الملخص
يدّعي القرآن صراحةً «الشمولية»، لكنه لم يوضح أبعادها وبنيتها وآليتها، ومن ثمّ فقد واجه نطاق توقعات المخاطبين في تفسير الشمولية والرجوع العلمي إليها بالغموض. وإلى جانب هذه الميزة الهامة، يدّعي القرآن أيضًا الجمع المتناقض بين وصفي «الخلود» و«الثبات» وفي نفس الوقت «الديناميكية» و«الحركية»؛ بحيث لا يعتريه القِدَم مع مرور الزمن والتطور العلمي للبشرية، هذا في حين أن «التطور العلمي» للبشرية يؤدي قهرًا إلى زوال بعض المعارف وإنتاج معارف جديدة للاستجابة للاحتياجات المستجدة، وأساسًا فإن احتياجات البشر في تجدد مستمر وتتطور مع مرور الزمن، وفي عملية تطور المعرفة البشرية، لا تتوقف «العلوم» أبدًا عن الحركة. هذه الأوصاف والقضايا غير المتوافقة والمتكررة في القرآن والمصادر الدينية، تحتاج إلى دراسة وتحليل دقيقين من أجل تثبيتها في الذهن العلمي للإنسان المعاصر، ومن الضروري توضيح بنيانها وآليتها ومنهجها. تتولى هذه المقالة، بالاعتماد على المنهج الكلامي ومدخل موجز إلى المنهج الظاهراتي، فك رموز هذه المعادلة متعددة الأوجه وحلّها، والإجابة على الأسئلة والغموض المذكور. وتفترض المقالة أن بنية وآلية الشمولية العلمية للقرآن تعمل بشكل مبتكر شبكي (أنطولوجي) وذكي، وأن «شمولية القرآن» يمكن إعادة تعريفها بما يتناسب مع أهدافها ومقتضياتها وأوصافها ووظائفها، كما يمكن إعادة التعرف على القدرات العلمية للقرآن بشكل واقعي.
مقدمة
«الشمولية العلمية للقرآن الكريم» ليست فقط إحدى المسائل القرآنية الهامة، بل هي قضية أساسية في مجال الفكر الإسلامي، وقد تم التصريح بها في الآيات والروايات. الشمولية، التي تتبادر إلى الذهن بمعنى الاستيعاب والكلية، أدت إلى نشوء فرضية «المرجعية العلمية الشاملة للقرآن الكريم». والمقصود بالمرجعية العلمية للقرآن، إعطاء الأصالة والمحورية للقرآن، واعتباره معيارًا في مختلف الأبحاث. وبناءً على ذلك، فإن استخدام القرآن والاستناد إليه والابتناء عليه لاستخراج الأنظمة المعرفية والاجتماعية الكلية والجزئية له الأولوية على المصادر الأخرى. والمقصود بـ«الشاملة» هو شمولية هذه المرجعية في كل الجوانب، وإلا فإن أصل المرجعية في بعض الفروع العلمية بصورة موجبة جزئية ليس محل خلاف. بالطبع، في المحافل العلمية لا يتم التركيز على وصف «الشاملة»، لكن دراسة الخطابات المتشكلة تظهر وجودًا ضمنيًا لمثل هذا الوصف.
بناءً على ذلك، من جهة لنفس أهمية «شمولية القرآن»، ومن جهة أخرى لـ«التلازم النسبي بين الشمولية والمرجعية العلمية»، يكتسب تحقيق «شمولية القرآن» أهمية. في الواقع، من هذا المنطلق، أولاً، يتم التوصل إلى مفهوم أوضح للشمولية، وثانياً، تتضح نسبة الشمولية والمرجعية ومستوى التوقع في المرجعية العلمية للقرآن بشكل أكبر؛ ولهذا السبب، على الرغم من أننا في هذا البحث نسعى لبيان «نظرية الشمولية الشبكية والذكية»، فإننا في مسار التحقيق، نكشف أيضًا عن كيفية المرجعية والمصدرية العلمية للقرآن وبنيتها وآليتها بقدر ما نملك من وسع وطاقة. وبعبارة أخرى، نرسم مستوى توقعنا من المرجعية العلمية للقرآن بما يتناسب مع شموليته.
دراسة المفهوم
قبل الدخول في المباحث الرئيسية لهذا البحث، من الضروري شرح بعض المصطلحات المحورية التي سترد في متن المقالة بإيجاز، لتسهيل نقل المعاني وفهم المادة.
شمولية القرآن: بغض النظر عن وجهات النظر المتطرفة والمتساهلة في مسألة شمولية القرآن – والتي سيأتي تقريرها لاحقًا – فإن شمولية القرآن فيما يتعلق بالعلوم البشرية يمكن دراستها من جهتين؛ الأولى: الشمولية في تقديم جميع العلوم – كما يُفهم من ظاهر بعض الروايات – والثانية: الشمولية في تقديم بيانات كل علم حسب مقتضيات وأهداف ومقاصد القرآن.
بناءً على بحث هذه المقالة وبنظرة معتدلة ومستدلة إلى شمولية القرآن، من الضروري تقديم تعريف جديد لـ«الشمولية» يختلف من حيث المفهوم عما هو معروف ومتبادر. بناءً على نتاج هذا البحث، فإن «الشمولية» الخاصة بالقرآن هي هوية تُقدَّم من خلال تجميع معارف القرآن في قالب شبكة علمية ومعرفية ذات خصائص فريدة؛ شبكة يمكن تعريفها وفقًا لمقتضيات أوصاف القرآن، وتطور واحتياجات البشر المتجددة، ووظائف الشريعة.
المرجعية العلمية للقرآن: في نطاق تعريف شمولية القرآن، يمكن تصور معنيين للمرجعية العلمية للقرآن. المعنى الأول هو أن تجد جميع العلوم ماهيتها في القرآن، وبتعبير آخر، يمكن استخراج المعرفة والمذهب والأنظمة الحاكمة عليها من القرآن. المعنى الآخر للمرجعية العلمية للقرآن هو مواءمة العلوم مع مقاصد وأهداف وبرامج القرآن الكلية، وهذا الأمر يتم من خلال تقديم أطر كلية وبعض القوانين وأدوات الحركة في العلوم والتحكم فيها. بالطبع، هذا المعنى للمرجعية ليس مقيدًا ولا يستلزم «الشمولية»، بل يمكن تحقيقه حتى بدون فرض الشمولية. يسعى كتّاب البحث الحالي إلى كشف حصة العلوم في دائرة «مرجعية» القرآن، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقًا.
الشبكة/الأنطولوجيا: «شبكة الشمولية العلمية للقرآن» هي باختصار عبارة عن العلاقات والتأثير المتبادل بين الفروع والمجالات العلمية المطروحة في القرآن. هذه الشبكة تتدخل بشكل مدهش في توسيع أو تضييق نطاق وظائف المعارف الموازية (الحقوق، السياسة، الاقتصاد، الأخلاق وغيرها)، بحيث يمكن اعتبارها جزءًا من برنامج كلي حاكم على جميع البيانات العلمية المتنوعة في القرآن.
الذكي: المقصود بـ«الذكي» في شبكة الشمولية العلمية، هو التغيير المتناسب مع أهداف ومقتضيات علم ما في تقديم البيانات العلمية لذلك العلم في القرآن. بعبارة أوضح، والتي سيأتي تفصيلها لاحقًا، فإن القرآن أولاً بحسب الوظائف المعرّفة له، وثانياً بناءً على الاختلاف في مقتضيات وخصائص العلوم المختلفة (مثل الثبات أو عدم الثبات والتطور التدريجي وغيرها)، يُحدث تغييرات متناسبة ومتناسقة في تقديم البيانات المتعلقة بذلك العلم. ولهذا السبب، وبناءً على التغييرات التي تحدث بذكاء في تقديم البيانات العلمية للعلوم المختلفة، فإن «المرجعية العلمية للقرآن» تُعرّف أيضًا بأشكال مختلفة فيما يتعلق بالفروع العلمية المتباينة.
