إعادة دراسة الأسباب العلمية والاجتماعية لاختلاف الروايات مع التركيز على إبداعات آية الله السيستاني

الملخص

يعد «اختلاف الحديث» إحدى المعضلات التي تواجه الباحثين في العلوم الإسلامية، وخاصة علوم الحديث؛ إذ كثيراً ما يواجه العلماء في مختلف فروع المعرفة حديثين مختلفين أو أكثر حول موضوع واحد. يعتمد هؤلاء الباحثون أولاً على الحديث نفسه، ثم يستعينون بأدلة أخرى للتوصل إلى حلول لرفع الاختلاف والعثور على الحديث المعتبر من بين الأحاديث المتعارضة. وتستمر الجهود العلمية للعلماء لأهمية مسألة اختلاف الروايات. ولـ «آية الله السيد علي السيستاني» آراء وآثار في هذا الشأن، وهي بالغة النفع والفائدة لما فيها من إبداع وكشف عن مجالات مجهولة، وحل للمسائل المتعلقة بعلم اختلاف الحديث. واستناداً إلى نتائجه العلمية، فإن الخطوة الأولى اللازمة للبحث في حل اختلاف الحديث هي معرفة أسبابه في مرحلتي الصدور والوصول. كما أن قسماً من هذه الاختلافات غير واقعي ومرتبط بأسباب عدم فهم الأحاديث فهماً دقيقاً، ومنها: عدم معرفة أسلوب كلام أهل البيت (ع)، ومقاماتهم المختلفة، وكذلك مداليل الأحاديث؛ إذ إن معرفة ظروف المخاطب والمجتمع والعرف السائد لدى السائل تؤثر في الفهم الصحيح للحديث ورفع الاختلاف بين الأحاديث. والجدير بالذكر أن الجمع المقبول بين الأخبار المتعارضة من وجهة نظر آية الله السيستاني، ليس هو الجمع المعروف بـ «الجمع العرفي»، بل هو جمع يقوم على أسس كمعرفة اللحن والمعاريض وأسباب الكتمان، وهو ما يسميه سماحته بـ «الجمع الاستنباطي».

1. طرح المسألة

إن لاختلاف الحديث خلفية متشابكة مع تاريخ الحديث، وبناءً على الوثائق الكثيرة، أولى علماء الدين، وخاصة أئمة الشيعة (ع)، اهتماماً بالغاً بهذا الأمر المهم، وتطرقوا في كلماتهم إلى هذه المسألة وسبل الخروج منها (الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ٣١٠-٣١٢). من ناحية أخرى، حظي هذا العلم، بغض النظر عن ظاهرة النسخ في فكر المؤمنين به في السنة، باهتمام علماء الحوزة من فقهاء وباحثي الحديث، وقد توصلوا في هذا الصدد إلى مؤلفات مهمة. وتتضح أهمية هذا العلم والبحث في مجاله من منطلق اعتقادنا بأن النبي (ص) والأئمة (ع)، بناءً على عصمتهم ووحدة مصدرهم المعرفي والرسالة التي يحملونها، لا يمكنهم إصدار أحكام متنوعة ومتعارضة لموضوع واحد، مما يسبب حيرة الناس؛ ذلك أنهم في الأساس كانوا متفقين في أهدافهم ووظائفهم ورسالتهم، لذا فإن قبول تشتت الآراء والاختلاف الجذري في وجهات النظر من جانبهم لن يكون ممكناً. وكما هو الحال من وجهة النظر الشرعية والعلمية، فإن للموضوعات أحكاماً ثابتة لا تتغير، وهذا الأمر يستلزم عدم وجود اختلاف في حديث المعصوم. هذه المسألة وسبل حلها كانت منذ القدم وفي جميع العصور الإسلامية محط اهتمام العلماء الذين تعاملوا مع موضوع اختلاف الحديث. وعلى الرغم من ذلك، فإن ظاهرة اختلاف الحديث تقتضي المزيد من الأبحاث، وقد أولى علماء العصور الأخيرة والمعاصرون منهم أهمية خاصة لها، وتوصلوا إلى معرفة أنواع وسبل جديدة لرفع اختلاف الحديث. ومن بين هؤلاء يمكن ذكر العالم المعاصر، آية الله السيد علي السيستاني، الذي بالإضافة إلى بحثه في اختلاف وتعارض الحديث ضمن المباحث الأصولية،1 قد خص هذين الأمرين المهمين بالبحث في أثرين محققين، هما: «تعارض الأدلة»2 و «اختلاف الحديث».3 إن معرفة وجهات نظر سماحته الجديدة وأفكاره المبتكرة تستدعي إجراء بحث مستقل لتبيينها، وفي بعض الحالات مقارنة آرائه مع آراء العلماء الآخرين مع التركيز على إبداعاته العلمية في حل الاختلاف.

يعود إدراك مشكلة اختلاف الروايات والسعي العلمي لحل هذه الأزمة إلى عصر الصحابة والتابعين. ففي مصادر الحديث لأهل السنة، سُجلت أحاديث متعارضة عن رسول الله (ص)، ولكن لم يلاحظ في أي من مصادر الحديث السنية أو الشيعية أن يكون قد طُرح سؤال على النبي بشأن التعارض وأجاب عنه. بالطبع، بناءً على رواية عن أمير المؤمنين (ع) حول تعارض الأحاديث المروية عن النبي (ص)، سُئل فقال: «خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ». وكما يلاحظ، فإن هذه الرواية تدل على وقوع التعارض والاختلاف في زمن النبي (ص)، إلا أنه لم يُطرح فيها بحث ترجيح السند والرواة (مددي، سيد أحمد، 1393ش، 383). أما الاهتمام الجاد بمبحث اختلاف الأحاديث وعلاجه وتدوينه، فيظهر بشكل أوضح في زمن الصادقين (ع) والطبقة السادسة من الرواة، أمثال يونس بن عبد الرحمن، وابن أبي عمير، وأبي نصر البزنطي، وحسن بن محبوب، وأصحاب الإمام الكاظم (ع) والإمام الرضا (ع). ولهذا السبب، دُونت كتب الجوامع الحديثية والرجالية، وبعد ذلك، بذل المحدثون والفقهاء والمتكلمون جهودهم في حل اختلاف الروايات. ونظراً لاتساع المصادر المتعلقة بموضوع البحث، بدلاً من ذكر آثار هذا المجال، يُشار إلى أهم الحلول التي قدمها المفكرون لرفع هذه المشكلة، والتي تركز في الغالب على أسباب نشوء الاختلاف، كخلفية لهذا البحث.4 وفي هذا السياق، فإن العلل التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام من قبل باحثي الحديث هي:

