تأثر الكليني من أسلافه في تدوين وتبويب أصول الكافي (دراسة حالة: كتاب «العقل والجهل»، و«الإيمان والكفر»، و«الحجة»)

الملخص

سعى هذا البحث، من خلال دراسة البنية والإطار الحاكم لـ«أصول الكافي»، إلى استكشاف مدى تأثر الكليني بأسلافه في تبويب هذا الكتاب وتدوينه. ولتحقيق هذا الهدف، وباعتماد المنهج الوصفي التحليلي، تمت دراسة البنية السائدة في ترتيب الروايات ونظرية «الاقتباس» أو «الابتكار» لدى الكليني في تدوين أصول الكافي. يحاول الكاتب في هذا البحث أن يثبت أن المنهج الموضوعي الذي اتبعه الكليني في ترتيب الأحاديث – مقابل الكتب الحديثية المسندية – من الناحية البنيوية – وإن كان فيه جوانب إبداعية – كان متأثراً إلى حد كبير بأسلافه. وفي هذا المسار، استفاد الكليني من كتابي «المحاسن» لأحمد بن خالد البرقي و«بصائر الدرجات» لمحمد بن حسن الصفار. كما أن البحث، خلافاً لرأي بعض المستشرقين الذين يعتبرون تدوين أصول الكافي متأثراً بالاتجاه العقلاني للمدرسة الحديثية في بغداد، يُظهر أن أصول الكافي كان تجسيداً للاتجاه النصي للمدرسة الحديثية في قم.

  1. طرح الإشكالية

يعد كتاب «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني الرازي (المتوفى 329هـ) من أهم وأوثق المجاميع الروائية الأولية لدى الإمامية، ويعتبر مصدراً أساسياً لمعرفة معتقدات الشيعة الإمامية. يتألف الكافي من أقسام مختلفة تشمل روايات وأحاديث النبي (ص) والأئمة (ع).

أمضى الكليني عشرين عاماً في تدوين الكافي (النجاشي، 1416هـ، ص 377)؛ إذ كان عصر حضور الأئمة (ع) قد شارف على الانتهاء، ولم يعودوا حاضرين بين الشيعة ليجيبوا عن مسائلهم. ولهذا السبب، برزت ضرورة جمع مجموعة من الروايات في باب أصول العقيدة والأحكام العملية للشيعة؛ وعليه، جمع الكليني ونظم قسماً من أحاديث كتاب الكافي متعلقاً بالعقائد، وقسماً آخر متعلقاً بكيفية أعمال الشيعة وسلوكهم.

إن الترتيب الحالي لكتاب الكافي قائم على ثلاثة أقسام: الأصول، والفروع، والروضة، وقد استقر على هذا النحو منذ زمن بعيد، وأصبح مرجعاً لعلماء الشيعة. والجدير بالذكر أن أهم قسم في هذا الكتاب من بين العناوين الثلاثة المذكورة هو «أصول الكافي»؛ حيث يرتبط هذا القسم بعقائد الشيعة، وقد تمكن الكليني خلال هذه الفترة، بفضل وصوله إلى «الأصول الأربعمائة» بأقل عدد من الوسائط، من إيداع العقائد الأصيلة للمذهب الشيعي للأجيال القادمة [1]. وقد نظم كل قسم من كتاب الكافي بطريقة تجعل لكل قسم أبواباً مستقلة. ويتألف أصول الكافي من ثمانية أقسام رئيسية، أطلق الكليني على كل منها عنوان «كتاب».

إن موضوع التصنيف في مجال الحديث وتبويبه وتنظيمه قد طُرح منذ القرن الأول الهجري، وفي القرن الثاني، ومع انتقال العلوم إلى العالم الإسلامي وتطور طرق التصنيف، شهد تصنيف الأحاديث وكيفية تبويبها تحولاً أيضاً. وقد جرب المحدثون من أهل السنة أساليب تدوين مختلفة مثل: التدوين على المسانيد، والمصنفات (انظر: معارف، 1383ش، ص 22-23)، والسنن (المصدر نفسه، 1393ش، ص 144)، والجوامع، واستخدموا في هذه الأنواع من التدوين قواعد تصنيف مختلفة. وفي الساحة الحديثية الشيعية أيضاً، استُخدمت أساليب تدوين وقواعد تصنيف متنوعة. وقد حظيت مسيرة التصنيف هذه في الكتب الأربعة، وخاصة الكافي، باهتمام كبير.

مع الأخذ في الاعتبار هذا الأمر، وأن الكليني قد بدأ أصول الكافي بشكل مصنف من «كتاب العقل والجهل» وأنهاه بـ«كتاب العشرة»، تبرز هذه المسألة في دائرة اهتمام الباحثين في الحديث، وهي أن صاحب أصول الكافي قد استعان في تنظيم كتابه بمسار منهجي لترتيب كل باب، وأن البنية التي اتبعها لتنظيم هذه الفصول كانت منهجية، حيث وضع الروايات جنباً إلى جنب وفق خلفية فكرية ومسار منطقي [2]. في الواقع، نظم الكليني الكتب والأبواب الموجودة في أصول الكافي بناءً على بنية ونظام مبتكر وإبداعي، واقتبس صياغة كل قسم من الكتاب وأبوابه وتسميتها من كتب أسلافه، وخاصة مشايخه المحدثين الذين سبقوه.

تتجلى أهمية المسألة عندما يعتقد البعض أن الكليني بحضوره وتدوينه للكافي في بغداد، قد تخلى عن مشربه الحديثي الخاص به، ومال إلى محدثي الاتجاه العقلي في بغداد، ودون كتابه بمنهج المدرسة الحديثية في بغداد. ويزعم بعض المستشرقين (نيومان، 1386ش، ص 347)، من خلال تحليل مقارن بين كتاب أصول الكافي وبصائر الدرجات، أن الكافي قد ابتعد عن الاتجاه النصي لمدرسة قم، وبإضافة «كتاب العقل والجهل» إلى أصول الكافي، قدم صورة جديدة للشيعة في بغداد. في استعراضه لعلة هذا التوجه لدى الكليني، يعتقد أندرو نيومان أن الكليني، لكي يجد له مكانة بين محدثي الاتجاه العقلي في بغداد، سعى إلى تقليل وتشتيت الأحاديث المتعلقة بمنزلة أهل البيت (ع) ومكانتهم (انظر: نيومان، 1386ش، ص 276، 319، 232، 323، 347). وبحسب نيومان، كانت احتياجات شيعة بغداد تختلف عن احتياجات شيعة قم قبل جيل واحد – الذين دون لهم بصائر الدرجات -. فالخطاب الكلامي السائد بين شيعة بغداد كان ذا طابع عقلي (نيومان، 1386ش، ص 305).

تُعد الدراسة الحالية خطوة مهمة لمعرفة أبعاد تدوين كتاب أصول الكافي والسيرة العلمية للكليني في جمع الروايات. كما أنه في سياق تحليل وتفكيك البنية الحاكمة على تدوين وتأليف أصول الكافي، تُدرس نظرية «اقتباس» الكليني من أسلافه أو «ابتكاره» في تدوين أصول الكافي بشكل منفصل.

بناءً على رأي أحد محققي الحديث المعاصرين (انظر: حسين بوري، 1387ش، ج 2، ص 21)، فإن تدوين أصول الكافي المشتمل على ثلاثة أقسام: أصول وفروع وروضة، لم يقم به الكليني قط، ولم يكن هذا التقسيم شائعاً بين علماء الإمامية لسنوات طويلة بعده، بل لم يوجد أي ذكر لهذا الترتيب في كتب الإمامية. ويبدو أن هذا التقسيم قد شاع منذ القرن الحادي عشر – في ذروة عهد الأخباريين -. وعلى الرغم من أن الكليني قد سمى كتاب «الروضة»، فإنه لم يستخدم قط اسمي الأصول والفروع في القسم المتعلق بالعقائد والأحكام العملية للشيعة. ويبدو أنه لم يضع كتاب الروضة بموازاة الأصول والفروع. ويزعم هذا المحقق، بعد التتبع الذي قام به، أن هذه الملاحظة المهمة لا تتجاوز القرن الحادي عشر الهجري، وأن أقدم تقرير موجود في هذا الصدد ينبع من كلام الملا محمد أمين الأسترآبادي (المتوفى 1033هـ) في كتاب «الفوائد المدنية»: «… فإني قد قرأت أصول كتاب الكافي…» (الأسترآبادي، 1426هـ، ص 379) [3].

