الملخص
من القضايا المهمة في المرجعية العلمية للقرآن، بمعنى تأثيره في حقل معرفي ما، هو دراسة مبانيه. والمراد من «مباني المرجعية العلمية للقرآن» هو تلك التعاليم والقضايا في مختلف الحقول كعلم الإنسان، ونظرية المعرفة، وعلوم القرآن، وغيرها، والتي يرتكز عليها إثبات وقبول المرجعية العلمية للقرآن؛ بحيث يؤدي إنكارها إلى إنكار المرجعية العلمية للقرآن وإبطالها. تتناول هذه المقالة، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، دراسة المباني القرآنية للمرجعية العلمية للقرآن في الكلام والفلسفة الإسلامية، وتجيب عن هذا السؤال: على أي معتقدات حول القرآن نفسه يقوم قبول المرجعية العلمية للقرآن في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية؟ بناءً على نتائج وإنجازات هذا البحث، تندرج المباني القرآنية للمرجعية العلمية للقرآن وتُثبَت في فئتين: المباني المتعلقة بوجود القرآن وحقيقته مثل الأصالة والحقانية، والحياة، والخلود والعالمية، والشمولية والنطاق المشترك، والبنية المتعددة المعاني للقرآن؛ والمباني المتعلقة بلغة القرآن ومعرفته مثل قابلية الفهم والتفسير، والإعطاء المعرفي والواقعية، وجواز واعتبار المعرفة العقلية والفلسفية للقرآن.
المقدمة
لا يخفى على أحد أهمية ومكانة القرآن الكريم السامية. فهذا الكتاب السماوي كان منذ صدر الإسلام وحتى الآن محط اهتمام المسلمين وغير المسلمين، وقد أثيرت حول وجوده وماهيته ومحتواه وتعاليمه الكثير من المباحث. ومن المباحث المرتبطة بتعاليم القرآن ومفاهيمه، مسألة «المرجعية العلمية للقرآن» التي حظيت اليوم باهتمام كبير. إن مسألة المرجعية العلمية للقرآن، بالإضافة إلى التعاريف والمعاني المتعددة التي قُدمت لها، تشمل عشرات بل مئات المسائل، ومنها مسألة مباني المرجعية العلمية للقرآن؛ بمعنى أن الإيمان بالمرجعية العلمية للقرآن يرتكز على أسس ومبادئ يجب قبولها مسبقاً. يمكن أن ترتبط هذه المبادئ والأسس بمجالات مختلفة مثل علم الإنسان، ونظرية المعرفة، وعلوم القرآن وغيرها. تتناول هذه المقالة بالمنهج الوصفي التحليلي فقط دراسة المباني القرآنية للمرجعية العلمية للقرآن في الكلام والفلسفة الإسلامية، وتجيب على هذا السؤال: على أي معتقدات حول القرآن نفسه يرتكز قبول المرجعية العلمية للقرآن في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية؟
من الجدير بالذكر أنه لم تنجز إلا أبحاث قليلة حول مباني المرجعية العلمية للقرآن، ومنها على سبيل المثال:
1) السيد علي سادات فخر، «مدخل إلى المباني القرآنية للمرجعية العلمية للقرآن من وجهة نظر آية الله معرفت»، دراسات علوم القرآن، عام 1398، العدد 1، ص 89-111؛
2) محمد علي قاسمي، غلام رضا بهروزي لك، «المباني الإنسانية للمرجعية العلمية للقرآن الكريم في العلوم السياسية»، السياسة المتعالية، الدورة 9، العدد 35، دي 1400، ص 41-62.
كذلك في قسم المنهجية من «مجموعة مقالات منهجية القرآن والعلوم الإنسانية» للمؤتمر الدولي للقرآن والعلوم الإنسانية (1396: قم) الذي نشرته جامعة المصطفى العالمية، نُشرت مقالات حول مباني المرجعية العلمية للقرآن في مجال العلوم الإنسانية. ولكن بناءً على عمليات البحث التي أجريت حتى الآن، لم يتم إنجاز أي بحث حول المباني القرآنية للمرجعية العلمية في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية. من هنا، فإن المقالة الحالية تفتقر إلى أي سابقة وهي مبتكرة تمامًا. في هذه المقالة، بعد تبيين المفاهيم، سيتم تقسيم المباني القرآنية للمرجعية العلمية للقرآن إلى فئتين. الأولى، المباني المتعلقة بوجود وحقيقة القرآن، والثانية، المباني المتعلقة بلغة ومعرفة القرآن. لذلك، فإن الهيكل العام للمقالة يتكون من مقدمة، ومبانٍ متعلقة بوجود وحقيقة القرآن، ومبانٍ متعلقة بلغة ومعرفة القرآن، وخاتمة، حيث سنتناول في كل منها بالبحث والتحليل باختصار مراعاةً لحجم المقالة.
1. دراسة المفاهيم
قبل الدخول في المباحث الرئيسية، يجب أن نوضح مرادنا من المفاهيم المستخدمة في عنوان المقالة. إن تبيين هذه المفاهيم يوصلنا إلى فهم مشترك للمصطلحات الرئيسية في المقالة ويزيل أي غموض أو إجمال. هذه المفاهيم هي: المباني، المرجعية العلمية للقرآن الكريم، الفلسفة الإسلامية، الكلام الإسلامي.
1-1. المباني
كلمة «مباني» جمع «مبنى»، وهي في اللغة بمعنى البناء والعمارة، ومحل البناء، والأساس، والقاعدة. (دهخدا، 1373: 17758/12) من هنا، فإن المراد من «مباني المرجعية العلمية للقرآن»، هو تلك المجموعة من التعاليم والقضايا التي يرتكز عليها إثبات وقبول المرجعية العلمية للقرآن، بحيث يؤدي إنكارها إلى إنكار المرجعية العلمية للقرآن ويفقدها اعتبارها.
1-2. المرجعية العلمية للقرآن
المرجعية، مصدر جعلي من جذر «رجع» بمعنى العودة وكونه محلاً لرجوع الآخرين (ابن منظور، 1404: 141/8؛ راغب الأصفهاني، 1412: 342). تكتسب المرجعية في تركيبها مع كلمات ومصطلحات أخرى مثل «مرجع التقليد»، «الكتب المرجعية»، «مرجع الضمير» وغيرها معنىً متناسباً؛ لذلك لها استخدامات متعددة.
