الملخص
يعد الفقه الاجتماعي من العلوم التخصصية والمضافة التي حظيت اليوم باهتمام في الأوساط النخبوية والحوزوية، ونحن في خطواتنا الأولى في تبيين ماهيته. هذا العلم، الذي يتناول الموضوعات الفقهية بمنظور اجتماعي، يمتلك قدرة مناسبة للاستجابة للاحتياجات الجديدة للمجتمع الديني بمنهج الفقه الجواهري. من جهة أخرى، وبالنظر إلى بيان “الخطوة الثانية للثورة الإسلامية في إيران” وتأسيس حضارة إسلامية جديدة، تبرز ضرورة تبني منظور اجتماعي للمسائل الفقهية لتمهيد الطريق لبناء الأنظمة في المجالات الاجتماعية؛ ومن جهة أخرى، مع تأسيس الأنظمة الفقهية، تتهيأ الأرضية لتحدي الأنظمة الغربية وحضارتها. من بين المدارس الفقهية، تتمتع مدرسة الإمام الخميني الفقهية، نظرًا لبروز مباحث وموضوعات مثل منهج تجميع الظنون، والعرف، وقاعدة لا ضرر، ودور الحاكم الإسلامي، والخطابات القانونية، بقدرة مناسبة لإنتاج الفقه الاجتماعي. وفي هذا المقال، سيتم الإشارة إلى إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي باستخدام المنهج الوصفي والمكتبي.
المقدمة
الفقه علم معياري وتجويزي يبحث في أحكام وسلوكيات المكلفين الفردية والاجتماعية، وعلى هذا الأساس يصح تقسيم الفقه إلى فقه فردي وفقه اجتماعي. موضوع الفقه الفردي هو فعل المكلف، وموضوع الفقه الاجتماعي هو فعل المجتمع. (راجع: فاضل لنكراني، 1400)؛ وبناءً على ذلك، فإن الفقه الاجتماعي هو علم فقهي موضوعه المجتمع، ويدرس المسائل الفقهية بمنظور اجتماعي، وهدفه رسم نموذج ونمط للحياة الاجتماعية. اليوم، طُرحت تصورات وقراءات متنوعة للفقه الاجتماعي؛ ولكن يبدو أن ما قيل هو التصور والقراءة الصحيحة للفقه الاجتماعي. كان تراث الشيعة في الماضي أكثر تناسبًا مع الفقه الفردي منه مع الفقه الاجتماعي، وهذا نتيجة لعوامل عدة مثل الطابع التقليدي الغالب على المجتمعات الإسلامية، وتوافق الفقه مع مقتضيات البيئة المعيشية للمؤمنين، وضعف الاعتقاد بالفقه الأوسع نطاقًا، وعدم وجود تجربة حكم ديني، وهيمنة التوجهات الفردانية، وهيمنة الخطاب العالمي العلماني. (راجع: رباني، 1393، ص 124-127). أما اليوم، مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران وحضور الدين في الساحات الاجتماعية، فإن ضرورة وأهمية الاهتمام بالفقه الاجتماعي تُطرح بشكل أكبر. السؤال الرئيس في هذا البحث هو: ما هي إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي؟ وفرضية البحث هي أن مدرسة الإمام الخميني الفقهية تمتلك إمكانيات مناسبة في إنتاج الفقه الاجتماعي، وفي هذا المقال سيتم الإشارة إلى هذه الإمكانيات. لقد أُلّفت عدة كتب حول الفقه الاجتماعي؛ منها: مجموعة مقابلات “الفقه الاجتماعي” بجهود محمد باقر رباني من منشورات مركز فقه الأئمة الأطهار (ع)، وكتاب “الفقه والمجتمع” تأليف محمد باقر رباني ومحمد صادق رباني من منشورات مركز فقه الأئمة الأطهار (ع)، و”مدخل إلى الفقه الاجتماعي” بقلم محمد باقر رباني بالتعاون مع أساتذة، و”الفقه الاجتماعي” بقلم محمد جواد أرستا من منشورات مبنا. كما نُشرت مقالات في المجلات العلمية والبحثية. “مدخل إلى الفقه الاجتماعي ونسبته بعلم الاجتماع الإسلامي” بقلم محمد تقي مقدمي و”مقدمة في الفقه الاجتماعي الشيعي من منظور قائد الثورة” بقلم عباسعلي مشكاني سبزواري و”منهجية الفقه الاجتماعي من عصر التأسيس إلى عصر التثبيت” بقلم محمد باقر رباني وقاسم إبراهيمي بور، تُعد من الأنشطة البحثية في مجال الفقه الاجتماعي. أما عن إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي، فلم يُكتب مقال أو بحث، ويُعد هذا من إبداعات هذا البحث. في هذا المقال، يتم تناول إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية بالمنهج الوصفي-المكتبي. لقد كان الاهتمام بالمسائل الاجتماعية موجودًا بين الفقهاء في التراث الشيعي؛ ولكن أن تُدرس مسألة بمنظور اجتماعي، للأسباب التي ذُكرت، مثل عدم امتلاك الفقهاء للمرجعية السياسية وغيره، كان أقل اهتمامًا. الفقه الاجتماعي هو علم عام تتفرع منه فروع فقهية مضافة وتخصصية مثل فقه الثقافة والعلاقات الاجتماعية، وفقه البيئة، وفقه الفن، وفقه الرياضة، وفقه الإدارة الحضرية والعمارة، وفقه السياحة والترفيه، والفقه السياسي، والفقه الحكومي. إن منهج الاستنباط والبحث في هذه الفروع الفقهية المضافة هو نفس منهج الفقه الفردي وصاحب الجواهر؛ مع ملاحظة أن هذا المنهج لاستنباط الفقه الفردي يحتاج إلى ترميم وتكميل لاستنباط مسائل الفقه الاجتماعي. من بين المدارس الفقهية، تتميز مدرسة الإمام الخميني الفقهية، بسبب مبانٍ مثل النظرة النظمية للفقه، ووجود أحكام اجتماعية لإدارة المجتمع، ودور الزمان والمكان، بأنها تمتلك قدرة مناسبة لإنتاج وتدوين الفقه الاجتماعي؛ لذا، سيُشار في هذا المقال بالمنهج الوصفي والمكتبي إلى بيان إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي.
1. دراسة المفاهيم
في هذا القسم، سنتناول دراسة مفاهيم المدرسة الفقهية، والفقه الاجتماعي، والفقه الاجتماعي العام والخاص، والفرق بين الفقه الفردي والفقه الاجتماعي.
1-1. المدرسة الفقهية
يرى المحققون أن مقومات العلوم هي: الموضوع، والمسائل، والأغراض، والمبادئ (التصورية والتصديقية)، والمدرسة هي التوجهات التي تنشأ في أجزاء علم ما (الموضوع، المسائل، الأغراض، والمبادئ) وتترك أثرًا كبيرًا (ضيائي فر، 1385، ص 225-226). بشكل عام، عمل الفقيه هو استنباط الأحكام الفقهية، ويشمل ذلك المصادر، والأدوات، والمستندات، وإعمال وعدم إعمال القواعد الأصولية والرجالية والفقهية. ويمكن أن يؤثر الاختلاف في أي منها في نشأة مدرسة فقهية. فإذا اختلف فقيهان في مصادر الفقه، كما هو الحال بين الأخباريين الذين يعتبرون السنة المصدر الوحيد للفقه وينفون القرآن دون تفسير من المعصوم والعقل والإجماع، وآخر يعتبر مصادر الفقه شاملة للكتاب والسنة والعقل والإجماع، فمن الطبيعي أن يختلف فقههما (نفس المصدر، ص 228). وفي الأدوات أيضًا، قد يستخدم الفقيه في عملية الاستنباط أدوات متنوعة؛ مثل القواعد الأصولية والرجالية والفقهية، والاختلاف في أي من هذه الموارد يمكن أن يؤدي إلى نشأة مدرسة. فإذا اعتبر فقيه الخبر الصحيح حجة، وآخر أضاف إليه الخبر الثقة والخبر الحسن، فمن الطبيعي أن يختلف فقهه عن فقه من يعتبر الخبر الصحيح فقط حجة. كما أن التنوع في مستندات القواعد نفسها والاختلاف فيها يمكن أن يؤدي إلى نشأة مدرسة. فاستعمال أو عدم استعمال القواعد الأصولية والرجالية والفقهية قد يؤثر في نشأة المدارس الفقهية. فقول المشهور لا تأثير له في الحكم نفيًا وإثباتًا، ولا يُعد دليلاً على الحكم ولا موهنًا لفتوى الفقيه، ولكن في مقام الإفتاء، قد يفتي أحدهم بجرأة بخلاف المشهور، وآخر لا يفتي بخلاف المشهور ويحتاط. كما أن الاختلاف في المنهج الفقهي يؤدي إلى ظهور مدارس فقهية؛ مثل المدرسة الفقهية في النجف وقم وسامراء، حيث في المدرسة الفقهية النجفية، يُطرح أولاً مقتضى الأصل والقاعدة، ثم يُبحث عن مقتضى الدليل الخاص في المسألة؛ ولكن في مدرسة قم، لا يُلجأ إلى الأصل إلا إذا لم يكن هناك دليل أصلاً، أو كان هناك دليل لكن دلالته غير تامة (نفس المصدر، ص 229-230).