وقد استُخدم هذا التعبير في كتب العلماء الذين جاؤوا بعده أيضاً، فالسيد محمد تقي الموسوي (المتوفى 1094هـ) الذي جمع حواشي السيد بدر الدين العاملي على أصول الكافي، يكتب في نهاية تقريره: «… فَرَغْتُ مِنْ جَمْعِ حَوَاشِي الْأُصُولِ مِنْ خَطِّهِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ … وأن يُوَفِّقَنِي اللَّهُ لِجَمْعِ حَوَاشِي الْفُرُوعِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ …» (العاملي، 1383ش، ص 301) [4]. ويُستفاد من هذا القول أن مصطلحي «الأصول» و«الفروع» كانا شائعين ومستخدمين لدى علماء الإمامية في زمنه.

بناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار تقسيم الكافي على أساس الأصول والفروع والروضة تصنيفاً من وضع الكليني؛ وبالتالي، لفهم ذهنية الكليني في كيفية ترتيب الكتب والأبواب، وكذلك للوقوف على مدى ارتباطه بفكر معين، لا يمكن الاكتفاء بهذا التقسيم. ومع أخذ هذا الأمر في الاعتبار، يبدو أنه يجب النظر إلى أبعاد تقسيم أصول الكافي من زوايا أخرى، والبحث في سبب وكيفية تنظيم كتبه وأبوابه؛ وعليه، فإن الوصول إلى إجابة مرضية لهذه الأسئلة هو الهدف الرئيسي لهذا البحث.

يعد كتاب «عصر تشكل الشيعة الاثني عشرية (الخطاب الحديثي بين قم وبغداد)» (1386) لأندرو ج. نيومان من أوائل الكتب التي قام فيها مستشرق، بشكل خاص، بدراسة المجاميع الحديثية الشيعية ومقارنة ثلاثة كتب حديثية جامعة. هذه الكتب الثلاثة هي: «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني، و«بصائر الدرجات» لمحمد بن حسن الصفار القمي، و«المحاسن» لأحمد بن محمد البرقي. وبناءً على بحث نيومان، فإن الكافي هو كتاب حديثي تم تدوينه لمجتمع الإمامية في بغداد (نيومان، 1386ش، ص 78).

ويرى نيومان أن دراسة أسانيد هذه الأحاديث تؤيد أن الكافي هو مشروع يعرض، بطريقة منهجية، الاتجاهات الموجودة في الفكر الأخباري القمي – والتي كانت واضحة في بصائر الدرجات – على أنها قليلة الأهمية. ويعتقد نيومان أن الكليني كان له هدف مزدوج من جمع الكافي: فأحاديث أصول الكافي، وبدرجة أقل أحاديث الروضة، هي – مثل بصائر الدرجات – أسس كلامية للرجوع إلى الأئمة كمصادر موثوقة ونهائية للعلم، بينما أسست أحاديث أخرى في الكافي – ما يقرب من ثلاثة أرباع الكتاب – للمسائل المتعلقة بالعمل والسلوك الفردي والجماعي، أو العمل والسلوك الشخصي والعام، وهذه الأحاديث موجودة في خمسة مجلدات من فروع الكافي. إن الأحاديث الموجودة في فروع الكافي – وهي الجزء الأكبر من أحاديث الكافي – تشبه معظم أحاديث النسخة الموجودة من محاسن البرقي، وتقدم صورة شاملة لتعاليم الأئمة في المسائل المتعلقة بالسلوك اليومي الشخصي والعام (نيومان، 1386ش، ص 272).

بالنظر إلى هذا العمل لنيومان، يبدو أنه عزم في هذا الكتاب على مقارنة محتوى المحاسن للبرقي وبصائر الدرجات للصفار والكافي للكليني. وقد أولى المؤلف اهتماماً لأسانيد ومضامين الروايات الموجودة في الكتب الكلامية للكافي، ويعتزم من خلال مقارنة هذه الكتب الروائية الثلاثة أن يظهر أن هذه المجموعات الثلاث تختلف من حيث رواة الروايات، وأساليب تنظيمها، ومضامينها (المصدر نفسه، ص 451).

ونظراً لأن نيومان في عمله قد تطرق إلى دراسة مقارنة للكافي مع المحاسن وبصائر الدرجات، فإن الكاتب في هذا البحث يتناول التأثير الشكلي والبنيوي لأصول الكافي من كتب أسلافه.

مقالة «منهج الشيخ الكليني في تصنيف روايات الكافي» (1393ش) للسيد مهدي لطفي، المنشورة في فصلية «دراسات قرآن وحديث»، تتناول دراسة منهج تصنيف الأحاديث في الكافي. ووفقاً لهذا البحث، فإن منهج تصنيف الأحاديث يتأثر بنظام التصنيف في كل عصر، حيث يتبعه مؤلفو الكتب مع مراعاة الأساليب الشائعة في عصرهم. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الكليني لم يكن استثناءً من هذه القاعدة. وقد أطلق المؤلف في هذه المقالة على منهج التصنيف في عصر الكليني «التصنيف المفهومي للتعاليم الحديثية»، وحاول، بالتمسك بالمحاور الموجودة في مقدمة الكافي، أن يعرف الكافي، بوصفه جامعاً حديثياً للكليني، بأنه متأثر بالمنهج الشجري من الكل إلى الجزء أو من الأصل إلى الفرع.

مقالة «أنساب مصادر الروايات العقدية في الكافي» (1396ش) لإسماعيل ثابتي والسيد كاظم الطباطبائي بور، المنشورة في فصلية «قيم»، تمكن الباحثان فيها، من خلال التعمق في أسانيد روايات الكافي، من دراسة جزء من رواياته، وأظهرا أنه على الرغم من أن الكليني قد أخذ هذا الأثر من آثار وروايات محدثي مدرسة قم، فإنه قد استفاد كثيراً من روايات أشخاص مثل سهل بن زياد ومحمد بن عيسى العبيدي، الذين لا يعتبرون شخصيات موثوقة ومحبوبة في نظر محدثي مدرسة قم. كما أنه استخدم مصادر لا تُعد لدى محدثي قم ورجاليي بغداد مصادر موثوقة ومغالية. إضافة إلى ذلك، ورغم انتقاداته للتيارين الفكريين لهشام بن سالم وهشام بن الحكم، فقد استفاد من آثار كليهما.

بناءً على ما تقدم، يسعى الكاتب في هذا البحث، مع التأكيد على المنهج الموضوعي للكليني في ترتيب الأحاديث، إلى إيلاء الاهتمام للجانب البنيوي لأصول الكافي، وإعادة اكتشاف رؤية الكليني حول كيفية تنظيم وتبويب الكافي. بالإضافة إلى ذلك، سيهتم هذا البحث بابتكار واقتباس الكليني في تدوين أصول الكافي من أسلافه، ومن خلال تقييم آراء بعض المستشرقين من جهة، والتأمل في كيفية تدوين أصول الكافي من جهة أخرى، سيتم أيضاً بحث مدى تأثره بمدرسة بغداد العقلانية.

  1. أنواع تدوين الكتب الحديثية

كان الأسلاف منذ القرون الهجرية الأولى يؤلفون كتبهم الحديثية عادةً تحت موضوع وعنوان خاص. وكان كل مؤلف، بذوقه وفطنته وخلفيته العلمية، يصممها تحت عنوان ونظام خاص لتنظيم محتوياتها، ويضع كل مادة في مكانها المناسب (آقا بزرك الطهراني، 1403هـ، ج 2، ص 125-167؛ ج 6، ص 302). ويمكن القول إن تبويب كل كتاب حديثي نابع من زاوية نظر المحدث إلى موضوع الكتاب ومنهجه التحليلي للموضوع الذي كان يجمع الروايات حوله.

لم تكن رؤية الكليني في تدوين كتاب الكافي استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ إنه، من خلال تبويب خاص وفريد لكتاب الكافي، استجاب بشكل جيد للموضوعات والقضايا المهمة المتعلقة بعصره (انظر: حجت، 1388ش، ص 34).

لا شك أن الشيعة أيضاً، على مر التاريخ، أولوا اهتماماً خاصاً بتدوين أحاديث الأئمة (ع). ونظرة سريعة على جزء من المدونات الحديثية في القرون الأولى وما خلفته من كتابات تشهد على هذا الادعاء. وقد كان تصنيف الأحاديث بين المسلمين، منذ القدم، شائعاً على شكلين رئيسيين:

المنهج المسندي: في هذا المنهج، كانت أخبار كل راوٍ، بغض النظر عن محتواها، تُجمع في مصنف واحد؛ مثل كتاب مسند أحمد بن حنبل (معارف، 1393ش، ص 120؛ صالح، 1363ش، ص 305).