تبيين المسألة
القرآن الكريم من حيث بياناته العلمية في مجالات العلوم الإسلامية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية – مع الأخذ في الاعتبار تجميع العلوم وكليتها – له أوصاف مشهورة صرّح بها القرآن والروايات أحيانًا. أوصاف مثل «الخلود»، و«الشمولية»، و«الديناميكية»، و«عدم القابلية للتغيير» هي من أهمها. هذه الأوصاف – التي سنتحدث عنها وعن بعض الأوصاف الهامة الأخرى باستفاضة أكبر – من حيث إطلاق المعنى وبدون لحاظ أي قيد، توهم نوعًا من التعارض والتناقض. هذا بمعنى أنه لا يمكن مثلاً الحديث عن خلود وثبات وديناميكية القرآن، وفي الوقت نفسه الادعاء بأن القرآن يؤمّن ويلبي احتياجات البشر التي تغيرت وتجددت عبر الزمن، وكذلك البرامج اللازمة لإدارتها ورفعها، والتي تتحول مع تغير الحاجة بمرور الزمن. وسبب ذلك أن «الثبات» و«الديناميكية» ظاهريًا يتعارضان مع التطور والتكامل التدريجي للمعرفة البشرية وتغير احتياجاتها. بعبارة أخرى، إذا كانت حاجة اليوم هي المعيار، فإن «شمولية القرآن» بالمعنى المتبادر والموافق للمفهوم المعروف في الاستعمال البشري، تستلزم تقديم بيانات علمية من القرآن لا تخدم احتياجات الغد، وبالتالي تُترك جانبًا، ويُخدش معنى «الديناميكية» والخلود بمعنى الحضور الفعّال.
من الواضح أنه يجب على الأقل التخلي عن بعض الأوصاف، أو تقييد إطلاقها بزمن معين ومحدود، أو التوصل إلى تفسير جديد للأوصاف المذكورة وإعادة قراءتها وتحليلها في إطار جديد إلى جانب الأوصاف الأخرى. لذلك، في الخطوة الأولى يجب تحليل ودراسة الأوصاف المذكورة.
بيان الفرضية
فرضية كاتبي هذا البحث هي أنه يمكن من خلال نظرية «الشمولية العلمية الشبكية والذكية للقرآن الكريم» وتفسير جديد لـ«الشمولية»، رفع عدم التوافق المضموني للأوصاف المذكورة. النظرية المذكورة، بتعريف جديد للشمولية العلمية وجعلها متعددة المستويات من جهة، والاهتمام الخاص بترابط البيانات العلمية للقرآن من جهة أخرى، وبيان «التقديم الذكي» في كيفية تقديم ونطاق ومدى هذه البيانات – الذي يراعي الإيجاز في البيان واعتبار المعرفة البشرية في مجالات معينة – يمكنها أن تزيل جميع التعارضات والتناقضات المفهومية للأوصاف المذكورة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه النظرية أن تعرض صورة صحيحة لـ«المرجعية العلمية للقرآن» وأن تكشف بإيجاز عن مستوى التوقعات والانتظارات من مرجعية وبيانات كل فرع من فروع المعرفة القرآنية.
منهج البحث
البحث والدراسة حول «شمولية القرآن» وكيفيتها ممكنان بطريقتين؛ الأولى هي المنهج الكلامي أو ما يعرف بـ«اللمّي»، وهو مسار موثوق للبحث، لكنه يستلزم افتراض إيمان المخاطب بالله تعالى وصفاته الثبوتية. المنهج الآخر هو الظاهراتي، ويستلزم البحث في بيانات القرآن العلمية وكيفيتها وكميتها وترابطها مع بعضها البعض، وهذا المنهج أكثر موضوعية، لكنه يستلزم تعاون متخصصين من فروع العلوم المختلفة ومجالًا واسعًا، وهو ما لم يتوفر أي منهما؛ لذلك، سيتم إجراء البحث الحالي بناءً على المنهج الأول.
خلفية البحث
يمكن تقسيم موضوع هذه المقالة إلى موضوعين فرعيين: الأول المباحث العلمية، والثاني كيفية البيان والترابط بينها. فيما يتعلق بالموضوع الأول، الذي يُقدَّم تحت عناوين مثل الإعجاز التشريعي، والتفسير العلمي وما شابه، فقد كُتبت أعمال كثيرة في شكل كتب ومقالات وعُرضت، وتقريرها خارج نطاق هذه المقالة القصيرة. ولكن يجب التذكير بثلاث نقاط في هذا الصدد: أولاً، النظرة إليها جزيرية ومستقلة؛ على سبيل المثال، إذا قدم كاتب بحثًا حول الحقوق في القرآن، فإنه يتابع هذا البحث فقط ولا يهتم بتأثيره أو تأثره بالفروع العلمية الأخرى. ثانيًا، الأعمال التي عُرضت في مجال إعجاز القرآن كُتبت على محور «الابتكار»، لكننا في البحث الحالي وشمولية الشبكة والذكاء لسنا ملتزمين بمثل هذا القيد؛ لأن التأكيد على ترابط وآلية الشمولية العلمية للقرآن وليس فقط بياناته العلمية. ثالثًا، بقدر ما قام به كاتبو هذه المقالة من دراسة، فإن الإنتاجات القرآنية في النطاق الأولي للعلوم قد تشكلت أو تحققت حول موضوعات جزئية من العلوم المختلفة، ولم يُجرَ بعد بحث عميق وشامل يتناول الأنظمة الحاكمة على العلوم المختلفة. أما عن كيفية البيان وترابط وتأثير الشبكة والأنطولوجيا القرآنية مع موضوع هذا البحث – بقدر ما قام به الكاتبون من دراسة – فلم يؤلف كتاب أو مقال. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين في مناسبات مختلفة قد أشاروا باختصار إلى مثل هذه الموهبة والقدرة، وإن لم يتطرقوا إلى تحليلها وبيانها ودراستها. على سبيل المثال، ورد في كتاب ماهية وبنية الاقتصاد الإسلامي: «في الإسلام، تمتزج المباحث الاقتصادية بالمباحث السياسية والأخلاقية؛ بمعنى أن النماذج السلوكية والعلاقات الاقتصادية في الاقتصاد الإسلامي تُعرّف وفقًا للمقاصد السياسية والأخلاقية، بحيث يسعى السلوك الواحد في مجال الاقتصاد، بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية، إلى تحقيق أهداف سياسية أو أخلاقية أيضًا. كما أنه من أجل الأداء الصحيح للنظام الاقتصادي الإسلامي، تم استخدام الكثير من التعليمات التربوية والمعنوية. هذا الامتزاج موجود في الواقع، وتجريد النظام الاقتصادي الإسلامي من النظام الأعلى [النظام الإسلامي العام الذي يشمل الأنظمة السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها] والأنظمة الموازية له، يؤدي إلى فهم خاطئ له». (يوسفي، ١٣٧٩: ١٣٤)
١. شمولية القرآن
بعض الآيات والروايات المتواترة في استدلال الباحثين القرآنيين على شمولية القرآن هي كما يلي:
– النحل: ٨٩: «… وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ».
– الأنعام: ٣٨: «… مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ».
– يقول الإمام علي (ع): «أم أنزل الله سبحانه دينًا ناقصًا فاستعان بهم على إتمامه» (عبده، د.ت: الخطبة ١٨)؛ «هل أرسل الله سبحانه دينًا ناقصًا وطلب منهم المساعدة لإكماله؟!»
