استلزامات المرجعية العلمية للقرآن على العلوم

الملخص

إن طرح المرجعية العلمية للقرآن الكريم على العلوم، بكل بيان وقراءة، لا بد من تقييمه في سياق تفسير النص وفهمه. وبناءً على ذلك، يبحث هذا البحث في «استلزامات» تفسير النص في تحقيق المرجعية العلمية على العلوم (المسألة). وسيتم الكشف عن هذه الاستلزامات من خلال دراسة واستقراء المباني الحكمية والأصولية وكل ما له مدخلية في التفسير (الفرضية). وسيتم فحص هذه الفرضية عبر المنهج التحليلي-التوصيفي ودراسة المباني المستخدمة في مجال دلالة الألفاظ في الفقه والأصول، والمقاربات الحكمية (المنهج والمقاربة)، وذلك لتوضيح أسس طرح فكرة المرجعية العلمية للقرآن الكريم على العلوم؛ لأنه بطرح فكرة المرجعية العلمية للقرآن الكريم، نكون ملزمين بتوسيع نطاق التفسير للوصول إلى موضوعات العلوم ومحمولاتها، حتى تتضح دلالة القرآن وتأثيرها على العلوم. وعليه، فإن هدف البحث الحالي هو تبيين استلزامات المرجعية العلمية للقرآن الكريم على العلوم (الهدف). على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى القواعد اللغوية الحاكمة على الألفاظ، ودائرة حجية الظهور في علم الأصول، وتحليل الظواهر الاعتبارية في الحكمة، وأي أداة فكرية تساعد الباحث في تحقيق المرجعية (النتائج).

مقدمة

القرآن الكريم، الكتاب السماوي الوحيد المصون من التحريف، قد هدى البشر في مختلف المجالات. إن شمولية القرآن الكريم، التي ظهرت وبرزت في السنوات الأخيرة تحت عنوان «فكر المرجعية العلمية للقرآن الكريم»، على الرغم من كونها جزءًا من معتقدات ومحكمات المذهب الشيعي، وقد أثبتها المفكرون المسلمون بالدليل النقلي والعقلي، إلا أنها لم تظهر نفسها بعد في المجال العملي وميدان الفكر. من هنا، من الضروري لاستخراج البيانات القرآنية المناسبة للعلوم، اللجوء إلى أدوات فهم النص والحكم عليه. إن دراسة دلالة القرآن الكريم تستلزم تطبيق المباني الحكمية والأصولية والفقهية. فالحكمة، التي تنقسم إلى نظرية وعملية، تتناول بشكل عام «الكائنات» و«الواجبات»، والتي يُعبر عنها على التوالي بمدركات «العقل النظري» ومدركات «العقل العملي». وبما أن العديد من الموضوعات القرآنية تتعلق بمصاديق هذين العقلين، فإن بعض هذه الآراء يمكن أن تكون مفيدة في تحقيق المرجعية العلمية للقرآن الكريم على العلوم. من ناحية أخرى، يمكن لبعض القواعد الأدبية والمتطلبات الحاكمة على فضاء الدلالات، والاستظهارات، والقواعد الحاكمة على المحاورات في الفضاء العلمي للأصول والفقه أن تمهد الطريق لعملية تحقيق المرجعية.

بشكل عام، حظيت مسألة المرجعية العلمية للقرآن الكريم باهتمام أكبر من قبل الباحثين في السنوات الأخيرة. وقد تم تأليف كتاب بعنوان «مرجعية القرآن العلمية» بجهود حجج الإسلام محمد صادق يوسفي مقدم وسيد أسد الله موسوي عبادي، وهو يضم مجموعة من المقابلات في إطار هذا الموضوع. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة أيضًا إلى المقالات التالية: «المرجعية العلمية للقرآن الكريم» (رضائي، 1396: 118/2-142)، «المرجعية العلمية للقرآن في مجال العلوم الإنسانية» (عالمي، 1395: 135-142)، «علاقة المرجعية العلمية للقرآن بالعالمية والخلود والشمولية» (طوسي وعالمي، 1396: 142-162) و«المرجعية العلمية للقرآن الكريم في دراسة النظام السياسي بنموذج العلم الديني لآية الله جوادي» (بهروزي لك وقاسمي، 1396: 198-221). كما يمكن ذكر مجموعة المقالات التالية: «المرجعية العلمية للقرآن من وجهة نظر آية الله الآصفي» بقلم محسن قمرزاده، «المرجعية العلمية للقرآن من وجهة نظر آية الله السبحاني» بجهود عيسى عيسى زاده، «مرجعية القرآن العلمية من وجهة نظر رشيد رضا» بقلم سيد علي أكبر حسيني، وكذلك «مرجعية القرآن العلمية من وجهة نظر سيد قطب» بقلم علي كريمي.

مع الأخذ في الاعتبار النقاط المذكورة أعلاه، يسعى هذا البحث إلى دراسة استلزامات المرجعية العلمية للقرآن الكريم، وبتعبير آخر، طريقة تحقيق المرجعية؛ لأن المرجعية مبنية على التفسير ومتوقفة عليه بنحو ما. وعليه، فإن هدف هذه المقالة هو كيفية الوصول إلى مرجعية القرآن الكريم، وبأي أداة وآلية يمكن تقديم قراءة صحيحة من نص القرآن لتحقيق المرجعية.

1. الإطار المفاهيمي

1-1. المرجعية العلمية

في الدراسات اللغوية، «المرجع» يعني «عاد» (ابن فارس، 1404: 490/2) أو «انصرف» (ابن منظور، 1414: 114/8) وهو بمعنى اسم المكان؛ «محل الرجوع ومكان العودة» (معين، 1371: 3996/3) والمرجعية مصدر جعلي من مادة «رجع» بمعنى العودة. (ابن منظور، 1414: 141/1).