وقد عُرّفت «المرجعية العلمية للقرآن» بتعاريف مختلفة (راجع: عظيمي، 1396: 476؛ طوسي وعالمي، 1396: 238؛ رضائي أصفهاني، 1396: 2؛ قاسمي وبهروزي لك، 1400: 44)، وليس هنا مجال لدراستها. ما نقصده في هذا البحث من «المرجعية العلمية للقرآن» هو أي نوع من تأثير القرآن الكريم في مجال معرفي يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة ومتعددة.
نقطة أخرى يجب الانتباه إليها هي نطاق وحدود هذا التأثير. يشمل نطاق وحدود هذا التأثير المباحث الخارجية عن العلم (ما وراء العلم/ ما قبل العلم) والداخلية لعلم ما. المباحث الخارجية عن العلم (فرا علم/ پیشا علم) هي المباحث التي لا تُبحث في ذلك العلم نفسه ولا تُعتبر من مسائله؛ مثل المنهجية أو توجيه وإدارة علم ما. أما المباحث الداخلية للعلم فتُطلق على مباحث مثل المفاهيم والمصطلحات، والمسائل والاستدلالات، والقواعد والنظريات التي تُعتبر من مسائل ذلك العلم نفسه. لذلك، عندما نتحدث عن تأثير القرآن الكريم، فإن إثبات أي من التأثيرات المذكورة في أي من هذه المحاور يؤيد ادعاءنا. (للاطلاع على تفصيل هذه المباحث، انظر: أسعدي، 1401: 13؛ سند المرجعية العلمية للقرآن الكريم، مركز أبحاث الثقافة والمعارف القرآنية، 1399)
1-3. الفلسفة الإسلامية
الفلسفة، التي تسمى أيضاً بالحكمة، لها في الاصطلاح استعمالان: عام وخاص. بناءً على التعريف العام، هي بمعنى مطلق العلوم العقلية، أعم من الحكمة النظرية والحكمة العملية. أما المراد من الفلسفة في التعريف الخاص، فهو الفلسفة الأولى التي تشمل الأمور العامة والإلهيات (الإلهيات بالمعنى الأخص). الفلسفة الأولى، بناءً على التعريف، هي علم يبحث في أحوال الموجود المطلق، وبعبارة أخرى أحوال الوجود الكلية. إن معرفة كليات الموجودات (النظرة الكلية)، وتمييز الموجودات الحقيقية من غير الحقيقية، ومعرفة العلل والمبادئ العالية للوجود، وخاصة علة العلل (واجب الوجود)، من أهم غايات وفوائد الفلسفة. (راجع: مصباح اليزدي، 1366: 91/1 و 118-124؛ عبوديت، 1380: 51-59؛ أسعدي، 1391: 25-39)
في هذا البحث، المراد من مفهوم «الفلسفة الإسلامية» الناشئ، بغض النظر عن الاختلافات حول تعريفه وتحققه، هو الفلسفة التي قبلها فلاسفة مسلمون في العالم الإسلامي ونمت وازدهرت.
1-4. الكلام الإسلامي
قدم العلماء المسلمون تعريفات متعددة لعلم الكلام. على سبيل المثال، بناءً على تعريف التفتازاني والإيجي وابن خلدون والفياض اللاهيجي، علم الكلام هو علم الاعتقادات الدينية القائم على الأدلة اليقينية التي يمكن من خلالها إثبات العقائد الدينية ورد الشبهات ودحض أهل البدع المنحرفين عن مذهب السلف في مجال المعتقدات (التفتازاني، 1409: 163/1؛ الجرجاني، 1325: 34/1؛ ابن خلدون، 1988: 580/1؛ فياض لاهيجي، بي تا: 5/1). بشكل عام، علم الكلام هو من العلوم التي تُعرّف بموضوعها، ومنهجها، وغايتها، وأحياناً بمجموعها. موضوع علم الكلام هو المسائل الاعتقادية والإيمانية، وبعبارة أخرى التعاليم الواردة في النصوص الدينية. هدف هذا العلم هو تبيين التعاليم الدينية، وتحقيق الانسجام بينها وتنظيمها، والدفاع عنها ضد أي نوع من الشبهات. من هنا، فإن جانب الدفاع والرد في علم الكلام بارز جداً ومهم. علم الكلام، الذي سُمّي في آثار العلماء المسلمين بعلم أصول الدين، وعلم التوحيد، والفقه الأكبر وغيرها (راجع: التفتازاني، 1409: 64/1؛ ابن أبي العز، 2005: 69)، يستفيد من كل منهج يتناسب مع التعاليم الإسلامية لتحقيق أهدافه.
2. المباني المتعلقة بوجود القرآن وحقيقته
إن قبول المرجعية العلمية للقرآن في العلوم الإسلامية، ومنها الكلام والفلسفة الإسلامية، يعتمد على قبول أصول ومعتقدات حول وجود وحقيقة القرآن الكريم. وأهم هذه الأصول هي: الأصالة والحقانية، والحياة، والخلود والعالمية، والشمولية. بعض هذه المباني تتضمن في داخلها أصولاً أخرى، وعلى الرغم من إمكانية طرحها بشكل منفصل، فقد تم في هذه المقالة تجنب طرح عناوين متعددة ومتكررة التزاماً بالإيجاز، وتم دمج العناوين قدر الإمكان.
2-1. الأصالة والحقانية
عندما نتحدث عن أصالة القرآن، فإنها تشمل ثلاثة أنواع من الأصالة:
1. الأصالة الإلهية؛ بناءً على هذا المبدأ، فإن معارف القرآن فوق بشرية وتتجاوز ذهن وفكر النبي ﷺ أو أي شخص آخر.
2. أصالة المضامين؛ هذا المبدأ يعني أن معارف القرآن ليست انتقائية أو مقتبسة (مطهري، 1372: 32/26)، بل إن النبي الأكرم ﷺ تلقى معارف القرآن مباشرة من الله، ولم يأخذها أو يقتبسها من أديان أو علوم سابقة.
3. أصالة الانتساب؛ لا شك أن ما يُتلى اليوم باسم القرآن المجيد هو عين الكتاب الذي قدمه محمد بن عبد الله ﷺ للعالم.