– يقول الإمام الباقر (ع): «إن الله – تبارك وتعالى – لم يدع شيئًا يحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبينه لرسوله» (الكليني، ١٣٨٨: ٥٩/١)؛ «لم يترك الله تعالى شيئًا من احتياجات الأمة إلا وأنزله في كتابه وبيّنه لرسوله».
الروايات حول شمولية القرآن وبالتالي الدين كثيرة جدًا، ونكتفي بهذا القدر. ما هو متفق عليه ومجمع عليه بين المفسرين بخصوص شمولية القرآن والدين، هو الشمولية في الأمور التي تقع في مسار الكمال المعنوي والإنساني للإنسان وتؤثر فيه. ذكر العلامة الطباطبائي وبعض المفسرين المشهورين الآخرين تحت الآية ٨٩ من سورة النحل هذه النقطة؛ على سبيل المثال، جاء في تفسير الأمثل:
«تبيانًا لكل شيء؛ أي بيان كل شيء، ومن هذا التعبير مع الأخذ في الاعتبار سعة مفهوم «كل شيء» يمكن الاستفادة جيدًا من أن في القرآن بيان كل شيء، ولكن مع الانتباه إلى أن القرآن كتاب تربية وصناعة إنسان، نزل من أجل كمال الفرد والمجتمع في جميع الجوانب المعنوية والمادية، يتضح أن المقصود من كل شيء، هو جميع الأمور اللازمة لطي هذا الطريق، لا أن القرآن دائرة معارف كبرى جاءت فيها كل تفاصيل علوم الرياضيات والجغرافيا والكيمياء والفيزياء والنبات وما شابه ذلك…» (مكارم الشيرازي وآخرون، ١٣٧٤: ٣٦١/١١)
من الناحية البلاغية، «تبيانًا لكل شيء» مقيد بقرينة الموضوع والمحمول وسياق العبارة. إذا أوصى فيزيائي طلابه بشراء كتاب عن الفيزياء وقال: «في هذا الكتاب كل شيء»، فهل يفهم الطلاب أن المسائل المتعلقة بالكيمياء والطب والأنثروبولوجيا موجودة أيضًا في هذا الكتاب؟ من الواضح أن الجواب بالنفي. إنهم يذعنون فقط بأن جميع المسائل المتعلقة بمجال الفيزياء موجودة في هذا الكتاب. حتى قراء هذا الكتاب لا يتوقعون أن تكون كل مسألة فيزيائية، مهما كانت قليلة الأهمية، قد وردت في هذا الكتاب؛ لأنه يتبادر إلى الذهن من عبارة وحال الأستاذ والطالب أن جميع المسائل التي تستحق الدراسة قد ذُكرت في هذا الكتاب، وبالتالي فإن ذكر أي موضوع (مهما كان قليل القيمة) يتعلق بعلم الفيزياء في هذا الكتاب قد يقلل من قيمته. عبارة «تبيانًا لكل شيء» تحمل نفس المعنى. القرآن، بما يتناسب مع كونه كتاب هداية وصناعة إنسان، يشمل المسائل الضرورية المتعلقة بأهدافه ومقاصده، وبسبب مراعاة مبدأ الإيجاز فيه، فإنه يمتنع بطبيعة الحال عن بيان أي أمر جزئي وقليل الأهمية. بناءً على ذلك، من «تبيانًا لكل شيء» و«ما فرطنا في الكتاب من شيء» وما شابههما، يُفهم هذا المعنى. يمكن مشاهدة نظير هذه العبارات في «لا إكراه في الدين» التي بقرينة وجود أوامر ونواهٍ أخرى وكذلك حدود وتعزيرات، يكون معناها المتبادر، غير المعنى الواسع والمطلق الظاهر منها. فهم العرفي للمخاطبين الأوائل للقرآن كان كذلك؛ ولهذا السبب لم يسأل أحد قط النبي الأكرم (ص) أو أهل بيته (ع) بمقتضى «تبيانًا لكل شيء» لماذا لم يأت اسمي وأسماء أبنائي وقبيلتي ومحل سكني وغيرها في القرآن؟ لأن في ذهن المخاطبين الأوائل غير الظاهر الواسع والمطلق، لم يكن يوجد مثل هذا المعنى.
قيود «دينًا ناقصًا» و«يحتاج إليه الأمة» في الروايات المذكورة تؤيد أيضًا التفسير أعلاه وتدل على انسجام محتواها مع التفسير المذكور.
هذا التفسير وما شابهه، ينكران نظرية الحد الأقصى في شمولية القرآن، ولكنهما يقبلان شمولية الحد الأدنى ويعبران بإيجاز عن العلاقة بين نطاق احتياجات البشر في مسار الكمال ونطاق شمولية القرآن، ولكنه يحتاج إلى مزيد من التوضيح.
٢. الشمولية والخلود
القرآن بمقتضى خلود دين الإسلام، خالد، وهذا المعنى كضرورة دينية قد انعكس في الآيات والروايات ولا يحتاج إلى توضيح. لكن جنس هذا الخلود يحتاج إلى دراسة؛ هل هو من جنس الآثار التاريخية الباقية التي يبقى ذكرها فقط دون حياة ونشاط وديناميكية؟ أم هو من جنس الظواهر الديناميكية والمتحركة، وبتعبير الروايات «يجري القرآن كما يجري الشمس والقمر»؟ من الواضح أن مجرد بيان بعض الأحكام التي يجب مراعاتها حتى نهاية العالم، لا يمكن أن يفسر الديناميكية والحركة المشار إليها في الرواية؛ ولهذا السبب، فإن «الخلود» و«الديناميكية» كوصفين في المرجعية العلمية للقرآن، يلقيان نوعًا من عدم الانسجام والتعارض الذي يجب رفعه ودفعه من خلال المعرفة الصحيحة بـ«شمولية القرآن».
٣. الشمولية والاستيعاب
عندما نتحدث عن «الشمولية»، فإننا نلحظ الأفراد والمصاديق، ولكن أحيانًا من حيث الأثر، تتجاوز دائرة شمولية الشمولية الأفراد والمصاديق وتتسع أكثر، ويمكننا أن نعبر عنها بـ«الاستيعاب» و«نطاق التأثير»؛ على الرغم من أنه قد يُنظر إليهما (الشمولية والاستيعاب) على أنهما متماثلان في التعبير والترجمة. بناءً على هذا التعريف، سيكون الاستيعاب وليد الشمولية، وهما يعكسان صورة عن «المرجعية والمصدرية العلمية». على سبيل المثال، يمكن لحرمة الربا أن تؤثر مباشرة في برامج المؤسسات المالية والبنوك وتشملها، ولكنها تؤثر بالواسطة على أخلاق المجتمع؛ أي أن أخلاق المجتمع لا تقع في نطاق هذا الحكم، ولكنها من حيث الاستيعاب، مشمولة به. بعبارة أخرى، حكم تحريم الربا من حيث النطاق لا يشمل أخلاق المجتمع، ولكنه من حيث الاستيعاب والتأثير، يشمله.
الآن، إذا وضعنا «الاستيعاب»، الذي هو بموجب التعريف المذكور موسّع لمفهوم «الشمولية»، إلى جانب الشمولية، نكون في الحقيقة قد وسّعنا نطاق الشمولية. في تتمة البحث، سنوضح كيف أن البيانات المحدودة للعلوم المختلفة في القرآن، والتي لا يمكنها وحدها أن تشمل وصف «الشمولية»، في إطار شبكة وفي تفاعل وترابط مع بعضها البعض، وبإضافة الاستيعاب الناتج عن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة، تشكل شمولية واسعة جدًا؛ بحيث تبقى زاوية من زوايا حياة البشر أقل انفصالًا عنها؛ بالطبع إذا أمكن العثور على مثل هذه الزوايا. في بحث الشمولية وشبكة ترابط وتفاعل المعارف، تمت الإشارة إلى أمثلة في هذا الصدد.
