أثر فرش الحروف في التفسير، لا سيما في الآيات الكلامية

المستخلص

يُعدّ موضوع «فرش الحروف» في القراءات أحد العوامل المؤثرة في تحديد مواضع الوقف والوصل في العبارات القرآنية عند التلاوة. ويشير مصطلح فرش الحروف إلى موارد الخلاف الجزئية في قراءة الكلمات القرآنية التي لا تخضع لقاعدة مطّردة، ولا يتبع نطقها أسلوباً محدداً ومعيناً. تتناول هذه المقالة بالمنهج الوصفي التحليلي دراسة أنواع تأثير فرش الحروف في القراءات على مواضع الوقف والوصل في آيات القرآن الكريم، ودور ذلك في فهم الآيات وتفسيرها. تُظهر الدراسات أن فرش الحروف في القراءات يؤثر في مواضع الوقف والوصل بطرق مختلفة، منها: 1. الالتفات، 2. تغيير الإعراب، 3. نقص الحروف أو زيادتها. وتتضح هذه التأثيرات في أمثلة متعددة. على سبيل المثال، في الآية 37 من سورة غافر، تؤدي قراءة «صَدَّ» بفتح الصاد إلى حدوث التفات وتثير إشكالية كلامية حول الإضلال الإجباري لفرعون، والذي لا يكون، بالنظر إلى الآيات ذات الصلة، مجرد فعل من الله دون مقدمات، بل هو نتيجة لخيارات الإنسان وعقوبته عليها. وفي الآية 40 من سورة التوبة، يرتبط تغيير الإعراب بمسائل كلامية. ففي القراءة التي تكون فيها التاء مرفوعة، يُعتبر لفظ الجلالة «الله» هو الأسمى أساسًا، وهو ما ينسبه أهل السنة إلى قِدم لفظ الجلالة. في المقابل، تشير القراءة بالنصب إلى أفضلية لفظ الجلالة بالجعل الإلهي، وهو ما تستنبط منه المعتزلة حدوث لفظ الجلالة. وتُبرز هذه التحليلات التأثير العميق للقراءات على مواضع الوقف والوصل، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف وجهات النظر الكلامية.

المقدمة

الكلام والبيان من أهم وأنجع الأدوات التي يستخدمها الإنسان لإيصال الرسالة وتلقيها؛ إلا أن هذه الأداة، كأي وسيلة أخرى، لها محدودياتها ومقتضياتها الخاصة التي تمكّن معرفتها من الاستفادة منها على نحو أفضل. من العوامل التي تؤثر في نقل الرسالة عبر الكلام، المواضع التي يتوقف فيها الكلام ثم يُستأنف. على سبيل المثال، يوضح الفرق في المفهوم بين جملتي «العفو، لا يلزم الإعدام» و«العفو لا يلزم، الإعدام» أن تغيير موضع الوقف يغير معنى الجملة بالكامل. في فنون تلاوة القرآن، يُعرف هذا الموضوع بـ«علم الوقف والابتداء». يعرّف الإمام علي (ع) في تفسير آية ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ الترتيل بأنه يرتكز على ركنين: «الترتيل معرفة الوقوف وأداء الحروف»، ويشمل ذلك 1. معرفة مواضع الوقف و2. أداء الحروف أداءً صحيحًا. إن مراعاة مواضع الوقف والوصل لها تأثير مباشر على فهم المعنى الصحيح لآيات القرآن ونقله، والتغاضي عن ذلك قد يؤدي إلى إلقاء معانٍ خاطئة. على سبيل المثال، في آية ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (يونس: 65)، يمكن أن يؤدي عدم الوقف على كلمة «قَوْلُهُمْ» إلى نقل معنى خاطئ إلى ذهن المخاطب. من هنا، فإن معرفة مواضع الوقف ضرورية لإلقاء المعنى الصحيح.

من العلوم التي لها تأثير مباشر في تحديد مواضع وصل العبارات القرآنية أو فصلها، علم القراءات. وينقسم علم القراءات إلى قسمين: الأصول والفروع (فرش الحروف)، حيث لا تؤثر الأصول في الوقف والابتداء، لكن بعض موارد فرش الحروف في القراءات تؤثر في معاني العبارات. لذلك، فإن معرفة المعاني الدقيقة وتحديد مواضع الوقف والوصل الصحيحة بناءً عليها أمر ضروري.

تجيب هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي وجمع المصادر المكتبية، على الأسئلة التالية:

1. كيف يؤثر فرش الحروف في القراءات على تحديد مواضع الوقف أو الوصل في آيات القرآن الكريم؟

2. ما هو دور فرش الحروف في القراءات في الاستنباطات التفسيرية للمفسرين؟

في الدراسات السابقة، أشارت بعض التفاسير إلى الاختلافات النحوية والتفسيرية المتعلقة بالوقف في القرآن، مثل: «التبيان في تفسير القرآن» للشيخ الطوسي، و«مجمع البيان في تفسير القرآن» للطبرسي، و«الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل» للزمخشري. كما تناولت أعمال مثل «المكتفى» لأبي عمرو الداني، و«علل الوقوف» للسجاوندي، و«منار الهدى» للأشموني، و«معالم الإهتداء» للحصري، تحليل مواضع الوقف، لكن العلاقة بين الوقف والابتداء وعلم القراءات لم تُبحث بشكل مباشر أو لم تُذكر إلا باختصار. من المصادر الأخرى الجديرة بالذكر يمكن الإشارة إلى «أثر القراءات في الوقف والابتداء»، و«أثر القراءات العشر في الوقف والابتداء»، و«القراءات القرآنية وأثرها في تنوع الوقف عند الأشموني».