المنهج الموضوعي: في هذا المنهج، كانت الأحاديث ذات الموضوع المشترك تُجمع من رواة مختلفين، وتُدرج تحت عنوان مجموعة فرعية لموضوع مستقل (انظر: مسعودي، 1384ش، ص 139).

بنظرة سريعة على أسلوب تدوين كتب الشيعة في القرون الأولى، يتضح أن علماء الإمامية، منذ البداية، فضلوا المنهج الثاني في تدوين الكتب الحديثية، ويمكن القول، مع قليل من التسامح، إنهم جميعاً أسسوا كتاباتهم على المنهج الموضوعي. في المقابل، كان للمنهج المسندي أنصار كثر بين أهل السنة، وقد أسسوا كتبهم الحديثية، خاصة في البداية، على هذا المنهج، واتجهوا إلى تدوين المجاميع الحديثية بشكل مسندي.

  1. استقصاء علة تدوين الكتب الروائية الموضوعية

لاستقصاء علة ميل الشيعة إلى تدوين الكتب الموضوعية، يمكن أخذ أسباب مختلفة في الاعتبار. وللوصول إلى علة اختيار هذا المنهج من قبل المفكرين المحدثين الشيعة، يجب التطرق إلى كيفية تفاعل المحدثين والعلماء مع أهل زمانهم. فبالنظر إلى تاريخ حياة رواة الحديث ومقتضيات عصرهم، ستتضح علة ميل المحدثين إلى المنهج الثاني.

كان الشيعة منذ زمن الإمام محمد الباقر (ع)، يسألون عن أحكامهم الفقهية والعملية بشكل واسع ومعقد، وكانت الظروف تقتضي أن يلجأ الشيعة الذين لم يكن لديهم وصول إليهم وكانوا بعيدين عن مركز الإمامة، إلى أصحابهم ووكلائهم، وكان أصحابهم يقومون بدور الإجابة عن الأسئلة الشرعية للناس (انظر: سبحاني، دون تاريخ، ص 63، 92). وبناءً على ذلك، كان محدثو الشيعة، استناداً إلى المكاتبات الواردة من الأئمة (ع)، يجيبون على طلبات الناس حسب أسئلتهم.

في مثل هذا الفضاء، كان تدوين الكتب الحديثية التي تندرج جميع أحاديثها تحت عنوان وموضوع خاص، يسهل على أصحاب الأئمة (ع) الإجابة، وكانت أحاديث ذلك الموضوع – التي كانت متفرقة نوعاً ما في الأصول الأربعمائة – تُجمع تحت موضوع ومسألة خاصة. ولهذا السبب، كان أصحاب الأئمة (ع) عند الإجابة يحتاجون إلى رؤية الأحاديث ذات الموضوع الواحد أو المضمون الواحد، وأحياناً الأحاديث المعارضة لحديث ما، وهذا المنهج كان يلبي حاجة أصحاب الأئمة على أفضل وجه ممكن. وبتعبير أدق، كان تدوين الأحاديث الموضوعية يلبي حاجة كبار الشيعة للإجابة على طالبي الحقيقة (انظر: مسعودي، 1384ش، ص 28-30، 173-174).

علاوة على ذلك، كان تعليم وتعلم الأحكام الدينية في المنهج الموضوعي أسهل وأكثر جدوى من المنهج المسندي؛ لأن هذا الأمر كان يتيح للمشتاقين إلى تعلم معارف أهل البيت (ع) من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، بالوصول إلى هذه الكتب، أن يجيبوا على أسئلتهم بطريقة أبسط.

كان تدوين هذا النوع من المصنفات شائعاً بين العلماء؛ على سبيل المثال: كان علماء الشيعة، من هذا المنطلق، يدرسون كتب حريز بن عبد الله السجستاني، ويعتبرون كتبه نموذجاً ومثالاً موثوقاً ومطلوباً لتعلم آداب وأحكام الصلاة (للاطلاع على أمثلة من ثقة كبار الشيعة بهذا الكتاب، انظر: الكليني، 1363ش، ج 3، ص 311، 363؛ الصدوق، دون تاريخ، ج 1، ص 3).

سبب آخر يجيب على تساؤل لماذا دُونت المصنفات الحديثية الموضوعية، هو ميل وتخصص وقدرة الرواة على تنظيم موضوعات آثارهم، وهذا الأمر بحد ذاته له أهميته. فمن الواضح أن مصنفات المؤلفين ذوي الخلفية الكلامية تحمل طابعاً وميلاً كلامياً، وكان ميلهم وتوجههم الأكبر مؤثراً في تدوين الكتب الموضوعية (يُرجى الرجوع إلى فهارس تقرير النجاشي عن مصنفات هشام بن الحكم؛ النجاشي، 1416هـ، ص 433).

  1. أصل جمع الأحاديث الموضوعية تحت عنوان «كتاب»

تطور تبويب المصنفات الحديثية الموضوعية وتحسن بمرور الوقت في القرون الهجرية الأولى. يجب القول إن أخبار الأئمة حول موضوع كلامي خاص – مثل: التوحيد، النبوة، الإمامة، … – أو موضوع فقهي – مثل: الصلاة، الحج، … – كانت تُجمع من قبل مدونين كانوا عادةً ناقلي تلك الأحاديث، وآخرون اهتموا فقط بجمع تلك الروايات، في مجموعة واحدة وتحت موضوع خاص. وقد سُميت هذه المجموعات بعنوان «كتاب»، ويجب التنبيه إلى أن فهم الأسلاف لهذه الكلمة يختلف إلى حد ما عما يُفهم منها غالباً في العصر الحاضر. يجب الإشارة إلى أن العديد من هذه الكتب كانت مجموعة من عدة أحاديث حول موضوع واحد ومتجانس؛ لكن نادراً ما كان يحدث في القرون الأولى للهجرة أن يُجمع حجم كبير من الأحاديث تحت عنوان «كتاب» (هذه الملاحظة لها طابع الغلبة، ولا تنفي وجود أي مصنف حديثي ضخم، انظر: روايات كتاب الزهد لحسين بن سعيد الذي يحتوي على 293 حديثاً) [5].

مع تزايد المصنفات الحديثية، تطورت عملية تبويب الأحاديث جنباً إلى جنب مع تدوين روايات الأئمة، وأصبحت أكثر كمالاً. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى تبويب مسائل علي بن جعفر (المتوفى 220هـ)، حيث ينقل النجاشي هذه الروايات بطريقتين: نسخة مبوبة، ونسخة أخرى غير مبوبة (النجاشي، 1416هـ، ص 662).

عند دراسة مسائل علي بن جعفر، يبدو أن هذا الكتاب في تدوينه الأولي لم يكن مبوباً ومنظماً تحت عنوان خاص، وذُكرت فيه فقط بعض أسئلة علي بن جعفر من أخيه الإمام الكاظم (ع) في موضوعات فقهية مختلفة؛ وعليه، فإن كلام النجاشي لا يتوافق مع ما هو موجود في الواقع. وبحسب النجاشي، فإن لهذا الكتاب نسختين: إحداهما مبوبة والأخرى غير مبوبة. وقد وصل إليه عن طريق الحميري نسخة غير مبوبة؛ بينما النسخة التي لدينا من غير طريق الحميري هي نسخة مبوبة، والنجاشي قد ذكر العكس. وبالطبع، مع مرور الزمن، سعى أفراد إلى تبويب مسائل علي بن جعفر بشكل موضوعي على أساس الموضوعات الفقهية. ومثال آخر هو تبويب مشيخة الحسن بن محبوب من قبل داود بن كورة القمي على أساس الموضوعات الفقهية (النجاشي، 1416هـ، ص 159) [6].

كانت عملية تبويب الأحاديث في ذلك الزمان بحيث أن أشخاصاً مثل داود بن كورة القمي، نظموا معظم نشاطهم الحديثي بشكل موضوعي، وقلما عملوا بالشكل المسندي. وقد بوب هو «نوادر» أحمد بن محمد بن عيسى على أساس الموضوعات الفقهية (انظر: النجاشي، 1416هـ، ص 81-83).

  1. الكافي؛ أبرز كتاب حديثي موضوعي المحور

كما ذُكر سابقاً، يعتقد البعض أن تنسيق وترتيب أحاديث أصول الكافي قد تم على أساس الموضوعات. والكليني، الذي يُعرف بأنه من أدق المحدثين في التأليف (الحلي، 1402هـ، ص 145)، سعى، من خلال اتباع هذا المنهج، إلى تنظيم شجري للروايات الموجودة في الكافي؛ بحيث إن أصول وفروع الكافي تحتوي على عدة كتب، وكل كتاب يشتمل على عدة أبواب، وكل باب يتكون من عدة أحاديث (انظر: حجت، 1388ش، ص 34).