٤. الشمولية وقانون اللطف أو برهان الحكمة
المنهج الطبيعي في دراسة نطاق شمولية القرآن هو دراسة النص والظواهر. هذا المنهج لا يمكنه لمختلف العلوم أن يحدد مستوى التوقع من بداية الرجوع إلى البيانات المتعلقة بها في القرآن الكريم؛ أي بناءً على منهج دراسة الظواهر، لا يمكن توضيح أن بيانات القرآن الاقتصادية أو الحقوقية أو السياسية وغيرها ما هو مقدارها التقريبي.
المنهج الآخر للوصول إلى النطاق التقريبي للشمولية هو دراسة جهة الحاجة إلى البيانات العلمية. المقصود من جهة الحاجة هو أن بيانات القرآن العلمية بناءً على أي ضرورة وحكمة قُدمت. لتوضيح الأمر، من الضروري بيان قانون «اللطف» وأنواعه. في تعريف قانون اللطف قيل: «اللطف ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية». قانون اللطف له نوعان: أحيانًا يكون من نوع اللطف المحصِّل (يقرأ البعض بفتح الصاد (اسم مفعول))؛ أي لطف لو لم يكن موجودًا، لامتنع المكلفون عن الهداية والغرض المتعلق باللطف قطعًا. المثال الواضح لهذا اللطف، إرسال الأنبياء لهداية البشر وكذلك إعطاء القدرة للبشر لأداء التكاليف. هذا اللطف لازم على الله باتفاق العلماء لإتمام الحجة على المكلفين. وأحيانًا يكون اللطف من نوع المقرِّب؛ أي أن البشر لا يضلون بدونه، ولكن وجود مثل هذا اللطف يمكن أن يسرّع ويطمئن مسيرة حركتهم التكاملية.
بعد الاطلاع على أنواع اللطف، يجب أن نعلم أن تصنيف البيانات العلمية للقرآن باعتبار مجالها الدراسي هو: أ) العلوم الإسلامية؛ ب) العلوم الإنسانية؛ ج) العلوم الطبيعية. تقديم العلوم المذكورة في القرآن من حيث الكمية والكيفية يعود إلى الضرورة وشدة أو قلة الحاجة إليها؛ أي أن بيان dato علمي في القرآن هو من باب المحصِّل، المقرِّب أو الاستطراد. البيانات العلمية الاستطرادية وإن كانت من باب اللطف، لكن هذا اللطف يعتمد على موضوع تم وضع البيان العلمي فيه بشكل استطرادي؛ مثل انخفاض مستوى الأكسجين مع الصعود في السماء: «فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ…».
أما من أجل دراسة جهة الحاجة إلى البيانات العلمية، يجب أن نلحظ «الإيجاز» كمبدأ في القرآن؛ أي أن القرآن قدر الإمكان أوكل بيان المسائل إلى أهل البيت (ع) واكتفى هو بأسلوب الإيجاز إلى الحد الأدنى؛ أي بالقدر الذي يتم به الحجة على المخالفين ويساعد المكلفين في مسيرتهم التكاملية بالقدر اللازم.
٥. الشمولية والاعتبار الممنوح للمعرفة البشرية
في الروايات، تم التأكيد بشدة على طلب العلم. في رواية من كتاب الكافي الشريف جاء: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». (الكليني، ١٣٨٨: ٣٠/١) وفي رواية مشهورة ومرسلة أخرى جاء: «اطلبوا العلم ولو بالصين» (مصباح الشريعة، منسوب إلى الإمام الصادق (ع): ٣٩٨)[2] والتي يرجح أن تُفسر هكذا: اهتموا بتعلم العلم، وتحملوا مشقته، وارتحلوا من أجله وإن كان إلى أبعد بقاع الأرض.
هذه وغيرها تدل على أن الإسلام حساس ومهتم بتعليم البشر، ولكن يجب أن نعلم أنه في بعض المجالات، لا اعتبار لتجربة ومعرفة البشر. على سبيل المثال، في علم الأخلاق، القضايا ثابتة والنسبية الناتجة عن تطور المعرفة البشرية لا وجود لها، وبتعبير آخر، في مسألة ثبات ونسبية القضايا الأخلاقية، لا اعتبار لمعرفة البشر (انظر: أكبريان وزملاؤه، ١٣٩٥: ٦٨؛ كابلستون، ١٤٠٢: ٢٤٩/١). ولكن على عكس ذلك، في الاقتصاد، لها اعتبار كامل. الفرق بين هذين الأمرين مهم جدًا ويؤدي إلى اختلاف طريقة تقديم البيانات العلمية المتعلقة بهما، ويختلف مستوى التوقعات في مسألة الشمولية أيضًا.
توضيح أكثر هو أن أصول علم الأخلاق ثابتة ولا تتغير ولا تتحول مع تطور الحياة والمعرفة البشرية. على سبيل المثال، ليس من الممكن أن يتحول الظلم من القبح إلى الحسن مع تطور المعرفة البشرية، أو أن ينتقل الكذب إلى وادي الصفات الحميدة، أو أن تزول حسن مساعدة المظلوم. بالطبع، قد تتغير مصاديق هذه القضايا، ولكن الأحكام ثابتة؛ ولهذا السبب يمكن للشارع أن يقدم أصول وأحكام مجال الأخلاق واحتياجاته دفعة واحدة ودون تغيير حتى نهاية العالم ويعطيها الاعتبار. هذا في حين أن تطبيق مثل هذا النهج في مجال الاقتصاد يواجه عقبتين:
أولاً: إذا أراد أن يجيب على جميع الاحتياجات، فلن يبقى معنى ودافع لاكتساب المعرفة والتجربة وتطور المعرفة للبشر، وهذا يخالف إرادة الشارع التي أشرنا إلى مثالين من رواياتها. لذلك، يجب على الشارع أن يتدخل بطريقة لا تضعف دافع اكتساب المعرفة لدى البشر.
ثانياً: احتياجات القطاع الاقتصادي للبشر تتغير مع مرور الزمن وتتجدد؛ أي إذا صدر اليوم برنامج وحكم يتناسب مع حاجة اليوم، فمن الممكن أن تبقى هذه البرامج والأحكام بعد خمسين عامًا قديمة وغير مستخدمة. ولهذا السبب، فإن تغير الاحتياجات لا ينسجم مع ثبات الأحكام وحيويتها (أي أن تكون مستخدمة دائمًا). لذلك، إذا أرادت الشريعة أن تتدخل في مثل هذه الاحتياجات، يجب أن تحل مشكلتين؛ أي أن تتدخل بطريقة لا تظهر فيها هاتان المشكلتان: أولاً، ألا تسد طريق اكتساب المعرفة لدى البشر، مما سيكون نقضًا للغرض، وثانياً، أن تبين بطريقة لا تبقى غير مستخدمة، وخلاصة القول أن تُرى مسألة التطور والتدريج والتغير والتحول في طريقة تقديم الحكم.
لحل المشكلة، فإن طريقة تقديم الأحكام في مجال الاقتصاد ليست بالطريقة الجزئية وتقديم برنامج على النمط البشري، بل هي على شكل سيطرة وإدارة كلية؛ أي لا ينبغي لباحثي مجال الاقتصاد أن يتوقعوا أن القرآن قد دخل مجال الاقتصاد بنفس الطريقة التي دخل بها مجال الأخلاق مثلاً؛ لأن دخول البيانات العلمية في هذين المجالين يقتضي ما يحكم عليهما واعتبار المعرفة والتجربة البشرية والثبات أو عدم الاعتبار والتغير والتحول فيهما. بناءً على ذلك، يمكن توقع استخراج واستنباط نظام أخلاقي من القرآن، ولكن في مجال الاقتصاد، مثل هذا التوقع، في مثل هذا المستوى، بعيد عن الواقع، وفي هذا الصدد يجب دراسة القرآن بواسطة مكتسبات البشر. بعبارة أخرى، يجب توطين حقيقة الاقتصاد البشري بمساعدة البيانات الاقتصادية للقرآن؛ سواء أمكن تسمية المنتج بـ«النظام الاقتصادي للقرآن» أم لم نعتبر أي نظام اقتصادي قرآنيًا. يمكن أيضًا قياس قدرات العلوم والمجالات المعرفية الأخرى بنفس الطريقة.
