التفاعل الحديثي لتفسير تسنيم مع روايات أهل السنة

الملخص

يُعدّ الحديث أحد المصادر الرئيسة للتعاليم الإسلامية. ويسعى المفسرون، شأنهم في ذلك شأن الفقهاء والمتكلمين، إلى تقديم فهم أصيل لآيات القرآن الكريم بالاستعانة بهذا المصدر القيّم. ورغم اتفاق معظمهم على استخدام الحديث، إلا أنهم يختلفون في بعض التفاصيل، مثل الرجوع إلى المصادر الحديثية للفرق الأخرى. تسعى هذه الدراسة، التي صيغت وفق المنهج الوصفي-التحليلي، إلى بحث كيفية تفاعل تفسير «تسنيم» مع روايات أهل السنة. وتُظهر نتيجة البحث أن الأستاذ جوادي آملي يجوّز الاستفادة من الروايات المنقولة في المصادر الروائية لأهل السنة، ويولي هذا الأمر مكانة خاصة. فأحد جوانب تفاعله مع أحاديث أهل السنة يتمثل في نقدها وتقييمها بمعايير معتبرة، مثل التوافق مع القرآن الكريم والروايات الصحيحة والعقل. والجانب الآخر من هذا التفاعل هو توظيف مضامين رواياتهم في تفسير الآيات وتدعيم مضامين الروايات الشيعية. إن التفاعل مع روايات أهل السنة بهذا الاتساع لم يُشاهد في التفاسير السابقة، ولا حتى في تفسير «الميزان». إن دراسة هذه المسألة في تفسير «تسنيم»، بوصفه تفسيرًا شيعيًا بارزًا ومعاصرًا، يمكن أن تقدم استراتيجيات جديدة لباحثي العلوم القرآنية والحديثية. كما أن نتيجة هذا البحث يمكن تأملها والاستناد إليها في مجال الدراسات التفسيرية، وفقه الحديث، والتقريب بين المذاهب.

١. طرح المسألة

بناءً على روايات متعددة نُقلت في المصادر الشيعية المعتبرة، فإن الاستفادة من الروايات النبوية التي وصلتنا عن طريق أهل السنة جائزة،1 وهذا الأمر تتبعه بركات جمة في مجال تفسير القرآن. من جملتها، يمكن الإشارة إلى جبران ضعف الروايات الشيعية، واستعادة روايات الأئمة الأطهار (ع)، وتأييد الرؤى الشيعية، ونقل مناقب أهل البيت (ع)، وتبيين الأبعاد المعنائية للروايات الشيعية، وفهم الآيات بشكل أفضل، وحل التعارض بين الأخبار (باقري؛ رحمان ستايش، 1387ش، 111).

ولهذا السبب، تطرق المفسرون الشيعة في مختلف المجالات المتعلقة بآيات القرآن إلى نقل أحاديث أهل السنة. وكمثال على ذلك، يمكن الإشارة إلى مفسرين أمثال السبزواري (1409ق، 8: 18، 229؛ 9: 188؛ 11: 261)، ومكارم الشيرازي (1386ش، 1: 212؛ 3: 264؛ 6: 111)، والعلامة البلاغي (بي تا، 1: 51، 257، 291؛ 2: 19)، والحائري الطهراني (1377ش، 11: 255)، ومحمد حسين فضل الله (1419ق، 8: 288؛ 16: 199؛ 22: 313).

وفي هذا السياق، يبدو أن سعي العلامة الطباطبائي كان الأكثر ثمرًا، لدرجة أن بعض الباحثين يعتقدون أن أهم ميزة للبحث الروائي في «الميزان» هي إظهار اتفاق الفريقين في نقل أغلب الروايات (راجع: نفيسي، 1384ش، 97). كما أن بعض العلماء المعاصرين، من خلال تحقيق التفاسير الشيعية، قد بادروا إلى هذا العمل المهم. من بينهم، يمكن الإشارة إلى جهد العلامة البهبودي في تحقيق تفسير «كنز العرفان في فقه القرآن» (كمثال، راجع: 1373ش، 1: 203؛ 2: 154، 230، 197). وبهذه الأوصاف، فإن الذين كرسوا جهدهم لدراسة «تسنيم» والبحث فيه، يعتقدون أن هذا الأمر المهم لم يتحقق حتى الآن في سائر التفاسير الشيعية، ولا حتى في «الميزان»، بالدقة والسعة التي تميزت بها نظرة الأستاذ جوادي.

وبالتالي، فمن الطبيعي أنه ليس من فئة المفسرين الذين يعتقدون أن الاستفادة من هذه الروايات، من حيث إنها لم ترد في أي من كتب الرواية الشيعية، خاصة المتقدمة منها، تُعد من أسباب ضعفها. كما أنه يعارض فكرة أن أحاديث كتب الرواية العامة يجب طرحها جانبًا لمجرد أن رواتها وجامعيها من السنة؛ لأن هذا الفكر يؤدي بالإنسان إلى الوقوع في نوع من الجمود في دراساته، كما أكد بعض مفكري تيار التقريب بين المذاهب على هذه النقطة (راجع: واعظ زاده خراساني، 1386ش، 203).

٢. عرض إجمالي لمنقولات أهل السنة الحديثية في تفسير تسنيم

أورد الأستاذ جوادي آملي، بناءً على جواز نقل الرواية من مصادر أهل السنة الخاصة، حجمًا كبيرًا من هذه الروايات في تفسير «تسنيم». والآن، قبل الشروع في دراسة تفصيلية للحالات، سيتم طرح عرض موجز لكيفية نقل أحاديث أهل السنة.

النقطة الأولى: على الرغم من أن العلامة جوادي آملي يعتقد أن تفسير أي آية لا يتوقف على السنة، إلا أنه في الوقت نفسه يؤكد دائمًا أنه لا يمكن الإلمام بمضامين القرآن دون الرجوع إلى الروايات. ولهذا السبب، فإنه عمليًا، على غرار أستاذه العلامة الطباطبائي، يذكر حجمًا كبيرًا من الروايات التفسيرية ويستفيد منها في عملية التفسير. وجزء من هذه الروايات مأخوذ من مصادر أهل السنة. (راجع: ناجي وزملاؤه، 1396ش، 57).

النقطة الثانية: إن العديد من الروايات المنقولة في تفسير «تسنيم» مصدرها حصراً مصادر أهل السنة؛ مثل: «الدر المنثور» (جوادي آملي، 1389ش (أ)، 5: 240؛ 5: 381؛ 3: 160؛ 2: 498، 502؛ 8: 610؛ 9: 232؛ 11: 481؛ 14: 374، 1392ش، 31: 716)، و«الكشاف» (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 20: 66، 431)، و«تفسير القرآن العظيم» (نفس المصدر، 1388ش (أ)، 16: 148، 578، 713؛ 18: 692)، و«مفاتيح الغيب» (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 6: 253)، و«جامع البيان في تفسير القرآن» (نفس المصدر، 1388ش (أ)، 7: 695؛ 24: 329)، و«المنار» (نفس المصدر، 1390ش، 24: 577)، و«الجامع لأحكام القرآن» (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 5: 514، 674؛ 1392ش، 31: 714)، و«صحيح مسلم» (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 4: 571؛ 1388ش (أ)، 8: 459؛ 1387ش، 11: 481؛ 1389ش، 18: 382، 1390ش، 24: 478)، و«شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 5: 480)، و«كنز العمال» (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 2: 37؛ 21: 232، 1390ش، 23: 507؛ 25: 478).