1-2. الفقه الاجتماعي
من المفاهيم الأخرى التي يجب دراستها، مفهوم الفقه الاجتماعي. يمكن رسم ثلاث قراءات للفقه الاجتماعي: القراءة الأولى: الفقه الاجتماعي بمعنى فقه المسائل الاجتماعية؛ مثل المسائل الفقهية المتعلقة بالأسرة، والزواج، والطلاق، والأمر بالمعروف، والمعاشرة الاجتماعية، وصلة الرحم. في هذا المنظور، نسبة الفقه إلى المجتمع هي نسبة المضاف والمضاف إليه. الفقه الاجتماعي بهذا المعنى يشبه فقه المعاملات، حيث في فقه المعاملات تُبحث المسائل المتعلقة بالبيع والشراء والتجارة، وفي الفقه الاجتماعي تُبحث المسائل المتعلقة بالمجتمع. النقطة حول هذه القراءة هي أن هذا النوع من النظر كان موجودًا بين فقهائنا منذ البداية، وفي كتبهم الفقهية كانت هذه المسائل الاجتماعية موجودة ولا جديد في الأمر؛ ولكن النقطة الوحيدة هي أن بعض المسائل الاجتماعية مستحدثة وجديدة، وبعض المجالات مثل فقه وآفات المجتمع، وفقه وتغيرات المجتمع لم تتوسع، ومجتمعنا أساسًا بحاجة إلى هذا النوع من التفقه. في هذه القراءة، يُقسم المكلف إلى فرد ومجتمع، وتترتب على كل منهما أحكام، وتقع المسائل الفقهية المتعلقة بالمؤسسات والمنظمات والمجتمع والحضارة الإسلامية ضمن هذه القراءة. القراءة الثانية: الفقه الاجتماعي في مقابل الفقه الفردي. أي امتلاك رؤية اجتماعية للمسائل الفقهية، لا رؤية فردية. في هذا المنظور، نسبة الفقه إلى المجتمع هي نسبة الصفة والموصوف. في هذه النظرة، الفقه الاجتماعي يقابل الفقه الفردي وهو في الواقع تقرير لمنظور فقهي؛ مثل مسألة التفتيش في خصوصيات الأفراد التي حُكم بعدم جوازها بالمنظور الفقهي الفردي؛ ولكن بالمنظور الاجتماعي للحفاظ على النظام والمجتمع الإسلامي، قد يُحكم بوجوبها أحيانًا. القراءة الثالثة: منظور بناء الأنظمة الاجتماعية. الفقه الاجتماعي في القراءة الثالثة يركز على رسم الأنظمة الاجتماعية، والذي يتحقق بالطبع بالاستعانة بالمنظور الاجتماعي للفقه (القراءة الثانية). في منظور بناء الأنظمة الاجتماعية، يُسعى إلى رسم وتبيين الأنظمة الاجتماعية بالنموذج الفقهي الجواهري؛ بعبارة أخرى، في هذه القراءة الثالثة أيضًا، يُنظر إلى المكلف الجمعي، وإضافة إلى تكليف المؤسسات والمنظمات، يتضح حكم المؤسسات والمنظمات بالطبع، وهذه مقدمة لبناء الأنظمة في المجالات الاجتماعية. في هذه القراءة، لا يُنظر إلى القضايا المنفردة؛ بل من مجموعة القضايا جنبًا إلى جنب، ينشأ نظام اجتماعي في مجال خاص. فقه نظام العلاقات الاجتماعية، فقه نظام التخطيط الحضري، فقه نظام العمارة، فقه نظام الفن والإعلام، فقه نظام الإدارة الحضرية، فقه نظام السلامة الاجتماعية، فقه نظام النشاط الاجتماعي، كلها من هذا القبيل. بعبارة أخرى، امتلاك رؤية اجتماعية للمسائل الفقهية، وتكليف المجتمع، وأحكام المؤسسات والمنظمات، والنظر الجمعي للقضايا الفقهية، هو مقدمة للوصول إلى الأنظمة الاجتماعية التي يحتاجها المجتمع الإسلامي، وفي الواقع، لمواجهة نظام الهيمنة العالمي وتحدي الأنظمة المادية، لا خيار لدينا سوى رسم الأنظمة الاجتماعية على أساس الفقه الاجتماعي لفقهاء الشيعة. وكما رُسم النظام السياسي على أساس نموذج نظام ولاية الفقيه، لرسم وتبيين نماذج الأنظمة الاجتماعية أيضًا، نحتاج إلى الفقه الاجتماعي. عندما تُستنبط القضايا الفقهية برؤية اجتماعية لا فردية، بوضع هذه القضايا العلمية جنبًا إلى جنب، يُحصل على نظام اجتماعي في مجالات التخطيط الحضري، والعمارة، ونظام السلامة، والعلاقات الاجتماعية وغيرها. التعريف المختار: الفقه الاجتماعي هو علم فقهي يتناول بالرؤية الاجتماعية دراسة المسائل الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية من منظور فقهي، وغايته رسم الأنظمة الاجتماعية على أساس المصادر الفقهية وتحقيق هذه الأحكام في المجتمع وتولي زمام الأمور وإدارة المجتمع. وبناءً على ذلك، فإن كلام الإمام الخميني الذي يقول: “الحكومة مظهر الجانب العملي للفقه في مواجهة جميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية؛ الفقه هو النظرية الواقعية والكاملة لإدارة الإنسان من المهد إلى اللحد.” (الخميني، 1361، ج 21، ص 289) ناظر إلى إدارة المجتمع وتولي زمام أمور المجتمع. ويقول قائد الثورة المعظم في وصف الإمام الخميني: “الإمام العظيم قاد فقه الشيعة من فترة كان فيها في المنفى، نحو الفقه الاجتماعي والفقه الحكومي والفقه الذي يريد أن يدير نظام حياة الأمم ويجب أن يكون مجيبًا للمسائل الصغيرة والكبيرة للأمم.” (https://farsi.khamenei.ir/speech-content?id=2843). يقسم بعض الباحثين الفقه الاجتماعي إلى “فقه اجتماعي عام” و”فقه اجتماعي خاص”. الفقه الاجتماعي العام هو الفقه الذي يشمل الفقه الاقتصادي، والفقه التربوي، وفقه النظام السياسي، وفقه النظام الثقافي؛ ولكن الفقه المتعلق بالمجتمع من حيث حياته الجمعية يسمى فقهًا اجتماعيًا خاصًا؛ لا فقهًا من حيث هو اقتصاد أو من حيث هو تعليم وتربية. بعبارة أخرى، الفقه الاجتماعي الخاص هو فقه العلاقات الاجتماعية من حيث هي علاقات اجتماعية، لا فقه العلاقات الاقتصادية ولا فقه علاقات التعليم والتربية في المجتمع ولا فقه العلاقات السياسية للمجتمع (راجع: محمد باقر رباني، 1393، ص 36 – 46). في هذا البحث، يُنظر إلى الفقه الاجتماعي العام بمعنى فقه العلاقات الاجتماعية، وفقه النظام الثقافي، وفقه النظام السياسي وغيرها، وقد نُظم بحث إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي على أساس الفقه الاجتماعي العام بهذا المعنى. الفقيه في الفقه الاجتماعي، إذا لم يكن لديه فهم صحيح ودقيق للمجتمع، لا يمكنه أن يخطو خطوة في اتجاه أهدافه، ومثل هذا الشخص ليس مجتهدًا في المسائل الاجتماعية والحكومية. يشير الإمام الخميني في ميثاق الأخوة إلى هذه النقطة: “في الحكومة الإسلامية، يجب دائمًا أن يكون باب الاجتهاد مفتوحًا… ولكن المهم هو الفهم الصحيح للحكومة والمجتمع الذي يمكن على أساسه للنظام الإسلامي أن يخطط لصالح المسلمين، مما يجعل وحدة المسار والعمل ضرورية، وهنا بالذات لا يكفي الاجتهاد المصطلح عليه في الحوزات؛ بل إن الفرد وإن كان أعلم في علوم الحوزة المعهودة، ولكنه لا يستطيع تشخيص مصلحة المجتمع أو لا يستطيع تمييز الأفراد الصالحين والمفيدين من الأفراد غير الصالحين، وبشكل عام يفتقر إلى البصيرة الصحيحة والقدرة على اتخاذ القرار في المجال الاجتماعي والسياسي، فإن هذا الفرد ليس مجتهدًا في المسائل الاجتماعية والحكومية ولا يمكنه أن يتولى زمام المجتمع.” (الخميني، 1361، ج 21، ص 177).