يعتقد البعض حول المعنى الاصطلاحي لمرجعية القرآن أن «المرجعية تعني الاستفادة من البيانات والمعلومات القرآنية في سبيل تأسيس وتطوير العلوم الإنسانية». (طوسي وعالمي، 1396: 120) وفي رأي آخر، المرجعية تعني معالجة موضوع مدرج في القرآن، بحيث يكون القرآن مرجع البحث على شكل تفسير موضوعي؛ بمعنى أن الباحثين في مجال المعرفة يستفيدون من هذا المصدر المعرفي في مجال الأهداف والمباني وغيرها من العلوم المختلفة، وخاصة العلوم الإنسانية (رضائي، 1396: 2: 15). وفي نظر البعض، المرجعية تعني تقييم مسائل العلم بالقرآن، إما أن تكون جميع مسائل العلم قد بُحثت في القرآن، أو يمكن الاستفادة من القرآن في أخذ المباني والمنهج والمحتوى، بحيث لا يكون مخالفًا له أو متعارضًا معه (عظيمي، 1396: 164).

كما يرى البعض أن المرجعية تعني قبول سيادة القرآن في مجال المواقف العقدية والتحكم في الأفعال الإنسانية في مجال الحكمة العملية ووضع الجهود العلمية للإنسان في سبيل الوصول إلى السعادة والكمال الحقيقي؛ بحيث تسري روح التوحيد في أبعاد وجوانب المعرفة البشرية المختلفة. (طوسي وعالمي، 1396: 144).

في هذا البحث، تعني المرجعية العلمية للقرآن الكريم التأثير الهادف للقرآن على العلوم، وهذا الأمر يتحقق من خلال توسيع فهم النص وتوظيف المباني والنظريات حتى تتحقق المرجعية.

2-1. العلوم

يُعرف العلم في اللغة بأنه نقيض الجهل. (الفراهيدي، بلا تا: 152/2) «العلم» في اللغة يعادل المعرفة، الإدراك، الدراية، الفهم، وما شابه ذلك. وقد اعتبر البعض تعريفه بديهيًا. تعريف «المعرفة» غير ممكن، وكل ما يقال في تعريف المعرفة والعلم، لن يكون تعريفًا حقيقيًا، بل سيكون مجرد تعريف لفظي. «المعرفة» و«الإدراك» من المفاهيم البديهية ولا يمكن تعريفها. المعرفة غير قابلة للتعريف لأننا نعرف كل شيء بالعلم، ونوضحه بالعلم، فإذا أردنا تعريف العلم أيضًا، فسيكون هذا التعريف في إطار الدور. من ناحية أخرى، إذا أردنا تعريف العلم بغير العلم، فإن غير العلم ليس شيئًا يمكن به معرفة العلم. (جوادي آملي، 1370: 125 و 126) وفي تعريف آخر، العلم ليس بمعنى المعرفة، بل بمعنى مجموعة من القضايا التي اجتمعت حول مسألة ما، ويضمن ملاك وحدتها، ويترتب على هذه المجموعة من القضايا غرض وفائدة (الخميني، 1415: 35/1). العلم في هذا التعريف يشمل العلوم الطبيعية، والعلوم العقلية، والعلوم الاجتماعية وغيرها.

3-1. الاستلزامات

الاستلزام، من جذر (لزم) وباب استفعال، وهو بمعنى أن يكون الشيء مشروطًا بشيء آخر، وأن يكون لازمًا له، ومرتبطًا به؛ بحيث لا ينفصل عنه (ابن منظور، 1414: 541/12). الاستلزامات في هذه المقالة تعني المباني والمقتضيات التي تُطرح من أجل المرجعية وكيفية تحقيقها بالنسبة للعلوم. وبتعبير آخر، كل ما من شأنه أن ينظم المرجعية العلمية للقرآن الكريم بالنسبة للعلوم ويوسع من قدرة الاستفادة من نص القرآن، هو ما نقصده في هذه المقالة.

2. نتائج البحث

كما ذُكر سابقًا، فإن الهدف من كتابة هذه المقالة هو تعداد المباني والنظريات التي تُستخدم في تفسير بيانات القرآن وتنظم فهمها بما يتناسب مع احتياجات الزمان والمكان. بشكل عام، يمكن أن تكون لهذه المباني جوانب حكمية-عقلانية وأصولية-فقهية. قد يبدو أن المسائل المطروحة في علم الأصول قد صيغت أساسًا كأداة للاستنباط من الأدلة، وخاصة القرآن، ومع الأخذ في الاعتبار هذه النقطة، يجب دراسة جميع مسائل هذا العلم في هذه المقالة. ولكن الهدف من كتابة هذه المقالة هو دراسة المباني والنظريات التي تؤثر بشكل مباشر على فهم النص، وخاصة المباني التي إذا تم اعتبارها صحيحة، فإنها تضع طيفًا واسعًا من المعاني في متناول المفسر.

3. المباني الحكمية

1-3. العقل العملي والاعتباريات

إن المنهج المنظّم والنسقي لفهم تعاليم القرآن الكريم هو من سياسات المرجعية العلمية للقرآن الكريم. يعتقد الكاتب أن هذا المنهج يمكن أن ينظم «طرق تحقيق المرجعية» من خلال الانضباط. من بين المباحث التي يمكن أن تساعد في هذا الضبط، «نظرية الاعتباريات» التي طرحها العلامة الطباطبائي والإمام الخميني كأساس للحكمة العملية، ويمكن أن تقدم رؤية جديدة في تحليل البيانات وفهم القضايا أمام الباحثين.