أ- تقطيع الخبر

المراد بهذا الأمر هو حذف أجزاء من الرواية ونقل أجزاء منها؛ وهي ظاهرة تسببت في بروز الاختلاف في بعض الأحاديث والإخلال في فهمها. ومن بين العلماء القدامى، عدّ الشيخ في الاستبصار، والصدوق في معاني الأخبار، والكليني في الكافي، والعلامة الحلي في النهاية، والإمام الشافعي في الرسالة، تقطيع الخبر من عوامل إيجاد الاختلاف في الأحاديث (دلبري حسيني، 1383ش، 162). ولعلماء علوم الحديث آراء مختلفة حول حكم التقطيع. وباختصار، فإن آراءهم تتلخص في: المنع المطلق، والجواز المطلق، والمنع المشروط (معارف، 1383ش، 239-238). وكمثال، يمكن ذكر الرواية التالية التي حدث فيها تقطيع من جنس «إلغاء خصوصيات المسألة»، لاعتقاد المحدث أن لا دخل لها في الحديث. الرواية الأولى في الوافي نقلاً عن الكافي هي: محمد بن حسين عن ابن هلال عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (ع) «في رجُلٍ أتى جَبَلاً فَشَقَّ فِيهِ قَناةً، جَرَى مَاؤُهَا سَنَةً …» عند مراجعة الفقيه، نجد أن جملة «فَذَهَبَ قَناةُ الآخَرِ» قد حُذفت في الكافي بعد عبارة «في رجُلٍ أتى جَبَلاً فَشَقَّ فيه قناه» من هذه الرواية؛ كما أن الرواية الحاضرة في التهذيب نُقلت على هذا النحو: «جَرَى مَاؤُهَا سَنَةً ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ أتى ذَلِكَ الجَبَل فَشَقَّ منه قَنَاة الأُولَى فَذَهَبَ قَناةُ الآخَرِ». في نقل الكليني، حُذفت خصوصيات المسألة ظناً أنها لا تؤثر في الرواية (فيض كاشاني، 1406ق، 18: 1057؛ سيستاني، 1396ش، 193).5

ب- زوال القرائن

بناءً على الأبحاث التي أجريت، يعد زوال القرائن، أو بعبارة أخرى، فقدان السياق الموقفي للحديث، أحد عوامل نشوء الاختلاف في الحديث. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن القرائن المحيطة بالأخبار تكون إما لفظية، مثل: العلاقات المذكورة في باب الاستعارات والكنايات… أو معنوية، مثل: الجو الحاكم على متن الرواية، والعوامل المؤثرة في صدور الحكم وسببه (وبعبارة أخرى، العوامل الشخصية والمناخ الاجتماعي). وبالطبع، يقسم العلماء القرائن أحياناً إلى قسمين: حالية ومقالية، وهذا بحد ذاته مؤثر في كشف موارد التقية والكتمان. وكان الشهيد الأول والشيخ الأنصاري من بين الذين أشاروا إلى هذا العامل من عوامل الاختلاف (دلبري حسيني، 1383ش، 162). ويرى الشيخ الأنصاري أن معظم الاختلاف في الروايات يعود إلى كثرة موارد إرادة خلاف ظواهر الأخبار؛ سواء بوجود قرائن متصلة كالتقطيع والنقل بالمعنى، أو بوجود قرائن منفصلة حالية ومقالية، أو بدون قرينة كالتقية التي خفيت علينا؛ مثل رواية «الوتر واجب» التي عندما طلب السائل توضيحاً، قال المعصوم (ع): «إِنَّمَا عَنَيْتُ وُجُوبَهَا عَلَى النَّبِيِّ (ص)» (أنصاري، 1419ق، 4: 131).

ج- وقوع النسخ

اعتبر بعض باحثي الحديث وقوع النسخ أحد عوامل نشوء الاختلاف في الحديث، والذي بالطبع، في حال ثبوته، يتضح أن الاختلاف ظاهري. ومن بين العلماء الذين ذكروا النسخ ضمن أسباب اختلاف الأحاديث، يمكن ذكر الشهيد الثاني (الشهيد الثاني، 1367ش، 1: 126) والشهيد الصدر (الإسلامي، 1385ش، 172). يقسم بعض العلماء المعاصرين النسخ إلى نوعين: النسخ التبليغي، أي النسخ الذي أُودع عند الأئمة (ع) ليبلغوه في الوقت المناسب، والنسخ التشريعي الذي يستند إلى ثبوت حق التشريع للأئمة (ع) ويصدر عنهم؛ كما كان هذا الحق ثابتاً من قبل للنبي (ص) (السيستاني، 1414ق، 1: 26). وبالطبع، يعتقد آية الله السيستاني أنه لا يوجد دليل على تأثير النسخ في اختلاف الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)؛ لأن ذكر الأحاديث الناسخة من قبل الأئمة (ع) يدل على وجود النسخ ونشوء الاختلاف، وهذا ليس صحيحاً؛ ذلك أنهم (ع) كانوا على علم بالناسخ والمنسوخ من زمن النبي (ص)، بخلاف المخالفين الذين لم يكونوا على علم بذلك (نفس المصدر). ولتجنب الإطالة، سنمتنع عن ذكر المثال المعروف في هذا الباب، أي المسح على الخفين.6 7

د- عدم تكافؤ فهم الرواة

لم يكن ناقلو الأحاديث، سواء من الصحابة أو غيرهم، على مستوى واحد من العلم، ولم يكن لديهم فهم موحد لتلقي الخبر واستنباطه، وقد أدى هذا الأمر إلى الاختلاف في الأحاديث. يرى الشهيد الأول والشهيد الصدر أن مستوى إدراك وبصيرة الرواة في تلقي الخبر وفهمه هو أحد عوامل نشوء الاختلاف في الروايات (انظر: الشهيد الأول، 1377ش، 1: 60؛ الصدر، بحوث في علم الأصول، 7: 29-39). مثال على ذلك حديث «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» الذي أصبح في أوساط أهل السنة أساساً لترويج الإسرائيليات، وفي عصر الإمام الصادق (ع) بلغ من الشهرة حداً لم يستطع الإمام معه إنكاره بسهولة، واضطر إلى توجيهه. وفي هذا السياق، ورد في كتاب معاني الأخبار: أن عبد الأعلى بن أعين قال للإمام الصادق (ع): فديتك، يروي الناس عن رسول الله (ص) أنه قال: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ». فقال الإمام (ع): نعم. فسأل الراوي: فهل يمكننا أن ننقل ما نسمعه من بني إسرائيل ولا حرج علينا؟ فقال الإمام (ع): ألم تسمع أن النبي نفسه (ص) قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، أي يكفي في كذب الشخص أن يحدث بكل ما يسمع. فسأل الراوي: فما هو مجرى الحديث؟ فقال الإمام (ع): المقصود هو أن ما ورد في القرآن من أخبار بني إسرائيل فحدث به، فإن نظيره سيقع في هذه الأمة، ولا حرج في نقله (معارف، 1374ش، 315-316).

هـ- نسبة الروايات الكاذبة إلى المعصومين (ع)

كان وضع وجعل الروايات لإثبات وجهات النظر الخاصة، الدافع الأهم لنسبة الروايات المختلقة إلى الأئمة (ع). وبالطبع، بالنظر إلى حساسية المحدثين الشيعة والتحليل الرجالي، يبدو أن المصادر الشيعية أقل تعرضاً لهذه الآفة، ولكن مع ذلك، هناك من أمثال الشيخ الصدوق ووالد الشيخ البهائي من ذكروا هذا الأمر كعامل للاختلاف (دلبري حسيني، 1383ش، 163). رواية يونس بن عبد الرحمن تؤيد وجود هذه الظاهرة في حديث الشيعة. فعندما سُئل عن تشدده وكثرة إنكاره ورده للحديث، أجاب: «حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثاً إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، أَوْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَاهِداً مِنْ أَحَادِيثِنَا الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ دَسَّ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي أَحَادِيثَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَبِي، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَقُولُوا عَلَيْنَا مَا خَالَفَ قَوْلَ رَبِّنَا تَعَالَى وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّا إِذَا حَدَّثْنَا، قُلْنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ» (انظر: الشهيد الأول، 1377ش، 1: 60؛ الصدر، بحوث في علم الأصول، 7: 29-39).