النقطة الثالثة: نقل الرواية عن كبار علماء العامة لافت للنظر أيضًا في «تسنيم»؛ مثل نقل رواية نبوية عن الخليفة الثاني، وهو أمر نادرًا ما يُنقل في تفاسير الشيعة (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 20: 287). حتى إنه أحيانًا يورد نص بعض أدعية النبي (ص) نقلًا عن كتب تاريخية مثل «المغازي» و«الكامل في التاريخ» (نفس المصدر، 1393ش، 32: 499).

النقطة الرابعة: ذكر المفسر مرارًا نكات فقه الحديث لعلماء أهل السنة (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 3: 36؛ 5: 397؛ 6: 476؛ 14: 148؛ 1388ش (أ)، 8: 40؛ 16: 623؛ 1390ش، 25: 481؛ 24: 329، 1392ش، 31: 186، 1393ش، 32: 37)، وأحيانًا انتقدها (نفس المصدر، 1388ش (أ)، 1: 166؛ 2: 182؛ 6: 449؛ 18: 487، 182، 1390ش، 23: 128، 82، 1389ش (أ)، 2: 182؛ 17: 538؛ 21: 361؛ 1395ش، 38: 78). وفي دراسته لسند الحديث، استفاد أيضًا من آراء أشخاص مثل الآلوسي، ومحمد عبده (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 6: 363؛ 9: 559)، والحاكم النيسابوري (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 5: 738)، وابن أبي الحديد (نفس المصدر، 5: 479) (راجع: نفس المصدر، 1389ش، 18: 487).

النقطة الخامسة: نقل المفسر حجمًا واسعًا من الأحاديث التي قد لا تُعتبر تفسيرية من النظرة الأولى، وهذا يدل على استقصائه لكتبهم وإيمانه بمبدأ أن أي بيان يصدر عن المعصومين (ع)، سواء كان نبويًا أم من سائر المعصومين (ع)، لا ينبغي إهماله.

النقطة السادسة: في حالات متعددة، ينقل الأستاذ جوادي روايات وردت في كتب الرواية الشيعية من تفاسير أهل السنة؛ على سبيل المثال، في ذيل آية «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى…» (البقرة: 159)، نقل أن النبي (ص) قال: «لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها» (القرطبي، 1364ش، 2: 185). بينما وردت كلتا الروايتين، مع اختلاف طفيف، في بعض كتب الشيعة (راجع: الكليني، 1407ق، 1: 42؛ الشهيد الثاني، 1409ق، 184) (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 8: 79). أو رواية تحكي قراءة أمير المؤمنين (ع) لآية «أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى» (القيامة: 36) حتى نهاية السورة أثناء الزراعة، نقلها عن ابن أبي الحديد (نفس المصدر، 1388ش (أ)، 7: 34)، بينما نقل المجلسي نفس الرواية من كتابي «فضائل ابن شاذان» و«روضة» (1404ق، 40: 122، أيضًا راجع: جوادي آملي، 1388ش (أ)، 1: 319؛ 1395ش، 38: 44).

النقطة السابعة: في بعض الأحيان، يعتبر بعض روايات أهل السنة دليلًا قاطعًا على بطلان فكرة معينة؛ مثلًا، في ذيل آية «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ» (آل عمران: 32)، ينقل عن رسول الله (ص): «لألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (السيوطي، 1404ق، 2: 17). ويكتب: «إن النبي (ص) يحذر من التعلل بالكتاب الإلهي للعصيان لأمره. هذه الرواية رد قاصم على الذين رفعوا شعار «حسبنا كتاب الله»» (جوادي آملي، 1389ش (أ)، 14: 92).

وفي موضع آخر، أشار إلى حديث معتبر نقله أهل السنة مرارًا عن ابن عباس في ذيل آية «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ» (الأعراف: 46). وفي هذه الرواية، التي لا يمكن اعتبارها قولًا للمعصوم (ع) بناءً على أسس مدرسة أهل البيت (ع) البحثية في الحديث، ورد أن: «الإمام علي (ع) وبعض كبار الصحابة الآخرين، أي العباس وحمزة وجعفر، مستقرون على «الصراط» ويعرفون أعداءهم بسواد وجوههم وأحباءهم ببياض وجوههم» (الثعلبي، 1422ق، 4: 236، الحسكاني، 1411ق، 1: 264). وقد اعتبر هذا النقل ردًا على إشكال بعض المفسرين مثل محمد عبده، الذي يعتقد أنه لا حاجة لوجودهم على الصراط، وأنه لا توجد صلة بين الأعراف والصراط (راجع: عبده، 1414ق، 8: 433). كما أشار إلى نقاط أخرى حول ضرورة إشراف رجال الله على الصراط (جوادي آملي، 1392ش، 28: 618).

٣. تصنيف أحاديث أهل السنة في تفسير تسنيم

بشكل عام، يمكن دراسة منهج الأستاذ جوادي آملي في المنقولات من مصادر أهل السنة ضمن أربعة محاور:

١. قبول مضمون الروايات مع توضيح موجز.

٢. قبول مضمون الروايات مع توضيح وشرح واستنباط نقاط جديدة.

٣. الدراسة النقدية بسبب التعارض مع القرآن، والروايات الشيعية الصحيحة، وغيرها.

٤. الاستناد إلى الروايات التفسيرية لأهل السنة بهدف تأييد الاستنباطات التفسيرية.

١-٣. قبول الرواية مع توضيح إجمالي

القرآن هو المصدر الأكثر فعالية لتمييز الروايات الصحيحة من السقيمة. ورغم أن المفسرين، بدرجات متفاوتة، التزموا بهذا المعيار عمليًا، إلا أن هذه المسألة لا تزال تحتوي على جوانب خفية يجب على أهل النظر الكشف عنها. إن منهج المفسر في دراسة متون روايات أهل السنة ومطابقتها بآيات القرآن يتميز بخصائص يجب دراستها في بحث مستقل. هنا نشير إلى أمثلة:

يذكر المفسر، في ذيل آية «وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ» (البقرة: 72)، روايات تفيد بأن صاحب العمل الصالح أو الطالح، مهما حاول إخفاءه، سيُكشف أمره بواسطة الله، ويربط ذلك ضمنيًا بآية «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ» (محمد: 20). كما يحلل عقليًا أن «العمل ككائن خارجي هو معدوم نسبيًا؛ ولكنه لا يقع أبدًا في العدم النفسي» (جوادي آملي، 1389ش، 5: 241). وعليه، فمع أن الإنسان يبتعد زمنيًا عن أعماله السابقة، فإن ذلك العمل قد وقع في وعائه الخاص وهو ليس بفانٍ. ونتيجة لذلك، فإن آثاره التكوينية الإيجابية أو السلبية ستظل باقية (راجع: نفس المصدر، 1389ش، 17: 450). مثالان من هذه الأحاديث هما: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان»، و«من أسرَّ سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر» (السيوطي، 1404ق، 1: 78).

وفي تفسير آية «لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ…» (النساء: 114)، يروي عن النبي (ص) قوله: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو ذكرًا لله» (الزمخشري، 1407ق، 1: 564-565). ثم يضيف: «سمع سفيان الثوري من رجل يقول عن هذا الحديث النبوي: ما أشده من حديث! فقال له سفيان: سند هذا الحديث هو القرآن الكريم. ألم تسمع أن الله تعالى يقول: «لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ»؟ فهذه الآية هي عين هذه الرواية. ألم تسمع قول الله: «وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ»؟ فهذه الآية أيضًا كأنها عين تلك الرواية» (جوادي آملي، 1389ش، 20: 430). في «محاسن التأويل»، ورد عن الترمذي في شأن هذه الرواية التي وردت في بعض كتب أهل السنة المتقدمة (ابن ماجه، 1372ق، 2: 1315)، أنها حديث غريب وأن «ابن حنيش» هو الوحيد الذي رواه. وأنا أعتقد، كما قال ابن حجر في «تقريب التهذيب»، أنه مقبول. وعليه، يمكن القول بأن حديثه «حسن» (القاسمي، 1418ق، 3: 328). إذًا، لا توجد مشكلة سندية في الحديث المذكور؛ لأنه لا يوجد تعارض بين غرابة الرواية وصحتها. وبعبارة أخرى، يمكن أن يكون الحديث الغريب صحيحًا، أو حسنًا، أو موثقًا، أو ضعيفًا (راجع: نفيسي، 1392ش، 127).