الاعتباريات هي مدركات معقدة مرتبطة باستمرار بمعنيين حقيقيين (الحاجة والغرض)، ورغم أنها تنطبق على الخارج، إلا أنها لا تتحقق ولا تقع في الخارج بصرف النظر عن تعقلها. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى معنى «الرئاسة» الذي يستطيع الرئيس من خلاله إدارة شؤون مجال رئاسته وجلب طاعة مرؤوسيه، ولكن إذا تأملنا قليلًا في الأمر، نجد أنه في الخارج لا يوجد واقع سوى الإنسان والعين الخارجية، وإذا لم يكن هناك تعقل وتصور، فلا يوجد عين ولا أثر لمفهوم الرئاسة والرئيس والمرؤوس في الخارج. بناءً على ذلك، ندرك بالبداهة أنه في مثل هذه المعاني، يحدث الكثير من الاختلاف والتغيير والتبدل حسب اختلاف أنظار العقلاء. (الطباطبائي، 1428: 51) يؤكد المرحوم الإمام أيضًا في آثاره على ضرورة عدم الخلط بين أمور التكوين والتشريع (الاعتباريات) وأحكامها، وفي ظل هذه المباحث، يقوم بتبيين خصائص هذين الأمرين (الحقائق والاعتباريات) (الخميني، 1417: 68؛ نفسه، 1415: 35/1 و 155).

والآن، في رأي الكاتب، إذا تم إعادة النظر في العديد من الموضوعات القرآنية – سواء الكلية أو الجزئية – من منظور الاعتباريات، فسيفتح أفق جديد أمام المرجعية العلمية للقرآن؛ لأنها تساعد في مواءمة البيانات القرآنية مع العلوم وموضوعاتها. على الرغم من أنه في عقيدة الشيعة، القرآن «هدى للناس» (البقرة: 158) و«تبيانًا لكل شيء» (النحل: 89)، إلا أنه لكشف هذه الموضوعات المستجدة والعصرية، يتطلب الأمر توسعًا في الموضوعات، وهذا التوسع يمكن أن يتم بمساعدة الاعتباريات. الاعتباريات هي تحليل إنساني للإنسان، وبناءً على ذلك، ينظم الإنسان في العالم أداءه فقط وفقط من خلال نافذة الاعتباريات.

لقد تناول المرحوم العلامة الطباطبائي في المقالة السادسة من أصول الفلسفة نظرية الاعتباريات وبحثها من حيث التحليل الإنساني. يقسم الإدراكات إلى حقيقية واعتبارية تبعًا لتنوع الواقع. يبدأ المقالة السادسة بأكثر القضايا اعتبارية، أي شعر هذه المقالة، ويطبق جميع نقاط وأحكام الاعتباريات عليه. يعتقد أنه عندما نقيم كنايات واستعارات هذه الأشعار من وجهة نظر واقعية-فلسفية ونميز مطابقة وعدم مطابقة هذه المفاهيم مع الخارج، نرى أن مفردات هذه الأشعار لا تتطابق مع المصاديق الخارجية ونشخص تراكيبها وقضاياها على أنها كاذبة، في حين يترتب على هذه الأشعار آثار عملية كبيرة. يرى في رسالة الاعتباريات، أن الاعتبار هو «إعطاء حد شيء لشيء» بتصرف الوهم. (الطباطبائي، 1387: 129) بعبارة أخرى، في الاعتباريات، نُنزل شيئًا منزلة شيء آخر ونُسري آثار الثاني على الأول، وهذا الأمر يتم بتصرف قوة الوهم والخيال. هذه المعاني الوهمية تتطابق في عالم التوهم، على الرغم من أنها لا تملك مطابقًا في العالم الخارجي؛ أي أن الإنسان في عالم الخيال والتوهم هو مصداق للأسد أو القمر. وبتعبير آخر، في تصور الشخص، يُعطى حد الأسد أو القمر للإنسان، ويدعي المتكلم أن «الإنسان أسد أو قمر». كل معنى وهمي يستند إلى حقيقة، أي أن كل حد وهمي نعطيه لمصداق ما، مأخوذ من مصداق واقعي، وبالتالي فإننا نعطيه آثارًا حقيقية وواقعية لمصداق الأسد الواقعي. بالطبع، يجب الانتباه إلى هذه النقطة، وهي أن المعتبر – فردًا أو عقلاء – لا يلتفت إلى كون الشيء اعتباريًا ويراه واقعيًا بالكامل، ولكن من وجهة نظر فلسفية وجودية ونظرة واقعية شاملة، نطبق أحكام الاعتباريات عليه.

بناءً على ذلك، فإن الإنسان أو أي كائن حي (بقدر شعوره الغريزي) يخلق سلسلة من الإدراكات والأفكار نتيجة لإحساساته الداخلية، التي هي وليدة سلسلة من الاحتياجات الوجودية المتعلقة بتركيبته الخاصة، والتي لها علاقة خاصة بالإحساسات المذكورة، وكنتيجة وغاية، ترفع الاحتياجات المذكورة وتزول وتتبدل ببقاء وزوال وتبدل العوامل الإحساسية أو النتائج المطلوبة. (الطباطبائي، 1387: 116) من هنا، فإن نقطة البداية في الإدراكات الاعتبارية – مدركات العقل العملي – هي الحاجة التي تتوسع وتتسع بسببها هذه الاعتباريات. بناءً على ذلك، فإن نطاق وحدود حياة الإنسان الدنيوية، تنقسم الاعتباريات إلى نوعين: ما قبل الاجتماع وما بعد الاجتماع. بعبارة أخرى، الإنسان بدخوله إلى النشأة الدنيوية التي لا غاية للحياة فيها سوى الخيال، يخطو في دهليز الاعتباريات وينظم حياته بالاعتماد عليها. قضايا مثل المجتمع، الأمن، الجهاد، وكذلك التحليلات اللغوية والتسميات وتوسيع وظائف الموضوعات وغيرها من منظور الاعتباريات تتخذ شكلاً آخر، بحيث تظهر وظائف بعض الموضوعات اليوم في شكل مختلف.