إن المعاني الثلاثة لأصالة القرآن تشير في الحقيقة إلى كونه وحياً، وعدم الاقتباس، وعدم التحريف. حقانية القرآن، بالنظر إلى معنى الحقانية (الواقعية، الصواب، الصحة)، تتعلق بصحة انتسابه إلى الله وصحة مضامينه. القرآن الكريم هو وحي منزل من عند الله وكلامه. هذا الأمر مذكور بوضوح في آيات القرآن الكريم (راجع: الأعراف: 196، آل عمران: 3، الزمر: 1 و 23، هود: 1، السجدة: 2، الأحقاف: 2، الجاثية: 2، غافر: 2)، وتؤكده أيضاً روايات المعصومين عليهم السلام. في الروايات، يُعبّر عن القرآن الكريم بكلام الله (الشيخ الصدوق، 1376: 545)، وكتاب الله (همو، 1403: 34؛ همو، 1398: 305)، وكلام الرحمن (المجلسي، 1403: 19/89). بناءً على ذلك، رغم أن المتكلمين المسلمين قد عبروا عن آراء مختلفة في كيفية وكمية كون القرآن كلاماً إلهياً (راجع: الجرجاني، 1325: 91/8)، إلا أنهم متفقون في أصل كونه وحياً وكلاماً إلهياً. علاوة على ذلك، وبناءً على شواهد وأدلة متنوعة قدمها العلماء المسلمون في مواضعها، لم يُقتبس أي من تعاليم القرآن الكريم من علوم ومعارف بشرية أو كتب سماوية لأديان سابقة، ولم يقع فيها أي تحريف. بناءً على هذا المبدأ، يمكن اعتبار القرآن الكريم المصدر الأول والأهم للأصول المسلمة في المعارف الاعتقادية والكلامية في جميع المجالات، سواء في الإلهيات، أو علم الكون، أو علم الإنسان وغيرها.
إن الإيمان بأصالة وحقانية القرآن هو مبدأ للمرجعية العلمية من حيث إنه إذا شُكّك في أصالة وحقانية القرآن الكريم بأي من المعاني المذكورة، فإن احتمال الخطأ سيجد طريقه إليه. كما أكد القرآن الكريم نفسه على هذا الأمر: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» (النساء: 82). إذا كان القرآن الكريم قابلاً للخطأ، فإن تعاليمه، بما في ذلك التعاليم الاعتقادية والوجودية، لن تفقد يقين صدقها فحسب، بل لن يمكن حتى نفي التناقض والتضارب في القرآن. من هنا، يجب الإذعان بحق بوجود تلازم بين أصالة وحقانية القرآن الكريم ومرجعيته العلمية، خاصة في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية، وإنكار أصالة القرآن يؤدي إلى إنكار مرجعيته.
إضافة إلى ذلك، فإن إنكار أصالة القرآن الكريم يستلزم التخلي عن بعض المبادئ الأخرى المتعلقة بالمرجعية العلمية للقرآن. على سبيل المثال، شمولية وخلود القرآن هما مبدآن مهمان في هذا المجال لا يمكن إثباتهما مع إنكار أصالة القرآن.
2-2. الحياة والخلود والعالمية
لا شك أن علم الكلام والفلسفة من العلوم الحيوية والمتطورة. عندما نتحدث عن تطور وحيوية علم ما، فإن المقصود ليس تطور ماهية ذلك العلم وظهور علم جديد، بل تطور علم ما؛ بما في ذلك الفلسفة والكلام، بمعنى ظهور مسائل جديدة وحلول وبراهين وغيرها جديدة في حل وفصل المسائل القديمة والجديدة. كما يظهر التاريخ، شهد علم الكلام والفلسفة تطورات كثيرة من هذا القبيل. فالفلسفة الإسلامية في بدايتها؛ أي بالتزامن مع الكندي، لا يمكن مقارنتها أبداً بالفلسفة الصدرائية. في الفترة الفاصلة بينهما، قام عظماء مثل الفارابي وابن سينا والشيخ الإشراق وغيرهم بتنمية الفلسفة وتطويرها، ولم يضيفوا مسائل جديدة إلى هذا العلم فحسب، بل وجدوا حلولاً جديدة للمسائل القديمة. من ناحية أخرى، فإن علم الكلام له وضع مشابه. فعلم الكلام في العصور الأولى، رغم أن له نفس الماهية مع علم الكلام في العصر الحاضر، إلا أنه شهد نمواً ملحوظاً في مجال المسائل والحلول، مما لا يتسع المجال لذكره في هذه المقالة.
بالنظر إلى هذه النقطة، ومع قبول تطورات الكلام والفلسفة، يجب التسليم بأن القرآن الكريم إذا أراد الحفاظ على مرجعيته العلمية لهذه العلوم، فيجب أن يتمتع هو نفسه بخصائص الحياة والخلود والعالمية. لا يمكن حصر القرآن في مخاطبين وعصر معين مثل صدر الإسلام، وفي نفس الوقت اعتباره مؤثراً وملْهِماً لحل المسائل التي يواجهها البشر اليوم.
ولكن هل يتمتع القرآن الكريم بمثل هذه الحياة والحيوية؟ الإجابة هي نعم. وهذا ما يظهره التاريخ القرآني وتؤكده الآيات والروايات. الحياة تعني أن يكون الموجود بحيث تترتب عليه آثاره المطلوبة، والموت هو نقيضه (الطباطبائي، 1972: 51/10). وبناءً على ذلك، فإن كون القرآن حياً يعني أنه حيوي ومؤثر ومتطور دائماً وفي كل مكان، وبغض النظر عن الزمان والمكان الخاص أو أناس معينين، فإنه يؤدي دوره على الصعيدين الفردي والاجتماعي. نتيجة هذه النظرة هي أن نعتبر القرآن كتاباً عابراً للزمان والمكان، وبتعبير آخر، خالداً وعالمياً. بناءً على مبدأ الخلود، فإن النبي الأكرم ﷺ هو آخر الأنبياء، والإسلام آخر الأديان، والقرآن آخر الكتب السماوية التي تتمتع أحكامه ومعارفه بالحجية والاعتبار إلى الأبد. يقول القرآن الكريم: «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» (الأحزاب: 40).