يُعرف أصول الكافي غالباً بأنه أبرز تراث روائي مكتوب موضوعي المحور؛ إذ كما ذكر الكليني في مقدمة كتاب الكافي، فإنه مع وجود اختلاف بين الشيعة في معرفة المعارف الإمامية الأصيلة وفقدان كتاب حديثي جامع (انظر: الكليني، 1363ش، ج 1، ص 9)، فإن أفضل نموذج لتدوين كتب روايات الأئمة هو التصنيف الموضوعي للأحاديث، ويُعد هذا التصنيف أبرز وسيلة للإجابة على أسئلة الشيعة في عصر الغيبة الكبرى. وكان تحقيق هذا الأمر المهم مرهوناً بتدوين كتب يسهل على المخاطبين الرجوع إليها.

وقد تبنى الكليني هذا المبدأ وعمل على أساسه، وبسبب كثرة الموضوعات المبتلى بها، وعدم انتظام ترتيب كتب الروايات السابقة، والالتفات إلى تقرير جعفر بن قولويه في مقدمة كامل الزيارات (انظر: المصدر نفسه، ص 4)، اتجه نحو نموذج منهجي لتدوين أصول الكافي تحت عنوان «محور».

  1. الاقتباس من كتب الروايات السابقة لتدوين أصول الكافي

طُرحت آراء مختلفة حول كيفية وصول الكليني إلى مصادره في تأليف كتاب الكافي. ومن بين هذه الآراء يمكن الإشارة إلى تحديد ومماثلة الكتب الحديثية قبل الكافي وتطبيقها على الروايات الموجودة في الكافي، وكذلك الاهتمام بالقرائن لإثبات كون هذه الكتب مصادر له (انظر: فرزند وحي وآخرون، 1391ش، ص 115). ما سيُشار إليه في هذا القسم يتعلق بتعبير يدل على استخدام الكليني لنسخ وكتب أخرى في تدوين الكافي. وبناءً على هذا البحث، فإن روايات أصول الكافي غالباً لم تُتلقى عن طريق السماع أو القراءة على شيخ حديث لتُجمع في كتاب أصول الكافي؛ بل إن بعض الروايات – كما ذُكر سابقاً – مأخوذة من كتب الأصول الأولية (الأربعمائة).

من الممكن أن يكون الكليني في كتابه قد ذكر اسم صاحب الكتاب أو الأصل الحديثي، أو أشار إليه تلميحاً؛ بحيث استخدم عبارة «في نسخة أخرى» في روايات الكافي، وهذه العبارة تشير إلى استفادة الكليني من كتب ونسخ لم يتلقها عن طريق التلمذة والسماع على شيخ حديث. وبالبحث في جميع أحاديث الكافي، لوحظ استخدام عبارة «في نسخة أخرى» حوالي 202 مرة بين روايات الكافي. وبالطبع، من المحتمل أن يكون الكليني قد سمع رواية، وكانت لديه نسخة أخرى من نفس الرواية المسموعة بصيغ أخرى أو نسخة مكتوبة من ذلك الحديث.

1-6. تأثر الكليني بالأسلاف في كتاب العقل والجهل

يمكن لمقدمة الكليني على الكافي أن تكشف عن زاوية نظره في منهجية تنظيم وتبويب أحاديث أصول الكافي. في الواقع، تساعد هذه المقدمة في عكس عقائد الكليني. إن كتابة الكليني لمقدمة على هذا الكتاب، خلافاً لكتابي الجامع الصحيح للبخاري ومسلم النيسابوري وكذلك المحاسن للبرقي وبصائر الدرجات للصفار، بالنسبة لكتب الحديث في عصره وزمانه، تعتبر أمراً جديداً إلى حد ما؛ وهذا الأمر يدل على البنية التأليفية للكافي في تدوينه.

تساعد مقدمة الكافي القيمة بشكل كبير في فهم فكر الكليني وفرضياته الذهنية، وتكشف عن منهجه في تأليف الكافي. يواصل الكليني سبب تأليف الكافي بنقل شكوى من أخ له في الدين، الذي شكى من الزمان وجهل الناس وبعدهم عن عقائد الإمامية الأصيلة وثقافتها الشيعية، وقد انتقد بشدة التدين بدون عقل. ولهذا السبب، يسعى في مقدمة كتابه إلى اعتبار العقل أهم جوهر للحركة نحو معرفة التوحيد، ومع ذكر أهمية العقل، يسميه «القطب»، ويؤكد أن الحجة في التكليف تدور مداره، وبناءً عليه يكون الثواب والعقاب: «إذ كان العقل هو القطب الذي عليه المدار وبه يحتج وله الثواب وعليه العقاب» (الكليني، 1363ش، ج 1، ص 56).

هذا الكلام علامة جيدة لمعرفة مكانة العقل لدى الكليني. بالطبع، هذا لا يعني أن الكليني في تدوين وتبويب الكافي كان مستغنياً عن كتب المتقدمين، وأنه وضع كتاب العقل والجهل في بداية الكافي دون الاستعانة بمصادر حديثية سابقة؛ بل يبدو أنه استفاد أيضاً من كتاب المحاسن للبرقي في تدوين كتاب العقل والجهل [7].

يجب التأكيد على أن بحثنا هذا في نظرية اقتباس الكليني من كتب أسلافه، يركز على استفادته البنيوية من الكتب التي سبقته. في الواقع، بحثنا في هذا المقام ليس محتوائياً؛ بل هو نظرة شكلية وبنيوية. وبالطبع، هذا التأثر الشكلي نابع أيضاً من نوع رؤية الكليني.

لتبيين تأثر الكليني بالأسلاف في كتاب العقل والجهل، يمكن افتراض احتمالات متعددة: كان أحمد بن خالد البرقي، صاحب كتاب المحاسن، يعيش قبل الكليني، وكان يُعد في عصره من كبار مدرسة قم. وعلى الرغم من أنه نُفي لفترة من قبل زعماء قم بسبب خلافات حول روايته عن الضعفاء (انظر: الحلي، 1402هـ، ص 14)، إلا أن كتابه كان في ذلك الزمان من المصنفات الحديثية التي استُخدمت بكثرة في القرون الأربعة الأولى للهجرة. روى الكليني في كتاب العقل والجهل أحاديث بواسطة «عدة» عن البرقي. إذا قُبل هذا الأمر بأن «عدة» أحمد بن خالد البرقي كانوا أيضاً من رواة الكليني، فإن هذا الظن يتقوى بأن بعض الأحاديث الموجودة في كتاب العقل والجهل للكليني مأخوذة من كتاب المحاسن للبرقي، أو على الأقل كانت مصادر كلا الكتابين لذكر الروايات متحدة؛ لأن الانتباه إلى تلك الأسانيد لدى الكليني التي تبدأ بـ«عدة من أصحابنا» يظهر أن أفراد ومصاديق «العدة» أو معظمهم كانوا من مشايخ الإجازة للكليني، وحيثما ينقل الكليني رواية بواسطة مشايخ الإجازة، فهذا يعني استخدامه المباشر لكتب الحديث المجازة (انظر: الفقيهي، 1384ش، ص 100).

بناءً على رأي بعض المحققين، فإن كتاب الكافي هو رمز للمدرسة الحديثية في قم التي عُرضت في الساحة الحديثية ببغداد (انظر: حمادي وآخرون، 1390ش، ص 112). والشاهد على هذا الادعاء هو أن الكليني في أواخر عمره هاجر إلى بغداد، وتمكن خلال إقامته بها من تدوين الكافي (النجاشي، 1416هـ، ص 377)؛ ولكن كما يعتقد آية الله البروجردي: فإن مشايخ حديث الري في مدينة بغداد، قبل مشايخ مدرسة الحديث العقلانية ببغداد، أخذوا من الكليني إجازة رواية حديث الكافي. كما يصرح: «وَمَا قَالَهُ النَّجَاشِيُّ مِنْ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي عِشْرِينَ سَنَةً وَمَا يُسْتَفَادُ مِمَّا مَرَّ عَنْ مَشْيَخَةِ الْفَقِيهِ وَالتَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ بَعْدَ تَمَامِهِ الرَّازِيُّونَ بِالرَّيِّ ثُمَّ الْعِرَاقِيُّونَ بِبَغْدَادَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ أَزْيَدُ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً» (البروجردي، 1385ش، ج 1، ص 249) [8].

وبالطبع، من المهم ذكر أن كتاب العقل لم يعد موجوداً في المحاسن، ويبدو أنه من الكتب التي فُقدت بمرور الزمن (للاطلاع على مدى اعتماد القدماء على كتاب المحاسن للبرقي، يرجى الرجوع إلى البرقي، 1413هـ، ج 1، ص 51-54). وبالنظر إلى الاحتمالات المذكورة، فإن تأثر الكليني بكتاب المحاسن في نطاق كتاب العقل والجهل أمر ممكن.