ألف. دراسة المفهوم

1. المعنى اللغوي والاصطلاحي للوقف والابتداء

في اللغة العربية، ذُكرت معانٍ متعددة لـ«الوقف»، منها «الحبس والإمساك»، و«الفصل»، و«السكوت» (ابن منظور، 1414: 374/15). و«الابتداء» هو ضد «الوقف»، ويأتي بمعنى «البدء» و«الشروع» (نفس المصدر، 333/1-334). في اصطلاح المتقدمين وعلماء القرون الأولى، كان يُستخدم مصطلحا «القطع» و«السكت» أيضًا بدلاً من الوقف (ابن الجزري، د.ت: 339/2-340). ومع تدوين علم الوقف والابتداء وتأليف الكتب المتخصصة، اكتسب كل من هذه المصطلحات معنى خاصًا. وبناءً على ما ذكره ابن الجزري، فإن معاني هذه المصطلحات هي:

القطع: إنهاء القراءة والانتقال من القراءة إلى حالة أو عمل آخر غير القراءة.

الوقف: قطع الصوت عند كلمة من القرآن مع أخذ النفس بنية استئناف القراءة.

السكت: قطع الصوت لمدة أقصر من الوقف، دون أخذ النفس.

أما مصطلح «الابتداء» فقد حافظ تقريبًا على معناه اللغوي؛ أي بدء التلاوة في بداية القراءة أو بعد الوقف (نفس المصدر).

2. أصول القراءة وفروعها

وضع علماء القراءات قاعدتين لتمييز القراءات وتفريقها وتحديد نقاط الاشتراك والاختلاف بينها: 1. الأصول (أصول القارئ)؛ 2. الفروع (فَرْشُ الحُروف).

أولاً. الأصول (أصول القارئ)

«الأصول» تُطلق على القواعد الكلية التي تُستخرج من القواعد الجزئية التابعة لها، وتنطبق عليها تلك الجزئيات؛ وبعبارة أخرى، «الأصول» هي القواعد التي تبيّن أحكام قراءة جميع كلمات القرآن، بحيث تكون قابلة للتطبيق في أي موضع (ابن مجاهد، 1972: 108-111).

تشمل الأصول في علم القراءات مسائل مثل الوقف والابتداء، والإدغام والإظهار، والمد والقصر، والتحقيق والتسهيل، والإمالة والفتح، والتفخيم والترقيق (أحكام الراءات واللامات)، والإبدال والنقل، وأحكام الهاءات، وأحكام الياءات، ووصل ميم الجمع، وهاء الضمير.

بناءً على هذا التعريف، أطلقوا على القواعد الكلية لقراءة كل من القراء السبعة اسم «أصول» ذلك القارئ (ابن مجاهد، 111-108)، لأن هذه القواعد جاءت بشكل كلي ومضبوط. على سبيل المثال، قاعدة «النقل والحذف» في قراءة نافع برواية ورش هي من أصول قراءته، وقاعدة «إشمام خلط حرف بحرف» هي من أصول قراءة حمزة (بور فرزيب، 1375: 15 و30).

وقد قدّم أبو عمرو الداني في كتابه «التيسير» الأصول على فرش الحروف، وهو الترتيب الذي شاع فيما بعد (الداني، 1426: 26-184).

ثانياً. الفروع (فرش الحروف)

في مقابل مصطلح «الأصول»، يأتي مصطلح «الفَرْش» أو «فَرْشُ الحُروف» أو «فروع القراءة» الذي يشير إلى الموارد الجزئية من اختلاف القراءات في الكلمات القرآنية؛ وهذه الموارد غير منضبطة بقاعدة (الفضلي، 1365: 165). على سبيل المثال، لا يمكن قياس قراءة كلمة «يَخْدَعُونَ» في سورة البقرة على قراءة «يُخادِعُونَ» في سورة النساء؛ وبعبارة أخرى، توجد في القرآن الكريم كلمات، بالإضافة إلى تفرقها في سور مختلفة، لا يخضع نطقها لقاعدة محددة. كلمة «فَرْش» في اللغة تعني «النشر والبسط» (ابن منظور، 1414: 326/6)، وكلمة «حروف» هي جمع «حرف»، وتعني هنا القراءة. لذلك، فإن مصطلحات مثل «حرفُ عاصم»، و«حرفُ حمزة»، و«حرفُ نافع» تعني قراءة عاصم، وحمزة، ونافع.

وقد أوضح البعض سبب تسمية الاختلافات الجزئية في القراءات بـ«الفرش» بأنها، على عكس أصول القراءة مثل الإدغام أو الإمالة التي تُبحث في موضع واحد، تُبحث القراءات التي ليس لها ضوابط محددة بشكل متفرق وفي مواضعها من كل سورة؛ ولذلك سُميت بـ«فرش الحروف» (ابن الجزري، د.ت: 206/2).