على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الآية 60 من سورة الأنفال والأمر بـ«تقوية السلاح والأدوات الحربية» كأمر اعتباري يحتاجه الإنسان بطبيعة الحال لبقائه، ويستخدم أدوات مختلفة لأمنه حسب الزمان والمكان. «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ». كلمة «قوة» تعني كل ما يمكن به إنجاز عمل معين، وفي الحرب تعني كل ما يمكن به الحرب والدفاع؛ مثل أنواع الأسلحة والمحاربين ذوي الخبرة والسوابق الحربية والتشكيلات العسكرية (الطباطبائي، 1390: 114/9). بتعبير العلامة الطباطبائي، كانت كلمة «سلاح» تستخدم في مصداق «الخشب والعصا»، ثم أُطلقت على «السيف والرمح»، واليوم تُستخدم في أدوات الحرب المتقدمة مثل البنادق والدبابات والصواريخ وغيرها (نفسه، 10/1). في مقام نزول القرآن، كان المصداق البارز لهذه الآية مصداقًا واحدًا، ولكن اليوم إما أن تلك المصاديق غير موجودة أو تغيرت بشكل ملحوظ، ولكن التسمية والوظيفة لا تزال باقية؛ لأن العقلاء يعتبرون أن وظيفة هذا اللفظ هي إيصال المعنى إلى المقصود، وفي توسيع مصاديق هذه الآية يمكن الإشارة أيضًا إلى الحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، وأدوات الذكاء الاصطناعي.

2-3. المباني الأصولية

1-2-3. الخطابات القانونية

أن تكون لنا قراءة قانونية من خطابات القرآن وحتى الروايات، يتطلب صياغة جديدة في نظرة علماء الأصول. كان الفضاء الفكري السائد في علم الأصول، الذي وظيفته استنباط الحكم الشرعي من الأدلة، فردي المحور، بمعنى أن العلاقة بين الشارع والمكلفين قد تشكلت في علاقة تقليدية بين العبد والمولى ونظام بين الاثنين. ولهذا السبب، بمجرد أن يعجز العبد عن شروط التكليف، لم يكونوا يرون الخطاب موجهًا إليه. قدم حضرة الإمام صياغة جديدة لهذه المسألة في مباحث الضد، حيث أظهروا أن نظرتنا إلى الخطابات الشرعية لا ينبغي أن تبتعد عن فضاء التقنين العقلائي؛ لأن الشارع في سلوكه ومسلكه في بيان الأوامر لم يؤسس طريقة خاصة، ومن حيث البنية، تحرك في نفس مسار التشريع العقلائي. (الخميني، 1415: 27/2).

على الرغم من أنه يمكن بيان مسيرة تطور وتاريخ للحكمة والعرفان لهذه النظرية، إلا أنه نظرًا لأن همّ هذه المقالة هو حل مسألة المرجعية العلمية، فإننا نتغاضى عن هذه المباحث ونركز فقط على أصل النظرية ووظيفتها في المرجعية العلمية للقرآن. لقد تشكلت صياغة هذه النظرية في فضاء الأصول وفي تطبيق مسألة فقهية، حيث ينشغل المكلف بالصلاة بسبب عدم إزالة النجاسة من المسجد، وقد لجأ محققو الأصوليين إلى كفاية وجود الأمر لتصحيح عبادة المكلف بالترتب (النائيني، 1376: 324/1-361؛ الآخوند، 1409: 134). يقول حضرة الإمام، على أساس أن القدرة والشروط العقلية الأخرى لا تتدخل في فعلية الخطابات، إذا لاحظنا القوانين المدنية والاجتماعية، نجد أنها لا تأخذ في الاعتبار القدرة الشخصية وغيرها من الشروط العقلية في فعليتها، بل إن تشخيص وإحراز شروط التكليف من قبل المشرعين غير ممكن أصلًا. ولهذا السبب، فإن كون الخطاب لغوًا منوط بتشخيص المقنن وكيفية تأثيره على معظم المكلفين وتقييمه. فربما إذا تم أخذ جميع حالات المكلفين في الاعتبار عند جعل القوانين، يحدث خلل في التشريع. ولهذا السبب، في معظم الأوقات، لا يعرف أفراد المجتمع القوانين، ولكن مع ذلك، يتم وضع القانون ويتم وضع تبصرات وعقوبات له؛ لأن مجرد صلاحية القانون للتنفيذ من قبل معظم المكلفين كافٍ لجعل القانون. (الخميني، 1376: 47/3) ولهذا السبب، ينشئ المشرع الأحكام بوصف الكلية والقانونية، ثم يبحث في الاستثناءات ومقتضيات التنفيذ. بمجرد اكتمال نصاب مقدمات الحكم وارتفاع موانع التنفيذ، يصبح الحكم فعليًا. (نفسه، 1415: 40/1) بناءً على ذلك، يمكن للخطابات القانونية أن توفر للمفسر ظروفًا للنظر بنظرة شمولية إلى الخطابات القرآنية وحل ثنائية الشريعة والقانون التي لها تاريخ طويل في تاريخ تنويرنا، ثم وضع هذه الخطابات كقانون كلي في متن المجتمع وكذلك منظومة الشريعة. إن هذا القالب التشريعي في ت社会化 فهم القرآن، وديناميكية الأوامر القرآنية، وعدم التوقف بالنسبة للآليات القابلة للتغيير وغيرها من متطلبات تمهيد المرجعية العلمية للقرآن.