2-6. تأثر كتاب الإيمان والكفر في أصول الكافي من محاسن البرقي

في آثار العلماء قبل الكليني، كُتبت كتب مهمة في باب الإيمان والكفر. وكمثال، يمكن الإشارة إلى «الإيمان» للفضل بن شاذان، و«شرائع الإيمان» لحمدان بن معافى (النجاشي، 1416هـ، ص 138). وللتأليف والكتابة حول «الإيمان والكفر» خلفية طويلة (المصدر نفسه، ص 327، 377)، ومن المؤكد أن الكليني عند تدوين كتاب الإيمان والكفر قد رجع إلى هذه الكتب، وباستفادته من المصادر المتقدمة، استجاب لاحتياجات عصره وزمانه؛ لأن التطرق إلى مبحث الإيمان والاهتمام بهذا الموضوع في نظر الكليني، في فترة تشتت الآراء الكلامية وظهور الفرق المختلفة والمدارس المتنوعة، كان مهماً جداً (انظر: لطفي، 1393ش، ص 155)، وكان على الكليني أن يعتمد على أوثق المصادر، وبناءً عليها يقوم بتدوين وترتيب رواياته. ولهذا، بالتدقيق في فهرس أصول الكافي ومقارنته بالمحاسن لأحمد بن محمد بن خالد البرقي، سيتضح أن الكليني قد استلهم في ترتيب وتبويب أبواب كتاب الإيمان والكفر وتسمية عناوينه، ولم يكن له دور ابتكاري في هذا العمل.

لتبيين اقتباس الكليني من محاسن البرقي، يمكن أخذ الاحتمالات التالية في الاعتبار: كتاب «الإيمان والكفر» هو أوسع قسم في أصول الكافي، ويشتمل على أكثر من مائتي باب. المباحث الرئيسية في هذا الكتاب هي: الاهتمام بحقيقة وماهية الإيمان والكفر، صفة الإيمان وصفة الكفر، خصائص المؤمنين والكافرين وتبيين دورهم، وكذلك التأكيد على عواقب وتبعات الكفر والإيمان في مصير الإنسان، ونفي أي شكل من أشكال الجبر والتفويض، مراتب الإيمان، الكفر وأركانه، الاهتمام ببعض الفضائل الإيمانية والرذائل النفسية.

يمكن مشاهدة عنوان هذا الكتاب في آثار ما قبل الكليني مثل كتاب «الإيمان» للفضل بن شاذان (المتوفى 260هـ) وكتاب «شرائع الإيمان» لحمدان بن معافى (النجاشي، 1416هـ، ص 138). كما أن «إيمان مع إسلام» الذي هو كتاب «إيمان وإسلام» للمفضل بن عمر (المصدر نفسه، ص 416) وكتاب «درجات الإيمان والكفر ووجوه الكفر» لبكر بن صالح الرازي (الطوسي، 1417هـ، ص 127) هي من الكتب الأخرى التي كُتبت في هذا المجال. ومع ذلك، فإن الكليني هو أول محدث في المجاميع الروائية الشيعية الأولى تناول هذا الموضوع بشكل منفصل إلى جانب الأصول العقدية الأخرى [9].

يحتوي كتاب «الإيمان والكفر» على 1168 حديثاً حول الإيمان والكفر. ومن بين مشايخ الكليني المحدثين، نُقل أكثر من ألف حديث عن القميين، وهو ما يمثل أكثر من 79 بالمائة من مجموع الروايات. روى علي بن إبراهيم القمي 540 حديثاً أي ما يعادل 46 بالمائة، ومحمد بن يحيى 387 حديثاً أي ما يعادل 33 بالمائة. وبقية الروايات منقولة عن مشايخ الكليني الآخرين. كما نقل أحمد بن محمد بن خالد البرقي 201 حديث حول الإيمان والكفر بعناوين مشابهة لكتاب «الإيمان والكفر» في كتاب «الصفوة والنور والرحمة من المحاسن». وتجدر الإشارة إلى أنه بالتأمل في هذا القسم من كتاب محاسن البرقي، يتضح أن كتاب أصول الكافي من حيث التنسيق والتبويب قد سلك مساراً أدق وأكثر منهجية، وأن التنظيم الذي اتخذه في كتاب الكافي يتمتع ببنية أفضل. ومع هذا التحليل الإحصائي لمجموع الروايات، يتضح ارتباط الشيخ الكليني بموطنه، أي قم.

تُظهر الدراسة الموضوعية لروايات كتاب الإيمان والكفر أنه على الرغم من أن الكليني ظاهرياً لم يتبع بنية محاسن البرقي بالكامل، إلا أنه من زاوية النظر إلى مسألة الإيمان والكفر، كان مسار أحمد بن خالد البرقي والكليني واحداً. على سبيل المثال، يبدأ الكليني في الباب الأول من كتاب الإيمان والكفر مبحثاً حول طينة المؤمن والكافر، ويتناول في هذا الباب أحاديث تعتبر سريرة وطينة المؤمنين طاهرة ومنزهة عن كل دنس وقذارة (الكليني، 1363ش، ج 3، ص 8)؛ من ناحية أخرى، قام أحمد بن خالد البرقي أيضاً في كتاب المحاسن، مع الحفاظ على نفس النظرة، بجمع الروايات في كتاب «الصفوة والنور والرحمة من المحاسن»، وبدأ الرواية الأولى من باب «مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِهِ» بهذا الحديث: «أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرِ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع قَالَ: قَالَ لِي يَا سُلَيْمَانُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِهِ وَ صَبَغَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ فَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ أَبُوهُ النُّورُ وَ أُمُّهُ الرَّحْمَةُ فَاتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ» (البرقي، 1413هـ، ج 1، ص 131).

يبدو أن الكليني في كتاب الإيمان والكفر، مع استفادته من رؤية القميين واهتمامه بآراء أعلام مدرسة قم مثل أحمد بن خالد البرقي، يسعى إلى استخدام رؤيتهم في ترتيب الأحاديث أيضاً. في الحقيقة، فإن الكليني، بالإضافة إلى الحفاظ على نظرة استقلالية وابتكارية في تدوين كتابه، قد اقتبس من رؤية القميين في تنسيق الروايات [10].

يبدو أن الاستلهام الواسع للكليني من المحاسن كان بناءً على كتبه المتقدمة، وأن تأسيس عناوين كتاب الإيمان والكفر كان له سابقة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأمر لا يعني أن الكليني أثناء تبويب كتاب الإيمان والكفر لم يستفد من كتب روائية أخرى. ولتبيين هذه المطالب، من خلال نظرة على بعض أقسام فهرس محتويات المحاسن وكتاب الإيمان والكفر من أصول الكافي، يتضح وجه الاشتراك بينهما واستلهام الكليني من هذا الكتاب.

الرقم أصول الكافي المحاسن
1 بَابُ الْمَشِيئَةِ وَ الْإِرَادَةِ بَابُ الْإِرَادَةِ وَ الْمَشِيئَةِ
2 بَابُ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ وَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ وَ الْإِجْبَارِ وَ التَّفْوِيضِ
3 بَابُ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَ الْكَافِرِ بَابُ الْخَلْقِ الْمُؤْمِنِ مِنْ عِلِّيِّينَ
4 —— بَابُ الْخَلْقِ الْمُؤْمِنِ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ
5 بَابُ الْكَوْنِ الْمُؤْمِنِ فِي صُلْبِ بَابُ خَلْقِ الْمُؤْمِنِ
6 بَابُ الْإِخْلَاصِ بَابُ الْإِخْلَاصِ

3-6. تأثر كتاب الحجة من أصول الكافي ببصائر الدرجات للصفار

يتألف كتاب الحجة من 130 باباً، وهو من أهم كتب أصول الكافي. وقد جمع الكليني في هذا الكتاب أحاديث لبيان صفات حجة الله على الأرض، مثل: العلم الإلهي، الحجية، العصمة، ووجوب طاعة الأئمة. ومن بين المحدثين قبل الكليني، كان «إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي» (المتوفى 283هـ) هو الوحيد الذي ألف كتاباً بعنوان «كتاب الحجة في فضل المكرمين»، وهو أقرب كتاب حديثي من حيث التسمية إلى كتاب الحجة في الكافي، وقد ذكره النجاشي والشيخ الطوسي في كتبهما (انظر: النجاشي، 1416هـ، ص 10، 17؛ الطوسي، 1417هـ، الرقم 7).