و- التقية والكتمان

التقية هي إحدى المعتقدات الشيعية، وهي مقبولة أيضاً لدى بعض كبار المذاهب غير الشيعية،8 ولذلك فهي بحد ذاتها من أسباب الكتمان وعوامل الاختلاف بين الأحاديث؛ إذ إن حمل الحديث على التقية في حال الاختلاف هو أحد طرق رفع التعارض بين الأحاديث لدى المتأخرين. وقد ذكر والد الشيخ البهائي والشهيد الأول والشيخ الأنصاري التقية كعامل لإيجاد التعارض (دلبري حسيني، 1383ش، 163). ورغم أن البعض يعتقد أن حمل الروايات الموافقة للعامة على التقية كسبيل للهروب من التعارض لم يكن شائعاً لدى القدماء (مددي موسوي، سيد محمد كاظم، 1393ش، 107). ورواية أبي بصير في هذا الصدد تثبت أصل التقية وطرحها كسبب للاختلاف: قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ. فَقَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُ أَبَاكَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْخَمْسِ كُلِّهَا؟ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبِي! إِنَّ أَصْحَابَ أَبِي أَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِالْحَقِّ ثُمَّ أَتَوْنِي شُكَّاكاً فَأَفْتَيْتُهُمْ بِالتَّقِيَّةِ» (الحر العاملي، د.ت، 6: 263).

ز- مراعاة ظروف المكلفين وأحوال الرواة

في مقام الإجابة، عدّ بعض العلماء، مثل الشيخ الصدوق، حالات الناس وظروفهم من عوامل الاختلاف (دلبري حسيني، 1383ش، 163). وبناءً على الأمر المذكور، كانت إجابات الأئمة متفاوتة بحسب السائلين، وهذا هو ما أدى إلى الاختلاف في الروايات. والرواية التالية تثبت هذا الأمر بوضوح: «عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ مُحْرِزٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَتَّعُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَافَ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى وَلَمْ يَطُفْ طَوَافَ النِّسَاءِ فَوَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ، فَذَكَرَهُ لِأَصْحَابِهِ فَقَالُوا: فُلَانٌ قَدْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً. قَالَ سَلَمَةُ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا قَالَ لِي. قَالَ: فَقَالُوا: اتَّقَاكَ وَأَعْطَاكَ مِنْ عَيْنٍ كَدِرَةٍ. فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَقِيتُ أَصْحَابِي فَقَالُوا: اتَّقَاكَ، وَقَدْ فَعَلَ فُلَانٌ مِثْلَ مَا فَعَلْتَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ بَدَنَةً، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَدَقُوا، مَا اتَّقَيْتُكَ، وَلَكِنَّ فُلَانٌ فَعَلَهُ مُتَعَمِّداً وَهُوَ يَعْلَمُ، وَأَنْتَ فَعَلْتَهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ، فَهَلْ كَانَ بَلَغَكَ ذَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ بَلَغَنِي. فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ» (انظر: الشهيد الأول، 1377ش، 1: 60؛ الصدر، بحوث في علم الأصول، 7: 29-39).

ح- تصنيف الأحكام

تنقسم الأحكام الشرعية من منظور ما إلى قسمين: أحكام إفتائية وتعليمية، وعدم التمييز بين هذين النوعين من بيان الأحكام هو ما أدى إلى اختلاف الحديث. وفي هذا الصدد، نُشر مقال قيم بعنوان «تفکیک روایات افتایی و تعلیمی، قواعد و نمونه‌ها؛ با نگاهی به اندیشه‌های اصولی آیت‌الله سیستانی و میرزا مهدی اصفهانی» للسيدين حميد رضا تمدن وحسين عزيز بور في مجلة آینه پژوهش، العدد 6. إن ما ذُكر في هذا القسم كأسباب ودوافع لنشوء الاختلاف في الحديث هي عوامل معروفة إلى حد ما بين علماء الحديث، وتُطرح عند البحث في كيفية رفع الاختلاف. والآن، ننظر إلى هذه الظاهرة وكيفية رفعها من منظور آخر، أي من خلال دراسة الأسباب التي أدت إلى هذه الاختلافات.

2. تصنيف أسباب اختلاف الروايات

استناداً إلى الدراسات الحديثية في الروايات المتعلقة ببحث الأخبار المتعارضة، استُخدم مصطلح «الاختلاف» أو «المتخالفين» (مددي، سيد أحمد، 1393ش، 384؛ السيستاني، د.ت، 1: 13)، في حين لم يُستخدم مصطلح «التعارض» في أي من الروايات، سواء العلاجية أو التي عُرضت على الأئمة (ع) – باستثناء رواية زرارة المرفوعة والضعيفة سنداً. في دراسة هذه الظاهرة، تجدر الإشارة إلى أن اختلاف الحديث قد وقع في جميع مراحل «الصدور» و«النقل» و«التبليغ»، وبناءً على هذه المراحل، تختلف أنواع الاختلاف أيضاً. يشمل الاختلاف بين الأحاديث الاختلاف الواقعي والظاهري؛ أي في الحالات التي لا نعلم فيها بوجود اختلاف في الواقع؛ فالاختلاف الذي يبحثه العلماء في موضوع اختلاف الحديث لا يقتصر على الاختلاف الواقعي فحسب، والروايات الموجودة في هذا الباب ترتبط أحياناً بأسباب تتعلق بمرحلة الصدور (مثل: نشوء الاختلاف بسبب النسخ والتفويض)، وأحياناً يرتبط اختلاف الأحاديث بأسباب تتعلق بمرحلة الوصول (مثل: اشتباه الراوي بين الثقة وغير الثقة والاشتباه في النقل). قبل الخوض في طرق رفع الاختلاف في الأحاديث، وبناءً على هذا المبدأ الفكري والتحقيقي القائل بأن الظواهر ذات الأسباب لا تُعرف إلا بمعرفة أسبابها، وأن هناك «ملازمة بين بالمعنى الأخص»9 بين اختلاف الحديث وأسبابه، ندرك أن معرفة سبل رفع الاختلاف غير ممكنة دون فهم العوامل التي أوجدته (السيستاني، 1396ش، 4). وبالطبع، فإن الطريق المشهور للخروج من هذه المعضلة، والذي سلكه الجميع تقريباً، هو الأخبار العلاجية. ورغم أن الأخبار العلاجية قد تبدو في الوهلة الأولى حلاً لمسألة اختلاف الحديث، إلا أنه يجب العلم بأن هذه الأخبار محل نقاش جدي من حيث السند والدلالة، وهي غير كافية لحل مشكلة اختلاف الأحاديث (البحراني، د.ت، 1: 90). وقد حدد المحدثون العديد من العوامل في نشوء اختلاف الأحاديث وصنفوها بناءً على مبانيهم الخاصة؛ مثل: التصنيف في إطار العوامل الداخلية والخارجية. ويوضح آية الله السيستاني في كتاب «الرافد في علم الأصول» أن المقصود بالعوامل الداخلية هي العوامل التي نشأت من أهل البيت (ع)، والمقصود بالعوامل الخارجية هي العوامل التي تشكلت من قبل الرواة ومدوني الحديث.10 (السيستاني، 1414ق، 1: 26). ومن المناسب قبل تبيين أسباب اختلاف الحديث الإشارة إلى مسألتي النسخ والتفويض. ففي مرحلة صدور الحديث عن المعصوم (ع)، يكون سبب الاختلاف أحياناً من جانبهم ومن باب تفويض أمر الدين إلى المعصومين (ع) وحق التشريع؛ ذلك أن هذا الحق يتبعه إمكان نسخ الأحكام. وتبعاً لإثبات حق التشريع للنبي (ص) والمعصومين (ع)، فإن النسخ أيضاً سيكون ممكناً كنوع من التشريع. وبشكل عام، يعد أصل وقوع النسخ في الشريعة أحد أسباب اختلاف الأحاديث، إلا أن هذا الأمر ليس له تأثير كبير في أحاديث الشيعة؛ ذلك أن التمييز بين الأحكام التشريعية الدائمة والأحكام الولائية المؤقتة والمتغيرة، والتمييز بين تغير الموضوع وتغير الحكم، وكذلك التمييز بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي قد أزال الكثير من الاختلافات الناشئة عن النسخ. وبناءً على ما تقدم، تتلخص الجذور الأصلية لاختلاف الحديث في ثلاثة أسباب:

1-2. عدم الإحاطة بمداليل النصوص الشرعية

من لوازم التعامل مع الحديث من وجهة نظر الأئمة (ع) هو الفهم، أو بتعبيرهم، دراية الحديث، التي هي بحسب قول المعصومين (ع) أنفسهم، دراية رواية واحدة خير من رواية ألف رواية،11 وبالطبع، فإن لازم فهم الحديث هو التدبر والتعقل فيه، وهو ما أكدت عليه الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)، ومنها الرواية المذكورة. من وجهة نظر الفقهاء ومحدثي الحديث، فإن عملية التدبر والتفقه في مجال فهم الحديث تزيل الكثير من الاختلافات غير الواقعية؛ لذا يجب في مسار فهم الحديث أن نلتفت إلى أن الإمام (ع) لم يتبع أسلوباً خاصاً واحداً في كلامه، بل كان كلامه كالنبي (ص) يتبع أسلوبين: التعليم والإرشاد العملي أو الإفتاء. ومن خصائص أسلوب التعليم: معرفة الناسخ والمنسوخ، العام والخاص، المطلق والمقيد، المحكم والمتشابه، التدرج في بيان الأحكام، وذكر القواعد الكلية للتلاميذ. وفي أسلوب الإفتاء، كان الإمام (ع) يطابق القواعد الشرعية الكلية على حالة معينة مع الأخذ بعين الاعتبار أحوال السائل وبما يتناسب مع ظروفه الفردية؛12 لذا في الإفتاء، قد يكون موضوع الحكم واحداً، ولكنه يتناسب مع الظروف الفردية والنفسية والعقائدية والاجتماعية للسائل، وبدون ذكر الحالات النادرة والشاذة، يُذكر أحد شقوق الحكم التخييري، وتُستخدم الألفاظ والمصطلحات الشائعة في عرف السائل؛ لذا فإن الأسئلة في مقامات مختلفة تكون لها فتاوى وإجابات مختلفة (السيستاني، د.ت، 188-234).

2-2. أسلوب الأئمة (ع) في بيان الأحكام

من الظواهر الملحوظة في طريقة إصدار الأحكام من قبل الأئمة لمخاطبيهم هي التورية والتقية. وهذا الأمر أحياناً يكون منشأ للاختلاف في الحديث، وسيتم التطرق إلى جوانبه المختلفة أدناه.

1-2-2. التورية والكتمان

من العوامل الأخرى التي تؤدي إلى الاختلاف، والتي تتحقق بطرق مختلفة، هو الإبهام في بيان الأحكام، والذي يُعرف في لسان الروايات وآراء العلماء بالتورية والكتمان. فإذا صدرت روايتان متعارضتان عن المعصوم (ع) (من باب التشريع العام وليس الحكم الولائي)، وكان العلم بوقوع الكتمان في إحداهما قائماً، فإنه يمكن من خلال معرفة أسباب الكتمان تحديد الرواية المكتومة. وخلافاً لرأي بعض الفقهاء الذين يعتقدون أن الكتمان واختلاف الحديث يقتصران على الأحكام الموسعة (السيستاني، 1396ش، 124)، يعتقد آية الله السيستاني أن الكتمان يقع في الأحكام الموسعة والمضيقة على حد سواء، ويجب أن تتناسب أسبابه مع الأحكام ليكشف عن حقيقة اختلاف الأحاديث (السيستاني، 1396ش، 156). وبالطبع، يكون الستر والكتمان طبيعياً في بعض الأحيان؛ مثل الاختلاف بين التعليم والإفتاء، وصدور الأحكام الولائية، والتدرج في التعليم، وإلقاء العام وإرادة الخاص، وتقديم طرق سهلة تتناسب مع أحوال السائل في مرحلة الإفتاء، والتقية، وإلقاء الاختلاف بين الشيعة والمداراة مع السائل؛ كلها أشكال من الستر الطبيعي في مرحلة النشر يمكن كشفها بالأساليب العقلانية، وأحياناً يكون هذا الستر غير طبيعي؛ مثل اختيار كلام خاص يُطلق عليه المعاريض والتورية واللحن. وإعلان الأئمة (ع) بوجود التورية ليس لكي يجمع أي شخص بين الأخبار المتعارضة كيفما شاء، بحيث تُؤخذ التأويلات البعيدة بعين الاعتبار، بل يجب كشف المعاني بناءً على الموازين العقلية، لا أن نفتح باب التأويلات البعيدة لتبرير عمل الشيخ الطوسي. وإلا، فإن الاستنباط يزول وتُلغى الموازين العقلية في تشخيص الظهورات (السيستاني، 1396ش، 150). وهناك أيضاً احتمال أن يكون مرادهم من هذا الإعلان هو أن الجمع بين الأخبار المتعارضة ليس جمعاً عرفياً، بل هو «جمع استنباطي». والمقصود بالجمع الاستنباطي هو الجمع الذي تتم فيه مطابقة الأقوال المختلفة بناءً على قوانين معرفة المعاريض والتورية وأسباب الكتمان ومعرفة لحن الكلام، فتُجمع الأقوال المختلفة بناءً على هذه القوانين. مع مراعاة هذا الأصل، وهو أن أسباب الكتمان تتناسب مع الأحكام، سيكشف الفقيه من خلاله عن مراد النصوص (السيستاني، 1396ش، 144). لقد أطلعنا الأئمة (ع) على ذلك لكي نتعلم منهج التفكير في هذا المجال. ويتحقق الكتمان عن طريق السكوت أو التورية. فأحياناً يظن الناس أن حكماً ما إلزامي، فيؤيد المعصوم (ع) رأيهم دون أن يقول إنه إلزامي. وأحياناً يسأل السائل، فلا يجيب المعصوم (ع) لمصلحة ما ويسكت. التورية هي كتمان الحكم بالكلام. يقول الشيخ الأنصاري: «أن الخبر الصادر تقية، يحتمل أن يراد به ظاهره فيكون من الكذب المجوز لمصلحة، ويحتمل أن يراد منه تأويل مخفي على المخاطب فيكون من قبيل التورية، وهذا أليق بالإمام، بل هو اللائق؛ إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكن من التورية» (الأنصاري، 1419ق، 4: 128). التورية من أهم طرق الكتمان، وقد اعترف الشيخ أيضاً بوجود التورية في كلام المعصوم (ع). وروايات «سبعين وجهاً» التي تدل على وقوع التورية، تشير إلى أن الأئمة (ع) كانوا يمتلكون في مقام بيان الحكم الواقعي قدرة على الإجابة بأساليب متعددة.13 إن إعلان هذا النوع من القدرة وتوجيه الشيعة إلى معرفة التورية، له تأثير في استكشاف الحكم الواقعي بناءً على الموازين العقلية وتجنب التأويلات البعيدة. وأسباب الكتمان هي:

1-1-2-2. المداراة مع السائل

توضيح ذلك أن بعض السائلين للأئمة كانوا قد أقروا بولايتهم، ولكنهم لم يكونوا قادرين على فهم بعض الأحكام التي تخالف ما اشتهر بين المسلمين، وذلك بسبب مرتكزاتهم الذهنية الصعبة.14 ولذلك، كان الأئمة (ع) يتجنبون الانحراف الفكري وسوء الظن، ولا يكشفون عن الحكم الواقعي حتى الوقت المناسب، وكانوا يدارون السائل لعدة أسباب.

2-1-2-2. تلمذة السائل عند المخالفين

إذا كان الشخص قد تتلمذ عند آخرين قبل أن يتتلمذ في محضر المعصوم (ع)، فإن إلقاء الآراء، وخاصة آراء المخالفين لعقائده من قبل المتكلم، يجب أن يتم بشكل تدريجي، ومقتضى هذه المسألة هو الكتمان بطبيعة الحال.

1-2-1-2-2. الاعتماد على بعض الرواة من العامة

يطمئن البعض إلى الروايات المنقولة عن العامة، فإذا أبدى المعصوم (ع) أحكاماً أملاها النبي (ص) وكتبها الإمام علي (ع) (والتي قد تكون مخالفة لفتاوى العامة)، فإن الشخص سيقع في الشك والتردد (السيستاني، 1396ش، 86). يجب أن نعلم أن الروايات، مثل آيات القرآن الكريم، لها خصوصيات زمانية ومكانية.15 وبسبب عدم الاهتمام بالسنن، ومنع تدوين الحديث، والاعتماد على الحافظة، فإن الكثير من منقولات العامة مخالفة للواقع.16 ونظراً للاعتماد على رواة العامة، لا يرى المعصوم (ع) مصلحة في بيان هذه الحقيقة المرة لجميع الأفراد، وهي أن حكماً مخالفاً للآية يوجد في منقولات العامة؛ مثل مسألة المسح على الخفين، التي قال ابن عباس بنسخها، وقد ورد في روايات العامة ورواياتنا أن هذا الحكم نُسخ بآية الوضوء في سورة المائدة. ولكنهم أخطأوا وظنوا أنه لم يُنسخ، وهذا بسبب الغفلة عن الخصوصيات، حيث كان المسح على الخفين يُعمل به قبل نزول سورة المائدة.17 (السيستاني، 1396ش، 89-90).

2-2-1-2-2. الاعتقادات المتطرفة تجاه الأئمة (ع)

كانت فئة تنتسب إلى الشيعة تعتقد بألوهية ونبوة الأئمة (ع)؛ فلو بيّن المعصوم (ع) أحكاماً تخالف ما هو سائد بين المسلمين، لاتخذت هذه الفئة الرأي المخالف شاهداً ودليلاً على عقيدتها، وادعت أن الأئمة (ع) أنبياء؛ ولهذا السبب، كانت بعض الأحكام تبقى خفية؛ مثل: تخيير المسافر في قصر الصلاة أو إتمامها في مسجد الكوفة وحرم الحسين، حيث أفتى البعض بقصر الصلاة (السيستاني، 1396ش، 89).

3-2-1-2-2. عدم المعرفة المطلوبة تجاه الإمام (ع)

وجود عقائد تفريطية لدى بعض الأفراد الذين كانوا يعتبرون الأئمة (ع) كباقي الفقهاء، دون أن يأخذوا مكانة الولاية للمعصوم (ع) بعين الاعتبار.18

3-1-2-2. إلقاء الاختلاف من قبل الأئمة (ع) بين الشيعة

كان الأئمة (ع) يسعون، حفاظاً على الشيعة، إلى إلقاء نوع من الاختلاف الصوري بينهم في الموسعات؛19 مثل الاختلاف في مواقيت الصلاة، وعدد النوافل، وكفارة إفطار الصوم، وتغيير نية الحج المفرد إلى العمرة.20 إن إلقاء الاختلاف بين الشيعة، نظراً لعدم اطمئنان العامة لتظاهر الشيعة، يُعد من أدوات الكتمان، ولا شك أن لهذا الفعل تأثيراً كبيراً في دفع الخطر عنهم (السيستاني، 1396ش، 92).

2-2-2. التقية

التقية، وهي أحد أسباب الكتمان التي تُمارس بهدف حماية عموم الشيعة والرواة بشكل خاص، تعني «الإفتاء بما يوافق العامة ويخالف الواقع». وبالطبع، ليس السبب الوحيد لمخالفة الواقع هو التقية، بل إن إلقاء الاختلاف بين الشيعة وتوجيههم نحو الكمال يمكن أن يكون سبباً لذلك أيضاً. وفيما يتعلق بتأثير التقية في اختلاف الأحاديث، تختلف آراء المفكرين وتتناقض؛ فعلى سبيل المثال، يعتبر صاحب الحدائق في مقدمة كتابه التقية من أقوى المرجحات، ويرى لها تأثيراً كبيراً في اختلاف الحديث.21 ومن ناحية أخرى، يعتقد الشيخ الأنصاري في الرسائل أن التقية ليس لها دور كبير في اختلاف الأحاديث (السيستاني، د.ت، 272).22 وتتجلى أهمية التقية في اختلاف الأحاديث من خلال أن علماء الشيعة، كلما واجهوا خبرين متعارضين، كانوا يحملون الحديث الموافق للعامة على التقية دون النظر في الخصائص الزمانية والمكانية (نفس المصدر، 275). هذا في حين أن حالات الحمل على التقية نادرة، مع وجود الدقة والتدقيق في تدوين كتب الحديث وعدم خفاء خبر التقية وغيره عن أعين الخواص وأصحاب الأئمة (ع). والنقطة الأخرى هي أنه بالتأمل في أسباب صدور الرواية، يتضح أن التقية كانت مؤقتة، وأن الأئمة (ع) قد كشفوا عنها في الوقت المناسب (نفس المصدر، 100). وفي سياق تبيين أهداف هذا البحث، تجدر الإشارة إلى أن أسباب التقية هي كما يلي:

1-2-2-2. حماية الراوي

تُتصور حماية الراوي كأحد أسباب التقية عندما يعلم الإمام (ع) أن السائل في مرمى أنظار الآخرين، وأنه إذا عمل بالحكم الواقعي أو لم يشخص ظروف التقية، فسوف يتعرض للأذى؛23 لذا يصدر المعصوم (ع) فتوى غير واقعية بشكل مؤقت لحمايته. وبالطبع، من الواضح أنه بعد زوال الخطر، يبيّن الإمام (ع) الحكم الواقعي. يروي مسلمة بن محرز، وهو من مشايخ أبي عمير ويُعد ثقة، أنه قال للإمام الصادق (ع): «رجل مات وأوصاني في تركته، ولم يترك سوى ابنة». فقال لي الإمام (ع): «أعطها نصف المال». فأخبرت زرارة بالقضية، فقال: «لقد اتقاك الإمام (ع)، فالمال كله للابنة». فدخلت على الإمام (ع) وقلت: «أصلحك الله، يرى أصحابنا أنك اتقيتني». فقال الإمام (ع): «لا والله! لم أخشك، بل خشيت عليك. هل علم أحد بهذا الأمر؟» قلت: «لا». فقال الإمام (ع): «أعطها ما تبقى من المال». وفي هذا الصدد، يُذكر أن رأي الشيعة هو إعطاء كل المال للوريثة الوحيدة، بينما يعتقد العامة أن نصف المال يذهب للابنة والباقي لأقارب الميت الذكور (السيستاني، د.ت، 101).

2-2-2-2. كون المستفتي من العامة

لم يكن مخاطبو المعصومين (ع) والحاضرون في مجالسهم من الشيعة وأتباع الأئمة (ع) فقط؛ لذا يُلاحظ أحياناً أن المستفتي من الإمام (ع) هو شخص من العامة ويسأل بناءً على مذهبه24 (السيستاني، د.ت، 161). وكما يحضر أحياناً أشخاص مختلفون في المجلس ويُطرح سؤال، أو أن السؤال يكون عن أمور حساسة تُعد من أسرار وعلم الأئمة المخزون (ع). هذه الظواهر تؤدي إلى أن يمارس الإمام (ع) التقية، وبشكل طبيعي، ينشأ أحد أسباب الاختلاف في الحديث (السيستاني، د.ت، 164).

3-2-2-2. الخوف من السلطة

تظهر دراسة تاريخ الإمامة أنه طالما كانت الحكومات قوية، كان الأئمة (ع) يمارسون التقية في بيان الأحكام، وبالمقابل، عندما كانت الحكومة ضعيفة ومترهلة، كانوا يظهرون الحكم الواقعي (غروي، 1386ش، 167). وهنا نشير إلى مثال من المسائل الحكومية التي اتقى فيها الإمام (ع) من التصريح بالحق. يروي أبان بن تغلب أنه سمع الإمام الصادق (ع) يقول: «كان أبي في زمن بني أمية يفتي بأن ما يصطاده البازي والشاهين ويقتله حلال، وكان يتقي منهم، ولكني لا أتقي منهم؛ لذا فإن الصيد المقتول حرام» (الكليني، 1367ش، 7: 94؛ 6: 208). هذه الرواية تظهر بوضوح تقية الإمام (ع) في الظروف الصعبة وعدم التقية في الظروف العادية.

4-2-2-2. الحذر من الغلاة والملحدين

سبب آخر للتقية، وبالتالي نشوء الاختلاف في الحديث، هو حذر الأئمة (ع) من الغلاة والملحدين. وتوضيح ذلك أن الإباحية والغلاة، بهدف تدمير الإسلام، كانوا يبيحون المحرمات وينسبون آراءهم إلى الأئمة (ع)؛ لذا كان تجنب الأئمة (ع) من إثارة شبهة الارتباط بالفرق المنحرفة يؤدي إلى أنه إذا كان الحكم موضوعياً ترخيصياً ولكن العامة حكموا بإلزاميته، فإنهم أيضاً، لدفع الشبهة، يخفون الحكم الترخيصي (غروي، 1386ش، 164). وكما في العصر الحاضر، فإن بعض الفقهاء بعبارة «الاحتياط في تركه» لا يصرحون بترخيصية الحكم؛ مثل أنه في زمن الأئمة (ع)، كان العامة يحكمون بنجاسة الخمر، ولو أراد الإمام (ع) أن يقول إن شرب الخمر حرام ولكنه ليس نجساً،25 لنشأ تصور بأنه قد أباح شرب الخمر (السيستاني، 1396ش، 104).

3-2-2. توجيه الأصحاب نحو الكمال

من الممارسات الأخرى للأئمة (ع) في مقام بيان الأحكام التي أدت إلى اختلاف الروايات، هو إخفاء جهة الترخيص؛ ذلك أن الأئمة (ع) كانوا أحياناً في الأحكام الترخيصية يخفون جهة الترخيص ويبيّنونها بصورة إلزامية حتى لا يترك الأفراد العمل بالمصلحة المترتبة عليه.26 هذه المسألة تتجلى في سيرة الأئمة (ع) في تشريع المستحبات المؤكدة مثل صلاة الجمعة وغسلها (السيستاني، 1396ش، 165). وفي هذا الصدد، نلاحظ أن في بعض الروايات، تكون جهة الترخيص المستحب والمكروه المؤكد مخفية.

3-2. الاختلاف الناشئ عن الرواة أو ناسخي الحديث

ينشأ جزء من اختلاف الحديث في مرحلة تحمل ونقل الرواية، من أسلوب عمل الرواة والناقلين؛ إذ إنه بناءً على التقارير التاريخية، كان لهم دور كبير، سواء عن قصد أو غير قصد، في نشوء اختلاف الحديث. يُعتبر وضع وجعل الحديث، وسوء فهم النص الشرعي، واختلاف الإدراك والبصيرة لدى الرواة في تلقي الخبر، والجهل بسبب ورود الحديث وعلته، والتعصب والهوى، والتوهم في الأسانيد والانتساب إلى المعصوم (ع)، والنقل بالمعنى، من أهم عوامل هذا القسم؛ كما أن التصحيح القياسي، والتشابه في الكتابة، والتصحيف الكتابي أثناء نقل الكتب، والجعل، والتحريف، والإدراج في المتن (الزغير، 1428ق، 95)، وزوال القرائن الحالية والمقالية خاصة سبب صدور الخبر، وتقطيع الرواية، والخلط بين كلام الإمام والفقيه من قبل الرواة، والتخيير، يمكن ذكرها كجزء آخر من عوامل نشوء الاختلاف، والتي ترتبط في الغالب بفترة ما بعد المعصوم (ع)، وتحدث في الغالب في مجال التدوين (السيستاني، 1396ش، 175).27

3. نتيجة البحث

1- الخطوة الأولى في الرفع الصحيح لاختلاف الروايات والأداة الرئيسية لفهم طرقه، هي معرفة كيفية نشوء الاختلاف في الروايات؛ ذلك أن الظواهر الكونية لا تُعرف إلا بكشف أسبابها.