2-2-3. استعمال اللفظ في أكثر من معنى

من المسائل الأصولية التي تؤثر في دلالة النص وتعدد معاني القرآن، نظرية «استعمال اللفظ في المعاني المتعددة» التي قُدمت آراء مختلفة بشأنها. وفي هذا السياق، يرى البعض أن هذا الاستعمال غير صحيح مطلقًا بأدلة عقلية (الآخوند الخراساني، 1409: 36؛ النائيني، 1352: 76/1؛ المظفر، 1387: 51)، ويرى البعض الآخر أنه صحيح (الخوئي، 1422: 237/1؛ الخميني، 1415: 180/1). كما أن هناك من يرى عدم جوازه من حيث اللغة والقواعد اللغوية. (الرشتي، بلا تا: 1363).

بغض النظر عن الدراسة التفصيلية لهذه الآراء، يجب أن يكون المحور الرئيسي للمسألة قيد البحث حتى يتضح تأثيرها على توسيع المعنى القرآني. من خلال دراسة حجج المؤيدين والمعارضين، يمكن اعتبار محور الحكم في مثل هذه المسألة هو الخلط بين الأمور التكوينية والاعتبارية ومقتضياتها؛ لأن الفضاء العرفي-العقلائي للتفهيم والتفاهم غريب عن الممارسات العقلانية والتحليلات الدقيقة. ولهذا السبب، فإن معيار الحكم في مثل هذه المسألة هو القواعد المتعارف عليها في فضاء التفهيم والتفاهم، وهل «استعمال اللفظ في أكثر من معنى» له حسن عقلائي أم لا؟ بما أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست من باب الفناء؛ لأنه بالوجدان، اللفظ والمعنى شيئان مستقلان، وإذا كانا فانيين في بعضهما، لسرت حالات أحدهما على الآخر، في حين أن الأمر ليس كذلك، اللفظ علامة للمعنى. يجب البحث عن كون هذه العلاقة علامة عند العرف والارتكازات العقلائية، وما هي الوظيفة التي اعتبرها العقلاء لهذا الاستعمال. من الواضح أن اتساع العلاقات بين العقلاء وتلبية احتياجاتهم دفعهم نحو وضع لفظ واحد لمعانٍ متعددة وألفاظ متعددة لمعنى واحد (اللنگرودي، 1376: 13/2). الآن بما أن هذا الاستعمال بعيد عن المنع العقلي والعقلائي، ووجدت نظائره في كلام البلغاء نثرًا ونظمًا، يمكن الاستفادة منه في الاستثمار المعنوي للقرآن لإضفاء المرجعية عليه.

3-2-3. الإطلاق

الإطلاق في اللغة يعني الإرسال، والشيوع، والتحرر، وعدم التقييد (مجموعة من المؤلفين، 1389: 224؛ ملكي أصفهاني، 1379: 139/1). معظم الأصوليين – بتسامح – لم يفرقوا بين الإطلاق والمطلق من حيث التعريف الاصطلاحي. على الرغم من أنه بنظرة غير متسامحة – المطلق، هو اللفظ الذي يدل على معنى ذي إطلاق؛ أي أنه يشمل جميع أفراد ماهية خاصة؛ مثل: «العالم» الذي يشمل جميع العلماء. الفرق بين الإطلاق والمطلق هو أن الإطلاق، أولًا وبالذات، صفة للمعنى، وثانيًا وبالعرض، يمكن أن يكون صفة للفظ أيضًا، ولكن المطلق، أولًا وبالذات، صفة للفظ الذي معناه مطلق، على الرغم من أنه ثانيًا وبالعرض، يمكن أن يكون صفة للمعنى أيضًا. (الجزائري، 1415: 678/3).

في كلمات الأصوليين، المطلق هو لفظ يدل على معنى شائع وسارٍ في جنسه (الميرزا القمي، 1378: 321/1؛ الآخوند الخراساني، 1409: 243). ولكن الإمام الخميني يعتقد أن الإطلاق صفة لفعل الفاعل الحكيم. التكلم، مثل سائر أفعال الإنسان، يجد طرفًا إضافيًا ويجب أن نأخذه في الاعتبار. كون الحكم مطلقًا وموضوعًا يعتبره العقلاء ليس سوى فعل اختياري للفاعل؛ ولهذا السبب، إذا تدخل شيء آخر في موضوع حكمه، كان يجب تقييد طبيعة الحكم به. (الخميني، 1375: 74). بناءً على ذلك، عندما يُوجه الإطلاق من «سكوت المتكلم اللفظي» نحو «فعل الفاعل الحكيم»، فإنه يرتبط بالمنطق الثبوتي للشريعة، وبما يتناسب معه، يوسع منطق الإثبات للشريعة أيضًا.

باكتشاف المنطق الثبوتي للشريعة، ننقل الشارع إلى العصر الحالي ونعتبر خطاباته ديناميكية ومستمرة. هذا الخطاب القانوني، مدعوم بمرتبتين ثبوتيتين للحكم (الإنشاء والفعلية)، وهو ما يوجد بتعبير الإمام في جميع القوانين السياسية-الاجتماعية الموضوعة. توضيح ذلك أن المشرع ينشئ الحكم بوصف كلي وقانوني، ثم يأخذ في الاعتبار استثناءاته وتبصراته بشكل كلي، ويلاحظ مقتضيات التنفيذ، ثم عندما تصل مقدمات ولوازم تنفيذ الحكم إلى النصاب، يصل الحكم إلى مرحلة الفعلية. (نفسه، 1415: 39/1) من هنا تفتح «المصلحة» أبوابها في مراعاة الأوامر الإلهية؛ لأن تقييم الموانع، وتوفير مقدمات تنفيذ الحكم، وغيرها من لوازم «استشعار المصلحة». سر التحليل الإنساني لهذه المسألة هو التغيير والتحول المستمر للموضوعات والمصالح والمفاسد الواقعية الاجتماعية التي يمكنها أساسًا، بسبب الحركة الإرادية والاختيارية للبشر، أن تحدد حركتهم الاجتماعية أيضًا. لذلك، فإن المشرع بأمر ثابت لا يتغير لا يواجه، بل يرسم ديناميكية في الواقع الاجتماعي تدفع المشرع والشارع نحو التخطيط للمتغيرات والظواهر المستجدة.