وفي حالات عديدة، اعتبر الروايات التي نُقلت فقط عن أهل السنة صحيحة، استنادًا إلى موافقتها لآيات القرآن؛ على سبيل المثال، في بعض تفاسير أهل السنة، ورد في ذيل آية «وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…» (النساء: 100) نقلًا عن رسول الله (ص): «من هاجر من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجب الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد» (الطبراني، 2008م، 2: 287). ثم، بالإشارة إلى أن إبراهيم (ع) كان من المهاجرين في سبيل الله، طبقًا لآية «إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي…» (العنكبوت: 26)، وبناءً على آية «مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ…» (الحج: 78)، اعتبر التأسي به واجبًا على أبنائه في الدين (جوادي آملي، 1389ش، 20: 260). هذا في حين لو أردنا الحكم بناءً على قول بعض علماء الحديث الذين يعتقدون أن ذكر الثواب الجزيل على أعمال أو أذكار خاصة في الروايات هو من علامات الأحاديث الموضوعة (راجع: الخطيب البغدادي، 1429ق، 131-133)، لما كان علينا أن نولي هذه الرواية أي اهتمام.

٢-٣. قبول الروايات مع استنباط نكات جديدة

في تفسير آية «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» (البقرة: 23)، وتحت عنوان «جهنم الملكوتية»، يورد المفسر رواية مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا مع رسول الله (ص) إذ سمعنا وجبة، فقال النبي (ص): «تدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر رُمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها» (القرطبي، 1364ش، 2: 236). هذه الرواية، التي وردت في بعض كتب الحديث المتقدمة للعامة (راجع: مسلم النيسابوري، بي تا، 8: 150)، وبحسب بحث الكاتب، لم تُنقل إلا في عدد محدود من تفاسير الشيعة (راجع: معرفت، 1387ش، 2: 234؛ الآملي، 1422ق، 3: 429).

وفي توضيحها، يورد الأستاذ جوادي: يمكن أن يُفهم من هذا الحديث أن الحياة الإلحادية والمنافقة هي نوع من جهنم الملكوتية، وأن لها نوعًا من الوقود والحصب والحطب مناسبًا لها، ولا يتعارض مع سائر الآيات ولا مع سائر أنواع العذاب الحسي؛ لأنها جميعًا يمكن أن تكون حقًا، وما دامت النار الظاهرية وجهنم الحسية والعذاب البدني والوقود الجسماني محفوظة، فإن إثبات المعارف والدرجات الأعلى ليس ممنوعًا فحسب، بل هو متناغم مع درجات القرآن (جوادي آملي، 1389ش، 2: 464).

وقد أشار مرارًا، بما يتناسب مع مباحثه التفسيرية، إلى هذه النقطة، وهي أنه بناءً على آيات مثل: «إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ» (الأنبياء: 98)، و«وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» (الجن: 15)، و«فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ» (البقرة: 23)، و«أُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ» (آل عمران: 10)، فإن حصب وحطب جهنم هو الإنسان الكافر أو المنافق نفسه (راجع: نفس المصدر، 1389ش، 2: 456، وأيضًا راجع: 21: 222). من هذا المنطلق، فإن الرواية المذكورة متناغمة مع آيات القرآن، وحتى مع روايات أخرى نُقلت عن طريق الشيعة.

نقطة أخرى هي أنه في بعض المصادر الأخلاقية والعرفانية، ورد فعل «سمعنا» و«السمع» بدلًا من تعبير «سمع صوت سقوط شيء»، ونُسب السماع للجميع (الغزالي، بي تا، 16: 65؛ ابن عربي، بي تا، 1: 298). السؤال الذي قد يطرح هو: رغم أن الإنسان يمكنه ببعض حواسه أن يرى مشاهد غيبية، كرؤية جهنم من قبل أصحاب اليقين (التكاثر: 5-6)، أو أن يسمع بأذنيه أصوات الملائكة الغيبية (راجع: جوادي آملي، 1388ش (ب)، 492)، فهل حقًا تمكن جميع أصحاب النبي (ص) الذين كانوا حاضرين هناك من سماع هذا الصوت؟

في الجواب، يمكن القول بأنه ليس من المستبعد أن تكون آذانهم قد فُتحت بتصرف من النبي (ص)، وتمكنوا من سماع هذا الصوت، وفي هذه الحالة، يمكن اعتبار ذلك معجزة، مثل تسبيح الحصى في يده (المجلسي، 1404ق، 17: 379) وتقدم الشجرة لتشهد له (الشريف الرضي، 1414ق، 301).

في تفسير آية «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا…» (النساء: 40)، ينقل الأستاذ جوادي عن النبي (ص) قوله: إن الله لا يغبن مؤمنًا حسنة، يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة؛ وأما الكافر فيُطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها (السيوطي، 1404ق، 2: 163). ثم يكتب في شرحها: «من هذه الرواية، تُفهم القيمة الفريدة للإيمان والخسارة التي لا تُعوض للكفر. حسنات المؤمن تتجلى في جميع العوالم: الدنيا، والبرزخ، والآخرة، بل وتؤثر في الأجيال التي تأتي بعده؛ على عكس حسنات الكافر التي تظهر آثارها فقط في الدنيا أو في البرزخ. كما ورد في بعض الروايات؛ ولكن في الآخرة، لا تمنع حسناته من دخوله النار» (جوادي آملي، 1389ش، 18: 692).

وهنا، من الضروري ذكر نقطتين. الأولى هي أنه يبدو أن الأستاذ استفاد من تعبير «فإذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة»، بأن الإنسان الكافر، بالإضافة إلى الدنيا، يستفيد من آثار أعماله الصالحة في عالم البرزخ أيضًا. وليس من المستبعد أن يكون هذا الاستنتاج مبنيًا على روايات أُطلقت فيها «الدنيا» على عالم البرزخ، مثل حديث عن جنة آدم (ع) يقول: «جنة آدم كانت من بساتين الدنيا…» (الحويزي، 1415ق، 1: 62). وهو والعلامة الطباطبائي من المفسرين الذين يعتقدون أن «الدنيا» في الرواية المذكورة لا تعني «الدنيا» هذه، بل جنة آدم وحواء (ع)، أي جنة برزخية (راجع: جوادي آملي، 1389ش (أ)، 3: 255، الطباطبائي، 1390ق، 1: 139).

والنقطة الثانية هي أن بعض النقولات في متون التفاسير لأهل السنة بهذا المضمون، أي «أن عذاب المشرك يخفف يوم القيامة» (السيوطي، 1404ق، 2: 163)، تتعارض مع آيات القرآن وليست بأحاديث صحيحة.

وفي بحثه الروائي لآية «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى…» (البقرة: 159)، ينقل عن رسول الله (ص): «من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار» (هذه رواية معروفة لكن النص المذكور في المصدر الفارسي يقتبس قول النووي: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس) (النووي، بي تا، 2: 20) (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 7: 8). ثم بالإشارة إلى أن الإنسان يمكن أن يكون سَبُعًا، أو بهيمة، أو شيطانًا، يستشهد بالبرهان الكلي لهذه النقطة في نهج البلاغة: «اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكًا… فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم» (الشريف الرضي، 1414ق: 53). وبناءً على كلام الإمام، مضافًا إلى الرواية المذكورة، يستنتج أن الحالات المذكورة في هذا الجزء من الحديث هي على سبيل المثال، أي ليس الأمر أن كلام ونظرة هؤلاء الأفراد شيطانية، ولكن سكوتهم ليس شيطانيًا، بل إن كتمانهم أيضًا شيطاني ككلامهم (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 8: 77).