2. مباني مدرسة الإمام الخميني
قبل بيان إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية، من الضروري التذكير ببعض مبانيه التي تتمثل في: النظرة النظمية والمنهجية للفقه، قابلية الأحكام الاجتماعية الفقهية لإدارة المجتمع، أصل حفظ النظام الإسلامي، ودور الزمان والمكان في الاجتهاد.
2-1. النظرة النظمية والمنهجية للفقه
من النقاط الجديرة بالاهتمام في مباني الإمام الخميني، النظرة المنهجية والنظمية للفقه. يعرف علماء الاجتماع “النظام” بأنه مجموعة من الأجزاء التي تتفاعل مع بعضها البعض وتتبع أهدافًا مشتركة (حسن خيري، 1393، ص 38). من وجهة نظر الشهيد الصدر، النظام هو: “إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاجتماعية (في المجال الاقتصادي، السياسي، التربوي،…) على أساس خاص؛ مثلاً، النظام الاقتصادي هو إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع على أساس العدالة. إذن، النظام يؤمن الأهداف والقيم والخطوط العامة لجانب من أبعاد حياة البشر.” (رحيميان، 1374، ج 7، ص 101). “النظام الفقهي” يشير إلى الهيئة التأليفية التي توجد بين مجموعة من الأحكام والمتعلقة بأبواب معينة وتتولى بيان أهداف الشريعة الكلية وروح النص المتعلق بتلك المجموعة من الأحكام؛ مثل النظام السياسي، والنظام التربوي، والنظام الاقتصادي، والنظام الجزائي في الإسلام (نفس المصدر، ص 50). يُعد آية الله محمد باقر الصدر والإمام الخميني من الفقهاء الذين كانت لديهم نظرة نظمية للفقه. يقول الإمام الخميني: “الإسلام نفسه لديه نظام ونظام خاص اجتماعي واقتصادي وثقافي، وله قوانين خاصة لجميع أبعاد وشؤون الحياة الفردية والاجتماعية.” (الخميني، 1361، ج 5، ص 388 – 389). ولكن فقهنا في الماضي لم يكن منظمًا بهذا الشكل. يعتقد قائد الثورة المعظم أن “فقهنا على مر السنين الماضية، كان يتجه أكثر نحو فهم الإسلام كعمل ووظيفة لفرد واحد، لا فهم الإسلام كنظام اجتماعي.” (سؤال وجواب في جامعة طهران، 1364/9/13). وبناءً على ذلك، تُعد النظرة النظمية للفقه من مباني آراء الإمام الخميني. لقد اهتدى الإمام الخميني، بفهمه الخاص للإسلام كمرشد للمجتمع في كل زمان ومكان، ومن خلال تتبع الأحاديث وإيجاد ملاكاتها، ومنها إلغاء الخصوصية من مباحث مثل القضاء في مقبولة عمر بن حنظلة وما شابهها، ونظرته الكلية إلى كثير من أحكام الإسلام اللازمة التنفيذ التي لا يتيسر تنفيذها إلا بولاية الفقه والفقاهة، إلى هذا النظام السياسي (رحيميان، 1374، ج 7، ص 105-108). وبناءً على ذلك، تُعد النظرة النظمية من إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي، والفقيه في الفقه على أساس النظرة النظمية يمكنه أن يقدم إجابة مناسبة لاحتياجات المجتمع.
2-2. قابلية الأحكام الاجتماعية الفقهية لإدارة المجتمع والاجتماع
لقد دُونت الأحكام الاجتماعية الفقهية لإدارة المجتمع، وجاء الفقه لتشكيل المجتمع الإسلامي، والقوانين الاجتماعية لها صلاحية إدارة المجتمع، والعلمانية وفصل الدين عن السياسة وعدم تدخل الدين في الشؤون الاجتماعية مرفوض من وجهة نظر الإسلام، ويجب أن تكون النظرة إلى الفقه نظرة أوسع نطاقًا، لا أضيق. يرى الإمام الخميني الحكومة فلسفة عملية لكل الفقه في جميع زوايا حياة البشر، ويعتبر الفقه نظرية كاملة لإدارة الإنسان من المهد إلى اللحد (الخميني، 1361، ج 21، ص 289). ويذكر في موضع آخر: “الإسلام له برنامج حكومي… الدعاء والزيارة باب من أبواب الإسلام؛ ولكن للإسلام سياسة، وله إدارة للمملكة، الإسلام يدير الممالك الكبرى…” (نفس المصدر، ج 2، ص 31). كما يصرح بأن الحوزات ورجال الدين يجب أن يكونوا دائمًا ممسكين بنبض فكر واحتياج المستقبل للمجتمع، ويجب أن يكونوا دائمًا متقدمين بخطوات على الأحداث والوقائع (نفس المصدر، ج 21، ص 293). وبناءً على ذلك، فإن الإدارة الفقهية لها القدرة على إدارة المجتمع، وقوانين الإسلام تشمل جميع شؤون حياة أفراد المجتمع الفردية والاجتماعية، وقد دُونت المقررات والأحكام الاجتماعية الفقهية لإدارة المجتمع، وجاء الفقه والإدارة الفقهية لتشكيل المجتمع؛ ومن ثم، فإن العلمانية وعدم تدخل الدين في الشؤون الاجتماعية باطل من وجهة نظر الإسلام.
2-3. أصل حفظ النظام الإسلامي
موضوع حفظ النظام الإسلامي من مباني مدرسة الإمام الخميني الفقهية التي كانت محل اهتمامه، والاهتمام بهذا المبدأ يُعد إمكانية مناسبة لإنتاج الفقه الاجتماعي. في السياسة الخارجية للنظام الإسلامي، أصل حفظ النظام الإسلامي ومراعاة مصالح المسلمين، أمر لازم وغير قابل للتغيير. يُستنتج من فكر الإمام الخميني أن الموضوع الكلي للسياسة الإسلامية يجب أن يكون على أساس الدفاع عن النظام الإسلامي في مواجهة الأعداء، وكل ما يؤدي إلى إضعاف النظام الإسلامي، يجب منعه (آقا مهدوي، 1389، ص 197). ويؤكد على حفظ النظام من أوجب الواجبات، ويعتبر اختلال أمور المسلمين من الأمور المبغوضة. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر حفظ حدود المسلمين من الهجوم وحفظ مدنهم من سيطرة المعتدين واجبًا عقلاً وشرعًا. (الخميني، 1384، ج 2، ص 619)؛ ومن ثم، فإن أحد الأصول التي لها كفاءة كبيرة في سبيل تحقيق النظام الفقهي – الاجتماعي، هو قاعدة حفظ النظام؛ وهي قاعدة قد يؤدي الغفلة عنها إلى هزيمة الإسلام.