إن تناول الكليني لكتاب الحجة بعد كتاب العقل والجهل، يحكي عن الأولوية والأهمية الفائقة لهذا المبحث لديه بين جميع الأصول العقدية الإمامية [11]. من ناحية أخرى، هو من أوائل محدثي الشيعة الذين أدخلوا مفهوم «الحجة» كمفهوم أساسي وجوهري في المجاميع الروائية الشيعية، وتناوله بالتفصيل، وهذه التسمية المدروسة يمكن اعتبارها ابتكاراً منه.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن علماء الشيعة قبل الكليني قد ألفوا كتباً عديدة حول الإمامة والنبوة، وأسماؤها موجودة في كتب النجاشي والشيخ الطوسي؛ ولكن يبدو أن الكليني من أوائل من نظر إلى مفهوم الرسالة والإمامة من زاوية الحجية؛ بمعنى أنهم ليسوا فقط مكلفين بتبيين الأحكام الإلهية الحقيقية للناس، بل إن الله سبحانه سيحتج بهم على عباده (انظر: حسين بوري، 1387ش، ج 2، ص 23).

لتبيين اقتباس كتاب الحجة من أصول الكافي من بصائر الدرجات، يمكن أخذ الاحتمالات التالية في الاعتبار: إن اختيار عنوان الحجة في كتاب الكافي من بين الأصول العقدية، يدل على انسجام تدوين أصول الكافي مع السياق المحيط بعصر الكليني. في الحقيقة، إن النظرة العصرية للكليني مبنية على الشعور بالحاجة التي كانت محسوسة في زمانه تجاه هذا المفهوم. وهذا القول يصدق أيضاً على محمد بن حسن الصفار وتدوينه لبصائر الدرجات. من ناحية أخرى، يُعد الكليني من المحدثين الذين رووا عن محمد بن حسن الصفار (انظر: الصفار، 1404هـ، ص 26). في الواقع، روى الكليني عنه بواسطة أيضاً (الأردبيلي، 1403هـ، ج 2، ص 93).

إن كتاب بصائر الدرجات للصفار وكتاب الحجة للكافي، من جملة الآثار الروائية لعصر الغيبة الصغرى. وتقييم آراء هذين المؤلفين له دور أساسي في معرفة النظام الفكري السائد في مدرسة قم الحديثية. ومقارنة الروايات المدرجة في آثار هذين المؤلفين تظهر انسجامهما الفكري. على سبيل المثال، بالبحث في موضوع علم الإمام في كتاب بصائر الدرجات، نواجه روايات متنوعة تتوافق مع بعض روايات كتاب الحجة للكافي. إن سعة علم الأئمة (ع) تعد من المباحث الأساسية في مذهب التشيع. والصفار والكليني، اللذان هما من رواد مدرسة قم الحديثية، من خلال جمع أحاديث هذا المبحث، قد عرفا علم الإمام في نظام الخلق والتقديرات. فالعلم بالحقائق السابقة، وأحداث الزمن الحاضر، والعلم بالتقديرات اللاحقة، يشكل مجموعة واسعة من حقائق العالم التي تندرج ضمن مجموعة علوم الأئمة (ع) [12]. وقد سعى الكليني، بتقديمه نماذج من هذا النوع من الأحاديث في أصول الكافي، لإثبات مثل هذا العلم للأئمة (ع). بينما قام صاحب بصائر الدرجات بجمع أحاديث علم الإمام بشكل تفصيلي، وقدم حديثاً واحداً بأسانيد متنوعة ليوفر متطلبات الاطمئنان بها. فجميع أحاديث أصول الكافي في هذا الموضوع تبلغ 85 رواية، وأحاديث بصائر الدرجات تزيد عن 423 رواية. وعليه، على الرغم من رأي أندرو نيومان (انظر: نيومان، 1386ش، ص 276، 319، 323)، فإن رأيه حول الفرق بين كتابي الكافي وبصائر الدرجات سيُنفى، ويجب أيضاً الانتباه إلى أن محمد بن يعقوب الكليني، بالإضافة إلى اتباعه لخطاب مدرسة قم الحديثية، قد قدمه ببنية جديدة. وهذه المسألة تقوي ظن آية الله البروجردي بأن الكافي قد عُرض في الري وقم قبل عرضه في بغداد (انظر: البروجردي، 1409هـ، ج 1، ص 9).

من حيث تبويب الأبواب، يوجد بحث آخر حول كتاب الحجة من أصول الكافي، وهو يدل على استلهام الكليني من بصائر الدرجات لمحمد بن حسن الصفار. وبتعبير أدق، فإن التطابق والتشابه الكبير بين عناوين كتاب الحجة من أصول الكافي وعناوين أبواب أحاديث بصائر الدرجات لمحمد بن حسن الصفار لا يمكن إنكاره [13]. من ناحية أخرى، على الرغم من أن الكليني استفاد من كتاب بصائر الدرجات في تسمية أبواب كتابه، إلا أنه أحياناً استخدم عناوين غير مميزة، وفي بعض الحالات سعى إلى أن يعلن في العناوين عن الاعتقاد الإمامي، استجابة لشبهات عصره.

بالنظر إلى الجدول، يمكن ملاحظة اهتمام الكليني الخاص ببصائر الدرجات واستلهامه من هذا الكتاب في ترتيب أبواب أصول الكافي. ومن الضروري ذكر أن مباحث بصائر الدرجات أوسع بكثير من روايات الكليني في كتاب الحجة، وحتى الكليني في ذكر أبواب كتاب الحجة تحرك بشكل مختصر؛ ربما يمكن اعتبار هذه النقطة نوعاً من تفوق الكافي على بصائر الدرجات.

الرقم أصول الكافي بصائر الدرجات
1 بَابُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ وَالْمُحَدَّثِ بَابُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَصِفَتِهِمْ وَأَمْرِ الْحَدِيثِ
2 بَابُ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ بَابُ الْأَرْضِ لَا تَخْلُو مِنَ الْحُجَّةِ وَالْأَئِمَّةِ
3 بَابُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا رَجُلَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ بَابُ فِي الْأَئِمَّةِ إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْهُمْ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ اثْنَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا الْحُجَّةَ
4 بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ وُلَاةُ الْأَمْرِ وَهُمُ النَّاسُ الْمَحْسُودُونَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَابُ فِي أَئِمَّةِ آلِ مُحَمَّدٍ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ طَاعَتَهُمْ وَمَوَدَّتَهُمْ وَهُمُ الْمَحْسُودُونَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
5 بَابُ أَنَّ أَهْلَ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِسُؤَالِهِمْ هُمُ الْأَئِمَّةُ بَابُ فِي أَئِمَّةِ آلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِسُؤَالِهِمْ وَالْأَمْرُ إِلَيْهِمْ إِنْ شَاءُوا أَجَابُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُجِيبُوا
6 بَابُ أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِالْعِلْمِ هُمُ الْأَئِمَّةُ (ع) بَابُ فِي الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَأَعْدَاءُهُمُ اللَّهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وَشِيعَتُهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ

على الرغم من أن بعض المستشرقين مثل أندرو نيومان قد اعتبروا الكافي نتاجاً للتيار العقلي في بغداد، إلا أن هناك شواهد تدل على أن الكافي هو تجسيد للخطاب الحديثي في قم. إن مدى استخدام الكليني لمشايخ مدرسة قم الحديثية، واتباعه البنيوي والظاهري في تبويب وعنونة الكافي من بصائر الدرجات والمحاسن، وهيمنة نقل المضامين الحديثية المتأثرة بالفضاء النصي في قم، كلها تدعم ادعاء هذا البحث القائم على مراعاة الخطاب العقلي-النقلي لمدرسة قم الحديثية في تدوين أصول الكافي. ويبدو أن مبادرة الكليني في تدوين الكافي، المتأثرة بمدرسة قم الحديثية، قد تمت بقصد ونية تعريف الخطاب السائد في تلك المدرسة، وكان سفره إلى بغداد وعرضه للكافي على محدثي تلك الديار ذا طابع تقريبي بين مدرسة بغداد وقم الحديثية.