في النهاية، المقصود بـ«الفروع» أو «فَرْشُ الحُروفِ» لكل قارئ، هو الأحكام والقواعد الخاصة التي لا تجري بشكل كلي في قراءة ذلك القارئ، بل تختص بموارد جزئية واستثنائية؛ مثل:

1. قراءة لفظ «مالِكِ» بالألف في سورة الحمد بواسطة عاصم والكسائي، وقراءة «مَلِكِ» بدون ألف بواسطة بقية القراء السبعة (الداني، 1426: 27).

2. قراءة الآية 3 من سورة الأعراف: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ التي لم يقرأها بالياء «يَتَذَكَّرُونَ» سوى ابن عامر (نفس المصدر، 90).

3. قراءة الآيتين 25 من سورة الأعراف: ﴿وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ و11 من سورة الزخرف: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ حيث قرأها حمزة وابن عامر بفتح التاء وضم الراء «تَخْرُجُونَ»، بينما قرأها بقية القراء السبعة بضم التاء وفتح الراء «تُخْرَجُونَ» (نفس المصدر، 90-158).

باء. علاقة علم القراءات بعلم الوقف والابتداء

يعتمد علم القراءات على ثلاثة أركان أساسية: صحة السند، وموافقة المصحف العثماني، ومطابقة قواعد اللغة العربية، وهو علم منقول ونقلي لا مجال للاجتهاد فيه (ابن الجزري، د.ت: 109/1). في المقابل، يُعد علم الوقف والابتداء والنظريات المطروحة حول أقسام ومواضع الوقف والابتداء علمًا اجتهاديًا (العلامي، د.ت: 62). كما يوجد خلاف كبير بين علماء الوقف في تحديد نوع الوقف في مواضع معينة من القرآن؛ فمثلاً، يرى بعضهم أن موضعًا ما هو وقف تام، بينما يراه آخرون، بناءً على قراءة معينة، وقفًا كافيًا. مثل هذه الاختلافات في مواقف القرآن تُشاهد بكثرة وتدل على استقلال علم الوقف والابتداء عن علم القراءات.

مع ذلك، لا يعني استقلال هذين العلمين عدم وجود ارتباط بينهما؛ بل على العكس، توجد علاقة دقيقة ووثيقة بين الوقف والابتداء وعلم القراءات. على سبيل المثال، إذا تم فحص مواضع الوقف في القرآن، فستُوجد مواضع يكون الوقف فيها تامًا بناءً على قراءة ما، وبناءً على قراءة أخرى، يُعتبر كافيًا أو حسنًا (العلامي، د.ت: 63).

تأثير فرش الحروف في القراءات على الوقف والابتداء

تُظهر الدراسات التي أُجريت حول فرش الحروف في القراءات أن القراءات يمكن أن تؤثر على مواضع الوقف أو الوصل في آيات القرآن الكريم بثلاث طرق:

1. الالتفات

الالتفات هو أحد الفنون والبلاغات الأدبية التي وردت في كثير من كتب البلاغة العربية والفارسية بمعنى تغيير زاوية الكلام، ويشمل تغييرات محدودة في الأسلوب والمعنى (الجرجاني، 1411: 10). في فرش الحروف لبعض القراءات، يؤدي الالتفات إلى تغيير نوع الوقف والابتداء.

المثال الأول: اختلاف القراءة في تعجّب الله

الآية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ﴾ (الصافات: 11-12).

الترجمة: «فاسألهم أهم أشد خلقًا أم من خلقنا؟ إنا خلقناهم من طين لازب. بل عجبت ويسخرون».

القراءة: توجد في هذه الآية قراءتان: «عَجِبْتَ» (للمفرد المذكر المخاطب) و«عَجِبْتُ» (للمتكلم وحده). من بين القراء السبعة، قرأ حمزة والكسائي بضم التاء، والآخرون بفتحها (الداني، 1426: 151).

الوقف أو الوصل: طبقًا لقراءة ضم التاء، يتم الوقف على كلمة «لازِبٍ»، أما طبقًا لقراءة فتح التاء، فيتم الوصل، لأن الخطاب متصل بما قبله ولم يحدث التفات (الداني، 1422: 176/2).

التحليل التفسيري

يعتبر الطبري القراءة بضم التاء قراءة عامة قراء الكوفة ويذكر أن كلا الوجهين مشهور بين القراء وأن قارئ القرآن «مصيب» في حال استخدام أي منهما (الطبري، 1412: 28/23). ويفضل الفراء أيضًا القراءة بالضم، لأنها منقولة عن الإمام علي (ع) وعبد الله بن مسعود وابن عباس (الفراء، 1980: 384/2).

يقول ابن منظور في معنى «العُجْب» و«العَجَب»: «إنكار ما يرد عليك لقلة اعتياده» (ابن منظور، 1414: 580/1). ويرى الزجاج أن «العَجَب» هو التعجب من شيء نادر وغير معروف.

في الآية 12 من سورة الصافات، تنسب القراءة بفتح التاء العجب إلى النبي الذي يوحى إليه، على عكس القراءة بضم التاء التي تنسب التعجب إلى الله، وهذه المسألة تثير تحديًا كلاميًا؛ لأن التعجب نوع من الانفعال الذي لا يتناسب مع علم الله المطلق.