2-4. دور الزمان والمكان في الاجتهاد
من الموضوعات التي أكد عليها الإمام الخميني، اهتمام الفقهاء في بحوثهم الفقهية بدور الزمان والمكان في عملية استنباط الأحكام. يمكن اعتبار دور الزمان والمكان من مباني منهج الإمام الخميني. فهو يعتبر الزمان والمكان عنصرين حاسمين في الاجتهاد؛ بحيث إن مسألة ما في القديم كان لها حكم، وهذه المسألة نفسها في العلاقات الحاكمة على السياسة والمجتمع والاقتصاد قد تجد حكمًا جديدًا؛ ومن ثم، بالمعرفة الدقيقة للعلاقات الاجتماعية والسياسية لنفس الموضوع الذي لم يختلف عن القديم، يصبح موضوعًا جديدًا، ولا محالة يجد حكمًا جديدًا (الخميني، 1361، ج 21، ص 289). المقصود بالزمان والمكان هو الظروف والخصائص الجديدة التي تحكم الأفراد والمجتمع بمرور الزمن وتغير الأماكن، وكذلك الاستنتاجات المتنوعة التي يحصل عليها الفقيه نتيجة تفاعله مع العلوم الجديدة من مصادر وأدلة الفقه. وبالتالي، فإن تغير الأوضاع القائمة في مجتمع ما وظهور خصائص جديدة نتيجة ارتباط الأفراد ببعضهم البعض وفهم واستيعاب جديد مستند إلى مباني الفقه، من الموارد التي تسبب صدور حكم وفتوى جديدة. أحيانًا، يؤدي تغير الظروف وظهور خصائص جديدة تتبعها عناوين جديدة، إلى تغير الحكم. وهذا التغيير يكون على صورتين. أحيانًا، يكون تغير الموضوع نفسه أو تغير أحد قيوده بحيث يكتسب صلاحية تبديل الحكم؛ مثل الشطرنج الذي كان في الماضي آلة قمار؛ ولكنه اليوم خرج من حكم التحريم كرياضة فكرية. وأحيانًا أخرى، يؤدي ظهور ضرورات واحتياجات جديدة لم تكن مطروحة في الأزمنة الماضية كحاجة وضرورة اجتماعية؛ ولكنها اليوم كأمر ضروري يحتاجه المجتمع، إلى تبديل الحكم؛ مثل تشريح الميت وزرع أعضاء الميت في علم الطب. من جهة أخرى، يحصل الفقيه بسبب سعة معلوماته العلمية وارتباطه بالعلوم الجديدة، على استنتاجات جديدة من الأدلة والمصادر الفقهية (فاضل لنكراني، 1374، ج 3، ص 60). وبناءً على ذلك، فإن عنصر الزمان والمكان والفهم الصحيح لمقتضيات الزمان وبصيرة المجتهد لهما دور مهم جدًا في الفقه؛ لأن المسألة المهمة في باب الاجتهاد ليست مجرد وجود الكبريات والكليات في الأحكام والمسائل؛ بل إدراك وفهم صحيح للمصاديق والتعينات الخارجية لهذه الكبريات، وربما إذا وقع خطأ في تشخيص مصداق ما، فإنه يؤدي إلى خسارة وضرر لا يمكن جبرانه. وبناءً على ذلك، فإن دور الزمان والمكان في تشخيص موضوعات فقهية مثل الموسيقى، والنحت، والشطرنج، والتأمين، له أهمية بالغة.
3. إمكانيات المدرسة الفقهية للإمام الخميني
في هذا القسم، سنتناول بعض إمكانيات الآراء الفقهية – الأصولية لمدرسة الإمام الخميني في إنتاج الفقه الاجتماعي. هذه الإمكانيات، التي يُعد بعضها من خصوصيات الفكر الفقهي للإمام الخميني، هي: منهج تجميع الظنون، العرف، دور الحاكم الإسلامي، قاعدة لا ضرر، والخطابات القانونية.
3-1. منهج تجميع الظنون أو المنهج الانضمامي
من الموارد التي تُعد من خصائص مدرسة الإمام الخميني ومنهجه الاجتهادي، الاستفادة من المنهج الاجتهادي لتجميع الظنون. هذا المنهج والأسلوب الاجتهادي لبعض الفقهاء يتميز بملاحظة ورؤية مجموعة الأدلة كلها. يميل بعض العلماء إلى المنهج الانفرادي وآخرون إلى المنهج الانضمامي. في المنهج الانفرادي، يستند بعض الفقهاء في مقام الاستدلال إلى دليل واحد تام من حيث السند والدلالة، وإذا تمسكوا بعدة أدلة، فإنهم ينظرون إلى كل منها كدليل مستقل، ونادرًا ما ينظرون إلى عدة آيات أو روايات بشكل مترابط وكدليل واحد. خاصة أنهم يقللون من الاهتمام بارتباط الأحكام الفقهية بالمعارف الدينية الأخرى في مجال العقائد والأخلاق. نتيجة هذا المنهج هي أنه في كل مسألة فقهية يجب البحث عن آية أو رواية معتبرة تدل بمفردها على المطلوب، وفي حالة عدم وجود دليل معتبر أو عدم دلالته، يحين وقت المراجعة إلى الأصول العملية؛ في حين أنه قد يكون من الممكن، من خلال تتبع مجموع الآيات والروايات المتعلقة، الوصول إلى الحكم الواقعي. (ضيائي فر، 1385، ص 73-74). في المنهج الانضمامي، يستند الفقيه في مقام الاجتهاد والفقاهة، بالإضافة إلى الاستفادة من المنهج التكديلي، في بعض الموارد إلى منهج آخر يمكن تسميته “المنهج الانضمامي”. في هذا الأسلوب الاجتهادي، لا يستند الفقيه إلى دليل خاص؛ كما كان يستند في المنهج السابق إلى دليل خاص؛ بل من خلال تتبع مجموع النصوص الدينية وضمها إلى بعضها البعض، يصل إلى الحكم الشرعي، بل قد يتجاوز ذلك وينظر إلى مجموع تعاليم الإسلام من عقائد وأخلاق وفقهيات، وبناءً على هذه المجموعة، يستنبط حكمًا؛ لأن الإسلام مجموعة من هذه التعاليم، وأول فقيه ذكر هذا المنهج نظريًا هو كاشف الغطاء (ت 1228هـ)، وصاحب الجواهر والإمام الخميني أيضًا يُعدان من الفقهاء الذين استخدموا هذا المنهج في سيرتهم الفقهية (نفس المصدر، ص 74-75). وجدير بالذكر أن الإمام الخميني بهذا المنهج يعتبر الخمس منصبًا للإمامة (الخميني، 1384، ج 2، ص 655)، ونموذج النظام السياسي للإسلام الذي هو ولاية الفقيه المطلقة، قد استُخدم فيه منهج تجميع الظنون؛ وبناءً على ذلك، فإن إحدى طرق الاجتهاد للإمام الخميني هي الاستفادة من المنهج الانضمامي في مقام الاجتهاد واستنباط الأحكام الفقهية، وهذا من الخصائص البارزة لمدرسة الإمام الخميني الفقهية، وهذا المنهج كان له دور في اختلاف بعض آرائه الفقهية؛ ومن ثم، لاستخراج مباحث الفقه الاجتماعي، يبدو أن أفضل طريقة لاستنباط مباحث الفقه الاجتماعي هي طريقة ومنهج الاجتهاد بتجميع الظنون.