4-2-3. حجية الدلالات

القرآن الكريم نزل في إطار نص وبيانات لفظية؛ ولهذا السبب، فإنه يجلب دلالات مختلفة للباحثين فيه. لتحديد دلالة اللفظ على المعنى، تُتصور حالات مختلفة، وقد تم قبول حجية بعضها بوضوح من قبل علماء الأصول والتفسير؛ لأنها مبنية على حجية الظهور العقلائي والارتكازات العرفية. الدلالة المطابقية والتضمنية بمعنى دلالة على تمام المعنى أو جزء من المعنى هي من الدلالات المقبولة، ولكن قبول حجية الدلالة الالتزامية بمعنى دلالة اللفظ على الملازم العقلي أو العرفي له، هو محل خلاف بين الأصوليين؛ لأنهم يعتبرونها ثبوتًا وإثباتًا تابعة للدلالة المطابقية. (الخوئي، 1422: 565/2) من الواضح أن الدلالات الالتزامية يمكن أن تساعد المفسر في تلقي معانٍ أكثر بالنسبة للموضوعات الخارجية وتحقق المرجعية العلمية للقرآن بالنسبة للعلوم الأخرى. على سبيل المثال، من مصاديق الدلالات الالتزامية التي تشتهر أيضًا بدلالة «السياق»، «دلالة الإشارة» التي هي دلالة آيتين من القرآن على أقل مدة للحمل: «مدة الحمل والفصال (مدة الرضاعة) للإنسان ثلاثون شهرًا» (الأحقاف: 15) و«الأمهات يرضعن أولادهن حولين كاملين» (البقرة: 233). إذا طرحنا مدة عامين من ثلاثين شهرًا، يتبقى ستة أشهر، وبهذا يُفهم أن هذه الستة أشهر هي أقل مدة للحمل، ويمكن الاستفادة منها في تربية الطفل والمسائل الطبية، بما في ذلك مدة الرضاعة للأم وغيرها.

5-2-3. التصوير الجامع في الصحيح والأعم

في بداية الأمر، قد يكون مدى صلة هذه المسألة بتحقيق مرجعية القرآن محل تساؤل، ولكن يمكن الاستفادة من هذه المسألة في تحليل بعض المركبات الاعتبارية؛ مثل الأمة، والدفاع ولوازمه، والحكم الذي يجد مصاديق جديدة ومحدثة مع مرور الزمن. اختلف الأصوليون حول ما إذا كانت أسماء العبادات والمعاملات موضوعة للصحيح أم للأعم من الصحيح والفاسد: يعتقد البعض أن الأسماء موضوعة للصحيح (الآخوند الخراساني، 1409: 23)، ويعتقد آخرون أن الأسماء موضوعة للأعم من الصحيح والفاسد (المظفر، 1387: 58). المحور الأساسي لمسألة «الصحيح والأعم» في باب ألفاظ الأصول، هو التصوير الجامع بناءً على كلا المبدأين؛ بمعنى أن كلا الرأيين يجب أن يكونا مبررين للصياغة التي تصور روايات العبادات والمعاملات من المركبات الاعتبارية في باب الأجزاء والشروط. (الآخوند الخراساني، 1430: 54/1-60؛ الميرزا القمي، 1378: 35) يعتقد حضرة الإمام أن وضع الألفاظ للمركبات – الحقيقية أو الاعتبارية – يتم بعدة طرق: 1. يُعتبر لها هيئة ومادة خاصة؛ بحيث إذا حدث فيها أدنى تغيير، يتغير التسمية. 2. تُلاحظ فيها هيئة خاصة، ولكن بالنسبة للمواد، فهي لا بشرط. 3. تُلاحظ فيها مادة خاصة، ولكن بالنسبة للهيئة، فهي لا بشرط. 4. لا تُلاحظ فيها مادة خاصة ولا هيئة خاصة.

يعتقد أن معظم المركبات من النوع الرابع. بعبارة أخرى، كيفية وضع الألفاظ لمعانيها، بالنسبة للمادة والهيئة، هي لا بشرط، والواضع في مقام الاعتبار، يربط بين اللفظ والمعنى غرضًا خاصًا وأثرًا يترتب على الشيء الاعتباري – وهذا هو إفادة المعنى عند استعمال اللفظ. هذه العملية توجد حتى في المركبات غير الشرعية، مثل البيت الذي هو مكان للسكن، وشكله وهيكله وحتى المواد المستخدمة فيه لا تدخل في إفادة المعنى. (اللنگرودي، 1376: 364/1-368) في الشرعيات مثل الصلاة، الأمر كذلك؛ أي لا مادة معينة مثل القراءة وغيرها تدخل فيها، ولا هيئة معينة مثل القيام والركوع وغيرها، لا سيما في موضوع له اللفظ، الصلاة لا دخل لها. ولهذا السبب، تُخلق للصلاة مراتب ومصاديق مختلفة تختلف حسب الوضع الذي يكون فيه المكلف. بعبارة أخرى، صلاة الغريق يمكن أن تكون له معراجًا وناهية عن الفحشاء والمنكر. صلاة الشخص الذي في حالة عادية أو سليم جسديًا، لديها القدرة على الوصول إلى غرض تشريع الصلاة. (اللنكراني، 1377: 187/2-190).