بناءً على مبدأ العالمية، فإن القرآن المجيد في مطالبه لا يختص بأمة من الأمم مثل الأمة العربية أو طائفة من الطوائف مثل المسلمين، بل إنه يتحدث حتى مع طوائف خارجة عن الإسلام كما يتحدث مع المسلمين. شاهد هذا الأمر هو خطابات القرآن الكريم التي تخاطب الكفار والمشركين وأهل الكتاب واليهود وبني إسرائيل والنصارى، ويحتج على كل طائفة من هذه الطوائف ويدعوهم إلى معارفه الحقة (الطباطبائي، 1388: 37). بعض آيات القرآن الكريم شاهدة على حياة القرآن الخالدة والعالمية (الأعراف: 158، الأنعام: 19). كما أن الأحاديث تؤكد على حياة القرآن والواقع الخارجي يظهر لنا ذلك أيضاً. من منظور الروايات، القرآن كتاب حي ونضر دائماً ولا يبلى على مر الزمان. الإنسان في مراجعاته المتكررة للقرآن يشعر دائماً بالحداثة والفهم الجديد، والأجيال البشرية على مر التاريخ قد توصلت إلى فهم جديد وحديث منه، بل واكتشفت أبعاداً جديدة من تعاليمه القرآنية.
أشار النبي الأكرم ﷺ في حديث إلى حياة القرآن وحيويته ونضارته، فقال: «كَلَامُ اللَّهِ جَدِيدٌ غَضٌّ طَرِيٌّ»؛ كلام الله دائمًا جديد وحديث ونضر. (المجلسي، 1403: 477/22). ويعتبر الإمام الصادق عليه السلام أن سبب هذه الحيوية والنضارة للقرآن نابع من أنه لم ينزل لزمان خاص أو أناس خاصين (الشيخ الصدوق، 1378: 87/2). لذلك فإن سر حيوية القرآن يكمن في خلوده وعالميته. (لدراسة حياة القرآن، راجع: جباري، 1400: 10-19). وتؤكد أحاديث أخرى هذا الأمر أيضاً (راجع: الحويزي، 1415: 484/2؛ العياشي، 1380: 204/2؛ البرقي، 1371: 289/1؛ المجلسي، 1403: 5/66).
خلاصة القول أن المرجعية العلمية للقرآن في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية تقوم على قبول حياة القرآن وحيويته وتأثيره. وبما أن علم الكلام هو علم لا يحده زمان ومكان، ودائماً ما يكون حيوياً ويواجه مسائل جديدة، فهو بحاجة إلى الاستفادة المستمرة من القرآن الكريم كأهم مصدر له، وإذا كان القرآن فاقداً لهذه الخاصية، فلا يمكن قبوله كمصدر لعلم الكلام والتأثير فيه في المسائل المتغيرة والمتطورة الكلامية. إن تأثير القرآن في الفلسفة الإسلامية – التي تتناول الكليات والمسائل العامة للوجود – لا يكون مقبولاً إلا إذا كان القرآن الكريم يحتوي على قضايا عامة وشاملة.
2-3. الشمولية والنطاق المشترك
كما ذُكر في بداية المقالة، يهتم علم الكلام بتبيين وإثبات التعاليم الدينية، وتحقيق الانسجام بينها وتنظيمها، وكذلك الدفاع عنها ضد أي نوع من الشبهات؛ من هنا فإن موضوع علم الكلام يشمل جميع العقائد والمعتقدات الإسلامية واستدلالاتها وبراهينها وقواعدها ونظرياتها المرتبطة بها. من ناحية أخرى، قيل في تعريف الفلسفة إن محور جميع مسائلها هو الوجود، وتهتم بمعرفة الجوانب الوجودية للموجودات سواء كانت واجبة أو ممكنة. من هنا، فإن نطاق كلا العلمين يتمتع بالاتساع والشمول، وله قدرة عظيمة على التطور والتغير. بالنظر إلى هذه النقطة، فإن تأثير القرآن الكريم في الكلام والفلسفة يتطلب أن نقبل بشمولية القرآن، وعلى الأقل وجود نطاق مشترك؛ لأنه إذا كان القرآن الكريم – الذي يعتبر المصدر الرئيسي والمهم للمعتقدات الإسلامية – فاقداً لأصول وأمهات المعتقدات الإسلامية، فلن يتمكن أبداً من أداء دوره كمصدر بشكل صحيح، ولن يكون مؤثراً في علم الكلام الذي ينظم المعتقدات الإسلامية. كذلك إذا كان القرآن، على الأقل من الناحية الموضوعية، لا يحتوي على أي موضوع قابل للبحث في الفلسفة، فكيف يمكنه أن يؤثر فيه؟
لكن المسألة المهمة ليست إثبات شمولية القرآن؛ لأن القرآن نفسه يؤكد عليها، بل نطاق الشمولية أو بتعبير آخر، مراد شمولية القرآن هو محل البحث. في هذا المجال، طُرحت وجهات نظر متعددة ومتنوعة يمكن تصنيفها من منظور واحد في ثلاث فئات، ويتسع أو يضيق نطاق مرجعية القرآن بناءً على كل من هذه وجهات النظر. من هنا، سنستعرض بإيجاز هذه وجهات النظر الثلاث.
2-3-1. الشمولية الأوسع (الحد الأقصى)
يعتقد البعض أن القرآن هو مبين لجميع حقائق الوجود وكل العلوم والفنون وحتى الصيغ الرياضية والفيزيائية والكيميائية موجودة في القرآن ويمكن استخراجها منه (راجع: الغزالي، بي تا: 3/ 134؛ همو، 1409: 10؛ السيوطي، 1421: 2258 وما بعدها؛ همو، 2007: 11 وما بعدها؛ الفيض الكاشاني، 1415: 36/1؛ نيازمند، 1375: 21). بناءً على وجهة نظر الشمولية الأوسع، فإن القرآن الكريم يشمل جميع المعارف، ومنها الكلام والفلسفة بمعناها الخاص. لذلك، لن يكون هناك شك في المرجعية العلمية للقرآن بالنسبة لهذه العلوم، ولكن إثبات شمولية القرآن بهذا المعنى غير ممكن، وقد أقام الباحثون في مواضعهم أدلة قوية في نقده.