3-2. العرف
العرف من الكلمات التي لها استخدام كبير في مباحث الفقه، وهذا العرف له وظيفة وآثار مهمة في مباحث الفقه الاجتماعي. في مدرسة الإمام الخميني الفقهية، يتجلى دور ومكانة العرف في الاجتهاد بشكل كبير. من العناصر التي أولاها الشارع المقدس اهتمامًا في الشريعة، ولها حضور بارز في الفقه، ويجب على المجتهد أن يلحظها في عمله الاجتهادي، كلمة “العرف”، وبدون لحاظ العرف، لا يستقيم الاجتهاد ولا يتم (نفس المصدر، ص 21)؛ ومن ثم، طرح الإمام الخميني في كتابه “الاجتهاد والتقليد” في بيان مقدمات الاجتهاد، “الأنس بالمحاورات وفهم الموضوعات العرفية” واعتبر الاجتهاد ناقصًا بدون معرفة عادات الناس. ويذكر في تتمة كلامه أن الخلط بين المعاني العرفية العادية والدقائق العقلية التي هي خارج فهم العرف، يسبب الخطأ في فهم الروايات، وهو خطأ لم يسلم منه كثير من الأشخاص الذين درسوا في العلوم الدقيقة مثل الفلسفة؛ وبناءً على ذلك، خلطوا بين المعاني العرفية والاصطلاحات الشائعة في هذه العلوم (نفسه، 1376، ص 9-10). من نقاط الاختلاف بين مدرسة النجف ومدرسة قم هو موضوع العرف وتطبيقه. يعتقد كبار النجف مثل الآخوند الخراساني والنائيني والمحقق الخوئي أنه في تشخيص مصداق المفاهيم العرفية، لا دخل للعرف؛ كما أنه في المفاهيم الشرعية، لا دخل للعرف. بعبارة أخرى، في الألفاظ التي بين الشارع المقدس مفهومها، لا شك أنه لا دور للعرف؛ أما في الألفاظ التي يقبل الجميع أن العرف مرجع في معناها، مثل أن يوضح العرف مفهوم الماء، ومفهوم القمح، والدم؛ في هذه الأنواع من الألفاظ التي يجب أن يبين العرف مفاهيمها، بعد تبيين المعاني والمفاهيم، هل يجب على العرف أن يعين مصداقها أيضًا؟ أم أن تعيين المصداق ليس بيد العرف؟ تعتقد مدرسة النجف وآية الله الخوئي أن وظيفة العرف تنتهي عند حد بيان مفهوم الألفاظ ولا حق له بأكثر من ذلك. العرف يوضح مفهوم ومعنى الماء؛ ولكن تشخيص المصداق وأن هذا السائل الخارجي ماء أم لا، لا علاقة له بالعرف. إذا انطبقت جميع خصائص مفهوم الماء على هذا الشيء الخارجي، فهذا السائل مصداق للماء، وإذا لم ينطبق، فليس مصداقًا للماء، وانطباق المفهوم على المصداق هو انطباق عقلي وقهري، ولا دخل للعرف في المصاديق. في المقابل، تعتقد مدرسة النجف، آية الله الحائري، وتبعه الإمام الخميني وتلامذته مثل آية الله فاضل لنكراني، أنه كما أن أمر تشخيص المفهوم والمعنى بيد العرف، فإن المرجع في تشخيص المصاديق هو العرف أيضًا. بالطبع، بقدر ما يكون للعرف سهم في الشريعة ودخل لفهمه في استنباط الأحكام، فهو أمر واضح ومقبول للجميع، وتعيين هذا الدخل وفهمه الصحيح أمر غامض؛ ومن ثم، فإن كثيرًا من الآراء حول دور وتأثير العرف، لا تخلو من إفراط وتفريط. الإحصائية التي دُرست حول استخدام العرف ومراجعته في آثار الإمام الخميني، تدل على اهتمامه الجاد بدور ومكانة “العرف” في الفقه والاستنباطات الفقهية. استخدام العرف في تمييز مفاهيم ومعاني الكلمات الواردة في النصوص الدينية 49 موردًا، واستخدام العرف في فهم الظواهر وتشخيص مراد الشارع من التراكيب 153 موردًا، واستخدام العرف في حل تعارض الأدلة الشرعية (الجمع العرفي) 18 موردًا. كذلك، في آثار الإمام الخميني، مراجعة العرف في إلغاء الخصوصية وتعميم متن الدليل 50 موردًا، ومراجعة العرف في تشخيص الموضوعات وتطبيق المفاهيم على المصاديق 176 موردًا، وتلازم العرف والشرع 5 موارد. (عليدوست، 1384، ص 29). هذه كلها تدل على مكانة ودور العرف واهتمام الإمام الخميني بدوره وتأثيره في استنباط الأحكام. من أكثر استخدامات العرف الآلية شيوعًا في استنباط الأحكام، هو استخدامه في تبيين وتفسير الأدلة المعتبرة شرعًا. يجب على متصدي الاستنباط والمجتهد أن يلقي القرآن والرواية على العارفين والمطلعين على اللغة العربية وفنون المحاورة والمفاهمة، وأن يلحظ فهمهم وحكمهم الذي يُعبر عنه بالعرف، في مورد ذلك السند، ومع مراعاة الجهات الأخرى اللازمة في الاجتهاد، يفتي. أحيانًا، يُعد تفسير مفردات وهيئات لفظية لدليل ما، مثل هيئة الأمر والنهي، من استخدامات العرف، ويُجعل فهم العرف معيارًا، ويُعبر عنه بالعرف اللفظي الذي هو نطاق إشراف العرف في الألفاظ والمدلول اللفظي للسند الشرعي؛ ولكن أحيانًا، يكون البحث في فهم وحكم الناس من مجموع الدليل محل عناية، واستخدام العرف في هذا المورد من سنخ الفهم والحكم، وتدخل فيه مناسبات وعناصر أخرى كثيرة (نفس المصدر، ص 231). رأي الإمام الخميني حول آية “ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” هو أن هذه الآية من الناحية العرفية، تدل على لزوم قطع وكسر مادة الفساد؛ بدون أن يكون التعاون أو الإعانة له خصوصية (الخميني، 1381هـ، ج 1، ص 130 – 137). من الواضح أنه في هذا الاستخدام، لا يدور الحديث حول كلمة “لا تعاونوا”، “الإثم”، و”العدوان”؛ بل عن تفاهم وحكم الناس في مجموع هذه الآية؛ ومن ثم، يفهم الناس في مفاهمتهم ومحاورتهم من مجموع الدليل مطلبًا لا توصله الكلمات كل على حدة (عليدوست، 1384، ص 232). وبناءً على ذلك، فإن معرفة مفاهيم الموضوعات وتشخيص مصاديق الموضوع أيضًا على عاتق العرف. بالطبع، المراد بالعرف ليس عرف أهل التسامح؛ بل إذا لم توجد قرائن تدل على التسامح العرفي، فالملاك هو الدقة العرفية (الخميني، 1379، ج 2، ص 181). على سبيل المثال، يعتبر العرف التيمم على تراب مختلط بأشياء أخرى جائزًا، وإن لم يعتبر الأشياء غير الترابية ترابًا، أو القمح الذي هو موضوع دفع الزكاة، منصرف إلى النوع المتعارف منه؛ وإن كان مختلطًا بقليل من القش. ولكن هذا العرف نفسه لا يتسامح في اختلاط الزعفران أو الذهب بأشياء غيره في البيع والشراء (نفس المصدر، ص 182). ومن ثم، فإن الاهتمام بالعرف في مسائل فقه العلاقات الاجتماعية له أهمية، ويمكن للعرف أن يساعد الباحثين في تشخيص الموارد وفهم الآيات والروايات في استنباط المسائل الاجتماعية. وبناءً على ذلك، يساعدنا العرف في فهم الموضوعات الاجتماعية والاستنباطات الاجتماعية، وكذلك في تشخيص مصاديق ذلك المفهوم الاجتماعي يمدنا بالعون؛ على سبيل المثال، يساعدنا العرف في تبيين مفهوم “الشأن الاجتماعي”، و”الزينة”، و”التجمل”، وتشخيص مصاديقها في المجتمع. بالطبع، كون تشخيص هذه الموضوعات على عهدة العرف، لا يعني أن يد الفقيه مغلقة في تشخيص الموضوعات؛ بل في بعض الموارد، أُلقي تشخيص الموضوع على عهدة الفقيه أيضًا.