٦. الشمولية وشبكة الترابط والتفاعل بين المعارف
نظرتنا إلى البيانات العلمية وبيان المسائل كانت حتى الآن جزيرية ومستقلة، وحتى عندما تحدثنا عن «الاستيعاب»، وضعنا المعارف قيد البحث حسب التأثير المباشر وغير المباشر ولم نتطرق إلى ترابط وتفاعل المعارف. الواقع هو أن هذا المجال أيضًا يستحق الدقة والتحقيق، وله دور كبير في بيان كيفية شمولية وبيانات القرآن الخالدة والديناميكية.
أولاً، يجب أن نعلم أن المعارف والسلوكيات المبنية عليها تتفاعل بشكل طبيعي – قليلًا أو كثيرًا – وتترابط وتؤثر وتتأثر ببعضها البعض. هذه الميزة قائمة في جميع أنحاء العالم وفي جميع المجتمعات؛ على سبيل المثال، الربا، وهو ظاهرة من مجال الاقتصاد، له تأثير سلبي على أخلاق المجتمع والأسرة، ومن جهة أخرى، فإن الأخلاق والإيمان بالمعاد يقللان من المخالفات الاقتصادية. ترابط وتفاعل المعارف والسلوكيات المبنية عليها هو محط اهتمام في جميع المجتمعات، ولكن في المجتمعات البشرية والإلحادية، أي المجتمعات التي لا تدين قوانينها بالفضل للمذاهب والأديان الإلهية، توجد عوائق في مسار وصول هذه التفاعلات إلى الكمال في جميع المجالات. المقصود من الوصول إلى الكمال هو «التناغم» من جهة و«التآزر» من جهة أخرى. أهم هذه العوائق هي «الجهل» و«الأنانية» لدى البشر، ولكن في الأديان الإلهية وخاصة الإسلام، لا توجد مثل هذه العوائق وتتفاعل هذه المعارف مع بعضها البعض بشكل إيجابي. لقد أُشير سابقًا إلى أنه «في الإسلام تمتزج المباحث الاقتصادية بالمباحث السياسية والأخلاقية… هذا الامتزاج موجود في الواقع، وتجريد النظام الاقتصادي الإسلامي من النظام الأعلى [النظام الإسلامي العام الذي يشمل الأنظمة السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها] والأنظمة الموازية له، يؤدي إلى فهم خاطئ له». (يوسفي، ١٣٧٩: ١٣٤)
النظام بمفهومه الاصطلاحي ليس له تاريخ طويل ويعود إلى القرن العشرين الميلادي. هذه الكلمة في سنوات ١٩٥٠-١٩٥٦ ميلادي مع طرح نظرية النظم العامة بواسطة برتالانفي، عالم الأحياء الألماني، وجدت مفهومها الخاص، وبعد ذلك مع تطبيق هذه النظرية في فروع العلوم المختلفة، شاعت مصطلحات مثل النظام الاقتصادي، ونظام الاتصالات، ونظام المعلومات. (مدني، ١٣٧٣: ٢٢١) في تعريف كلي يمكن القول: يُطلق على النظام في نظرية النظم العامة مجموعة من الأجزاء المترابطة التي تتناغم معًا في سبيل الوصول إلى أهداف معينة. (تشرشمان، ١٣٦٩: ٢٦؛ ميرمعزي، ١٣٧٨: ١٥)، لذلك في مفهوم النظام يوجد عنصران أساسيان: أ) أجزاء مترابطة وتدعم بعضها البعض، و ب) هدف تتبعه الحركة المشتركة والمنسقة للأجزاء.
١-٦. خصائص شبكة البيانات العلمية في القرآن
الشبكة (الأنطولوجيا) المذكورة، والتي هي في الحقيقة شبكة العلاقات والتفاعلات بين المعارف، هي نظام عام يشمل أنظمة أصغر، مثل النظام الثقافي، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام الحقوقي وما شابه. المهم هو أن نتمكن من التعرف على خصائص هذه الشبكة، التي هي في قالب نظام عام وذات زوايا مختلفة.
كما قلنا، هذه الشبكة الخاصة هي نتاج تفاعل المعارف المختلفة وتأثيرها وتأثرها ببعضها البعض ومن بعضها البعض. يمكن الحصول على خصائص هذه الشبكة بطريقتين. الأولى هي المنهج الكلامي الذي يستلزم التعبد بالصفات الثبوتية، والأخرى هي منهج دراسة الظواهر والتحليل الفوقي. في هذا المنهج، يقوم الخبراء في كل فرع علمي أولاً باستخراج بيانات القرآن في ذلك الفرع؛ ثم يتم دراسة وظيفة بيانات كل فرع علمي قرآني بشكل مستقل عن بيانات الفروع الأخرى، ويتم تحليل أبعاد تأثيرها في حياة البشر لتحديد مستوى تأثيرها المستقل. في المرحلة الثالثة، يتم مقارنة بيانات كل فرع مع بيانات كل فرع علمي آخر، ويتم دراسة كمالها وتناغمها وتآزرها وتفاعلاتها. في النهاية، يتم تحديد وتقديم تقرير عن مستوى التأثير والشمولية وديناميكية الشبكة.
أما بخصوص المنهج الأول، فيجب أن نعلم أن الله تعالى بمقتضى علمه وحكمته، كل ما وضعه من أحكام وقوانين ومعارف في المجالات العلمية المذكورة (الحقوق، السياسة، الاقتصاد، و…) فهو «متناغم». بالإضافة إلى التناغم الكامل، يوجد أيضًا «تآزر»؛ أي أن قوانين الفروع العلمية المذكورة ليست موضوعة بشكل مستقل ودون ملاحظة الفروع الأخرى ومنفصلة عنها، بل لأن الواضع عالم بجميع الفروع العلمية ومحيط بها، وكذلك لكونه حكيمًا وتام الاختيار، فقد وضع القوانين بطريقة تكون، بالإضافة إلى التناغم الكامل، «متآزرة» أيضًا، وهذا مقتضى كمال وحسن فعل الله في حال وجود القدرة.
«التآزر» له معنى واسع ويشمل تفاعلات جميع الأبعاد العلمية والأخلاقية والاعتقادية مع بعضها البعض وتأثيرها وتأثرها. على سبيل المثال، في مجتمع قائم على الشبكة العلمية للقرآن، تأتي الأخلاق والمعتقدات لمساعدة الاقتصاد، وفي المقابل، فإن القوانين والأحكام الاقتصادية ترسخ الأخلاق والمعتقدات في المجتمع، وهي ليست مفككة وجزيرية مثل القوانين البشرية. على سبيل المثال وكمصداق، في القوانين الاقتصادية البشرية إذا كان إنتاج المسكرات يدر الثروة، فلا مانع منه، وإن كان يؤدي إلى إضعاف أخلاق المجتمع. هذا نموذج من التأثير السلبي للتوجهات الاقتصادية على مجال الأخلاق. وبالمثل، يمكن تتبع تفاعلات جميع المجالات مع بعضها البعض بدقة ودراسة نوع تأثيرها. بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن الميزتين المذكورتين، أي التناغم والتآزر، في القوانين الوضعية البشرية إما لا توجدان أو توجدان بالعكس، أو تظهران بمستوى ضعيف ومليء بالإشكالات. هذا بمعنى أنه بدلاً من التناغم الكامل والتآزر، يوجد عدم تناغم، أو أن التناغم بينها ليس كاملاً ويوجد فقط بشكل متقطع ومجزأ؛ لأن كل فرع علمي له متولون همهم هو ذلك الفرع العلمي وأهدافه. تبعًا لهذا النقص، فإن الفروع العلمية محرومة أيضًا من التآزر، وجذر هذا النقص يعود إلى غياب العزم وعدم وجود الإرادة الكافية، وكذلك الجهل وعدم السيطرة على الفروع العلمية الأخرى.