  1. خاتمة البحث

هذا البحث، في سياق معرفة البنية الحاكمة على تدوين وتبويب أصول الكافي بواسطة الكليني، قد تناول نظرية اقتباس الكليني من أعلام سبقوه أو ابتكاره في تدوين هذا الكتاب. وقد اتضح في هذا البحث ما يلي:

1- إن تأثر الكليني بـ«المحاسن» للبرقي و«بصائر الدرجات» للصفار وكتب المتقدمين هو جزء من نتائج هذا البحث. وبالنظر إلى هذه النقطة حول البنية الحاكمة على أصول الكافي، تجدر الإشارة إلى أن الكليني في حالات متعددة في التسمية وتبويب أصول الكافي قد استفاد أيضاً من أسلافه. وبتعبير أدق، بالنظر إلى الشواهد والقرائن الموجودة، فإن أصول الكافي هو مجموعة حديثية كُتبت بأسلوب مبتكر ومستلهم من كتب العلماء السابقين. وقد تمكن الكليني في تسمية وتبويب أحاديث أصول الكافي من أن يجعل عناوين أبواب الكتب وأبواب كتابه متأثرة بالروايات. وبعبارة أخرى، فإن عناوين كتب وأبواب أصول الكافي لم تكن إبداعية، بل انتُخبت من متن الحديث، وبالتالي كانت تعبر عن رؤية المؤلف في اختيار عناوين الأحاديث.

2- من ناحية أخرى، يعتقد بعض المستشرقين مثل أندرو نيومان أن أصول الكافي هو في الحقيقة أثر دونه الكليني لمجتمع الإمامية في بغداد، ولكن بالشواهد التي قُدمت في هذا البحث، فإن هذا القول غير ثابت. فقد اقتبس الكليني من أحمد بن خالد البرقي في كتاب «العقل والجهل» وكتاب «الإيمان والكفر». ومن بين مشايخ الكليني المحدثين، فإن معظم الأحاديث منقولة عن القميين، وبقية الروايات منقولة عن مشايخ الكليني الآخرين. على سبيل المثال، نقل أحمد بن محمد بن خالد البرقي أحاديث حول الإيمان والكفر بعناوين مشابهة لكتاب «الإيمان» و«الكفر» في كتاب «الصفوة والنور والرحمة من المحاسن». وضمن هذا البحث، تم التأكيد على أن كتاب أصول الكافي، من حيث التنسيق والتبويب، مقارنة بالمحاسن، قد سلك مساراً أدق ومنهجياً، وأن التنظيم الذي اتخذه في كتاب الكافي يتمتع ببنية أفضل. وبالطبع، فإن ارتباط الشيخ الكليني ببيئته، أي قم، واضح تماماً.

3- يجب إضافة أن الكليني في تدوين كتاب «الحجة» قد تأثر ببصائر الدرجات للصفار؛ لأن التطابق والتشابه الكبير بين عناوين كتاب الحجة من أصول الكافي وعناوين أبواب أحاديث بصائر الدرجات لمحمد بن حسن الصفار لا يمكن إنكاره. من ناحية أخرى، بالإضافة إلى الجانب البنيوي، بمقارنة المحتوى الحديثي الموجود في آثار هذين المؤلفين، يمكن ملاحظة الانسجام الفكري بين الكليني والصفار أيضاً. وبالطبع، فإن الكليني أحياناً في التسمية، لجأ إلى عناوين غير مميزة، وفي بعض المواضع، بالاستعانة بمضمون الروايات، بادر إلى اختيار عناوين. ومع ذلك، حاول الكليني أن يختار عناوين تكون في سياق إعلان معتقدات وفكر الإمامية.

4- بناءً على ذلك، فإن الكافي هو تجسيد لخطاب مدرسة قم الحديثية الذي عُرض في مدرسة بغداد الحديثية. ويبدو أن الشيخ الكليني بتقديمه لكتابه الحديثي لمشايخ حديث الري في بغداد، كان يسعى إلى أن يظهر أن الكافي الذي يبدأ بـ«العقل والجهل» هو حامل لرؤية مدرسة قم الحديثية، وأنه متوافق ومساير لهذا التيار. وبهذا البيان، فإن خطاب مدرسة قم كان عقلياً-نقلياً، وكتاب الكافي نفسه هو أهم شاهد ودليل على هذا الادعاء.