في حل هذا التحدي، قد يميل البعض إلى القراءة بفتح التاء ويرفضون القراءة بضم التاء، مثل القاضي شريح الذي كان يقرأ بفتح التاء ويعتقد أن الله لا يتعجب، لأنه يمتلك العلم المطلق (الزمخشري، 1407: 37/4). ويرد إبراهيم النخعي على شريح بأن علم شريح قد أغرّه وأن عبد الله بن مسعود كان أعلم منه (نفس المصدر).

كانت وفاة شريح بين عامي 76 و80 هـ، لذا فقد عاش في زمن كان فيه إنكار القراءة بضم التاء ممكنًا، لكن في القرون التالية، لم تعد هذه القراءة قابلة للإنكار بسبب مكانة القراء السبعة. يذكر الآلوسي أن إنكار القاضي شريح غير مقبول لأنه يتعارض مع «بينة» متواترة (الآلوسي، 1415: 74/12). أما الفخر الرازي، فلا يرى إمكانية الإعراض عن القراءة بضم التاء إلا في حالة عدم تواترها، وفي حالة التواتر، يكون تأويلها ضروريًا (الفخر الرازي، 1420: 323/26).

الزمخشري، على عكس المتوقع، لا يبذل أي جهد لإنكار القراءة بضم التاء ويسعى لإيجاد وجوه معنوية تنزيهية (الزمخشري، 1407: 37/4). ويعتقد جولد تسيهر أيضًا أن القراءة الأصلية كانت بضم التاء وأن القراءة بفتح التاء قد اقتُرحت كحل للتحدي الكلامي (جولد تسيهر، 1388: 45-46).

على أي حال، فإن النهج العام لأهل التفسير هو قبول قراءة «عَجِبْتُ» والسعي لتوضيحها.

التوضيحات المطروحة بخصوص اختلاف القراءات وتأثيرها على فهم آيات القرآن يمكن عرضها على النحو التالي:

1. تعجب الله ودلالته: تعجب الله من المنظور الأول ليس بمعنى تعجب البشر. في هذا الرأي، تعجب الله له معنى يتناسب مع ذاته، والسعي لتحديد معناه الدقيق غير ضروري، ويجب تفويض علمه إلى الله. ينسب الآلوسي هذا الرأي إلى السلف (الصحابة والتابعين) (الآلوسي، 1415: 75/12).

2. التحليل الدلالي لتعجب الله: يقر الرأي الثاني أيضًا بأن تعجب الله له معنى خاص يتناسب مع ذاته، لكنه، على عكس الرأي الأول، يسعى لتحديد ذلك المعنى. ينسب الآلوسي هذا الرأي إلى الخَلَف (الأجيال اللاحقة من المسلمين) (الآلوسي، 1415: 75/12). بناءً على هذا الرأي، وصف البعض التعجب الإلهي بمعنى «الاستعظام» (تعظيم أمر ما)، والبعض الآخر بمعنى «الإنكار» (راغب، 1412: 550/2). تحاول هذه النظرية إزالة النقائص البشرية من التعجب، ونسبة ما تبقى إلى الله.

3. عدم نسبة التعجب إلى الله: في الرأي الثالث، لا يُنسب التعجب إلى الله. بل «عَجِبْتُ» تعني مقام التعجب، والوضع القائم هو بحيث يُظهر التعجب من وجهة نظر المخاطبين (راغب، 1412: 551/2). وقد ذهب البعض إلى أن «عَجِبْتُ» تعني «لو جاز التعجب على الله لتعجب» (الآلوسي، 1415: 75/12). ومع ذلك، فإن هذا الرأي، على الرغم من دقته، يتطلب الخروج عن ظاهر الآية.

4. التعجب باللغة التصويرية: «عَجِبْتُ» ليس بمعنى تعجب الله، بل إن الله ينسب التعجب إلى نفسه فقط لإظهار موافقته لنبيه. وقد نقل أبو الفتوح الرازي هذا الرأي عن «الجنيد» (أبو الفتوح الرازي، 1408: 181/16). في هذا الرأي العرفاني، يتم التأكيد على مقام النبي كسالك واصل، ورغم أن هذا الرأي لا يخلو من لطف ودقة، إلا أنه يتجاوز ظاهر الآية.

5. التعجب باللغة التصويرية والافتراضية: تعبير «عَجِبْتُ» يعني كلام الله بلغة التصوير والافتراض. يُنسب التعجب إلى التصور الذي لدى البشر عن الله، وليس إلى حقيقة ذاته. وقد ذكر البعض، مثل الزمخشري، أن التعجب الإلهي يمكن أن يكون من باب الخيال والفرض (الزمخشري، 1407: 38/4).

المثال الثاني: اختلاف القراءة في اتخاذ الله الأعوان

الآية: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: 51).

الترجمة: «ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدًا».

القراءة: في هذه الآية، قراءة الجمهور هي «مَا كُنْتُ» بضم التاء، بينما قرأ البعض مثل أبي جعفر والجحدري والحسن «مَا كُنْتَ» بفتح التاء (الخطيب، 1422: 238/5).