بالإضافة إلى «التناغم» و«التآزر»، فإن «الخلود» و«عدم القابلية للتغيير» يحكمان أيضًا على القوانين والتعاليم العلمية للقرآن، وفي دائرة أوسع، على الشريعة؛ أي أن الله تعالى بموجب خلود القرآن والدين الإسلامي، قد وضع أحكامًا غير قابلة للتغيير. لهذا الغرض، اكتفى في بعض المجالات فقط بتقديم أطر بدلاً من تقديم برنامج، بحيث تتمتع بهذه الميزة ويمكنها من خلال ذلك إدارة المعرفة والمكتسبات العلمية للبشر ووضعها في المسار المرغوب فيه وهو تعالى الإنسان. هذه القدرة على التحكم لقوانين الله في القرآن هي بطريقة تجعلها «شاملة» بشكل واسع جدًا؛ أي مثلاً، بوضع عدد من القوانين الاقتصادية الكلية ووضع إطار لها، تضع جميع البرامج الاقتصادية للبشر تحت تأثيرها وتديرها. بعبارة أخرى، إذا كانت برامج البشر الاقتصادية مثلاً ملزمة بمراعاة مبادئ «حفظ كرامة الإنسان»، «مكافحة الفقر»، «حرمة الربا»، «حرمة كل قانون استعماري»، «العدالة المحورية»، «التوزيع العادل للثروة»، «حرمة الملكية الخاصة»، «منع الاحتكار» وعدد من القوانين الأخرى، فإنها تتأثر بالكامل وتغير مسارها نحو ما يريده القرآن والشريعة. هذه القوانين الكلية شاملة جدًا لدرجة أن هذا التأثر سيكون شاملاً. يمكن للبشر مع مرور الزمن وتطور العلم أن يغيروا برامجهم، ولكن الأطر ستكون دائمًا ثابتة وقائمة ومؤثرة، وهذا مظهر أو معنى من الشمولية والديناميكية. بناءً على ذلك، فإن «التناغم»، «التآزر»، «الاستيعاب»، «عدم القابلية للتغيير» و«الخلود» هي الخصائص الحاكمة على القوانين والتعاليم الإلهية. بالإضافة إلى ذلك، كما أُشير، فإن الفروع العلمية بموجب التناغم والتآزر وتداخل نطاق التأثير، مضطرة إلى التأثير والتأثر ببعضها البعض بشكل واسع في ترابطها، وهذا الأمر يقيم شبكة.
٧. الشمولية والمرجعية العلمية للقرآن
نحن نطلق عليها «الشمولية العلمية الشبكية والذكية للقرآن». المراد من الشمولية، هوية تتشكل من تجميع المعارف القرآنية تحت شبكة علمية ومعرفية وتصاحبها الأوصاف المذكورة. ذكاء هذه الشبكة هو من جهة أنها قد نُظمت بما يتناسب مع مقتضيات حاجة البشر ووظيفة تقديم المعرفة من قبل الشارع؛ ولهذا السبب، ظهرت في بعض المجالات (مثل الأخلاق) بشكل واسع ومن باب المصدرية الكاملة والمستقلة، وفي بعض المجالات (مثل الاقتصاد) بشكل مسيطر، وقد سبق بيانه.
نظرية المرجعية العلمية للقرآن وكيفيتها هي وليدة نظرية شمولية القرآن؛ أي أن أي مبنى ورؤية نعتمدها في شمولية القرآن، نفسر المرجعية العلمية بناءً عليها. حول الشمولية، توجد رؤى ومجالات مختلفة:
١-٧. من حيث النطاق
للديناميكية المنبثقة من شمولية القرآن الكريم أبعاد مختلفة، أحدها هو كيفية تلبية الاحتياجات العلمية للبشر؛ أي بيانات القرآن الكريم كمصدر لاستخراج احتياجات البشر، في أي مكانة هي؟ هل يمكنها بشكل مستقل تلبية جميع احتياجاته، أم أن لها قيودًا مرتبطة بذكاء باحتياجات البشر، فتفرق بين الغث والسمين؟
١-١-٧. وجهة نظر الأكثرية
يعتقد البعض أن الدين يلبي جميع الاحتياجات الدنيوية والأخروية، المادية والمعنوية، الفردية والاجتماعية بشكل كلي وجزئي، ولا يوجد مطلب غير موجود في الدين، ولكن يجب الانتباه إلى أن استخراج الاحتياجات من مصادر الدين ليس من صنع كل شخص. يمكن العثور على هذه النظرية في الشمولية المطلقة للقرآن أيضًا؛ بالطبع، ما يلفت الانتباه في هذه الرؤية هو تقديم «برنامج» من قبل الدين في جميع المجالات والمستويات والعصور. يعتقد أتباع هذه النظرية أن الدين يمكنه تقديم برنامج لجميع المسائل والاحتياجات. (الغزالي، ١٤١٩: ٢٨٩/١) في هذه الرؤية، تلعب ظواهر وبواطن الآيات الدور الرئيسي، ولا يوجد مكان للعقل والبحوث التاريخية. في تحليل آخر لهذه الرؤية، يبيّن الدين جميع الاحتياجات الأخروية وكليات الاحتياجات الدنيوية في جميع المجالات، ومع الأخذ في الاعتبار أن العقل هو أحد مصادر الدين، فإن الخبراء مكلفون باستخراج التفاصيل باستخدام هذه الكليات؛ تمامًا كما يستنبط المجتهد باستخدام «الاجتهاد» المسائل الفرعية من الكليات. (جوادي آملي، ١٣٧٢: ٣٩)
٢-١-٧. وجهة نظر الأقلية
في هذه النظرية، يكتفي الدين بتقديم الحد الأدنى ولا يتناول سوى المسائل الفردية والأخروية. أقصى تساهل من قبل بعض أنصار هذه الرؤية هو قبول الحد الأقصى في الحد الأدنى؛ أي أنهم يقبلون الشمولية فقط في نطاق أهم أهداف الدين. بناءً على ذلك، فإن الدين قد بيّن ما يندرج تحت عنوان الحد الأدنى اللازم لهداية المجتمع وتربية الإنسان، وإذا أشار إلى مسائل خارج هذا الإطار، فهي عرضية وذات أهداف وسيطة وليست أصلية وذاتية للدين. وبالتالي، لا ينبغي توقع أن يقدم الدين برنامجًا، بل هذه وظيفة العقل والمعرفة البشرية لتلبية احتياجاتها بنفسها، ولهذا السبب، لا يمكن للحكومة أن تكون دينية؛ لأن الدين لا يمكنه تقديم برنامج للحكومة. وقد أبدى بعض الكتّاب ميلًا إلى العلمانية من هذا المنطلق وتحدثوا عن فصل الدين عن السياسة. (انظر: سروش، ١٣٧٨ و ١٣٩٣)
٣-١-٧. وجهة نظر مختارة
بناءً على هذه الرؤية، الدين شامل، ولكن ليست شمولية مطلقة كنظرية الأكثرية التي تقدم حتى برنامج أحدث احتياجات البشر المتغيرة. شمولية الدين في هذه الرؤية، بالإضافة إلى الاهتمام الكامل بالاحتياجات المعنوية وتلبية بعض الاحتياجات المادية بما يتجاوز حدود الضرورات التي تقع على عاتق الدين من باب اللطف المحصِّل إلزامًا، بحكم العقل، تشمل جميع الأنشطة المادية للبشر في الأبعاد الفردية والاجتماعية التي تتدخل بطريقة ما في تربيته وتكامله. لكن هذا الاتساع بسبب وجود عوائق مثل سد طريق العلم والميل إلى الخمول والجمود في حركة المعرفة البشرية، لا يمكن تحقيقه باستخدام الآليات والأدوات البشرية المعروفة، ويجب متابعته باستخدام أدوات خاصة مثل الاجتهاد وتفريع وتخريج الفروع من الكليات وتقديم أطر كلية إلى جانب بعض الأحكام الجزئية، خاصة الأحكام الجزئية التي تترك تأثيرًا جادًا على البرامج البشرية (مثل حرمة الربا).[3]
٤-١-٧. توضيح أكثر لهذه الرؤية
إذا أرادت الشريعة أن تكون خالدة، فمن المحتم أن تولي اهتمامًا لاحتياجات الإنسان الحالية والمستقبلية، وهذا يقتضي الكمال والشمولية. بالطبع، كما أُشير سابقًا، يجب الانتباه في هذا الصدد إلى هذه النقطة الهامة وهي أن مصاديق احتياجات البشر متنوعة جدًا، وجزء أساسي من الاحتياجات يتجدد مع مرور الزمن وتتطلب حلولًا جديدة. لذلك، يجب أن تكون الشمولية بطريقة تحافظ على ثباتها مع تلبية احتياجات البشر في جميع العصور، وبالتالي يجب أن تستخدم أدوات وآليات خاصة.