الهوامش

  1. لفهم سبب اختلاف منهج الكليني عن سائر الكتب الأربعة في إضافة العقائد، من الضروري الانتباه إلى هذه النقطة: «كان هناك تيار يسعى من خلال تخريب وتحريف المعتقدات الأصيلة والمذهبية ونفي فضائل أهل بيت النبي (ص) وجعل الروايات في مدح الأعداء المعروفين وغير المعروفين، إلى إضعاف وتدمير عقائد الشيعة. ولم يكن لهم اهتمام كبير بفروع فقه الشيعة وأحكامه العملية؛ لأنه عندما يسلبون من الناس أصول العقائد ويُلقنونهم مجعولاتهم وتحريفاتهم بدلاً من الروايات الواردة، لا تبقى أهمية لتخريب وتحريف الفروع. وقد جمع هو كتاب الكافي بناءً على موافقته أو عدم مخالفته لكتاب الله ودليل العقل والسنة المتواترة وغيرها من المرجحات المنصوصة. ولهذا السبب، أمضى عشرين عاماً في تأليف وتنسيق هذا الكتاب. إن تحمل هذه المشكلات العلمية وتلك الظروف الصعبة والمشقة في السفر من الري إلى العراق وبعلبك ودمشق وغيرها من الأراضي البعيدة للعثور على الأصول المدونة الأصلية للحديث، ومقابلة مشايخ الرواية، ودفع ورفع نقاط الإبهام، كلها تدل على صعوبة ومثابرة الكليني التي لا نظير لها» (شفيعي، 1387ش، ج 1، ص 471). وبالطبع، توجد أسباب أخرى خارجة عن نطاق هذا البحث.
  2. لتقريب الفكرة، بحسب المحققين، بذل الكليني جهداً بليغاً في ترتيب الروايات حسب درجة اعتبارها. بحيث إن الرواية التي ينقلها في كل باب، هي أوثق وأهم رواية في ذلك الباب، وبهذا الترتيب، يضع الأحاديث تباعاً؛ وهذا الأمر يدل على سعي الكليني الكبير في ترتيب روايات كل باب. وكأنه قد رتب روايات كل باب على أساس الصحة والوضوح في الدلالة، وترتيب الروايات في كل باب يدل على درجة اعتبار كل رواية في ذلك الباب (انظر: الأصفهاني، 1429هـ، ص 219، 222؛ الخوانساري، 1390هـ، ص 553). وبعبارة أخرى، فإن مراعاة الأولوية في ذكر روايات كل باب تعد من الإجراءات المهمة للكليني في تدوين كل باب؛ بحيث يسعى إلى وضع الروايات المهمة في كل باب في بداية ذلك الباب (انظر: حبيب العميدي، 1414هـ، ص 133).
  3. «وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ الْمَقَامِ الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ أَقْوَامٍ مِنْ فُحُولِ الْأَعْلَامِ لَا لِحَاجَتِنَا إِلَيْهِ فَإِنِّي قَدْ قَرَأْتُ أُصُولَ كِتَابِ الْكَافِي وَكُلَّ تَهْذِيبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرَهُمَا عَلَى أَعْلَمِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ وَأَوْرَعِهِمْ وَهُوَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ وَالْقُدْوَةُ الْهُمَامُ الْفَهَّامَةُ قُدْوَةُ الْمُقَدَّسِينَ أَعْظَمُ الْمُحَقِّقِينَ الْمِيرْزَا مُحَمَّدٍ الْأَسْتَرَابَادِيِّ وَهُوَ قَدْ قَرَأَ عَلَى شَيْخِهِ وَقَرَأَ شَيْخُهُ عَلَى شَيْخِهِ مُتَّصِلَةً إِلَى أَصْحَابِ الْعِصْمَةِ أَنَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الرِّجَالِ – نَوَّرَ اللَّهُ مَرْقَدَهُ – وَلِي طُرُقٌ أُخْرَى مِنْ مَشَايِخَ أُخَرَ – قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُمْ – مِنْهُمُ السَّيِّدُ وَالسَّنَدُ وَالْعَلَّامَةُ الْأَوْحَدُ صَاحِبُ كِتَابِ الْمَدَارِكِ.»
  4. «وَقَوْلُهُ: وَلَا تَمُدَّ الْبَاءَ حَتَّى تَرْفَعَ السِّينَ (172، ح 23) أَيْ لَا تُكْتَبُ الْبَاءُ بِأَلِفٍ كَمَا يُكْتَبُ فِي غَيْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بَلْ يُوصَلُ الْبَاءُ بِالسِّينِ لِتُرْفَعَ السِّينُ عَلَيْهَا، فَيَبْعَثُ عَلَى تَحْسِينِ اللَّفْظَةِ. فَرَغْتُ مِنْ جَمْعِ حَوَاشِي الْأُصُولِ مِنْ خَطِّهِ الشَّرِيفِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ سَنَةَ 1096، وَالْمَسْؤُولُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُوَفِّقَنِي لِجَمْعِ حَوَاشِي الْفُرُوعِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَأَنَا الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ الْقَوِيِّ مُحَمَّدِ الْمُلَقَّبِ بِالتَّقِيِّ الْمُوسَوِيِّ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ.»
  5. في اللغة اليونانية، بوضع مصطلحين مختلفين للمذكرات الشخصية التي يعدها الأستاذ للتذكير عند إلقاء الدرس، والآثار التي تُؤلف وتُحرر وفق قواعد منهجية ومحددة، تم التمييز الدقيق بينهما. للمورد الأول، اختيرت كلمة هيبومنيما (hypomnema)، وللمورد الثاني، كلمة سينجراما (syngramma)؛ لكن في اللغة العربية، لا يوجد مثل هذا التمييز (شولر، 1393ش، ص 100، 172). يشير شولر إلى أنه في العصور الأولى، كانت كلمة «كتاب» – إلا في الحالات التي تشير إلى القرآن – تعني عادةً «شيء مكتوب»، «مذكرات»، و«كتابات»، وبشكل عام لم تكن تشير إلى كتب حقيقية، ويقول: كانت المصادر المكتوبة لمؤلفي المجاميع الأولى غالباً نصوصاً غير رسمية وعلى شكل مجموعة مرتبة من المذكرات والدفاتر (المصدر نفسه، ص 169-170).
  6. شرح المكاسب المحرمة، عام 1389ش، ذيل بحث كتاب علي بن جعفر – تقريرات درس خارج فقه حضرة آية الله السيد أحمد مددي – تدوين: كاظم دليري.
  7. في مكان آخر، يقول آية الله البروجردي: «وَهَذِهِ كُلُّهَا دَعَاوَى عَارِيَةٌ عَنِ الدَّلِيلِ غَيْرِ خَارِجَةٍ عَنْ حُدُودِ الْخَرْصِ وَالتَّخْمِينِ، فَيَالَيْتَهَا كَانَتْ مَقْرُونَةً بِالشَّاهِدِ وَمُثْبَتَةً بِالدَّلِيلِ حَتَّى نَسْتَرِيحَ إِلَيْهَا عَنْ تَحَمُّلِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ. وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ لَنَا أَنَّهُ كَانَ بِبَغْدَادَ أَيَّامَ تَصْنِيفِ الْكِتَابِ، بَلِ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ النَّجَاشِيِّ، حَيْثُ قَالَ شَيْخُ أَصْحَابِنَا فِي وَقْتِهِ بِالرَّيِّ وَوَجْهِهِمْ، هُوَ أَنَّهُ كَانَ بِالرَّيِّ طُولَ حَيَاتِهِ خُصُوصاً أَيَّامَ تَكَامُلِهِ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا الزَّمَانُ الَّذِي يُمْكِنُ دَعْوَى كَوْنِهِ شَيْخَ أَصْحَابِنَا وَوَجْهَهُمْ فِيهِ. فَلَوْ كَانَ فِي مُدَّةِ تَصْنِيفِهِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا عِشْرُونَ سَنَةً بِبَغْدَادَ لَمْ يَبْقَ زَمَانُ تَكَامُلِهِ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْخَ أَصْحَابِنَا بِالرَّيِّ وَوَجْهَهُمْ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَوْتُهُ بِبَغْدَادَ وَدَفْنُهُ بِهَا إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَافَرَ إِلَيْهَا فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ عَابِراً أَوْ مُقِيماً فَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ بِهَا. وَالْغَالِبُ عَلَى ظَنِّي بَعْدَ مُلَاحَظَةِ عِبَارَةِ النَّجَاشِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ رَوَى الصَّدُوقُ كِتَابَ الْكَافِي عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ كُلَيْنٍ وَالرَّيِّ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَشْيَخَةِ التَّهْذِيبِ مِنْ سَمَاعِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ نَصْرٍ إِيَّاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بِبَغْدَادَ، بِبَابِ الْكُوفَةِ بِدَرْبِ السِّلْسِلَةِ سَنَةَ 327، وَمَا مَرَّ عَنِ النَّجَاشِيِّ وَفِهْرِسْتِ الشَّيْخِ مِنْ مَوْتِهِ بِبَغْدَادَ وَدَفْنِهِ بِبَابِ الْكُوفَةِ بِمَقْبَرَتِهَا هُوَ أَنَّهُ كَانَ بِالرَّيِّ وَصَنَّفَ كِتَابَهُ بِهَا وَسَمِعَهُ مِنْهُ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا ثُمَّ سَافَرَ إِلَى بَغْدَادَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَنَزَلَ بِمَحَلَّةِ بَابِ الْكُوفَةِ وَسَمِعَهُ مِنْهُ بِهَا أَيْضاً جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَكَانَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ…» (البروجردي، 1358ش، ج 1، ص 245). بالطبع، يجب الإشارة إلى أن آية الله البروجردي يعتقد أن كتاب الكافي دُوّن في الري، ثم مع هجرة ثقة الإسلام إلى بغداد، عرض هذا الكتاب على مشايخ بغداد.
  8. «…فإنه الزمان الذي يمكن دعوى كونه شيخ أصحابنا ووجههم فيه. فلو كان في مدة تصنيفه التي زعم أنها عشرون سنة ببغداد لم يبق زمان تكامله شيء يصلح لأن يكون فيه شيخ أصحابنا بالري ووجههم، ولا ينافي ذلك موته ببغداد ودفنه بها إذ يمكن أن يكون سافر إليها في أواخر عمره عابرا أو مقيما فأدركه أجله بها. والغالب على ظني بعد ملاحظة عبارة النجاشي المتقدمة، وأن الجماعة الذين روى الصدوق كتاب الكافي عنهم من أهل كلين والري وما تقدم من مشيخة التهذيب من سماع أحمد بن إبراهيم وعبد الكريم بن نصر إياه عن محمد بن يعقوب ببغداد، بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة 327، وما مر عن النجاشي وفهرست الشيخ من موته ببغداد ودفنه بباب الكوفة بمقبرتها هو أنه كان بالري وصنف كتابه بها وسمعه منه بها جماعة من شيوخنا ثم سافر إلى بغداد قبل موته بسنتين أو أكثر ونزل بمحلة باب الكوفة وسمعه منه بها أيضا جماعة من البغداديين والكوفيين وكان بها إلى أن توفي ودفن بمقبرة تلك المحلة…» (بروجردي، 1358ش، 1: 245). بالطبع يجب الإشارة إلى أن آية الله البروجردي يعتقد أن كتاب الكافي قد تم تدوينه في الري ثم بعد هجرة ثقة الإسلام إلى بغداد، قام بعرض الكتاب على مشايخ بغداد.
  9. بناءً على رأي بعض المحققين، فإن كتاب الكافي بشكل عام هو رمز لمدرسة قم وليس بغداد (راجع: الطباطبائي وآخرون، 1388ش، ص 98-113).
  10. هذه المسألة تعود إلى أن الكليني ربما وجد روايات بعد جمع المواد والتأليف الأولي، ثم اضطر إلى إضافة هذه الروايات إلى مجموعة رواياته، وهذا الأمر يدل على أن الكليني كان يضيف الروايات إلى كتابه تدريجياً وبدقة، وفي مراحل مختلفة حصل على روايات (انظر: لطفي، 1393ش، ص 159). بالإضافة إلى ذلك، فإن طول مدة تأليف الكافي، بناءً على رأي بعض الرجاليين (النجاشي، 1416هـ، ص 377)، يؤيد المطلب المذكور.
  11. قام الكليني باختياره لعنوان الحجة لهذا القسم من أصول الكافي، بتحقيق أمرين مهمين: 1- جمع الأحاديث المتعلقة بالنبوة والإمامة في كتاب واحد. 2- أوجد علاقة متبادلة بين العباد وإرسال الأنبياء ونصب الأئمة من باب التكليف. لمزيد من المعلومات حول مفهوم الحجة، يرجى الرجوع إلى المسار التاريخي؛ المعاني المختلفة للحجة» بقلم حاج منوجهري، دائرة المعارف الإسلامية (ج 20: ص 168-172).
  12. لمزيد من المعلومات، انظر: حمادي، عبد الرضا، «گستره علم امام در مقايسه روايات اصول الكافي و بصائر الدرجات»، الفصل الثاني، المبحث الثاني.
  13. بالطبع، يوجد احتمال بأن تكون عناوين أبواب كتاب بصائر الدرجات وأصول الكافي مأخوذة من الروايات؛ مع الفارق أن محمد بن حسن الصفار في التنظيم استخدم عناوين خاصة، والكليني استخدم عناوين أعم (انظر: حمادي، 1390ش، ص 78).
Scroll to Top