2-3-2. الشمولية الأضيق (الحد الأدنى)
بناءً على وجهة النظر هذه، فإن القرآن مبين لجميع الأمور المتعلقة بهداية البشر الأخروية (القيم والمعايير) ويتناول فقط بيان المسائل القيمية والأخلاقية، دون البحث في موضوعات أخرى. يعتقد أصحاب وجهة النظر هذه أن رسالة وهدف الأنبياء الأساسي (وبالتالي هدف القرآن) هو إعطاء معنى للحياة الإنسانية، ويمكن للإنسان نفسه أن يختار ويطبق النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالشكل الصحيح. لذلك، فإن مهمة القرآن هي بناء البعد المعنوي للإنسان، وليس بيان النظم الاجتماعية. بناءً على هذا، فإن إشارات القرآن إلى المسائل الدنيوية والاجتماعية هي أمور طفيلية أو عرضية. (مصباح يزدي، 1392: 296/2)
وجهة نظر الشمولية الأضيق غير صائبة أيضاً، وكما سيأتي في تبيين وجهة النظر المعتدلة، فإن القرآن الكريم على الرغم من أنه نزل في سبيل هداية وسعادة البشر، إلا أنه لا يقتصر على طرح وبيان المسائل الأخروية، وينظر إلى سعادة الدنيا والآخرة معاً.
2-3-3. الشمولية المعتدلة
بناءً على وجهة النظر هذه، فإن القرآن الكريم يبين جميع الأمور المتعلقة بهداية الإنسان وسعادته الدنيوية والأخروية (مصباح يزدي، 1392: 302/2). العلامة الطباطبائي، وهو من المؤمنين بوجهة النظر هذه، يكتب: «إن الدين الإسلامي، الذي يؤمن ويضمن سعادة حياة البشر أفضل من أي دين آخر، قد وصل إلى المسلمين عن طريق القرآن المجيد، والجذر الأصلي للمواد الدينية الإسلامية، وهي سلسلة من المعارف الاعتقادية والقوانين الأخلاقية والعملية، موجود في القرآن المجيد، وكل ما يحتاجه البشر في مسيرتهم نحو السعادة والرخاء من اعتقاد وعمل، قد بُيّن في هذا الكتاب بشكل كامل.» (الطباطبائي، 1388: 23). وعندما يطرح الأنواع الخاصة من التحدي، فإنه يولي اهتماماً لتحدي القرآن بالعلم والمعرفة، ويكتب: «بالسير والبحث في متن تعاليم الإسلام، يمكن أن ندرك أن الإسلام عن طريق بيان الكليات في القرآن وإرجاع الجزئيات إلى النبي الأكرم ﷺ، قد تعرض لدقائق وجلائل المعارف الإلهية الفلسفية، والأخلاق الفاضلة، والقوانين الفرعية الدينية، سواء كانت عبادية، أو معاملية، أو سياسية، أو اجتماعية، وكل ما له صلة بفعل وعمل الإنسان، قد تعرض له، بالطبع على أساس الفطرة وأصل التوحيد.» (همو، 1972: 62/1).
من بين وجهات النظر الثلاث هذه، يبدو أن وجهة نظر الشمولية المعتدلة لديها شواهد وأدلة أقوى. بناءً على وجهة النظر هذه، يمكن إثبات المرجعية العلمية للقرآن كقضية موجبة جزئية؛ لأن العقائد والمعتقدات هي جزء من مسائل الهداية التي يحتوي عليها القرآن الكريم بالتأكيد، وقد أخذ المتكلمون معتقداتهم الكلامية منه، وحتى الاستدلالات والقوانين الكلامية مأخوذة من القرآن الكريم. كما قال البعض، فإن العقائد التي كتبها المتكلمون في القرون الأولى كانت بإلهام من القرآن الكريم وتتضمن العقائد القرآنية.
في مجال الفلسفة الإسلامية أيضاً، أُثبت في موضعه أن الفلسفة الإسلامية ليست تكراراً للفلسفة اليونانية، وأن الفلاسفة المسلمين متأثرون بالقرآن الكريم في بسط وتكميل المباحث الفلسفية. بعض أهم هذه المسائل هي: إثبات وجود الله مثل العلم والقدرة والحياة، وأمور مثل النفس، والعقل، والإعجاز، والوحي، والنبوة، والملائكة وأصنافهم، وعلم الغيب، والجن، والخلق، والحدوث والقدم في العالم، والمعاد وعودة الموجودات، ومنها الإنسان إلى الله وغيرها. (مير محمد شريف، 1362: 195-221)
2-4. البنية المتعددة المعاني للقرآن
من المبادئ الأخرى للمرجعية العلمية للقرآن قبول بنيته المتعددة المعاني، والتي تؤثر بشكل خاص في بعض المبادئ الأخرى. على سبيل المثال، تلعب البنية المتعددة المعاني دوراً حاسماً في قبول نطاق شمولية القرآن الكريم. كتب العلامة الطباطبائي في تفسير آية «تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ» (النحل: 89): «بما أن القرآن كتاب هداية لعامة الناس، ومهمته هداية الجميع، فإن المراد من كونه تبياناً لكل شيء هو أن القرآن مبين لجميع احتياجات الناس الهدايتية من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدأ والمعاد والأخلاق والشرائع والقصص والمواعظ. حسب اعتقاده، هذا الفهم التفسيري قائم على ظاهر معنى كلمة تبيان، وهو البيان المعهود وإظهار المقاصد عن طريق الدلالة اللفظية. على هذا الأساس، نحن نفهم من خلال الدلالة اللفظية للقرآن فقط كليات المعارف والمسائل المتعلقة بهداية البشر، لكن لازم الروايات التي تعتبر علم الماضي والمستقبل وما سيحدث حتى يوم القيامة موجوداً في القرآن، هو أن كون القرآن تبياناً يتجاوز البيان المتعارف وعن طريق الدلالة اللفظية.» (الطباطبائي، 1972: 324/12). من هنا، فإن شمولية القرآن الكريم ترتكز على مبدأ آخر وهو البنية المتعددة المعاني للقرآن الكريم. بناءً على نظرية البنية المتعددة المعاني للقرآن التي تؤيدها آيات القرآن، فإن للقرآن ظاهراً وباطناً، وكذلك تفسيراً وتأويلاً (آل عمران: 7). بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض آيات القرآن تحمل احتمالات معنوية متعددة؛ كما كتب العلامة الطباطبائي عن الآية 102 من سورة البقرة: «هذه الآية تحمل مليون ومائتين وستين ألف احتمال، وهذا من عجائب القرآن أن آية واحدة منه تتحمل كل هذه الاحتمالات المتنوعة دون أن يلحق بفصاحتها وبلاغتها أدنى خدش.» (همان، 234/1).