ومن البديهي أن من بركات تبيين معارف القرآن بواسطة التلفيق بين روايات الشيعة وأهل السنة، أن تُقدَّم من جهة مصادر تفسيرية شيعية تكون مقبولة لدى أهل السنة أيضًا. وسيؤدي ذلك من جهة أخرى إلى أن كلمات الأئمة (ع) النورانية ستستقر في نفوس من ليسوا مألوفين بكلام هؤلاء العظماء، وهذان الأمران خطوة في سبيل التقريب بين المذاهب.

نقطة أخرى هي أنه، بحسب بحث الكاتب، لم يورد مفسرو أهل السنة البيان النبوي: «من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس» في تفاسيرهم، وهذا إما لأنهم لم يجدوا له معنى مقبولًا، أو لم يتمكنوا من تحقيق الانسجام بينه وبين النصوص الأخرى الواردة في ذيل الآية.

والنقطة الأخيرة في هذا القسم هي أن الرواية المذكورة ليست منسوبة إلى رسول الله (ص). فقد أورد النووي: «سمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق…» (2: 20). وقد أورد العلامة جوادي الحديث المذكور في بعض آثاره الأخرى وأحال إلى «وضوء النبي» (الشهرستاني، 1415ق، 1: 203) و«فقه السنة» (سابق، 1397ق، 2: 611) و«الكاشف» (مغنية، 1424ق، 2: 226)؛ بينما هذه الثلاثة لا تُعد من المصادر المتقدمة، وحتى النووي نفسه متوفى سنة 676 هـ. ويبدو أن هذا النوع من التساهل من المفسر، الذي يكون أحيانًا محل نقد وتأمل، نابع من اعتقاده بصحة الحديث الذي ينسجم مع مبانيه المقبولة لديه (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 1: 87).

وفي بحثه الروائي لآية: «انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» (الأنعام: 65)، أجرى المفسر بحثًا دلاليًا وسنديًا مستقلاً حول حديث: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن: من أراد علم الأولين والآخرين فليبحث في القرآن» (المتقي الهندي، 1401ق، 1: 548؛ الأندلسي، 1420ق، 1: 24) (جوادي آملي، 1390ش، 25: 478-481).

وقد وردت هذه الرواية في العديد من تفاسير أهل السنة، ولكن من بين تفاسير الشيعة، نقل القليل منهم رواية شبيهة بها عن أمير المؤمنين (ع): «سلوني عن القرآن، فإن فيه تبيان كل شيء وعلم الأولين والآخرين» (الكوفي، 1410ق، 68؛ البروجردي، 1416ق، 2: 16). لكن المفسر اختار الرواية المذكورة وجعلها تفسيرًا روائيًا لآية سورة الأنعام. والنقطة المهمة هي أن لسان الرواية المنقولة في كتب الشيعة هو بحيث يخصص هذا العلم لأمير المؤمنين (ع)؛ ولكن وفقًا للحديث قيد البحث، فإن أي شخص يريد أن يكون على دراية بعلوم الأولين والآخرين، وفي الحقيقة، بكل حقائق الوجود، يجب عليه أن يتدبر القرآن (راجع: جوادي آملي، 1390ش، 25: 481). لذا، فإن هذه الرواية تحمل نكتة معرفية جديدة، لئلا يظن أحد أنه لا يمكن من خلال تدبر القرآن اكتشاف طبقاته المعنائية العميقة؛ وهي عقيدة خاطئة قال بها بعض الأخباريين، أي أنهم اشترطوا الاستدلال بالقرآن بوجود تأييد من أهل البيت (ع).

كما أنه في بعض الحالات، قدم تحليلًا عقليًا لمضمون روايات أهل السنة. على سبيل المثال، في ذيل الحديث النبوي: «أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه لملائكته: سبحان ربي وبحمده» (السيوطي، 1404ق، 1: 46)، قدم نكات جميلة (جوادي آملي، 1389ش، 3: 159، أيضًا راجع: 1388ش (أ)، 7: 137؛ 8: 567).

٣-٣. المنهج النقدي للرواية

تؤثر عوامل متعددة على الفهم الخاطئ للروايات، وتؤدي أسباب متعددة إلى تغيير أو تحريف في سند ومتن الأحاديث. ولهذا، فإن الدراسة السندية والنقدية للحديث ضرورة لا يمكن إنكارها. ومع ذلك، ظهر في تاريخ الحديث الشيعي تيار يُعرف بالأخبارية، وبين أهل السنة تيار يُعرف بالظاهرية، وكلاهما، على عكس المحدثين القدماء، لم يكن لهما نظرة نقدية للأحاديث. وبطلان هذه النظرية بديهي، على الرغم من أنه يبدو أن لها أنصارًا حتى الآن، بل إن هناك آثارًا لهذه العقيدة الخاطئة شائعة بين عامة الناس.

لذلك، إذا تحدثنا عن «المنهج النقدي للرواية»، فيجب الانتباه إلى أن هذا المنهج أكثر شيوعًا بين الأصوليين، الذين يعتقدون، بناءً على تصريح أهل البيت (ع) أنفسهم، أن كلام هؤلاء الذوات المقدسة يجب أن يُعرض على مصادر متعددة مثل القرآن، والسنة القطعية، والعقل، وغيرها، وإذا اكتسب الخصائص اللازمة، يمكن الاستناد إليه. لا شك أن السيرة العلمية والعملية للأستاذ جوادي آملي تظهر أنه يمنح هذا المنهج مكانة مستقلة ومهمة، لدرجة أننا نشهد هذا التوجه في جميع آثاره. كما أنه في مناسبات مختلفة، اتخذ مواقف صريحة وواضحة ضد الأحكام غير الصائبة لبعض الأخباريين ورد عليها (راجع: جوادي آملي، 1388ش (أ)، 15: 235، نفس المصدر، 1386ش، 230).

١-٣-٣. عدم قبول الرواية لتعارضها مع القرآن

في نظر علماء وباحثي الحديث من الفريقين، باستثناء جماعة من الأخباريين المتطرفين الشيعة وبعض محدثي أهل السنة، فإن الرواية المخالفة للقرآن تُطرح جانبًا، وتُسمى اصطلاحًا أحاديث العرض، وتُعتبر باطلة (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 1: 80؛ 6: 105؛ 1388ش (ب)، 385، 1389ش (ب)، 143).

على الرغم من أن القرآن يُطرح في كتب التفسير كمصدر لنقد ودراسة الروايات، إلا أن ما يُلاحظ في آثار بعض المفسرين مثل العلامة الطباطبائي (راجع: نيل ساز، جليليان، 1395ش، 156) وفي كتابات العلامة جوادي آملي، هو المحورية التامة للقرآن في جميع جوانبه، وخاصة في تقييم الروايات، وهو ما يمكن دراسته بشكل خاص في «تسنيم». وفيما يلي، يُشار إلى أمثلة من هذه الحالات في نقد روايات أهل السنة:

كتب مؤلف «تسنيم» في تفسير آية «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ…» (النساء: 34): ما نقله الطبري (1412ق، 5: 37) والقرطبي (1364ش، 5: 168) من أنه بعد حكم النبي (ص) بالقصاص (للرجل الذي نزلت الآية في شأنه)، نزلت آية «وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ» (طه: 114)، لا يبدو صحيحًا، لأن النبي (ص) لا يحكم من عند نفسه أبدًا: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ» (النجم: 3-4)، بالإضافة إلى أن آية عدم التعجيل تتعلق بقراءة القرآن، أي لا تستعجل في تلاوته خشية نسيان الآيات، لأننا سنقرؤك إياه بطريقة لا تنساها: «سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ» (جوادي آملي، 1389ش، 18: 572).