3-3. دور الحاكم الإسلامي
يُعد الحاكم الإسلامي من إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية. يلعب الحاكم الإسلامي دورًا مهمًا جدًا في الأحكام وتنفيذها في المجتمع. إن تشخيص عناوين مهمة مثل وهن المسلمين، وهتك الدين، وبشكل عام تشخيص الأهم من المهم في موارد تزاحم الأحكام، الذي يكثر في الفقه الإسلامي والفقه الحكومي، هو من اختصاص الحاكم الإسلامي وتشخيصات الأفراد في هذه الموارد غير مجدية. على هذا الأساس، ولأن حفظ النظام الإسلامي أو الحكومة الإسلامية من أوجب الواجبات، يمكن للحاكم الإسلامي، بل يجب عليه، أن يغير ما يتزاحم مع هذا الأمر (راجع: فاضل لنكراني، 1396). ومن ثم، يمكن اعتبار بعض الأحكام الصادرة في الشريعة الإسلامية أحكامًا صادرة من قبل الحاكم الإسلامي. يعتقد الشهيد محمد باقر الصدر في هذا الصدد أن شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام كحاكم ورئيس دولة لم تؤخذ في الاعتبار؛ على سبيل المثال، إذا ورد نهي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نقل ماء المدينة، فإن هذا النهي يُفسر على أنه نهي تحريمي أو كراهتي؛ في حين أنه في بعض الموارد ليس كذلك؛ بل يصدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي بصفته رئيسًا للدولة، ولا يمكن استنتاج حكم شرعي كلي منه (الصدر، 1393، ص 520)؛ ومن ثم، فإن بعض الأحكام الصادرة في الإسلام هي أحكام صادرة من قبل الحاكم الإسلامي، وهذه الأحكام من قبل الحاكم الإسلامي تستحق الدراسة والتأمل في الفقه الاجتماعي. من الموارد التي يكون فيها دور الحاكم الإسلامي بالغ الأهمية، مسألة إجبار الناس على الزواج. يعتقد صاحب الجواهر في هذا الصدد أنه إذا امتنع أهل مجتمع عن الزواج، يمكن للحاكم الإسلامي أن يجبر الناس على الزواج؛ لأن امتناع الناس يؤدي إلى تحديد النسل وتهديد للمجتمع؛ بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى ضعف واستهانة بسنة الإسلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والزواج واجب كفائي على نوع البشر. وبناءً على ذلك، يجب على الحاكم الإسلامي أن يجبر الناس على الزواج إذا امتنعوا[2] (النجفي، بلا تا، ج 29، ص 14). يتناول الإمام الخميني في مسألة بيع وشراء السلاح للكفار دور المصلحة، وحفظ النظام الإسلامي، ومكانة الحاكم الإسلامي. أولاً، يتناول تشخيص الموضوع، ثم يطرح حكمه. يعتقد الإمام الخميني في توضيح وتبيين موضوع السلاح الحربي – مع اختلاف الظروف الزمنية – أنه مختلف. قد يُعد سلاح ما في زمن معين سلاحًا حربيًا؛ ولكنه في زمن آخر يخرج من هذا الموضوع (السلاح الحربي)، مثل الرمح والسيف. وبناءً على ذلك، إذا اشترى بعض أهل الحرب هذه الأسلحة كتحف وحفظ للأسلحة القديمة، فلا مانع من بيع هذه الأسلحة القديمة لهم. إذن، موضوع السلاح الحربي هو السلاح الذي يُستخدم في الظروف الحالية في الحرب (الخميني، 1381، ج 1، ص 226). ثم يدخل في البحث الفقهي والحكومي لبيع وشراء السلاح ويعتقد أن هذه المسألة من الأمور السياسية وتابعة لمصالح اليوم، وقد تكون مصلحة المسلمين في إعطاء السلاح الحربي مجانًا لطائفة من الكفار، وذلك في ظروف يكون فيها دفع العدو مرهونًا بتسليح طائفة خاصة من الكفار يكون المسلمون في أمان منهم (نفس المصدر). وفي تتمة كلامه، يطرح الإمام الخميني خلاصة المطلب هكذا: هذه المسألة من شؤون الحكومة والدولة وتابعة لمصلحة اليوم ومقتضيات الزمان (نفس المصدر، ص 228). كما مر، يعتقد الإمام الخميني في مسألة بيع وشراء السلاح لكفار أن بيع السلاح لأعداء الدين من الأمور السياسية وتابعة لمصالح الزمان، وتُعد من شؤون الحكومة والدولة الإسلامية، وربما تكون مصلحة المسلمين في أن يُعطى السلاح مجانًا لهم لمواجهة أعداء هجموا على حوزة الإسلام. ويذكر روايتين ويعتقد أن هاتين الروايتين تتحدثان عن حمل السلاح إلى الشام في زمن الصادقين عليهما السلام، وهو عصر لم تكن فيه مملكة وحكومة مستقلة للشيعة؛ بل كان المسلمون تحت حكومة وسلطنة خلفاء الجور (نفس المصدر، ص 153 – 154)؛ وبناءً على ذلك، يعتقد في مسألة بيع السلاح لأعداء الدين أنه يجب النظر إليها على أساس الفقه الحكومي؛ لا على أساس النظرة الفردية للفقه بناءً على إطلاق وتقييد الروايات؛ وبالتالي، فإن حكم هذه المسألة بيد الحاكم الإسلامي. يصرح الإمام الخميني في كتاب البيع حول الحكومة الإسلامية بأن الحكومة الإسلامية هي فقط حكومة القانون الإلهي (الخميني، 1384، ج 2، ص 623). وبعد الثورة الإسلامية، في رسالة موجهة إلى رئيس الجمهورية آنذاك، يطرح صلاحيات الحكومة الإسلامية بوضوح هكذا: الحكومة التي هي بمعنى الولاية المطلقة التي فوضها الله للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، من أهم الأحكام الإلهية ومقدمة على جميع الأحكام الشرعية. الحكومة من الأحكام الأولية في الإسلام ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج. يمكن للحكومة أن تلغي العقود الشرعية التي أبرمتها مع الناس من جانب واحد، عندما يكون ذلك العقد مخالفًا لمصالح البلد والإسلام. يمكن للحكومة أن تمنع مؤقتًا الحج الذي هو من الفرائض الإلهية المهمة، في المواقع التي يُعتبر فيها مخالفًا لصلاح البلد الإسلامي (نفسه، 1361، ج 20، ص 451 – 452). بناءً على المبدأ الفقهي لسماحته، فإن محاور صلاحيات الحكومة والحاكم الإسلامي هي: التصرف في أموال الناس[3]، التصرف في الأنفس[4]، هدم الموقوفات[5]، الإلغاء أحادي الجانب للعقود الاجتماعية، المنع المؤقت من أداء بعض الفرائض، ووضع الشروط الإلزامية[6] من الموارد التي تُعد من صلاحيات الحكومة والحاكم الإسلامي مع مراعاة مصالح المجتمع، وهي تتجاوز إطار الأحكام الأولية (نفس المصدر، ص 434). من الموارد التي يشير فيها الإمام الخميني إلى دور الحكومة والحاكم الإسلامي، مسألة الخمس. يعتقد أن الخمس للحكومة الإسلامية؛ وليس فقط لرفع احتياجات السادة. ويعتبر وضع الخمس في جميع الغنائم والأرباح دليلاً على أنه للإسلام والدولة والحكومة (نفسه، 1384، ج 2، ص 656). هذه الموارد من الموارد التي تطرح مكانة ودور الحكومة الإسلامية في الفقه، وهذا المبدأ الفقهي من ابتكاراته ودليل على اهتمامه بالأمور الاجتماعية والحاكمية.