2- إن الاهتمام بأسباب وأنواع الكتمان والتناسب بين هذه الأسباب والأحكام ذات الاختلاف له دور كبير في فهم النصوص ورفع اختلافها؛ لأن أهل البيت (ع) كانوا يملكون حق الكتمان والنشر، وفي مرحلة التبليغ، ثبت لهم حق التفويض.

3- لا يوجد دليل على تأثير النسخ في اختلاف الروايات؛ كما أن إخفاء الناسخ وإظهار المنسوخ والعكس ليس دليلاً على وقوع النسخ من جانب الأئمة (ع)، بل إن إظهار الناسخ والمنسوخ هو في مقام تعليم الفقهاء ويستند إلى قانون التدرج.

4- يمكن كشف الكتمان والتقية والتورية في مرحلة النشر بالأساليب العقلانية التي علمها الأئمة (ع)، والجمع بين الأحاديث المتعارضة يتم فقط على أساس الفهم العقلاني للنصوص ولا حاجة في هذا الصدد إلى تأويلات بعيدة.

5- لقد عمل الأئمة (ع) وفقاً للاتفاقيات الاجتماعية والبناء العقلي لتفهيم مقصودهم؛ كما أن وجود التورية في كلام المعصوم (ع) لا يعني إلغاء حجية الظواهر.

6- بناءً على رؤية آية الله السيستاني للجمع الاستنباطي كحل لاختلاف الأحاديث، يجب أن تكون قوانين المعاريض والتورية ولحن ومذاق المتكلم وأسباب الكتمان والتقية متناسبة مع الأحكام؛ لذا فإن الاهتمام بهذه الأمور يوضح الفرق بين الجمع العرفي والجمع الاستنباطي.

الهوامش

1. لسماحته مؤلفات في علم الأصول، منها كتابا «الرافد في علم الأصول» و«المباحث الأصولية» في عدة مجلدات.

2. تعارض الأدلة هو علم يبحث في دليلين يتنافيان ويتعارضان من حيث مدلولهما في وعاء واحد. ونتيجة السعي لرفع التعارض، بحسب رأي العلماء، هي الحكم بالترجيح، أو التساقط، أو التخيير، أو التوقف (الأنصاري، 1419هـ، 4: 16، 99، 128).

3. اختلاف الحديث هو علم يختص بالأحاديث الصحيحة التي تبدو متعارضة ظاهراً، ولكن يمكن الجمع بينها بتقييد المطلق، وتخصيص العام، وحملها على تعدد الواقعة. على سبيل المثال، حديثا «لا عدوى» و«فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» هما روايتان صحيحتان تتعارضان ظاهراً، ويمكن الجمع بينهما بالاستعانة بتعاليم علوم الحديث (صالح، 1417هـ، 111).

4. كما يمكن ملاحظة أهم مباني باحثي الحديث في هذا الصدد على النحو التالي: إثبات الحجية لخبر الواحد، اعتبار الاختلاف في الأحاديث وهماً ناشئاً من عدم معرفة معاني الكلام وأسلوب إلقائه، الأخذ بالأحاديث على نطاق واسع وعدم إعمال المرجحات، الجمع بين الأحاديث المتعارضة بأسلوب مهما أمكن وتأويلها. كل من هذه الحلول له قابلية لحل الاختلاف في نطاق محدد وليس في جميع الحالات (السيستاني، د.ت، 178 – 184).

5. توضيح ذلك أن نقل الكليني جاء مع تقطيع أدى إلى إخفاء مسألة الإضرار بالغير، فالتقطيع الموجود في الكافي تسبب في عدم وضوح أن الشخص، بالإضافة إلى النهر الأول، قد حفر نهراً آخر من الجبل مما أدى إلى ذهاب نهر الشخص الآخر والإضرار به.

6. في روايات الأخذ بالأحدث أيضاً لا يوجد دليل على وقوع النسخ؛ لأن هذه الروايات تتعلق بالأحكام الولائية التي يجب فيها قبول الرواية الأحدث. أما بالنسبة لأنواع النسخ غير المشهورة في أدبيات الفقهاء، فهي موجودة؛ مثل نسخ كيفية أداء الصلاة التي كان المقدار الواجب منها في البداية ركعتين، ثم أضاف النبي (ص) ركعتين أخريين، وهو ما يسمى بالنسخ الإضافي.

7. للمزيد من الاطلاع، انظر: السيستاني، 1396ش، 39.

8. في هذا السياق، يمكن ذكر الحسن البصري الذي يعتقد أن التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا في مسألة القتل (السرخسي، 1414هـ، 24: 45).

9. الملازمة البينية قسم من أقسام الملازمة غير البينية. يوضح المناطقة في تبيين دلالة الالتزام أن الشرط في هذه الدلالة هو أن ينشأ من تصور الملزوم تصور اللازم، وهو على نوعين: اللازم البين بالمعنى الأخص واللازم البين بالمعنى الأعم. في الملازمة البينية بالمعنى الأخص، ينشأ تصور اللازم من تصور الملزوم دون الحاجة إلى واسطة أخرى (المظفر، المنطق، 1: 44، 103-104).

10. كتاب الرافد في علم الأصول لآية الله السيستاني جمعه السيد منير عدنان القطيفي، وهو يتناول موضوع أصول الفقه، حيث يوضح الخطوط العريضة للفكر الأصولي من خلال تبيان مساره التاريخي ومراحل تطوره، وتحليل علاقة علم الأصول بالعلوم الأخرى، وبيان وجهات النظر. كما يعرض بعض المسائل المطروحة في المذهب الإمامي مع أساليب مبتكرة في تنظيم وتبويب علم الأصول، وهذه المباحث تشمل 10 محاور، تتضمن أهمية علم الأصول في المدرسة الإمامية، وفترات التطور، وارتباط علم الأصول بعلم الفقه والأدب والفلسفة.

11. قال الصادق (ع): «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَرْوِيهِ وَ لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهاً حَتَّى يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا وَ إِنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلَامِنَا لَتَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً لَنَا مِنْ جَمِيعِهَا الْمَخْرَجُ» (الصدوق، معاني الأخبار، 1: 2).

12. عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ وَ عَلَيْكُمُ التَّفْرُعُ» (الحلي، 1411هـ، 1: 575).

13. من الأحاديث الدالة على وقوع التورية يمكن الإشارة إلى هذا الحديث: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبِ عَنِ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: (أَنْتُمْ أَفْقَهُ النَّاسِ مَا عَرَفْتُمْ مَعَانِيَ كَلَامِنَا؛ إِنَّ كَلَامَنَا لَيَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً)» (الصفار القمي، 1404هـ، 1: 349).

14. «وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنِ الْقُنُوتِ؟ فَقَالَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُ أَبَاكَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: فِي الْخَمْسِ كُلِّهَا فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبِي إِنَّ أَصْحَابَ أَبِي أَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِالْحَقِّ ثُمَّ أَتَوْنِي شُكَّاكاً فَأَفْتَيْتُهُمْ بِالتَّقِيَّةِ». قال» (الحر العاملي، د.ت، 6: 263). يرى آية الله السيستاني في بحث القنوت أنه كان مبحثاً سياسياً، وكان يُذكر فيه أحياناً لعن المخالفين؛ لذا أُلغيت القنوتات عدا قنوت صلاة الوتر الذي يُقرأ في الليل وبعيداً عن الأنظار العامة (السيستاني، 1396ش، 83).