حول النقطة الأولى التي ذكرها المفسر، يجب القول إن بعض علماء الحديث، في تعريف «السنة»، ذكروا قيد «غير العادي» (راجع: غفاري، 1384ش، 1: 29؛ الشوشتري، 1415ق، 1: 18). ومن المباحث المطروحة في فلسفة الفقه، أن النبي (ص) وأهل البيت (ع) لديهم شؤون حياتية عادية. ولهذا، يعتقد البعض أنه من الممكن أن يكون فعل الإمام ناتجًا عن ميله لأمر ما، أو أن عدم قيامه بفعل ما لا يدل على الكراهة أو الحرمة. ولهذا السبب، لاستنباط السنة من المعصوم، يجب التأكد من أن فعله ليس من الأفعال العادية واليومية، وأنه تم بقصد التشريع (راجع: فيض، 1369ش، 29). على الرغم من أن جوادي آملي لم يقل شيئًا صريحًا في هذا الشأن، إلا أنه، بناءً على مبانيه العرفانية، يعتقد أنه لا يمكن تقسيم سنة المعصومين (ع) إلى قسمين «عادي» و«غير عادي»؛ لأنه بناءً على الآيات الأولى من سورة النجم، فإن كل ما يصدر عن النبي (ص)، سواء كان فعلًا أو قولًا أو تقريرًا، يتبع الوحي، وهو، بناءً على توحيد الأفعال، مظهر للوجود الحق في جميع أعماله (راجع: جوادي آملي، 1388ش (ب)، 9: 108-109؛ نفس المصدر، 1383ش، 487). كما يؤكد في موضع آخر: «الأنبياء (ع) لا يخلطون كلامهم بهوى النفس، وحتى أقوالهم ليست عن طريق الاجتهاد والاستنباط؛ لأن علومهم بتعليم من الله» (نفس المصدر، 1389ش، 14: 264، 1390ش، 23: 273؛ 1395ش، 38: 361).

ومن الأمثلة الأخرى على ذلك ما يمكن ملاحظته في ذيل آية: «وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ…» (الأعراف: 142). يعتقد المفسر أنه بناءً على الشواهد القرآنية، فإن إضافة العشرة أيام كانت قبل ذهاب موسى (ع) إلى جبل الطور؛ لأنه من جهة، في بداية الآية، هناك مواعدتان، ثلاثون ليلة وعشر ليال في جملتين «وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً» و«وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ»؛ ثم بحرف «الفاء» استُنتج أن الميقات أربعون ليلة: «فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». بالإضافة إلى أنه بعد هذه النقاط الثلاث، يقول: إن موسى (ع) جعل أخاه خليفته: «وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي». بالتالي، قبل ذهابه إلى جبل الطور، كان من المؤكد أن الميقات أربعون ليلة، وأن هارون (ع) كان خليفته لهذه المدة؛ أي كأن النبي موسى قال لأخيه «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (جوادي آملي، 1392ش، 30: 189).

وعليه، فمن وجهة نظره، فإن احتمال أن الميقات الأول كان مقررًا لثلاثين ليلة، وقبل إضافة العشرة أيام، طُرحت مسألة خلافة هارون (ع) ثم أُضيفت العشر ليال، هو مخالف لظاهر القرآن (نفس المصدر). وهو، بالنظر إلى النقاط المذكورة، يعتبر المنقولات التي تقول: «إن موسى (ع) صام ثلاثين يومًا في الميقات وكانت الملائكة تستلذ برائحة فمه. فلما استاك ليزيل رائحة فمه، أُمر بأن يبقى عشرة أيام أخرى في جبل الطور جبرًا لهذا السواك غير اللائق» (راجع: العيني، بي تا، 15: 294؛ القرطبي، 1364ش، 7: 274-275) من الإسرائيليات (جوادي آملي، 1392ش، 30: 100).

٢-٣-٣. عدم القبول لعدم انسجامها مع الروايات الشيعية القطعية

من المسائل التي يجب أخذها في الاعتبار من وجهة نظر الأستاذ جوادي آملي في علم الحديث، تقسيم «السنة» إلى قطعية وغير قطعية. وهو يستخدم مصطلح «السنة القطعية» في مقابل «خبر الواحد» ويعتقد أن «السنة القطعية» هي عبارة عن الروايات المتواترة، شاملة التواتر التفصيلي، والإجمالي، واللفظي، والمعنوي (جوادي آملي، 1389ش (أ)، 97). ولهذا السبب، يعتبر هذا النوع من الروايات المعتبرة بمثابة القرآن ويسميها «الوحي البياني» (نفس المصدر، 1388ش (أ)، 1: 152؛ 9: 379).

وعليه، فمن وجهة نظر العلامة جوادي، فإن تواتر الرواية من أهم معايير صحتها. على سبيل المثال، ينقل القرطبي في تفسير آية «الولاية» (المائدة: 55) أنه سُئل الإمام الباقر (ع): هل هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (ع) أم لا؟ فأجاب: «علي من المؤمنين». فظاهر الرواية أن الآية نزلت في عموم المؤمنين؛ لا في خصوص الإمام علي (ع) (القرطبي، 1364ش، 6: 221). كما نقل الفخر الرازي عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في الخليفة الأول؛ لا في شخص آخر (فخر الرازي، 1420ق، 12: 28) (جوادي آملي، 1390ش، 23: 129).3

يعتقد مفسر «تسنيم» أن الجواب على هذا النوع من الشبهات، الناشئة عن تعصبات غير لائقة، هو أنه في مقابل هذا الخبر، وردت روايات صحيحة كثيرة من أهل البيت (ع) ورواة أهل السنة، تفيد بأن هذه الآية خاصة بأمير المؤمنين (ع) وهي في حد التواتر (نفس المصدر، 23: 143). ويمكن مشاهدة بعض هذه الروايات في «البرهان» (البحراني، 1415ق، 2: 318) و«شواهد التنزيل» (الحسكاني، 1411ق، 1، 209-212).

في تفسير آية: «قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (البقرة: 32)، ينقل العلامة جوادي عن القرطبي: «سأل رجل من حضرت علي (ع) مسألة. فأجاب عنها. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر كذلك، بل هو كذا وكذا. فقال حضرت: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم» (ابن عبد البر، 1398ق، 132، القرطبي، 1364ش، 1: 287). ثم ينتقد هذا القول كاتبًا: على الرغم من أن العلم الممكن محدود بالنسبة لعلم الله سبحانه، إلا أن صاحب مقام «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» (الشريف الرضي، 1414ق، 280) منزه عن مثل هذه الأقوال (جوادي آملي، 1389ش، 3: 244).