الوقف أو الوصل: طبقًا لقراءة ضم التاء، يتم الوصل، أما طبقًا لقراءة فتح التاء، فيُوقف على «أَنْفُسِهِمْ» (الداني، 1422: 125/2؛ الأشموني، 1422: 470).

التحليل التفسيري

«العضد» يعني «الذراع» (ما بين المرفق والكتف)، ويُستخدم استعارة بمعنى «المعين والناصر» (راغب، 1412: 612/2). يشير ضمير «هم» في «أَشْهَدْتُهُمْ» إلى إبليس وذريته. في الآية 51 من سورة الكهف، يُنفى إشهاد الشياطين على خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، ويُذكر أن الله لا يتخذ المضلين أعوانًا له.

في القراءة بفتح التاء، يكون الجزء الأخير من الآية خطابًا للنبي، ويفيد بأنه لا ينبغي لك أن تتخذ المضلين أعوانًا لك. ويرى محمد الحبش، الذي يعتبر قراءة فتح التاء من القراءات العشر المتواترة، أن الآية 51 من سورة الكهف دليل على تزكية وعدالة الصحابة (الحبش، 1419: 154). وهو يعتقد أن النبي قد وكّل المهام الكبرى للصحابة، وبناءً على قراءة الفتح، لا يمكن قبول أن النبي قد اتخذ المضلين أعوانًا له (نفس المصدر، 154-155).

في الرد على ذلك، يجب القول إنه بالنظر إلى سياق الآيات، فإن «الْمُضِلِّينَ» في الآية 51 تشير إلى إبليس وذريته، وليس إلى البشر. في عرف العرب المعاصر لنزول القرآن، كان الكهنة والسحرة والشعراء يدعون الاتصال بالشياطين ويستمدون منهم العون. لذلك، فإن نفي استعانة النبي محمد (ص) بالشياطين أمر معقول. بالإضافة إلى ذلك، فإن النزاع الرئيسي في مسألة عدالة الصحابة يتعلق بأفعالهم بعد وفاة النبي. والرأي السائد بين الإمامية هو أن القرآن نزل على حرف واحد، وأن القراءة المشهورة في الآية 51 من سورة الكهف لها رجحان واضح، وسياق الآية يؤيد أيضًا قراءة ضم التاء.

2. تغيير الإعراب

في النصوص القرآنية، تؤدي بعض القراءات إلى تغيير في التركيب العام للجملة، وبالتالي تغيير في مواضع الوقف والابتداء في الآية أو العبارة. وفيما يلي مثالان على هذه الاختلافات القرائية:

المثال الأول: اختلاف القراءة في سؤال النبي

الآية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (البقرة: 119). الترجمة: «إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم».

القراءة: في هذه الآية، قُرئت العبارة الأخيرة بشكلين. قرأ نافع ويعقوب العبارة «لَا تَسْأَلْ» بفتح التاء وجزم اللام، وفي هذه الحالة يكون الفعل بمعنى النهي. أما بقية القراء فقد قرأوا بالقراءة المشهورة «لَا تُسْأَلُ»، وهي جملة خبرية مبنية للمجهول (الفارسي، د.ت: 209/2).

الوقف أو الوصل: طبقًا لقراءة فتح التاء وجزم اللام، يُوقف على «نذيرًا». أما طبقًا لقراءة «لَا تُسْأَلُ»، فيوجد وجهان: إذا كانت جملة «وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ» حالية، فيتم الوصل. أما إذا كانت استئنافية، فيُوقف على «نَذِيرًا» (الداني، 1422: 26/2).

التحليل التفسيري

طبقًا لقراءة نافع ويعقوب، يكون معنى الآية أن مقام الرسالة قد نُهي عن السؤال عن عذاب أصحاب الجحيم، وهذا النهي يشير إلى عظمة وهول عذاب أهل النار (الفارسي، د.ت: 209/2). بالنسبة لبقية القراء، يوجد وجهان إعرابيان: الأول أن «لَا تُسْأَلُ» تعني أنك يا محمد لن تُؤاخذ على أعمال أهل النار، وفي هذه الحالة تكون العبارة الثانية استئنافية ومنقطعة عن العبارة الأولى (أبو حيان، 589/1). والثاني أن «لَا تُسْأَلُ» بمعنى غير مسؤول وفي موضع حال ومعطوفة على كلمة «بَشِيرًا»، وفي هذه الحالة تكون متصلة بعبارة «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا» (الطبرسي، د.ت: 371/1).

يبدو أن قراءة «لَا تُسْأَلُ» أكثر رسوخًا، لأنها جملة خبرية وتعزز سياق الخبر في الآية بأكملها. من الناحية النحوية، تكون قراءة «وَلَا تَسْأَلْ» صحيحة إذا استُخدمت «الفاء» بدلًا من «الواو».

المثال الثاني: اختلاف القراءة في جعل كلام الله

الآية: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40). الترجمة: «إن لا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم».

القراءة: قرأ يعقوب «كَلِمَةَ» في عبارة «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» بفتح التاء على نحو «وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا»، بينما قرأ سائر القراء بضم التاء «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» (الداني، 1426: 97).

الوقف أو الوصل: طبقًا لقراءة ضم التاء، يُوقف على كلمة «السُّفْلَى»، أما طبقًا لقراءة فتح التاء، فيتم الوصل (الداني، 1422: 87/2؛ الأشموني، 1422: 337).