تؤكد روايات متعددة أيضاً على اتساع ومراتب معاني الآيات. (راجع: ابن أبي جمهور، 1985: 107/4؛ البرقي، 1371: 300/2؛ المجلسي، 1403: 91/89). وأشار الإمام الصادق عليه السلام أيضاً إلى طبقات وبطون معاني القرآن وقال: «إن كتاب الله على أربعة أشياء [قابل للقسمة]: عبارة، وإشارة، ولطائف، وحقائق. العبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء.» (ابن أبي جمهور، 1985: 105/4؛ المجلسي، 1403: 278/75).
كذلك يقول الإمام علي عليه السلام: «جعل الله كلامه ثلاثة أقسام: قسم يفهمه العالم والجاهل؛ وقسم لا يفهمه إلا صافي الذهن لطيف الحس صحيح التمييز، شرح الله صدره للإسلام؛ وقسم لا يعلمه إلا الله والملائكة والراسخون في العلم.» (القمي المشهدي، 1368: 32/3؛ المجلسي، 1403: 45/92؛ الحويزي، 1415: 318/1؛ الحر العاملي، 1391: 143/18. وكذلك حول مراتب ودرجات القرآن، راجع: الفيض الكاشاني، 1415: 33/1؛ صدر الدين الشيرازي، 1363: 41).
إن تلقي المعارف المتنوعة والمتعددة من القرآن الكريم، بالإضافة إلى كونه تابعاً لبنيته المتعددة المعاني، هو أيضاً تابع لاختلاف القدرات العلمية ومستوى الطهارة الباطنية للأفراد. بناءً على الآيات والروايات، فإن اختلاف القدرات العلمية ومستوى الطهارة الباطنية للأفراد مؤثر في الوصول إلى مستويات معاني القرآن. نتيجة لهذين العاملين، تتشكل فهوم مختلفة من القرآن، وكل فهم يتمتع بمستوى معين من الغنى المعرفي ويصل إلى مستوى من عمق الحقائق والتعاليم القرآنية. من هنا، فإن بعض الروايات تخبر عن ظهور مجموعات عميقة الفكر في المستقبل، وأن الله قد أنزل سورة التوحيد والآيات الأولى من سورة الحديد لأنه كان يعلم بخلقهم. (الشيخ الصدوق، 1398: 283). لذلك، فإن طبقات ومستويات معاني القرآن التي هي من ناحية نتاج بنيته المتعددة المعاني ومن ناحية أخرى نتيجة للاختلافات والقدرات العلمية ومستوى طهارة الأفراد، هي التي تمهد لشمولية القرآن ومرجعيته العلمية.
3. المباني المتعلقة بلغة القرآن ومعرفته
ترتبط فئة أخرى من المباني القرآنية للمرجعية العلمية للقرآن الكريم بمجال لغة القرآن، وتسمى اصطلاحاً بالمباني اللغوية. «اللغة» هنا لا تعني العضو العضلي وأداة الكلام لدى الإنسان، أو الكلام الخاص بمجموعة من الناس مثل اللغة الفارسية، بل المقصود هو دراسة خصائص وميزات كلمات وقضايا القرآن من حيث الدلالة، وقابلية الفهم، والإعطاء المعرفي، والواقعية، وكونها إخبارية أو إنشائية، حقيقية أو مجازية، تمثيلية أو أسطورية وغيرها. بعد أن عرفنا في مباحث لغة القرآن أن لغة القرآن لغة معرفية وواقعية، تأتي النوبة إلى دراسة طرق وكيفية فهم ومعرفة تعاليم ومفاهيم القرآن؛ مثل هذا البحث: هل يمكن معرفة وفهم مفاهيم القرآن بالطريقة العقلية؟ تسمى هذه المباحث بمباحث نظرية المعرفة القرآنية. في ما يلي، سنتناول بعض المبادئ المهمة اللغوية والمعرفية للقرآن التي لا يمكن قبول المرجعية العلمية للقرآن بدونها.
3-1. قابلية الفهم والتفسير
إن أي استفادة من القرآن الكريم في أي مجال، بما في ذلك مجال الفلسفة والكلام، منوطة بدلالته وقابليته للفهم؛ لأنه إذا لم يكن ذا معنى أو قابلًا للفهم، فلن يمكن التمسك به. إن عدم دلالة قضايا القرآن وعدم قابليتها للفهم يهدم أسس العقائد الإسلامية بل وجميع المعارف القرآنية التي هي نتاج الاتصال الوحياني للرسول الأكرم ﷺ مع الله. من هنا، فهو خلاف الحكمة الإلهية في إرسال الأنبياء وإنزال الكتب السماوية. وقد عرّف اللغويون الفهم بمعنى المعرفة والعلم والعقل. (ابن فارس، 1404: 759؛ الأزهري، 1421: 158/3).
على الرغم من وجود خلافات بين العلماء المسلمين حول ما إذا كان الإنسان يستطيع فهم القرآن الكريم أم لا (راجع: البحراني، 1423: 339/2 وما بعدها؛ الأسترآبادي، 1422: 225 و 270؛ البحراني، 1405: 27/1)، فإن الكثير من العلماء المسلمين يجيزون الفهم العام والاستقلالي للقرآن للجميع. لإثبات وجهة النظر هذه، يكفي أن نلتفت إلى أن القرآن الكريم نزل لهداية البشر، وقد عرّف نفسه صراحة بأنه «هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» (البقرة: 185) و«وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (الجاثية: 20)، وهذه الغاية لا يمكن تحقيقها إلا بإمكانية فهم القرآن (راجع: الطباطبائي، 1972: 86/3؛ شاكر، 1376: 207). من ناحية أخرى، دعا الجميع إلى التدبر والتفكر فيه: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ» (ص: 29). بالإضافة إلى ذلك، شجع الله الجميع، سواء الموافقين أو المخالفين، على التدبر في القرآن: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» (النساء: 82). وكذلك قال: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد: 24). الدعوة إلى التدبر هي أفضل دليل على قابليته للفهم؛ لأنها ستكون أمراً عبثياً في غير هذه الحالة. (راجع: أسعدي، 1401: 139-164).