3-4. قاعدة لاضرر
من الموارد التي للإمام الخميني فيها فهم مختلف عن الفقهاء الآخرين، هو ما يتعلق بـ”قاعدة لا ضرر”، وفهمه لهذه القاعدة من إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي. يطرح الشيخ الأنصاري في كتاب “الرسائل” معنيين لـ”قاعدة لا ضرر ولا ضرار”: المعنى الأول: رواية “لا ضرر ولا ضرار” (الحر العاملي، 1414هـ، ج 17، ص 341. المجلسي، 1403هـ، ج 22، ص 135) هي جملة خبرية وتحكي عن واقع نفس الأمري؛ بمعنى أنه في الإسلام لم يُشرّع حكم ضرري، والشارع المقدس لم يجعل ويشرّع حكمًا تكليفيًا ووضعيًا يستلزم ضررًا على شخص ما. المعنى الثاني: من النفي في الحديث، أُريد النهي عن إضرار النفس أو إضرار الآخر، ومن حديث “لا ضرر ولا ضرار”، بالإضافة إلى الحرمة التي هي حكم تكليفي، يُستفاد فساد العمل والحكم الوضعي أيضًا. في هذا المعنى، من الخبر، أُريد معنى إنشائي، ومعنى الحديث هو أنه لا يحق للمؤمن ويحرم عليه أن يضر بنفسه وبالآخر؛ سواء ابتداءً أو على سبيل المجازاة (الأنصاري، 1422، ج 2 (طبعة المؤتمر)، ص 460 – 461). يستفيد الإمام الخميني من قاعدة لا ضرر معنى النهي السلطاني، الحكومي، والمولوي، ويعتقد أنه يُستفاد من القرائن أن قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم “لا ضرر ولا ضرار” ليس بمعنى النهي الإلهي مثل سائر النواهي المذكورة في الكتاب والسنة؛ بل بمعنى النهي السلطاني والمولوي الصادر منه بصفته رئيسًا وأميرًا للأمة، وهذا المفهوم هو أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ينهى الناس عن أن يضروا بغيرهم أو أن يوقعوهم في الضيق والحرج والمشقة. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا النهي بشكل كلي لا قضية خارجية، ليكون حجة لجميع الأفراد في جميع الأزمنة. وهذا النهي، لكونه نهيًا سلطانيًا وصادرًا من نبي مفترض الطاعة، فإن اتباعه لازم على الجميع (سبحاني، 1382، ج 3، ص 532). ويؤكد في تتمة كلامه أنه لا يحق لأحد أن يضر بالآخر في حوزة الحكومة الإسلامية. وبناءً على هذا، بين قلع الشجرة الذي هو معلول و”لا ضرر ولا ضرار” الذي هو تعليله، يوجد تناسب؛ أي أن المعلول والعلة كلاهما حكم سياسي وتأديبي لحفظ النظام (نفس المصدر، ص 540). بناءً على نظرية الإمام الخميني، تُعتبر قاعدة لا ضرر نهيًا حكوميًا وولائيًا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا النهي الحكومي ملزم لجميع الأمة في كل زمان، ويُعد حكمًا سياسيًا وتأديبيًا لحفظ النظام، وهذه القاعدة لها أهمية بالغة في الفقه الاجتماعي لتنظيم العلاقات الاجتماعية – السياسية. أما بين نظرية الإمام الخميني ونظرية المشهور من حيث إن هذا الحكم والقاعدة حكم كلي وأبدي، فلا يوجد فرق، ورعايته لازمة لجميع الأفراد. باعتقاد الإمام الخميني الذي يعتبر هذه القاعدة حكمًا سياسيًا وحكوميًا، فإن هذا الأصل لن يسري إلا على أصل وقاعدة سلطنة الحكومة؛ أي أن تسلط الناس على أموالهم[7] منوط بعدم إلحاق الضرر والأذى بالآخرين، ولا يمكن استخدامه لنفي لزوم معاملة الغبن وبطلان الوضوء الضرري؛ ولكن إذا اعتبرنا هذه القاعدة حاكمة على جميع الأحكام الواقعية الشرعية، فبما يتناسب مع تفسير المشهور لهذا الحديث (آقا مهدوي، 1389، ص 199-200).
3-5. الخطابات القانونية
بالنظر إلى أنه إذا نظر الفقيه بنظرة اجتماعية إلى المباحث الأصولية، فإنه سيقدم رأيًا يختلف عن النظرة الفردية للمباحث الأصولية، فإن فكرة الخطابات القانونية للإمام الخميني تُعد من ابتكاراته الأصولية وقد تشكلت بنظرة اجتماعية للمباحث الأصولية. تلعب نظرية الخطابات القانونية دورًا مهمًا في الفقه الاجتماعي. يعتقد الشهيد آية الله الحاج آقا مصطفى الخميني في وصف هذه النظرية أن من يضع العناد جانبًا ويتدبر بإنصاف، لا يمكنه أن يرفض هذه البارقة الملكوتية. ويعتقد أن بهذه النظرية تُحل كثير من المعضلات (الخميني، 1418هـ، ج 3، ص 455). يطرح الإمام الخميني نظريته في الخطابات القانونية في سياق بحث أطراف العلم الإجمالي، وأنه إذا خرج أحد أطراف العلم الإجمالي عن دائرة ابتلاء المكلف، فإن العلم الإجمالي يفقد منجزيته. ويعتقد أن الكبار خلطوا بين الخطابات الشخصية والخطابات القانونية. فإذا كانت عبارة “الخمر حرام” خطابًا شخصيًا، فعلى الشارع أن يأخذ المكلف في الاعتبار ويرى هل هذا الفعل في دائرة ابتلاء المكلف أم لا؟ أما إذا كان خطاب “الخمر حرام” خطابًا قانونيًا يلقي بظلاله على جميع المكلفين، ويجب على كل مكلف أن يعمل وفقه؛ وبناءً على ذلك، وإن خرج أحد طرفي العلم الإجمالي عن دائرة الابتلاء، فإن العلم الإجمالي لا يفقد منجزيته؛ لأن القانون للنوع الطبيعي للمكلف (فاضل لنكراني، 1399، ص 17). بالطبع، في الخطاب القانوني، يجب أن يعمل به جزء من الناس على الأقل، وفي موضع يعلم المولى أن خطابًا وقانونًا ما لن يُنفذ أبدًا والجميع يخالفه، فإن جعل ذلك القانون لغو (الخميني، 1415هـ، ج 2، ص 213 – 215).
3-5-1. أدلة وشواهد نظرية الخطابات القانونية
يذكر الإمام الخميني أدلة وشواهد لنظرية الخطابات القانونية، والتي تُطرح باختصار: الدليل الأول: وجود نوعين من الخطاب، أحدهما شخصي والآخر قانوني، ويوجد فرق وجداني بين الخطاب الشخصي والخطاب القانوني والعام. ولإثبات نظريته، يعتبر الوجدان أحد أدلته. الدليل الثاني: انحلال التكاليف العامة بعدد أفراد المكلفين ضروري البطلان، وما يعتقده المشهور من أن آية “يا أيها الذين آمنوا” تنحل بعدد المؤمنين أو بعدد الناس، فهو ضروري البطلان؛ لأنه لا يوجد إنشاء واحد أكثر، وإذا انحل، فهذا يعني أنه انحل إلى إنشاءات متعددة، وهذا الكلام باطل لا محالة. الشواهد على عدم الانحلال: الشاهد الأول: إذا قبلنا بالانحلال، فإنه يستلزم تاليًا فاسدًا، وهذا التالي الفاسد هو أن الأفراد العاصين لا تكليف عليهم؛ لأن الخطاب للعاصي محال، والآخر أن لازم قبول الانحلال هو ألا يكون الكفار مكلفين بالفروع؛ في حين أن بعض الفقهاء يعتقدون أن الكفار كما هم مكلفون بالأصول، فهم مكلفون بالفروع أيضًا. الشاهد الثاني: النقض بالأحكام الوضعية؛ أي إذا كان الانحلال موجودًا في الأحكام التكليفية، فيجب أن يكون في الأحكام الوضعية أيضًا؛ في حين أن أحدًا لا يقبل هذا. الشاهد الثالث: النقض بالأخبار؛ بهذا القول إنه إذا قبلنا بالانحلال في الإنشاء، فيجب أن نعتقد بالانحلال في الإخبار أيضًا؛ في حين أنه إذا أخبر شخص كذبًا وقال: “كل نار باردة”، فلا يقول أحد إنه كذب بعدد النيران الموجودة (فاضل لنكراني، 1399، ص 34 و 33 – 34). الدليل الثالث: بالرجوع إلى أدلة التكليف نجد أن قيد القدرة ليس فيها؛ في حين أنه إذا اعتبرنا الخطاب شخصيًا، فيجب أن يكون هذا القيد داخلاً فيها. الدليل الرابع: لازم قبول الخطاب الشخصي هو الالتزام بتعدد الإرادة لله تعالى في التشريع؛ في حين أن مثل هذا الشيء غير ممكن. الدليل الخامس: الخطابات القانونية في الشرع هي في الحقيقة نفس القوانين التي لدى العقلاء في العرف. ليس للشارع المقدس طريقة خاصة في جعل القوانين غير طريقة العقلاء، ومن الواضح أن العقلاء في مقام التشريع، يجعلون القانون بشكل كلي ولا يلتفتون إلى الأفراد وخصوصياتهم. وبناءً على ذلك، يجب أن يكون التشريع كذلك (نفس المصدر، ص 35). من مجموع هذه الأدلة يتضح جيدًا أن القانون في الفقه الاجتماعي من قبيل الخطابات القانونية وليس شخصيًا، وبناءً على ما قيل في الدليل الخامس، فإن القوانين في الشرع هي نفس القوانين التي لدى العقلاء في العرف، والتي تُجعل بشكل كلي، وليس للشارع المقدس طريقة خاصة في جعل القوانين غير طريقة العقلاء.