التحليل التفسيري

توجيه قراءة يعقوب هو أن «وَكَلِمَةَ اللَّهِ» معطوفة على المفعول الأول لـ«جَعَلَ»، وبهذا المعنى، فإن علو كلمة الله يرجع إلى جعل الله. وقد استنبطت بعض الفرق الكلامية مثل المعتزلة حدوث وخلق كلمة الله من قراءة يعقوب (المعتزلي، د.ت: 175). وتوجيه قراءة الرفع «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» هو أن هذه العبارة استئنافية.

ترتبط ثمرة البحث بمسألة كلامية. فمن قراءة رفع التاء يُفهم أن كلمة الله هي العليا أساسًا، ويستنتج أهل السنة أنه بناءً على هذه القراءة، فإن كلمة الله قديمة. أما بالنظر إلى قراءة النصب، فإن علو كلمة الله يرجع إلى جعل الله، وتستنبط المعتزلة من ذلك حدوث كلمة الله.

ظاهر المسألة أن قراءة فتح التاء في كلمة الله ليست راسخة، لأنه يبدو أنه تحصيل حاصل، وتقدير الآية سيكون على هذا النحو: «وجعل الله … كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا». وفي هذه الحالة، يكون من الأنسب استخدام ضمير بدلًا من لفظ الجلالة الثاني، كما في مثال «أعتق زيد غلام أبيه» حيث يُفضل القول «أعتق زيد غلامه».

ويرى القرطبي أيضًا، نقلًا عن الفراء، أن قراءة الفتح مردودة من حيث البنية والأسلوب اللغوي العربي، لأن مثل هذا الاستعمال لا يتوافق مع الكلام الفصيح، بينما القرآن نموذج للبلاغة والفصاحة (القرطبي، 1364: 149/8).

إن كون عبارة «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» استئنافية يلقي معنى أكثر رسوخًا. في سياق الآية، جاءت الأفعال الثلاثة «أنزل»، «أيّده»، و«جعل» بصيغة الماضي، ولكل منها مفعول به. هذه المراحل الثلاث، التي تشمل نزول السكينة، والتأييد بجنود غير مرئية، وجعل كلمة الكافرين السفلى، تتحقق الواحدة تلو الأخرى، ونتيجتها ستكون هزيمة وذل الكافرين. ويقول الله في عبارة مستقلة واستئنافية إن كلمة الله هي العليا: «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» (الطباطبائي، 1417: 280/9).

لا تتناول الآية بيان كون كلمة الله مخلوقة أم قديمة، بل هي تقرير لقدرة الله وعلو كلمته في مقابل محاولات الكافرين لطمس آيات الله.

3. الحذف أو زيادة الحروف

في بعض القراءات، يمكن أن يكون للتغييرات الطفيفة في حروف أو حركات الكلمات تأثير كبير على مواضع الوقف والوصل. على سبيل المثال، في الآية التالية:

﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 73).

الترجمة: «[وقالوا] لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم».

القراءة: قرأ ابن كثير كلمة «أَنْ يُؤْتَى» بالمد، بصيغة استفهامية «أَأَنْ يُؤْتَىٰ»، بينما قرأها بقية القراء بدون مد وبهمزة واحدة بصيغة خبرية (الداني، 1426: 74).

الوقف أو الوصل: بناءً على القراءة المشهورة، لا يُوقف على «هُدَى اللَّهِ»؛ لأن «أَنْ يُؤْتَى» مفعول «لَا تُؤْمِنُوا» في بداية الآية، والتقدير هو: «وَلَا تُؤْمِنُوا لِأَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ»، وبسبب هذا التعلق بما قبله، لا يُفصل عنه. أما إذا قُرئت بصيغة استفهامية وطبقًا لقراءة ابن كثير «أَأَنْ يُؤْتَىٰ»، فيُوقف على «هُدَى اللَّهِ»؛ لأنها جملة جديدة ومبتدأ مرفوع خبره محذوف. والتقدير هو: «أَأَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يُصَدِّقُونَهُ» (الداني، 1422: 41-42؛ الأشموني، 1422: 174-176).

التحليل التفسيري

طبقًا للقراءة المشهورة، يوجد تفسيران:

التفسير الأول: جملة «وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ …» حتى جملة «عِنْدَ رَبِّكُمْ» هي كلام أهل الكتاب وتكملة لقولهم السابق الذي اقترحوه على بعضهم: «آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا». في هذا التفسير، تكون جملة «قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ» جوابًا من الله على هذا القول وتعتبر جملة معترضة (الطباطبائي، 1417: 258/3؛ ابن عاشور، د.ت: 74/3؛ الزمخشري، 1407: 373/1؛ الطبرسي، د.ت: 774/2).

التفسير الثاني: «وَلَا تُؤْمِنُوا …» هو كلام الله وليس قول اليهود لبعضهم، والخطاب بصيغة الجمع في جملة «مَا أُوتِيتُمْ» وجملة «أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ» موجه للمؤمنين، بينما الخطاب بصيغة المفرد في كلمة «قُلْ» موجه لرسول الله (ص). بناءً على هذا التفسير، يكون معنى الآية: أيها المسلمون، لا تثقوا بأحد إلا بمن يتبع دينكم. يا أيها النبي، قل لهم: إن الهدى هو هدى الله وحده. حذارِ أن يجد الآخرون نفس هداكم فتبقون أنتم محرومين منه، أو أن يحاجوكم عند ربكم لماذا لم تعملوا به رغم وجود الأدلة (الآلوسي، 1415: 82/2؛ ابن عطية، 1422: 457/1).