في بعض الحالات، لا تسير الشروط على هذا النحو وتحدث تغييرات في الجزء أو الشرط، ومع ذلك، لا يرى الواضع أو المخترع ضرورة لإجراء وضع جديد فيما يتعلق بهذا المركب الناقص، بل يوسع دائرة وضعه، بحيث يشمل المركب الناقص أو الذي أضيف إليه شيء. ولكن في بعض الأحيان، يقتضي الحسن العقلائي والكمالية والفضيلة وتناسب أجزاء الشيء – في المادة أو الهيئة – اللجوء إلى وضع جديد في مقام التسمية ووضع اللفظ لذلك المعنى. (الخميني، 1415: 175/1) ولهذا السبب، يمكن لهذه المسألة أن توسع من التردد اللفظي والمفاهيمي للقرآن الكريم وتضعه في خدمة مرجعية القرآن.

6-2-3. وجود اللفظ المشترك والترادف

لطالما كان السياق اللفظي المشترك في القرآن أو الترادف محل اهتمام باحثي القرآن. أنكره البعض من الأساس؛ لأن الأصل والأساس في اللغة هو التوضيح وتبيين المعنى، والاشتراك يسبب الإبهام في المعنى؛ ولهذا السبب، فإن السياق المشترك مخالف للحكمة. (السيوطي، بلا تا: 20/1-50) في المقابل، يوافق البعض على هذا النوع من البناء اللفظي؛ لأن الحروف محدودة والمعاني المقصودة كثيرة؛ ولهذا السبب، لا مفر من قبول السياق المشترك والترادفي للألفاظ (السيوطي، بلا تا: 69/1؛ الخميني، 1376: 16/2). جوهر المسألة يكمن في أن الأمم، وخاصة قبائل العرب في بداية الأمر، كانت تستفيد من بنية بسيطة ولم يكن لها ارتباط بالآخرين. كانت القبائل تعيش كجزر متجاورة، وكل قبيلة كانت تضع ألفاظًا لنفسها بقدر احتياجاتها للتفاهم. ارتباط القبائل ببعضها البعض وسيطرة إحداها على الأخرى، وحتى ارتباط العرب بالعجم وغيرهم، أدى إلى أن يرثوا ألفاظًا لمعنى واحد ولفظًا واحدًا لمعانٍ متعددة، والأنس الذهني والعلاقة والمناسبات الطبيعية بين اللفظ والمعنى أدت إلى أن تكتسب المعاني الثانوية أيضًا وظيفة المعاني الأولية، وفي الاصطلاح، تنتقل من ساحة «المجاز» إلى «الحقيقة». (الخميني، 1376: 17/2) مع الأخذ في الاعتبار هذه الحكمة، وبغض النظر عن الإشكالات والتحديات التي تواجه هذا السياق اللفظي، يمكن اعتباره مؤثرًا في توسيع المعنى وقبول النص للأفكار، وجاذبية المعنى وغيرها.

في هذا السياق، يمكن اعتبار حديث النبي (ص) دالًا على تأييد هذا البناء اللفظي، حيث قال: «القرآن ذلول ذو وجوه، فاحملوه على أحسن الوجوه»؛ «القرآن طيع وله وجوه، فاحملوه على أفضل وجوهه». (الزركشي، 1410، 163/2) أو يمكن الاستشهاد بقول أمير المؤمنين: «لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون»؛ «لا تجادلهم بالقرآن، فإن القرآن له احتمالات ووجوه، فأنت تقول شيئًا وهم يقولون شيئًا آخر». (المجلسي، 1403: 245/2).

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى لفظ «صلاة» في «أقيموا الصلاة» الذي هو مشترك بين المعنى اللغوي «الدعاء» والمعنى الشرعي «الصلاة»، والذي شُرّع في دين الإسلام فقط كمنسك خاص. كما في الآية الكريمة «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» (الحج: 18). كلمة «سجدة» لفظ مشترك بين معنيين: وضع الجبين على الأرض، والانقياد والخضوع. كما أن كلمة «جهاد» في القرآن الكريم استُخدمت في الجهاد العسكري وفي الجهاد الأخلاقي – جهاد النفس.

3-3. المباني الفقهية

من بين المباني التي يمكن للباحث الاستعانة بها في الفهم التفسيري للقرآن وإضفاء المرجعية عليه، «تنقيح المناط» و«إلغاء الخصوصية». بما أن هذه المباني في الكتب الأصولية المتعارف عليها لم تُدرج ضمن أدوات الفهم والاستظهار، ويُواجه بها في الغالب بشكل وظيفي وعملي في الفقه، فإننا ندرسها في قسم منفصل.