15. رد فعل زرارة عند قراءته لصحيفة الفرائض التي كانت مخالفة لما اشتهر بين المسلمين، هو نموذج لتلمذة فقهاء العامة قبل الارتباط بالإمام الباقر (ع) (الكليني، 1367ش، 13: 562). كما ينقل الكشي أن الحكم كان يصدر من فقهاء العامة، وأن أساتذة زرارة كانوا حمران وطيار (الكشي، 1382ش، 1: 210).

16. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْوُونَ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يُتَّهَمُونَ بِالْكَذِبِ، فَيَجِيءُ مِنْكُمْ خِلَافُهُ؟ قَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ يُنْسَخُ كَمَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ» (الكليني، 1387ش، 7: 94).

17. على سبيل المثال، قال الطوسي في المسألة 43 من باب الوضوء: «لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي السَّفَرِ وَخَالَفَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي مِقْدَارِ الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، دَلِيلُنَا إِجْمَاعُ الْفِرْقَةِ الْمُحِقَّةِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] فَمَنْ مَسَحَ عَلَى خُفِّهِ لَمْ يُوقِعْ لِفَرْضٍ فِي الرِّجْلِ إلى آخره» (الطوسي، د.ت، 1: 97). ويقول العلامة الحلي أيضاً: «لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَا عَلَى سَاتِرٍ إِلَّا لِلتَّقِيَّةِ أَوِ الضَّرُورَةِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا أَجْمَعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ» (الحلي، 1414هـ، 1: 172).

18. يقول المفيد في تصحيح اعتقادات الإمامية: «قَدْ وَجَدْنَا جَمَاعَةً وَرَدُوا إِلَيْنَا مِنْ قُمٍّ يُقَصِّرُونَ تَقْصِيراً ظَاهِراً فِي الدِّينِ وَيُنْزِلُونَ الْأَئِمَّةَ عَنْ مَرَاتِبِهِمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ كَثِيراً مِنَ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ حَتَّى يُنْكَتَ فِي قُلُوبِهِمْ وَرَأَيْنَا مَنْ يَقُولُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْتَجِئُونَ فِي حُكْمِ الشَّرِيعَةِ إِلَى الرَّأْيِ وَالظُّنُونِ» (المفيد، د.ت، 1: 135-137).

19. الواجب باعتبار الزمان ينقسم إلى قسمين: مؤقت وغير مؤقت، والواجب الموسع يعد من أقسام الواجب المؤقت الذي اعتبر له الشارع زماناً محدداً؛ على سبيل المثال، الوقت اللازم لصلاة الظهر والعصر هو 15 دقيقة، ولكن الوقت المحدد لها هو من خمس إلى ست ساعات (المظفر، أصول الفقه، 1: 97).

20. «أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالسِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ وَحَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «قُلْتُ لَهُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا» قَالَ: «ذَلِكَ مِنْ قِبَلِي»» (الصدوق، علل الشرائع، 1: 395).

21. التقية في اللغة من جذر «وقاية» بمعنى الحفظ والصيانة من الأذى (ابن منظور، 1414هـ، 3: 61)، وكذلك بمعنى الحفظ والمنع (الفراهيدي، د.ت، 5: 238). وفي الاصطلاح، هي: كتمان الحق وستر الاعتقاد وترك إظهار شيء للمخالفين يترتب عليه ضرر في الدين أو الدنيا (المفيد، د.ت، 1: 135-137).

22. كان المرحوم صاحب الحدائق يبالغ في الحمل على التقية لدرجة أنه كان يحمل الرواية المتعارضة التي لا يرتضيها أيضاً على التقية (الأسترآبادي، 1375ش، 191-202).

23. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ زُرْبِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْوُضُوءِ فَقَالَ لِي تَوَضَّأْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِي أَلَيْسَ تَشْهَدُ بَغْدَادَ وَعَسَاكِرَهُمْ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَكُنْتُ يَوْماً أَتَوَضَّأُ فِي دَارِ الْمَهْدِيِّ – فَرَآنِي بَعْضُهُمْ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ بِهِ فَقَالَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّكَ فُلَانِيٌّ وَأَنْتَ تَتَوَضَّأُ هَذَا الْوُضُوءَ قَالَ فَقُلْتُ لِهَذَا وَاللَّهِ أَمَرَنِي» (الحر العاملي، د.ت، 1: 443).

24. عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنِ مُسْلِمٍ النَّحْوِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِي: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقْعُدُ فِي الْجَامِعِ فَتُفْتِي النَّاسَ؟ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِنِّي أَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجِيءُ الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي عَنِ الشَّيْءِ فَإِذَا عَرَفْتُهُ بِالْخِلَافِ لَكُمْ أَخْبَرْتُهُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَيَجِيءُ الرَّجُلُ أَعْرِفُهُ بِحُبِّكُمْ أَو مَوَدَّتِكُمْ فَأُخْبِرُهُ بِمَا جَاءَ عَنْكُمْ، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَأَقُولُ جَاءَ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَجَاءَ عَنْ فُلَانٍ كَذَا فَأُدْخِلُ قَوْلَكُمْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ، فَقَالَ لِي: «اصْنَعْ كَذَا فَإِنِّي كَذَا أَصْنَعُ» (الطوسي، 1348ش، 1: 253).

25. كذلك في هذا المجال، يمكن الإشارة إلى رأي الإمام الخميني حيث يقول: إذا غلى العنب وماء العنب من تلقاء نفسهما، فهما حرامان ولكنهما ليسا نجسين ما لم يثبت أنهما مسكران، وإذا غلى بواسطة الطبخ، فإن أكله حرام ولكنه ليس نجساً (الخميني، 1392ش، 21).

26. عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُ ابْنِهِ جَعْفَرٍ (ع) فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ إِنَّ أَبَا ذَرٍّ وَعُثْمَانَ تَنَازَعَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: «كُلُّ مَالٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يُدَارُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ وَيُتَّجَرُ بِهِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «أَمَّا مَا اتَّجِرَ بِهِ أَوْ دِيرَ أَوْ عُمِلَ بِهِ فَلَيْسَ فِيهِ الزَّكَاةُ إِنَّمَا الزَّكَاةُ فِيهِ إِذَا كَانَ رِكَازاً أَوْ كَنْزاً مَوْضُوعاً فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ» فَاخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَالَ: فَقَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِيهِ: «مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا فَيَكُفَّ النَّاسَ أَنْ يُعْطُوا فُقَرَاءَهُمْ وَمَسَاكِينَهُمْ؟» فَقَالَ أَبُوهُ: «إِلَيْكَ عَنِّي لَا أَجِدُ مِنْهَا بُدّاً» (الحر العاملي، د.ت، 9: 74).

27. نظراً لتوضيح الفئات المذكورة أعلاه في العلوم ذات الصلة وكتابة مقال مستقل في هذا الشأن من قبل كاتبي هذا المقال، وكذلك ظهور الإطناب في حال إطالة الكلام في هذا القسم، نكتفي بذكر هذه العوامل.

Scroll to Top