في الآية ٣ من سورة المائدة جاء: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».
هذا المقطع من الآية ٣ من سورة المائدة الذي يبيّن بحثًا مستقلاً تمامًا (الطباطبائي، ١٣٩٠: ١٦٨/٥-١٦٩)، يشير إلى نقطتين مهمتين: الأولى «إكمال الدين» والأخرى «إتمام النعمة». المقصود من النعمة بقرينة العطف على «الدين» ومكانة البيان، مفهوم كلي يشمل الدين؛ ولهذا السبب، فسّر بعض المفسرين النعمة بـ«الدين» وإتمامها بـ«الولاية». وقد ذكر بعض اللغويين في الفرق بين هذين المصطلحين: كمال الشيء هو اسم لجميع أجزاء ذلك الشيء، وتمام الشيء هو اسم لآخر جزء من ذلك الشيء الذي ينتهي به؛ ولهذا السبب يقال: بيت شعر «بكماله» أي بجميع أجزائه، و«بتمامه» أي بقافيته، ويقال أيضًا: «هذا تمام حقك» والمقصود به جزء يتم به الحق، ولا يقال «كمال حقك». (انظر: العسكري والجزائري، ١٤١٢: ٤٥٨) الراغب، يعتبر الكمال تحقق الغرض والتمام في مقابل الناقص وبمعنى الوصول إلى مرتبة وحد لا يحتاج إلى شيء خارج عن نفسه. (راغب الأصفهاني، ١٤١٢: مادة «تم» و «كمل»)
إذا نظرنا إلى الآية بناءً على ما ورد في معجم الفروق اللغوية، فإن الكمال يشير إلى الشمولية والتمام إلى الخاتمية والخلود أو أداتهما، وإذا نظرنا إلى الآية مع الانتباه إلى قول الراغب، فإن الكمال يتحدث عن مرتبة أعلى وأكثر حساسية؛ أي قد تكون مجموعة تامة، ولكنها لم تصل إلى كمالها. المجموعة التي جُمعت جميع أجزائها وتحقق هدفها أيضًا، هي تامة وكاملة. الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري يعتبر الكمال صعودًا عموديًا والتمام أفقيًا؛ على سبيل المثال، الإنسان الذي خلقته كاملة، هو تام، ولكن هذا الإنسان نفسه يمكنه أن يصل إلى كمال أسمى؛ أي أن يزداد في درجاته، أو مثلاً الإنسان العاقل، له عقل وهو من هذا الجانب تام (ليس بلا عقل)، ولكنه يمكنه أن يتمتع بعقل أكمل وأقوى. (انظر: مطهري، ١٤٠١: ٨-٩)
آية إكمال الدين تدل على شمولية الدين. حتى على فرض أننا لا نعتبر الآية دالة على الشمولية، فإن أدلة أخرى عديدة تثبت الشمولية، ولكن ليس بمعنى الشمولية المطلقة التي تعرض برامج جزئية وكلية على البشر دون حكمة وتدبير، وبدلاً من الخدمة تسبب الضرر، بل شمولية شاملة، حكيمة، بآليات خاصة تحضر في كل مكان، وتتناسب شدة وضعف حضورها مع تحقيق أهدافها.
ونتيجة لذلك، فإن الشمولية بالمعنى المختار، تتناسب مع وظائفها وتتناسب مع مستوى احتياجات البشر وقدرة وصوله الذكي إلى المعرفة، وتُقدَّم بشكل متغير وبالطرق التالية:
أ/١/٣) تقديم مباشر للبيانات العلمية دون الاعتماد على معرفة البشر. يمكن إدراج مجالي العقيدة والأخلاق ضمن هذه الفئة.
أ/٢/٣) تقديم البيانات العلمية بهدف إصلاح المباني الفكرية والنظرية والتحكم، وهداية وإدارة مكتسبات البشر العلمية. مجال الاقتصاد الذي يشمل المذهب والنظام وعلم الاقتصاد، هو ممثل واضح لهذا النوع من الشمولية العلمية للقرآن.
أ/٣/٣) القرآن الكريم في بعض المجالات العلمية التي لا يرى نفسه ملزمًا بالدخول الكامل فيها، ويجد البشر قادرين على تلبية احتياجاتهم العلمية، أو في تلك المجالات والمسائل، لا يعتبر تلبية احتياجاتهم شرطًا للكمال والتعالي، إما أنه لم يدخل فيها أصلاً، أو أنه عمل بشكل إلهامي وتذكيري. في الحقيقة، هذا النوع من الخدمات العلمية للقرآن يخصص لنفسه بعدًا آخر من أبعاد شمولية القرآن. يمكن العثور على نموذج لهذه البيانات العلمية في المصاديق العلمية، سواء كانت إعجازًا علميًا أو غيره. على سبيل المثال، اهتمام القرآن الخاص بفاكهة ما، هو تذكير بفائدتها ويرشد مخاطبيه إلى البحث الخاص عنها والاستخدام الخاص لها. يمكن العثور على نموذج لذلك في آيات «والتين والزيتون» أو «فيه شفاء للناس» عن العسل.
٢-٧. من حيث البنية والآلية
حتى الآن، درسنا شمولية القرآن من حيث النطاق بنظرة مستقلة إلى البيانات العلمية، لكن الشمولية في تفاعل البيانات العلمية مع بعضها البعض تتضاعف، ويتسع نطاق استيعابها وديناميكيتها، وهو ما أُشير إليه في المباحث السابقة خاصة في الشمولية وشبكة ترابط وتفاعل المعارف. في الحقيقة، تنبع شمولية القرآن من البيانات نفسها وتفاعلها؛ أي أن المادة والبنية وآلية التأثير التي هي من حيث التناغم والتآزر والذكاء في طريقة التقديم والأداة في خدمة الخارق للعادة والخاص، لا مثيل لها؛ ولهذا السبب، لا ينبغي اعتبار الشمولية العلمية للقرآن والشمولية العلمية البشرية متطابقتين تمامًا من حيث المفهوم.