بناءً على ما سبق، يبدو أن مفسر «تسنيم»، بغض النظر عن المجموعة الواسعة من الأدلة النقلية المعتبرة التي تشهد بوضوح على بطلان الحديث المذكور، يعتبر العبارة المشهورة: «سلوني قبل أن تفقدوني»، التي وردت مرارًا في مصادر الحديث الشيعية المتقدمة (راجع: الثقفي، 1395ق، 1: 6) وفي متون حديث أهل السنة (المتقي الهندي، 1401ق، 13: 165، العلوي، بي تا، 16، الذهبي، 1413ق، 6: 258)، قرينة قوية على بطلان عبارة «أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم» المنسوبة إلى أمير المؤمنين (ع).4

والنقطة الأخرى هي أنه في رواية عن نفس الإمام (ع) نقلها محمد بن الحنفية، علّمه الخضر (ع) دعاء كان يقرؤه أثناء الطواف، فقال الإمام: «إن علمه لعندي، والله واسع كريم». فأجاب الخضر (ع): «يا أمير المؤمنين، صدقت، والله، وفوق كل ذي علم عليم» (المفيد، 1413ق، 92). وحين يتحدث الإمام عن علمه المسبق مقابل علم نبي الله، كيف يمكن قبول جهله في مسألة معينة، بينما يسبقه في العلم إنسان عادي؟

٤-٣-٣. التعارض مع المباني الكلامية الصحيحة كعصمة الأنبياء (ع)

الاعتقاد بعصمة الأنبياء (ع) هو أحد أهم المباني الكلامية التي لها تأثير واضح في فهم الروايات. ورغم أن بعض الفرق الإسلامية تخالفه، بل وأحيانًا يعتبرون الإمامية غلاة بسبب اعتقادهم به،5 إلا أنه لا يوجد خلاف بين الإمامية في قبوله، وهم يعتقدون أنه لا يصدر أي ذنب عن الأنبياء، كبيرًا كان أم صغيرًا، لا عمدًا ولا سهوًا، قبل البعثة أو بعدها؛ ولكن معظم أهل السنة يجيزون ارتكاب الذنوب الصغيرة أو ارتكاب الذنب سهوًا، وبعضهم الآخر يخالف جواز ارتكاب الصغيرة (راجع: التفتازاني، 1409ق، 5: 50).

ما يُلاحظ في «تسنيم» هو الاعتقاد الراسخ بهذا المبدأ؛ بحيث يؤكد دائمًا على أنه للحفاظ على العصمة، يجب ترجيح الوجوه العقلية على الشواهد النقلية، لئلا يتلوث أصل النبوة بذنب، حتى لو كان صغيرًا بالمعنى المتداول، بل وحتى بغبار الغيرية. (راجع: جوادي آملي، 1389ش (أ)، 3: 351).

ولهذا السبب، أكد مرارًا في «تسنيم» وسائر آثاره على هذه المسألة، وهي أن الأنبياء منزهون عن كل سهو ونسيان (نفس المصدر، 1389ش، 3: 89، 439؛ 5: 444؛ 1384ش، 201، 212). وبناءً على ذلك، اعتبر مجموعة من الروايات التفسيرية مرفوضة، أو أن الالتزام بمتونها أمر صعب للغاية.

ومن الأمثلة التي رفضها المفسر لعدم توافقها مع المقام الرفيع لرسول الله (ص)، رواية سلمان في تفسير آية: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ…» (البقرة: 62). ورد في هذا النقل: «سألت النبي (ص) عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت آية: «إن الذين آمنوا والذين هادوا»» (السيوطي، 1404ق، 1: 73). اعتبر الأستاذ هذا النقل نفسه صحيحًا، بينما اعتبر الروايات الأخرى التي تقول إن النبي (ص) قال: «هم في النار»، وبعدها نزلت آية «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (نفس المصدر) غير صحيحة؛ لأنه بناءً عليها، يكون النبي (ص) قد قال شيئًا في جوابه لسلمان، ثم رده الله سبحانه، وهذا لا يتوافق مع مقامه الرفيع (جوادي آملي، 1389ش، 5: 86).

ويبدو أنه اعتبر قبول مضمون الروايات الواردة في شأن نزول آية: «لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ…» (البقرة: 272) مشكلًا بناءً على نفس المعيار. ورد في هذه الأحاديث أن «المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فنهاهم رسول الله (ص) عن ذلك وقال: «لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم»» (الثعلبي، 1422ق، 2: 274، القرطبي، 1364ش، 3: 373)، ثم نزلت الآية وأباحت الصدقة على غير المسلم (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 12: 491).

وفي تفسير آية: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ…» (الأنفال: 67)، يورد الأستاذ جوادي: الروايات الواردة في بعض كتب العامة (الطبري، 1412ق، 10: 309)، والتي تعتبر أخذ النبي (ص) وأصحابه الفداء مقابل إطلاق سراح أسرى بدر قبل إذن الله، كلها غير صحيحة؛ لأنها تتضمن أمورًا لا تتوافق مع عصمة النبي (ص) (جوادي آملي، 1393ش، 33: 79). وغني عن القول، بالإضافة إلى أن المنقولات المذكورة لا تتوافق مع عصمة النبي (ص)، فإنها تحتوي على أمور تبدو مستساغة لأهل السنة؛ لأنها تعد الآية من موافقات الخليفة الثاني، وتعتبره من مستشاري النبي (ص) الذين قال لهم بعد نزول الآية: «كاد أن ينزل فينا بلاء لمخالفتي رأيك» (الواحدي، 1383ش، 242).

وعليه، فكما ذكر العلامة جوادي، فإن ساحة رسول الله (ص) منزهة عن النسب التي نسبها إليه بعض مفسري أهل السنة، وعلة العتاب في الآية هي المبادرة العشوائية من بعض المسلمين إلى الأسر؛ لا أخذ الفداء؛ لأنه لم يكن هناك خبر عن أخذ الفداء في ذلك الوقت (جوادي آملي، 1393ش، 33: 72).

وفي بحثه عن شأن نزول آية: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ…» (النساء: 34)، يعتقد أن شأن النزول الذي نقله الشيخ الطوسي لا إشكال فيه (الطوسي، بي تا، 3: 189)؛ لأنه وفقه، لم يقل رسول الله (ص) شيئًا بعد سماعه بصفع المرأة، حتى نزلت الآية وأبلغهم بالحكم؛ ولكن وفقًا للنقل الآخر، أمر النبي (ص) أولًا بالقصاص (الثعلبي، 1422ق، 3: 302). فلما نزلت هذه الآية قال: «ارجعوا، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية». كما قال: «أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير».

يفضل المفسر نقل الشيخ الطوسي لأنه خالٍ من ذيل شأن النزول هذا، وذلك لأن رسول الله (ص) لا يحكم بدون أمر إلهي، وإذا حكم بالقصاص، فإنه يكون بناءً على القواعد العامة للقصاص، وهذه الآية حكم خاص بالزوج والزوجة، حيث يمكن للزوج تطبيق حدود الله على زوجته. عبارة «أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، ونحن نسلم لأمر الله» نُقلت أيضًا في بعض تفاسير الشيعة (الطبرسي، 1372ش، 3: 68؛ الكاظمي، 1365ش، 3: 258)، وفي بعض الروايات الأخرى ورد مثل هذا التعبير على لسان بعض الأئمة (ع) (الكليني، 1407ق، 2: 92)، على الرغم من أن الأستاذ بيّن أن: «ذيل شأن النزول هذا لم يرد بناءً على نقل تفسير «التبيان»، وهذا أفضل» (جوادي آملي، 1389ش (أ)، 18: 572). ولكن يبدو من وجهة نظره أن صدور مثل هذا التعبير من المعصوم (ع) محل نقد، وعلى فرض صحته، يجب حمله على وجه لا يترك ذرة من غبار الغيرية على ساحته؛ لأنه من منظور عرفاني، تتجلى الإرادة التشريعية للخالق في إرادة الإنسان الكامل المعصوم (ع) (نفس المصدر، 19: 598)، وقد بلغوا مقامًا يتكلمون فيه بلسان الله، ويسمعون بأذن الله، ويعملون بإرادة الله، وحتى لا يريدون شيئًا إلا أن يريده الله (راجع: نفس المصدر، 145، 1383ش، 505)، لأن المعصوم عبد صالح لا يعمل شيئًا إلا بإذن مسبق (الأنبياء: 27) (جوادي آملي، 1388ش، 7: 406)، وعمله ينزل من مقام العصمة الكلية الإلهية، والخلافة المطلقة لله، ومظهرية الاسم الأعظم (نفس المصدر، 1389ش (أ)، 10: 258).6