طبقًا للقراءة الاستفهامية، فإن جمل «أُوتِيتُمْ» و«أَوْ يُحَاجُّوكُمْ» و«عِنْدَ رَبِّكُمْ» هي خطاب لليهود. وبذلك، يكون المعنى: أيها المسلمون، لا تثقوا إلا بمن يتبع دينكم. يا أيها النبي، قل لليهود إن الهدى هو هدى الله وحده، ولا عجب أن يُعطى لأحد مثل الهدى الذي أُعطي لكم، أو أن يحاجكم المسلمون عند ربكم. طبقًا لهذا التفسير، تكون الآية في مقام توبيخ اليهود، ودليل ذلك هو توبيخ أهل الكتاب على هذا الفعل لكي يتمسكوا بالدين الذي هم عليه (القرطبي، 1364: 112/4؛ الآلوسي، 1415: 193/2؛ الطبرسي، د.ت: 774/2).

يبدو أنه يُفهم من سياق الآية أن جمل «آمِنُوا بِالَّذِي … لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ» وبعد هذه الجملة المعترضة، فإن جمل «أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ … عِنْدَ رَبِّكُمْ» هي مرة أخرى كلام اليهود. لأنه لو كانت جملة «قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ» أيضًا من كلام اليهود، لكان يجب أن يقولوا «وَقُولُوا إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ». كما أن جملة «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ» هي جواب من الله على هذا الجزء من قولهم الذي قالوا فيه «أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ». هذا الترتيب يتوافق مع ترابط أجزاء الكلام ونظم المعاني في الآيتين، وكذلك مع الآيات الأخرى التي تحكي عن مجادلة اليهود ومكائدهم. لذلك، يبدو أن التفسير الأول للقراءة المشهورة هو الأدق.

الخاتمة

تُظهر الدراسات التي أُجريت أن التغيير في حروف القراءات يمكن أن يؤثر على الوقف أو الوصل في العبارات القرآنية بثلاث طرق مختلفة: 1. الالتفات، 2. تغيير الإعراب، 3. حذف أو إضافة الحروف. وفيما يلي، تم فحص عدد من هذه الأمثلة بالتفصيل.

تأثير فرش الحروف على الوقف أو الوصل طبقًا للالتفات:

آية 12 سورة الصافات: القراءة بفتح التاء تنسب العجب والدهشة إلى النبي، وهو مخاطب الوحي. هذه القراءة لا تثير إشكالية. القراءة بضم التاء تنسب التعجب والدهشة إلى الله، مما يؤدي إلى إشكالية كلامية، لأن التعجب والدهشة نوع من الانفعال الذي لا يمكن أن يوجد في ذات الله المطلقة والكاملة.

آية 51 سورة الكهف: القراءة بضم التاء تطرح عدم اتخاذ الله أعوانًا، وهو ما لا يثير مشكلة. القراءة بفتح التاء تطرح عدم اتخاذ النبي (ص) أعوانًا من المضلين، وهو ما يرتبط بمسائل كلامية، وخاصة مسألة عدالة الصحابة والخلفاء الثلاثة. يبدو أن النزاع الرئيسي في مجال عدالة الصحابة يتعلق بأدائهم بعد وفاة النبي وليس في حياته. كما أن الرأي السائد بين الإمامية حول نزول القرآن على حرف واحد يؤيد القراءة المشهورة في هذه الآية.

تأثير فرش الحروف على الوقف أو الوصل طبقًا لتغيير الإعراب:

آية 119 سورة البقرة: القراءة بفتح التاء وجزم اللام (لا تسأل) تنهى مقام الرسالة عن السؤال بخصوص عذاب أهل النار، مما يؤكد على عظمة عذابهم. القراءة المشهورة (لا تُسألُ) تعني عدم مؤاخذة النبي (ص) وعدم مسؤوليته عن أهل النار.

آية 40 سورة التوبة: القراءة برفع التاء تعتبر كلمة «الله» كائنًا أسمى وقديمًا، وهو ما يعتمده أهل السنة في قولهم بقدم كلمة «الله». القراءة بنصب التاء تنسب علو كلمة «الله» إلى جعل الله، وهو ما تستنبط منه المعتزلة حدوث كلمة «الله».

تأثير فرش الحروف على الوقف أو الوصل طبقًا لإضافة أو حذف الحروف:

آية 73 سورة آل عمران: بناءً على السياق والدراسات التي أُجريت، يبدو أن جملة «آمِنُوا بِالَّذِي … لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ» وبعدها جملة «أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ … عِنْدَ رَبِّكُمْ» هي من كلام اليهود. في هذه الحالة، يجب أن تكون جملة «قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ» بصيغة «وَقُولُوا إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ». كما أن جملة «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ» هي جواب الله على كلام اليهود، وبناءً على ترتيب الكلام ونظم المعاني في الآية، يتم تأييد هذا التحليل.