٨. تشكيل غرفة فكر وإدارة البحث في الشبكة العلمية للقرآن
ما تم بيانه حتى الآن، كان تبيينًا للشمولية التركيبية والشبكية للقرآن بالمنهج الكلامي، لكن تحقيق هذه الشبكة الذكية للبيانات العلمية للقرآن، يتطلب تشكيل فريق عمل من تخصصات مختلفة حتى يقوم أولاً خبراء كل فرع علمي باستخراج بيانات القرآن المتعلقة بذلك الفرع. ثانيًا، يدرسون آثار ووظيفة بيانات كل فرع علمي بشكل مستقل عن بيانات الفروع الأخرى ويتتبعون أبعاد تأثيرها في حياة البشر. ثالثًا، يقارنون بيانات كل فرع مع بيانات الفروع العلمية الأخرى ويقدمون تقريرًا عن كمالها وتناغمها وتآزرها وتفاعلاتها. رابعًا، يدرسون ويقدمون تقريرًا عن مستوى التأثير والشمولية وديناميكية الشبكة بتجميع جميع البيانات والآثار والتفاعلات مع بعضها البعض. يمكن لنتيجة العملية المذكورة أن تقدم صورة واقعية عن «شمولية الشبكة والذكاء للقرآن الكريم».
الاستنتاج
١. بناءً على هذا البحث، فإن للشمولية العلمية للقرآن مفهومًا خاصًا ولها أوصاف خاصة أيضًا، وهذا الخصوص في طريقة التعامل معها واستخراج واستنباط الأحكام من آياتها له دور تام. الأوصاف المذكورة هي:
١-١. بحسب وظيفة تقديم البيانات العلمية، سواء كانت إسلامية، إنسانية، أو طبيعية، فهي متغيرة وذكية.
٢-١. في كيفية وكمية بيانات كل فرع علمي، تم لحاظ طريقة اعتبار المعرفة البشرية.
٣-١. من أجل الديناميكية، تم الاستفادة من أدوات خاصة مثل الجري والتطبيق وتخريج الفروع من الأصول وتنقيح المناط وتخريج المناط وما شابه ذلك.
٤-١. استيعابها، بالإضافة إلى الاستيعاب المستقل لبيانات كل فرع علمي، يتضاعف في تفاعل البيانات العلمية مع بعضها البعض وتشكيل شبكة، ويتسع نطاقها بحيث تشمل جميع زوايا حياة البشر.
٥-١. بسبب الخلود وعدم القابلية للتغيير، يختلف مفهوم الشمولية عن المفهوم المستفاد من «الشمولية» في المعارف البشرية. في الحقيقة، الشمولية العلمية للقرآن هي حاصل المادة والأثر، وبتعبير آخر، البيان العلمي وآثار وكيفية تأثيره.
٢. بما أن المرجعية العلمية للقرآن تنبع من شموليته، فإن مستوى التوقع وطريقة الرجوع إلى القرآن، تتناسب مع شمولية القرآن وذلك الفرع؛ ولهذا السبب، لا يمكن في جميع الفروع تعريف مستوى توقع متساوٍ، والعامل الرئيسي يُبحث عنه في اختلاف الفروع. على سبيل المثال، يختلف مجالا الاقتصاد والأخلاق من ثلاث جهات، وهذه الجهات نفسها تتدخل في مستوى توقع المراجعين للقرآن لاستخراج بيانات المجالين المذكورين: الاختلاف في الثبات وعدم الثبات، الاختلاف في اعتبار المعرفة البشرية وعدم اعتبارها، والاختلاف في البعد عن الأهداف الرئيسية للقرآن؛ لأن الأخلاق جزء من الأهداف الرئيسية للقرآن، ولكن الاقتصاد في كليته ليس في مثل هذه المكانة.
٣. هذه الشبكة للشمولية العلمية والذكية هي سر خلود، وفي نفس الوقت، استيعاب وديناميكية البيانات العلمية للقرآن – بالمعنى الأعم -.
٤. هذه الشبكة الخاصة، لا مثيل لها في المنجزات العلمية في تاريخ البشرية.
الهوامش
1. أستاذ مساعد في معهد الثقافة والفكر الإسلامي.
2. ورد في مصادر أهل السنة هكذا: «اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم». على الرغم من شهرة الرواية، فإن نسبة كتاب مصباح الشريعة إلى الإمام الصادق (ع) ضعيفة، ولم يقبلها الكثير من العلماء، لكن محتوى الرواية المذكورة مؤيد بروايات أخرى وردت في تمجيد وتشجيع المعرفة وطلبها، وكذلك سيرة أهل البيت (ع) وأصحابهم.
3. لأن الدراسات العقلية خارج النص تظهر أن جزءًا من الاحتياجات المادية للإنسان لا يمكن الوصول إليه عن طريق التجربة والمعرفة البشرية، وبما أن بعضها مؤثر في مسار تكامل الإنسان وحركته المعنوية، فمن الضروري أن يتدخل الشرع في هذه الحالات ويوضح المسار الصحيح. أساس هذا الاستدلال هو ضرورة هداية الإنسان وخلق بيئة مناسبة لنموه وتساميه.
المصادر والمراجع
1. الإمام علي (ع)، (د.ت)، نهج البلاغة، تحقيق عبده، بيروت: دار المعرفة.
2. الإمام الصادق (ع)، (١٤٠٠هـ)، مصباح الشريعة، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
3. أكبريان، رضا؛ كمالي، محمد مهدي؛ كمالي، محمد هادي (١٣٩٥)، «ثبات أو نسبية القضايا الأخلاقية من وجهة نظر العلامة الطباطبائي»، آموزه های فلسفه اسلامی، جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، العدد ١٨، ص ٥١-٧٦.
4. جوادي آملي، عبد الله (١٣٧٢)، الشريعة في مرآة المعرفة، طهران: مركز نشر فرهنگي رجاء.
5. تشرشمان، تشارلز وست (١٣٦٩)، نظرية النظم، ترجمة رشيد أصلاني، طهران: نشر مركز مديريت دولتي.
6. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢هـ)، المفردات في غريب القرآن، بيروت: دار العلم الدار الشامية.
7. سروش، عبد الكريم (١٣٧٨)، بسط التجربة النبوية، طهران: صراط.
8. سروش، عبد الكريم (١٣٩٣)، أسمن من الأيديولوجيا، طهران: صراط.
9. الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٣٩٠هـ)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
10. العسكري، أبو هلال؛ الجزائري، السيد نور الدين (١٤١٢هـ)، معجم الفروق اللغوية، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
11. الغزالي، أبو حامد (١٤١٩هـ)، إحياء علوم الدين، القاهرة: دار الحديث.
12. الكليني، محمد بن يعقوب (١٣٨٨)، أصول الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
13. كابلستون، فردريك (١٤٠٢)، تاريخ الفلسفة، ترجمة جلال الدين مجتبوي، طهران: انتشارات علمي و فرهنگي.
14. ماهية وبنية الاقتصاد الإسلامي (مجموعة مقالات وحوارات)، طهران: مؤسسة فرهنگي دانش و انديشه معاصر.
15. مدني، داوود (١٣٧٣)، مقدمة في نظريات المنظمة والإدارة، طهران: انتشارات دانشگاه نور.
16. مطهري، مرتضى (١٤٠١)، الإنسان الكامل، قم: انتشارات صدرا.
17. مكارم الشيرازي، ناصر وآخرون (١٣٧٤)، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية.
18. ميرآخور، عباس (١٣٧٩)، «مخطط للنظام الاقتصادي الإسلامي»، في: ماهية وبنية الاقتصاد الإسلامي (مجموعة مقالات وحوارات)، باهتمام أحمد علي يوسفي بالتعاون مع سعيد فراهاني وعليرضا لشگري، طهران: پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي.
19. ميرمعزي، سيد حسين (١٣٧٨)، النظام الاقتصادي الإسلامي (مبادئ فلسفية)، طهران: كانون انديشه جوان.