بالإضافة إلى هذا الدليل العقلي، توجد أدلة نقلية متعددة من القرآن والروايات تدل على إمكانية الفهم العام للقرآن. (راد، 1390: 92). مجموع هذه الأدلة يبطل فكرة إنكار إمكانية الفهم العام والاستقلالي للقرآن التي يؤمن بها البعض مثل الأخباريين الشيعة، ويوجه انتقادات جادة لهذه الفكرة. (همان، 94-97).
على أي حال، فإن المرجعية العلمية للقرآن ترتكز بالتأكيد على هذين المبدأين المهمين، أي قابلية الفهم وقابلية تفسير القرآن؛ لأنه إذا كانت تعاليم القرآن غير قابلة للفهم والتفسير، فلا يمكن الحديث عن تأثيرها في الكلام والفلسفة. على سبيل المثال، مسألة أسماء وصفات الله هي من المسائل المهمة في تاريخ علم الكلام، وقد قُدمت حولها وجهات نظر متعددة ومختلفة. إذا كنا نعتقد، كما يعتقد البعض، أن معنى أسماء وصفات الله غير قابل للفهم، فإن الآيات التي تتضمن هذه الأسماء والصفات ستكون غير قابلة للفهم، ولا يمكننا فهم مراد الله الحقيقي منها. في هذه الحالة، كيف يمكن اعتبار القرآن مصدراً ومرجعاً لعلم الكلام؟ إن الوظائف الرئيسية للكلام الإسلامي هي تبيين وإثبات والدفاع عن التعاليم الدينية، ومصدر التعاليم الإسلامية المهم هو القرآن الكريم. إذا كانت تعاليم القرآن غير قابلة للفهم؛ فكيف يمكن تبيينها وإثباتها والدفاع عنها؟ الحديث عن الفلسفة الإسلامية هو نفسه. فالفلسفة الإسلامية تتناول تبيين الوجود وظواهره، وتقدم تفسيراً لنظام الوجود بناءً على مبادئها. إذا كانت الآيات المتعلقة بالوجود أو الإنسان غير قابلة للفهم والتفسير بالنسبة لنا، فكيف يمكنها أن تكون مؤثرة في تفسيرنا الفلسفي للوجود أو الإنسان؟
3-2. الإعطاء المعرفي والواقعية
بناءً على التعاريف التي قُدمت في البداية عن الكلام والفلسفة الإسلامية، فإن قضايا هذين العلمين تقدم لنا معارف تتعلق بالواقع الخارجي؛ أي إذا قلنا في الكلام إن الله موجود أو أن هناك قيامة، أو أن القرآن معجزة نبي الإسلام، فإن كل هذا يتعلق بالواقع الخارجي، وفي علم الكلام نسعى لإثبات وجود الله والقيامة والقرآن في العالم العيني. بالنسبة للفلسفة، فإن هذا المسار صحيح أيضاً؛ لأن الفلسفة أساساً تشكلت في مواجهة السفسطة، وهي علم الوجود. لذلك، فهي تتحدث عن الوجود وظواهره، وقضاياها تقدم لنا معرفة تتعلق بالواقع الخارجي.
في هذه الحالة، إذا كان الشيء الذي يُطرح كمصدر ومرجع لعلم الكلام ومؤثر في الفلسفة الإسلامية ليس هو نفسه واقعياً ومعطياً للمعرفة، فكيف يُفترض أن يؤثر فيهما؟ هنا يُطرح البحث المهم في مجال لغة القرآن، وهو: هل لغة القرآن معطية للمعرفة؟
تكون المرجعية العلمية للقرآن في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية ممكنة إذا اعتبرنا لغة القرآن معطية للمعرفة وواقعية لكي تصف الواقع الخارجي كما يفعل الكلام والفلسفة، وتكون نتيجتها معرفة تتعلق بالخارج. ولكن إذا اعتبرنا لغتها، كما يفعل البعض، وظيفية وتحفيزية بحتة، فلا يمكننا الحديث عن مرجعيتها في مجال الكلام والفلسفة الإسلامية – التي تتعلق بالخارج والواقع. (للاطلاع على مسألة لغة القرآن والآراء المطروحة في هذا المجال، راجع: سعيدي روشن، 1389؛ همو، 1391).
في إثبات الإعطاء المعرفي والواقعية للغة القرآن الكريم، يمكن التمسك بالأهداف السامية للقرآن. فالقرآن الكريم نزل لهداية الإنسان، وهو برنامج عملي-اعتقادي للإنسان في سبيل سعادته. الآن، إذا لم يكن القرآن معطياً للمعرفة وواقعياً، فسيكون هناك نقض واضح للغرض. بالإضافة إلى ذلك، يدعو القرآن الكريم الإنسان في مواضع كثيرة إلى التعقل والتفكر والتدبر، ويعتبر نفسه فاصلاً بين الحق والباطل، وكل هذا لا يتوافق إلا مع الإعطاء المعرفي والواقعية للغة القرآن. (راجع: أمين وواعظي، 1395: 43-66).
3-3. جواز واعتبار المعرفة العقلية والفلسفية للقرآن
الفلسفة علم عقلي، وجزء من مسائل الكلام على الأقل يعتمد على العقل، ويُطلق عليه الكلام العقلي؛ من هنا، فإن المرجعية العلمية للقرآن في مجال هذين العلمين تعتمد على جواز واعتبار الفهم والمعرفة العقلية للقرآن الكريم. يمكن العثور على العديد من الشواهد في القرآن الكريم التي تجيز التعقل والتأملات العقلية في القرآن؛ ومنها الآيات الكثيرة التي تدعو المخاطبين إلى التدبر والتفكر في القرآن (راجع: النساء: 82، محمد: 24). بالنظر إلى ترغيب وتشجيع القرآن الكريم على مسألة العقل والاهتمام به، ودعواته المتكررة إلى التدبر في القرآن الكريم، فإن جواز واعتبار الفهم والمعرفة العقلية للقرآن ليس بالأمر الصعب، وباستثناء مجموعات قليلة من الظاهريين، فإن معظم المسلمين يتفقون مع استخدام العقل والاستدلال في فهم القرآن. ما يهم هنا أكثر هو دراسة جواز واعتبار الفهم والمعرفة الفلسفية للقرآن. إن الحكم بجواز أو عدم جواز الفهم الفلسفي يعتمد إلى حد كبير على مرادنا من الفهم الفلسفي. إذا كان الفهم الفلسفي بمعنى الفهم بالطريقة الفلسفية، فسيكون أخص من الطريقة العقلية، وكل من يؤمن بتفسير القرآن بالطريقة العقلية سيقبل الفهم بهذا المعنى. إن التناغم بين العقل والفلسفة والقرآن من هذا المنطلق سيمهد لتأثير القرآن في الفلسفة ويسهل هذا الأمر.