يلخص الجدول التالي نتائج الآيات التي تمت دراستها (فرش الحروف – الوقف أو الوصل) بشكل موحد:

نوع التأثير: الالتفات

الآية: «فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدَّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (صافات/11-12)».

فرش الحروف: 1. عَجِبْتَ 2. عَجِبْتُ.

الوقف أو الوصل: 1. وصل «لازِبٍ» بـ «بَلْ عَجِبْتَ». 2. الوقف على «لازِبٍ» والبدء بـ «بَلْ عَجِبْتُ».

الآية: «مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا» (كهف/51).

فرش الحروف: 1. مَا كُنْتَ 2. مَا كُنْتُ.

الوقف أو الوصل: 1. الوقف على «أَنْفُسِهِمْ» والبدء بـ «وَمَا كُنْتَ». 2. وصل «أَنْفُسِهِمْ» بـ «وَمَا كُنْتُ».

نوع التأثير: تغيير الإعراب

الآية: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ» (بقره: 119).

فرش الحروف: 1. «لا تَسْأَلْ» 2. «لا تُسْأَلُ».

الوقف أو الوصل: 1. الوقف على «نذيراً» والبدء بـ «وَلَا تَسْأَلْ». 2. أ) إذا كانت الواو استئنافية، يُوقف على «نذيراً» ويبدأ بـ «وَلَا تُسْأَلُ». ب) إذا كانت الواو حالية، يُوصل «نذيراً» بـ «وَلَا تُسْأَلُ».

الآية: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ… وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا…» (توبه: 40).

فرش الحروف: 1. «كَلِمَةُ» 2. «كَلِمَةَ».

الوقف أو الوصل: 1. الوقف على «السُّفْلَى» والبدء بـ «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا». 2. وصل «السُّفْلَى» بـ «وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا».

نوع التأثير: إضافة أو نقصان الحروف

الآية: «وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ…» (آل عمران: 73).

فرش الحروف: 1. أَنْ يُؤْتَىٰ 2. أَأَنْ يُؤْتَىٰ.

الوقف أو الوصل: 1. وصل «هُدَى اللَّهِ» بـ «أَنْ يُؤْتَىٰ». 2. الوقف على «هُدَى اللَّهِ» والبدء بـ «أَأَنْ يُؤْتَىٰ».

الهوامش

1. الآلوسي، سيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار الكتب العلمية، 1415 هـ.

2. ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، النشر في القرائات العشر، بي نا، بيروت: دار الكتب العلمية، بي تا.

3. ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحرير والتنوير، بيروت: مؤسسة التاريخ، بي تا.

4. ابن عطية الأندلسي، عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد الشافي عبد السلام، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ.

5. ابن مجاهد، أحمد بن موسى، السبعة في القراءات، القاهرة: دار المعارف، 1972 م.

6. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1414 هـ.

7. أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، مشهد مقدس: آستان قدس رضوي، بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1408 هـ.

8. الأشموني، أحمد بن محمد بن عبد الكريم، منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، بيروت: دار الكتب الإسلامية، 1422 هـ.

9. الحبش، محمد، القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، دمشق: دار الفكر، 1419 هـ.

10. الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، دمشق: دار سعد الدين، 1422 هـ.

11. الفارسي، أبو علي حسن بن عبد الغفار، الحجة للقراء السبعة، سورية: دار المأمون للتراث، بي تا.

12. المعتزلي، عبد الجبار بن أحمد، طبقات المعتزلة، تحقيق: السيد فؤاد السيد، دار تونسية للنشر، بي تا.

13. فولادوند، محمد مهدي، ترجمة قرآن، قم: انتشارات اسوه، 1383 ش.

14. بورفرزيب (مولايي)، إبراهيم، ده قرائت، طهران: ساقيان نور، 1375 ش.

15. الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، القاهرة: دار الكتاب المصري، 1411 هـ.

16. الحجتي، سيد محمد باقر، پژوهشي در تاريخ قرآن كريم، دفتر نشر فرهنگ إسلامي، طهران، 1366 ش.

17. الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد، التيسير في القرائات السبع، بيروت: دار الكتب العلمية، 1426 هـ.

18. ————-، المكتفى في الوقف والابتداء، عمان: دار عمار، 1422 هـ.

19. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، دار العلم، بيروت، 1412 هـ.

20. الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407 هـ.

21. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: انتشارات ناصر خسرو، بي تا.

22. الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1417 هـ.

23. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1412 هـ.

24. الفخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420 هـ.

25. الفراء، أبو زكريا يحيى بن زياد، معاني القرآن، تحقيق محمد علي نجار، مصر: دار المصرية للتأليف والترجمة، 1980 م.

26. الفضلي، عبد الهادي، مقدمة في تاريخ قراءات القرآن، ترجمة وتحرير سيد محمد باقر حجتي، طهران: اسوه، 1365 ش.

27. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، طهران: ناصر خسرو، 1364 ش.

28. الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، محقق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ.

29. غولد تسيهر، إيغناس، گرايشهاي تفسيري در ميان مسلمانان، ترجمة: سيد ناصر طباطبايي، طهران: ققنوس، 1388 ش.

30. مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1374 ش.

Scroll to Top