية، لا يمكن الوصول إلى ولاية أهل البيت؛ لأنه بسبب الذنب والإصرار عليه، تخرج محبة الله وأوليائه وأهل البيت من قلب الإنسان (مصباح اليزدي، 1393ش، 125). وكذلك قال الإمام الصادق (ع): «عليكم بالورع؛ فإنه لا يُنال ما عند الله إلا بالورع» (الكليني، د.ت، 3: 122).
3-7. دراسة سند ومحتوى رواية محمد بن مارد
يمكن ذكر هذه الرواية أيضاً كشاهد ثانٍ للجمع بين الروايات. ونص رواية محمد بن مارد المرسلة في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» هو: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَارِدٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) حَدِيثٌ رُوِيَ لَنَا أَنَّكَ قُلْتَ إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَالَ قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَوْا أَوْ سَرَقُوا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ فَقَالَ لِي إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونَا أَنْ نَكُونَ أُخِذْنَا بِالْعَمَلِ وَوُضِعَ عَنْهُمْ إِنَّمَا قُلْتُ إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ» (الكليني، د.ت، 4: 207).
يقول محمد بن مارد: قلت للإمام الصادق (ع): رُوي لنا حديث أنك قلت: إذا عرفت (إمامتنا) فاعمل ما شئت. قال: نعم، قلت ذلك. قلت: وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر؟ فقال لي: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نؤاخذ نحن بالعمل ويُرفع عنهم التكليف. إنما قلت: إذا عرفت (إمامك) فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، فإنه يُقبل منك.
من حيث السند، الرواية مرسلة، وبطبيعة الحال لا يمكن أن تكون لها حجية الروايات المسندة، ولكن يمكن الاستعانة بها كمؤيد. ومحتوى هذه الرواية هو نفسه الذي استُنبط من رواية أمالي الشيخ الطوسي الموثقة؛ مع فارق أن رواية الشيخ الطوسي الموثقة تقدم مفهوماً جديداً للإيمان؛ ولكن في مرسلة محمد بن مارد، يكون التركيز على العمل الصالح، وتقول إن العمل الصالح، قليلاً كان أم كثيراً، مع وجود الإيمان بمعناه الصحيح، يوصل الإنسان إلى السعادة.
بناءً على هاتين الروايتين الشاهدتين (موثقة أمالي الشيخ الطوسي ورواية محمد بن مارد)، فإن من كان مؤمناً (وهو معرفة وطاعة الأئمة)، يُقبل منه العمل الصالح، قليلاً كان أم كثيراً، ونفس تلك الأعمال الصالحة، قليلة كانت أم كثيرة، في ظل معرفة الإمام وولايته، توصله إلى السعادة الأبدية (بالطبع، هذا القول لا يعني أن الذنب لا يضر بصاحب الإيمان بالمفهوم المذكور؛ لأنه بسبب الذنب والإصرار عليه، تخرج محبة الله وأهل البيت من قلب الإنسان، وتُقطع صلة الولاية شيئاً فشيئاً. بعبارة أخرى، الذنب يضر بالولاية. فطالما أن المؤمن يطيع أوامر الله ويجتنب نواهيه، يُقال إنه ذو ولاية، وإلا فإن صلة الولاية تُقطع عنه). ولكن إذا لم يكن الإيمان بالمفهوم المذكور في موثقة أمالي الشيخ الطوسي موجوداً، فإن الأعمال الصالحة الواسعة لن تؤدي إلى فلاحه.
8. الخلاصة
1- مضمون روايتي باب الذنوب في الكافي، المتوافق مع محتوى القرآن، هو أن الفلاح ممكن بالإيمان والعمل الصالح.
2- مضمون بعض روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، في النظرة الأولى، لا يتوافق مع محتوى القرآن ومدلول روايات باب الذنوب. ولكن عندما نضيف إليها رواية الأمالي الموثقة (التي تعتبر الإيمان معرفة الإمام وولايته) ورواية محمد بن مارد (التي تعتبر العمل الصالح، قليلاً كان أم كثيراً، مقبولاً في حال معرفة الإمام)، فإن مشكلة عدم التوافق الأولي لها مع محتوى روايات (بَابُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ) تُحلّ.
3- استلهم الكليني من الرواية السادسة من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، واختار هذا الاسم للباب المذكور. هذا في حين أن الرواية السادسة المذكورة ليست بأي حال أساس الباب؛ لأن الرواية السادسة ضعيفة بسبب كونها مرفوعة.
4- محتوى الروايتين الموثقتين من باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، اللتين ورد فيهما العمل بشكل مطلق، لا يتعارض تعارضاً حقيقياً مع مفهوم آيات القرآن ومدلول الروايات المعتبرة في باب الذنوب، وحديث أمالي الشيخ الطوسي -وهو صحيح أو موثق- ورواية محمد بن مارد، بتبيينهما لمفهوم الإيمان والعمل، يخرجان روايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» من الإطلاق والإجمال، ويحلان التعارض الظاهري المضموني أو التناقض الظاهري (التعارض الصوري) لروايات باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» وعنوان هذا الباب مع مفهوم القرآن ومدلول روايات باب الذنوب.
الهوامش
1. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث، فرع جامعة الفردوسي الدولي في مشهد (مستخرج من الأطروحة). abpakzad53@gmail.com
2. أستاذ مشارك في جامعة الفردوسي بمشهد (المؤلف المسؤول). rostami@um.ac.ir
3. أستاذ بقسم علوم القرآن والحديث في جامعة الفردوسي بمشهد. a.jalaly@um.ac.ir
4. إذا ورد اسم «أبو بصير» مطلقاً في الروايات، فالمراد به يحيى بن أبي القاسم الثقة (الحسيني البغدادي، 1415هـ، ص 391).
5. بالإضافة إلى الرواية الموثقة في أمالي الشيخ الطوسي، يمكن الاستشهاد بالرواية المرسلة لمحمد بن مارد في باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ» من أصول الكافي كمؤيد، وسيشار إليها قريباً.
6. كوفي ثقة عين، روى عن الرضا (ع) وكان جليل القدر يُعدّ في الأركان الأربعة في عصره. قال الكشي: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم وأقروا لهم بالفقه والعلم.
7. كوفي ثقة له كتاب…
8. رجال النجاشي، رقم 1165، ص 434. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، ثقة ثقة.
9. الفهرست، رقم 782، ص 257؛ معالم العلماء، رقم 863، ص 129.
10. عمار بن موسى الساباطي أبو الفضل مولى، وأخواه قيس وصباح رووا عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام وكانوا ثقات في الرواية.