3-5-2. آثار نظرية الخطابات القانونية
- طبقًا لهذه النظرية، لا يلزم أن يكون عنوان الامتنان موجودًا في شخص ما في حديث الرفع، وقاعدة لا ضرر، وقاعدة لا حرج؛ بل إذا كانت هذه القوانين كقوانين امتننانية، فهذا كافٍ؛ وإن لم تكن امتننانية في نفس المورد الذي تجري فيه.
- الأحكام التابعة للمصالح والمفاسد، لا تعني أن كل حكم بالنسبة لكل مكلف له مصلحة أو مفسدة؛ بل المصلحة في ذلك القانون الكلي.
- الأحكام السياسية والأحكام الجزائية وإن لم تكن امتننانية بالنسبة للمجرم؛ ولكن بالنسبة لمجموع الأمة، يوجد امتنان (نفس المصدر، ص 39 – 40).
- يظهر هذا الأثر في الوضوء والغسل الضرري أو الحرجي. النزاع في كون لا حرج ولا ضرر رخصة وعزيمة، طبقًا لنظرية الخطابات القانونية، نزاع باطل وغير صحيح، ويجب القول بالرخصة بشكل كلي؛ لأن هذا النزاع يكون في حالة كون الخطاب شخصيًا وخصوصيات الأشخاص محل نظر الحاكم. طبقًا لنظر المشهور، عندما يكون الوضوء أو الغسل حرجيًا لشخص، فإن التكليف بالوضوء لا يشمله، وإذا توضأ أو اغتسل، فبما أنه لا أمر له، فليس صحيحًا. أما طبقًا لنظرية الإمام الخميني، فهذه الخطابات كخطابات قانونية، والتكليف كقانون كلي موجود ويشمل مثل هذا الشخص الذي يكون الفعل له حرجيًا. ونتيجة لذلك، مع وجود التكليف، إذا توضأ شخص أو اغتسل وهو حرجي، فإنه صحيح (نفس المصدر، ص 50-52).
- يعتبر المشهور من العلماء القدرة والعلم من شروط التكليف العامة؛ ولكن بناءً على نظرية الخطابات القانونية، القدرة ليست شرطًا للتكليف. في هذه الحالة، الشخص العاجز أو الجاهل أيضًا مكلف؛ لكنه مكلف بالخطاب القانوني. الشخص الجاهل أو العاجز يُخاطب بالخطاب القانوني، لا بالخطاب الشخصي؛ وبناءً على ذلك، يعتقد الإمام الخميني أن القدرة والعلم ليسا مقومين للتكليف بالخطاب القانوني؛ ولكنهما مقومان للتكليف بالخطاب الشخصي؛ مثلاً، إذا أمر رئيس عددًا من الأفراد وكان بعضهم نائمًا أو عاجزًا، فإن الخطاب يشمل جميع الأفراد – حتى الذين هم نيام أو عاجزون – ولكن بسبب النوم أو العجز، فإن أولئك الأفراد معذورون في أداء التكليف، ويسقط التكليف عنهم (نفس المصدر، ص 53 – 54).
هذه الآثار التي طُرحت لنظرية الخطابات القانونية، كلها لها تطبيق في الفقه الاجتماعي، وتُعد إمكانية مناسبة لإنتاج الفقه الاجتماعي، وهذا يدل على وجود نظرة كلية وشاملة للقوانين الفقهية الاجتماعية التي تصدر لجميع الأمة الإسلامية.
الخاتمة
تناول هذا المقال بيان إمكانيات مدرسة الإمام الخميني الفقهية في إنتاج الفقه الاجتماعي، وقد بيّن أن مدرسة الإمام الخميني الفقهية، بفضل امتلاكها مبانٍ مثل النظرة النظمية للفقه، ودور الزمان والمكان، وقابلية الأحكام الاجتماعية الفقهية لإدارة المجتمع الإسلامي، وكذلك بفضل آرائها الفقهية والأصولية الخاصة مثل منهج تجميع الظنون، والعرف، وقاعدة لا ضرر، ودور الحاكم الإسلامي، والخطابات القانونية، تمتلك إمكانية مناسبة لإنتاج وتدوين الفقه الاجتماعي. إن اهتمام النخبة والباحثين في مجال دراسات الفقه الاجتماعي بهذه الموارد المذكورة، مثل الخطابات القانونية، وقاعدة لا ضرر، ومكانة الحاكم الإسلامي، والعرف، يمكن أن يكون له أهمية بالغة في تطوير الفقه الاجتماعي، وربما يحدث تحولاً في المباحث الفقهية والأصولية. المدارس الفقهية الأخرى، بسبب محوريتها في المسائل، وعدم امتلاكها نظرة نظمية للفقه، وكذلك عدم وجود رؤية اجتماعية للمباحث الفقهية، لا تمتلك إمكانية مناسبة لإنتاج وتدوين الفقه الاجتماعي؛ وبناءً على ذلك، في العصر الحاضر، للاستجابة للمسائل الفقهية، تمتلك مدرسة الإمام الخميني الفقهية إمكانية مناسبة لتدوين الفقه الاجتماعي؛ ومن ثم، يمكن للحوزات العلمية، من خلال التخطيط الدقيق وترسيخ الأفكار الفقهية والأصولية للإمام الخميني، أن تمهد طريق تطوير الفقه الاجتماعي. بالنظر إلى إمكانية الفقه الشيعي في الاستجابة لاحتياجات العالم المعاصر، من الضروري أن تُدرس هذه المسائل المستجدة برؤية اجتماعية، وبهذه الطريقة في المسائل الاجتماعية، يمكننا الاستفادة من إمكانية الفقه الاجتماعي الشيعي في تدوين النماذج الاجتماعية.
الهوامش
1. دكتوراه تخصصية، مدير مجموعة الفقه الاجتماعي في مركز فقه الأئمة الأطهار (ع). rabani418@yahoo.com
2. “حتى لو فرض كف أهل ناحية أو مصر عن النكاح وجب على الحاكم إجبارهم عليه لئلا ينقطع النسل ويتفانى النوع والظاهر أنه لا خلاف فيه”.
3. شق الشوارع الذي يستلزم هدم منازل الناس، ومنع دخول العملات الأجنبية، والتسعير، من أمثلة هذا القسم.
4. عندما تكون حدود الحكومة الإسلامية في خطر، يمكن للحكومة الإسلامية أن ترسل الأفراد إجباريًا إلى الجبهة أو تجندهم في خدمة النظام.
5. يمكن للحكومة الإسلامية أن تهدم المساجد التي تقع في مسار الشوارع أو مساجد الضرار.
6. يمكن للحكومة الإسلامية أن تضع شروطًا إلزامية مقابل استخدام الإمكانيات الحكومية.
7. المراد هو أصل تسلط الناس على أموالهم المستند إلى حديث “الناس مسلطون على أموالهم”؛ أي أن حق التصرف في الأموال محصور في المالكين، وليس للآخرين حق التصرف فيها.