٤. الاستناد إلى الروايات التفسيرية لأهل السنة لتأييد الاستنباطات التفسيرية القرآنية

كثير من روايات «تسنيم» هي من نوع الروايات المؤيدة. وهذا مهم لأنه، شأنه شأن العلامة الطباطبائي، يؤمن باستقلال القرآن في إفادة المقصود وعدم حاجته إلى غيره، ولكنه في الوقت نفسه يستفيد من الأحاديث كشاهد وقرينة وتأييد. وهذه الأحاديث لا تقتصر على روايات الشيعة. على سبيل المثال، في تفسير آية: «لَّمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (الأنفال: 68)، وبسبب ظهور الفعل الماضي في «أخذتم»، اعتبرها ناظرة إلى عقاب دنيوي، وأيّد رأيه بكلام من النبي الأكرم (ص) حيث قال: «لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا عمر» (والنص في المتن الفارسي يذكر رواية أخرى: «العذاب الذي عُرض عليّ وكان من الممكن أن يصيبكم، كان أقرب إليكم من هذه الشجرة») (جوادي آملي، 1393ش، 33: 86). هذه الرواية التي نُقلت عن طريق أهل السنة (مسلم النيسابوري، بي تا، 5: 158، البيهقي، بي تا، 9: 68) وردت في تفاسيرهم المتعددة، ولكن في إطار رواية قصة معركة بدر (راجع: الطبري، 1412ق، 10: 31)، ومن تفاسير الشيعة نُقلت أيضًا في عدد قليل جدًا منها (النهاوندي، 1386ش، 3: 111).

في تفسير آية «هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ» (آل عمران: 163)، اعتبر المفسر إطلاق «الدرجة» على المؤمن نفسه حقيقة لا مجازًا؛ وشرح أسسه البرهانية، وأورد رواية الإمام الرضا (ع) كمؤيد، حيث قال: «المقصود من آية «هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ»، درجات يكون تفاوت ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (العياشي، 1380ق، 1: 205) (جوادي آملي، 1388ش (أ)، 16: 210). كما اعتبر الرواية التي نقلها أهل السنة، ومفادها أن «أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في أفق السماء» (راجع: ابن الأثير، 1367ش، 2: 177)، مؤيدة لحديث الإمام الرضا (ع)، وفي الحقيقة، مؤيدة للآية المذكورة (راجع: جوادي آملي، 1388ش (أ)، 16: 214؛ أيضًا راجع: نفس المصدر، 210، 356، 415، 490، 526).

وفي بحث النزول الدفعي لسورة الأنعام، يعتقد أنه وفقًا لآية «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ» (الشعراء: 193-194)، فإن الوحي ومنزله كلاهما ينزلان في قلب النبي (ص). ثم يعتبر روايات مشايعة الملائكة لنزول هذه السورة، التي نقلها مفسرو أهل السنة، مؤيدة لهذه المسألة. ورد في هذا الحديث: «أنزل الله هذه السورة مع جبريل وخمسين ألف ملك، شيّعوها باحترام، وحفّوا بها، وأودعوها في قلبي» (فخر الرازي، 1420ق، 12: 471). وقد ورد هذا الحديث مع اختلاف طفيف في بعض تفاسير الرواية العامة الأخرى (راجع: الصنعاني، 1411ق، 1: 196، السيوطي، 1404ق، 3: 3) (جوادي آملي، 1390ش، 24: 351).

٥. الاستنتاج

الجمود على الاستفادة من روايات الشيعة فقط في كتب التفسير وغيرها، على الرغم من كثرة المنقولات التي وصلتنا فقط عن طريق رواة أهل السنة، هو من الآفات التي وقع فيها بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين. لكن الأستاذ جوادي آملي يستفيد من هذه الروايات على نطاق واسع. يمكن تلخيص ثمرات هذا المنهج في التعامل مع أحاديث العامة في تفسير «تسنيم» تحت عناوين كلية مثل تأييد المعتقدات الشيعية الأصيلة (خاصة في ذيل الآيات الكلامية)، وفهم نكات جديدة في فقه الحديث، وتأييد الاستنباطات التفسيرية التي تتم بالاعتماد على السياق الداخلي والخارجي للآيات، ونقد مضمون تلك الفئة من منقولات أهل السنة التي لا تُعتبر صحيحة بناءً على معايير علم الحديث، وغيرها. ويبدو أن هذا النوع من النظرة غير المتعصبة لمصادر وروايات ورواة أهل السنة يمكن أن يكون، أكثر من أي شيء آخر، عاملًا مؤثرًا في تقريب الأفكار التفسيرية والفقهية والكلامية بين المذاهب. ومن البديهي أن هذه الدراسة خطوة صغيرة في هذا المسار، وأن تبيين الجوانب المختلفة لهذا التوجه في تفاسير مثل «تسنيم» يتطلب دراسات وبحوثًا أكثر توسعًا.

المصادر

القرآن الكريم.

الآملي، حيدر بن علي، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم، تحقيق: محسن الموسوي التبريزي، قم، نور على نور، ١٤٢٢هـ.

ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تصحيح: محمد أبو الفضل إبراهيم، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ١٤٠٤هـ.

ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، بيروت، دار الكتب، ١٣٩٨هـ.

ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، ١٣٦٧ش.

ابن عربي، محمد بن علي، الفتوحات، بيروت، دار صادر، بي تا.

ابن ماجه، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه، محقق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، ١٣٧٢هـ.

باقري، حميد؛ محمد كاظم رحمان ستايش، «كاركردهای نقل روايات اهل سنت در منابع شيعی با تكيه بر روايات تفسيری»، علوم حديث، خريف وشتاء ١٣٨٧ش، شماره ٤٩، صص ١١١-١٥٢.

البحراني، هاشم بن سليمان، البرهان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة البعثة، ١٤١٥هـ.

البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧١ش.

البروجردي، سيد حسين، تفسير الصراط المستقيم، قم، مؤسسة أنصاريان، ١٤١٦هـ.

البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، قم، دار الفكر، بي تا.

الترمذي، محمد بن عيسى، سنن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بي تا.

التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، قم، الشريف الرضي، ١٤٠٩هـ.

الثعلبي، أحمد بن إبراهيم، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٢هـ.

الثقفي، إبراهيم بن محمد، الغارات، طهران، انجمن آثار ملى، ١٣٩٥ش.

جوادي آملي، عبد الله، أدب فنای مقربان، قم، إسراء، ١٣٨٩ش (أ).

________، تسنيم، قم، إسراء، ١٣٨٨ش (أ).

________، توحيد در قرآن، قم، إسراء، ١٣٨٣ش.

________، حيات حقيقی انسان در قرآن، قم، إسراء، چاپ دوم، ١٣٨٤ش.

________، سيره رسول اكرم (ص) در قرآن، قم، إسراء، ١٣٨٨ش (ب).

________، شريعت در آينه معرفت، قم، إسراء، چاپ پنجم، ١٣٨٦ش.

________، شميم ولايت، قم، إسراء، ١٣٨٨ش (پ).

________، قرآن در قرآن، قم، إسراء، ١٣٨٨ش (ت).

________، نزاهت قرآن از تحريف، قم، إسراء، چاپ چهارم، ١٣٨٩ش.

________، وحی و نبوت در قرآن، قم، إسراء، ١٣٨٨ش (ث).

________، همتايی قرآن و اهل بيت (ع)، قم، إسراء، ١٣٨٩ش (ب).

الحائري الطهراني، علي، مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧٧ش.

الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٠٩هـ.

الخطيب البغدادي، محمد عجاج، السنة قبل التدوين، الطبعة السابعة، بيروت، دار الفكر، ١٤٢٩هـ.

الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٣هـ.

الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي، چاپ سوم، ١٤٠٧هـ.

سابق، سيد، فقه السنة، بيروت، دار الكتاب، ١٣٩٧هـ.

السبزواري، عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة أهل البيت، ١٤٠٩هـ.

الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تصحيح: صبحي الصالح، قم، هجرت، ١٤١٤هـ.

السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في تفسير المأثور، قم، مكتبة آية الله مرعشي نجفي، ١٤٠٤هـ.

الشهرستاني، علي، وضوء النبي، قم، المؤلف، ١٤١٥هـ.

الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، منية المريد، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ١٤٠٩هـ.

الصنعاني، عبد الرزاق بن همام، تفسير القرآن العزيز المسمى تفسير عبد الرزاق، بيروت، دار المعرفة، ١٤١١هـ.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، چاپ دوم، ١٣٩٠هـ.

الطبراني، سليمان بن أحمد، التفسير الكبير، الأردن، دار الكتاب الثقافي، ٢٠٠٨م.

الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، ١٣٧٢ش.

الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة، ١٤١٢هـ.

الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بي تا.

العروسي الحويزي، عبد علي بن جمعة، نور الثقلين، قم، إسماعيليان، ١٤١٥هـ.

العلوي، علي بن محمد، دفع الارتياب عن حديث الباب، قم، دار القرآن الكريم، بي تا.

العيني، بدر الدين، عمدة القاري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بي تا.

الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، بيروت، دار الكتاب العربي، بي تا.

الفاضل المقداد، مقداد بن عبد الله، كنز العرفان في فقه القرآن، طهران، مرتضوي، ١٣٧٣ش.

الفخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٠هـ.

فضل الله، سيد محمد حسين، من وحي القرآن، بيروت، دار الملاك، ١٤١٩هـ.

فيض، عليرضا، مبادئ فقه وأصول، طهران، دانشگاه طهران، مؤسسة چاپ وانتشارات، ١٣٦٩ش.

القاسمي، جمال الدين، محاسن التأويل، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ.

القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، طهران، ناصر خسرو، ١٣٦٤ش.

الكاشاني، ملا فتح الله، زبدة التفاسير، قم، بنياد معارف إسلامي، ١٤٢٣هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧هـ.

الكوفي، فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي، طهران، مؤسسة الطبع والنشر في وزارة الإرشاد الإسلامي، ١٤١٠هـ.

المتقي، علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠١هـ.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٤هـ.

معرفت، محمد هادي، التفسير الأثري الجامع، قم، التمهيد، ١٣٨٧ش.

المفيد، محمد بن محمد، الأمالي، مصحح: حسين استاد ولي، علي أكبر غفاري، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٣هـ.

ناجي صدره، طاهرة؛ موسوي، سيد محسن؛ نورائي، محسن؛ يدالله پور، محمد هادي، «بررسی مبانی فقه الحديث استاد جوادي آملي با تمركز بر تفسير تسنيم»، مطالعات فهم حديث، بهار وتابستان ١٣٩٦ش، ٣ (٢)، صص ٥٥-٧٧.

نفيسي، شادي، دراية الحديث، طهران، سمت، ١٣٩٢ش.

________، علامه طباطبايی وحديث، طهران، علمي وفرهنگي، ١٣٨٤ش.

النهاوندي، محمد، نفحات الرحمن في تفسير القرآن، قم، مؤسسة البعثة، ١٣٨٦ش.

النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، بيروت، دار الفكر، بي تا.

نيل ساز، نصرت؛ جليليان، سعيد، «مبانى فقه الحديثى علامه طباطبايى در تفسير البيان فى الموافقة بين الحديث والقرآن»، مطالعات فهم حديث، ١٣٩٥ش، ٢ (٢)، صص ١٥١-١٧٣.

واعظ زاده خراساني، محمد، «مصاحبه با آيت الله استاد حاج شيخ محمد واعظ زاده خراساني»، نشريه حوزه، سال بيست وچهارم، ١٣٨٦ش، ش١٤١، صص ١٩-٥٢.

الهوامش

1. بعض هذه الأحاديث كالتالي: ١. عن الصادق (ع) قال: «إِذَا نَزَلَتْ بِكُمْ حَادِثَةٌ لَا تَعْلَمُونَ حُكْمَهَا فِيمَا وَرَدَ عَنَّا فَانْظُرُوا إِلَىٰ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ (ع) فَاعْمَلُوا بِهِ» (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ٢٧: ٩١). ٢. عن أبي عبد الله (ع) قال: «لَا تُكَذِّبُوا الْحَدِيثَ إِذَا أَتَاكُمْ بِهِ مُرْجِئِيٌّ وَلَا قَدَرِيٌّ وَلَا حَرُورِيٌّ يَنْسُبُهُ إِلَيْنَا فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ فَيُكَذَّبُ اللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ» (البرقي، ١٣٧١ش، ١: ٢٣٠).

2. لأول مرة، وبناءً على اقتراح وإشراف آية الله جوادي آملي، تم تأليف بحث في قالب كتاب «رجال تفسيري»، وقد طُبع منه حتى الآن ستة مجلدات. ومن وجهة نظره، فإن ما يحظى بأهمية خاصة في هذا المجال هو الاجتهاد في علوم الرجال والدراية. ويكتب في هذا الصدد: «لإثبات أو إبطال دليل نقلي، يجب الاجتهاد؛ لا أن يُكتفى بقبول أو رفض بعض المتقدمين أو بعض المتأخرين؛ لأنه قد يكون شخص ما قد جُرح من قبل محدّث أو فقيه متقدم؛ ولكن محدّث أو فقيه متأخر يعدّله، والعكس صحيح. وعليه، فإن التسرع في مدح أو ذم شخص بالاعتماد على جرح واحد، دون ملاحظة تعديل آخر، غير جائز» (جوادي آملي، ١٣٨٩ش (أ)، ٦: ٣٧٣).

3. بحسب قول آية الله جوادي آملي، لم يُعثر على هذه الرواية في المجاميع الروائية للفريقين، ولم ترد إلا في «التفسير الكبير» (فخر الرازي، ١٤٠٩هـ، ١٢: ٣٨٢) و«زاد المسير» (ابن الجوزي، ١٤٢٢هـ، ٢: ٣٨٣) (جوادي آملي، ١٣٩٠ش، ٢٣: ١٢٩).

4. يكتب ابن أبي الحديد في ذيل هذه العبارة: «أجمع الناس كافة على أنه لم يقل أحد من الصحابة ولا العلماء: سلوني» (١٤٠٤هـ، ٣: ٣٩).

5. على سبيل المثال، يورد القاسمي في ذيل الآية ٢١ من سورة الكهف، نقلاً عن أحد أهل النظر من أهل السنة، كلاماً في ذم الشيعة، لأنهم يزورون قبور النبي (ص) وأهل البيت (ع). ومن ذلك قوله: «فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو ينافي التعظيم، ولهذا فإن الرافضة الذين يدعون لعلي (ع) الألوهية أو النبوة أو العصمة ونظائرها، لا يعظمونه في الحقيقة» (١٤١٨هـ، ٧: ١٧؛ أيضاً راجع: فخر الرازي، ١٤٠٩هـ، ٢١).

6. بعض تفاسير الشيعة مثل: «الفاضل المقداد، ١٣٧٣ش، ٢: ٢١١؛ الكاشاني، ١٤٢٣هـ، ٢: ٥٩؛ الحائري الطهراني، ١٣٧٧ش، ٣: ٩٧؛ فضل الله، ١٤١٩هـ، ٧: ٢٢٨» أوردت هذه الرواية أيضاً، ولكنها لم تردها أو تضعفها.

Scroll to Top