يمكن تصور الفهم الفلسفي للقرآن الكريم بطريقة أخرى، وهي الفهم بالاستفادة من تعاليم الفلسفة. لذلك، يُقسم فهم القرآن إلى نوعين: الفهم التطبيقي التأويلي، والفهم التحليلي. الفهم التطبيقي التأويلي غير جائز لأنه يؤدي إلى التفسير بالرأي، لكن الفهم التحليلي ليس له مثل هذه التبعات الفاسدة وهو جائز. الفهم التحليلي هو أن يستخدم الفاهم تعاليم الفلسفة لتحليل ودراسة أعمق للمفاهيم الدينية الصعبة. (راجع: عبدلي مهرجردي، 1389: 62-69). في هذه الطريقة، لا يفرض شيئاً على القرآن، ولا يوجد تطبيق أو تأويل، بل إن معارفه وخبراته الفلسفية السابقة تساعده في تحليل آيات وتعاليم الوحي، وتمكنه من الحصول على تبيين وتفسير أدق لآيات وتعاليم القرآن. في الفهم التحليلي للقرآن، توسع المعارف السابقة القدرة الفكرية للفاهم، وعلى الرغم من أننا لا نفرض مكتسبات فلسفية على القرآن، إلا أن البراهين والمكتسبات القطعية للفلسفة تلعب دور الشاهد والقرينة في مجال المعارف العقلية، وبهذه الطريقة نصل إلى فهم أعمق وأدق لآيات القرآن. إن مثل هذا الفهم للقرآن ليس من مصاديق الفهم الممنوع والتفسير بالرأي؛ لذلك لا يوجد أي مانع عقلي أو شرعي.
يمكن العثور على أمثلة للفهم الفلسفي التحليلي وإدراك عمق الحقائق القرآنية بكثرة في آثار بعض كبار الفلاسفة، خاصة الملا صدرا، الذي، دون أي فرض على القرآن ومع مراعاة وحفظ المعاني الظاهرية، يقتصر على استنباط وكشف الأبعاد المعنوية والطبقات الخفية للآيات، أو تقديم قرائن برهانية من الحقائق القرآنية. لقد أولى الملا صدرا في آثاره، وخاصة في كتاب تفسيري مستقل له، اهتماماً بتفسير القرآن الكريم أكثر من الفلاسفة الذين سبقوه. وباستفادته من مبانيه ونظرياته الفلسفية، بالإضافة إلى تبيينه وفهمه الفلسفي للكثير من التعاليم الدينية والقرآنية، قدم تفسيراً فلسفياً للعديد من السور والآيات. من بين التعاليم التي فسرها الملا صدرا بلسان فلسفي ومبني على نظرياته ومبادئه الفلسفية: إثبات وجود الله (صدر الدين الشيرازي، 1378: 20)، وتوحيد ووحدانية الله (همان، 31)، وكذلك بعض عناصر عقيدة المعاد مثل المعاد الجسماني (همو، 1981: 185/9-197)، والصراط (همان، 284-290)، وصحيفة الأعمال (همان، 290-296)، والميزان (همان، 298-305)، وغيرها. (للاطلاع على مجموع هذه المباحث، انظر: أسعدي، 1399).
إن جواز واعتبار الفهم العقلي والفلسفي للقرآن والجهود التي بذلها فلاسفة مثل الملا صدرا قد أدت إلى تأثير متبادل بين القرآن والفلسفة، وقد استلهم الفلاسفة المسلمون من القرآن الكريم في حل وفصل الكثير من المسائل الفلسفية، بل وأضافوا مسائل جديدة إلى الفلسفة. (لدراسة تفصيلية لهذه المباحث، راجع: أسعدي، 1401 (أ): 13-26؛ همو، 1401 (ب): 723-746).
الخاتمة
1. المرجعية العلمية للقرآن هي من المفاهيم الناشئة التي توجد في تعريفها وجهات نظر مختلفة. في هذه المقالة، استُخدمت بمعنى التأثير في مجال معرفي، والذي يشمل كلا من المجالين الداخلي والخارجي للعلم، ويمكن أن يتم بأشكال مختلفة.
2. تأثير القرآن في مجال معرفي يرتكز على مبانٍ متعددة. المراد من «مباني المرجعية العلمية للقرآن» هو تلك المجموعة من التعاليم والقضايا التي يرتكز عليها إثبات وقبول المرجعية العلمية للقرآن؛ بحيث يؤدي إنكارها إلى إنكار المرجعية العلمية للقرآن ويفقدها اعتبارها.
3. يمكن أن ترتبط هذه الأصول والمباني بمجالات مختلفة مثل علم الإنسان، ونظرية المعرفة، وعلوم القرآن وغيرها. من أهمها المباني القرآنية التي أُشير إليها في هذه المقالة في قسمين: المباني المتعلقة بوجود وحقيقة القرآن، والمباني المتعلقة بلغة ومعرفة القرآن.
4. المباني المتعلقة بوجود وحقيقة القرآن هي: الأصالة والحقانية، والحياة، والخلود والعالمية، والشمولية والنطاق المشترك، والبنية المتعددة المعاني للقرآن.
5. المباني المتعلقة بلغة ومعرفة القرآن هي: قابلية الفهم والتفسير، والإعطاء المعرفي والواقعية، وجواز واعتبار المعرفة العقلية والفلسفية للقرآن.
6. بعض هذه المباني تتضمن في داخلها أصولاً، وعلى الرغم من إمكانية طرحها بشكل منفصل، فقد تم في هذه المقالة تجنب طرح عناوين متعددة ومتكررة التزاماً بالإيجاز، وتم دمج العناوين قدر الإمكان.