1-3-3. تنقيح المناط

التنقيح في اللغة يعني تهذيب الزوائد (جعفري لنگرودي، 1376: 78)، وفي معنى آخر، استخراج نخاع العظم من شيء ما (ابن منظور، 1405: 253/14). هذه المسألة، التي هي من طرق تعليل وتعميم الحكم، لها دور كبير في تنقيح وتخليص الحكم وتجريده من الأوصاف والخصوصيات الزائدة المصاحبة. يعتبر الشيخ الأعظم الأنصاري تنقيح المناط من أسباب التعدي (الأنصاري، 1404: 72)، والذي يتم أحيانًا عن طريق الألفاظ وأحيانًا عن طريق غير الألفاظ، ويُقبل في حالة كونه قطعيًا. (نفسه، 215) على الرغم من أن معظم الفقهاء في مجال العمل محافظون، إلا أنه يمكن الاستفادة من هذه الطريقة في توسيع الأحكام والتعليمات الفردية والاجتماعية. الحس الفقهي أو الذوق الفقهي هو من العوامل المؤثرة في كشف المناط. إن إعطاء الاعتبار لهذا التنقيح مرهون بحجية الاستظهارات العقلائية. على سبيل المثال، يمكن التمسك بآية اعتبرت علة حرمة الربا هي «الظلم» (الخميني، 1376: 406/2-415) حيث يقول: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» (البقرة: 279)؛ ولهذا السبب، يمكن ترتيب الأثر في الحالات الاقتصادية الأخرى التي تخلق مثل هذه المفسدة، والاستفادة منها في مسائل مثل حساب المهر بسعر اليوم والمسائل المصرفية وغيرها.

2-3-3. إلغاء الخصوصية

من المسائل التي يمكن أن تكون مؤثرة في إضفاء المرجعية على القرآن، «إلغاء الخصوصية». على الرغم من أن بعض العلماء اعتبروا «إلغاء الخصوصية» و«تنقيح المناط» شيئًا واحدًا (الحلي، 1423: 185)، إلا أننا قمنا بتفريقهما لتوضيح المسألة. إلغاء الخصوصية أو إلغاء الفارق هو من الطرق التي يستخرج بها المجتهد قصد الشارع أو المشرع من نصه، ويعمم حكمه على حالات وموضوعات أخرى لا يوجد نص بشأنها (ويُظن أنه لا علاقة لهذا الحكم بها). في إلغاء الخصوصية بالنسبة للمورد والموضوع الذي ورد فيه نص من الشارع، يدرس المجتهد جميع خصوصيات الموضوع أو مورد الحكم، ويلغي تلك الخصوصيات التي يتيقن أن تعلق الحكم بالموضوع لم يكن بسبب وجودها في الموضوع، وبهذه الطريقة يُدخل أفرادًا أكثر في الموضوع ويوسع من عموميته. وبهذه الصورة، يوضح حكم موضوعات أخرى لم يرد نص بشأنها، ويوجد شك في تعلق هذا الحكم بها. (الآخوند الخراساني، 1409: 450).

وعليه، فإن الفرق بين إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط هو أن تنقيح المناط هو الحصول على الملاك والحكم بحذف الخصوصيات التي يُظن أنها جزء من العلة. نتيجة هذا الأمر هو شمول موضوع الحكم، ولكن إلغاء الخصوصية هو حذف خصائص المورد المنصوص عليه؛ على الرغم من عدم وجود احتمال لكون المحذوف علة. ولهذا السبب، في إلغاء الخصوصية، بمجرد حذف الأوصاف، يعم الحكم، على الرغم من أن كونه علة غير معلوم.

الخاتمة

مرجعية القرآن العلمية هي تيار علمي مستجد يتطلب توفير أسس علمية مناسبة لتفعيله؛ لأن تحقيق هذا الأمر يستلزم الكشف عن دلالات القرآن الكريم ومواءمة فهم النص مع الواقع الاجتماعي ومسائل العلوم. كان الهدف من هذه المقالة تمهيد الطريق لتفسير النص بمنهجية توسيع الفهم باستخدام الأدوات المتداولة في العلوم الإسلامية. في البداية، قد يبدو أن كل هذه العلوم من المفترض أن تكون في خدمة القرآن والروايات، وما هو ترجيح هذه المباني والمسائل على غيرها من الآراء؟ سعت هذه المقالة إلى إعطاء الأولوية للمباني التي لها تدخل مباشر في فهم النص وكذلك القدرة على توسيع المفاهيم والاستظهارات وتبيينها. والجدير بالذكر أن الكاتب لا يدعي إحصاء جميع المباني اللازمة في تفسير النص، بل تم بحث ما كان مؤثرًا من وجهة نظر الكاتب.

في هذا السياق، في المباني الحكمية، تمت الإشارة إلى منهجية الاعتباريات في تفسير النص والقدرة التي يمتلكها هذا المبدأ في توسيع الموضوعات. وفي المباني الأصولية، تمت الإشارة إلى مبانٍ منها الخطابات القانونية، والترادف والاشتراك، واستعمال اللفظ في الأكثر وغيرها، وفي المباني الفقهية، تم تبيين إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط كأداتين للتحرر من الجمود على النص. من المتوقع أن يُتابع هذا الهدف التفسيري، وأن يُعاد النظر في منهجيات وأدوات فهم النص، حتى يتضح دورها في مجال تفسير النص، وفي هذا السياق، تتضح أوجه القصور والنقص في مجال التفسير.

قائمة المصادر

1. القرآن الكريم.

2. ابن فارس، أحمد (1415هـ)، معجم مقاييس اللغة، قم: دار الفكر.

3. ابن منظور، محمد بن مكرم (1414هـ)، لسان العرب، قم: نشر أدب الحوزة.

4. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1409هـ)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

5. الأنصاري، مرتضى (1404هـ)، الاجتهاد والتقليد، قم: مكتبة مفيد.

6. الأنصاري، مرتضى (1415هـ)، الحاشية على استصحاب القوانين، قم: المؤتمر العالمي.

7. باكتجي، أحمد، مقالة دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، متاحة على: http://www.cgie.org.ir.

8. الجزائري، محمد جعفر (1415هـ)، منتهى الدراية في توضيح الكفاية، قم: مؤسسة دار الكتاب.

9. الجعفري اللنكرودي، محمد جعفر (1376ش)، موسوعة الحقوق، طهران: أمير كبير.

10. جماعة من المؤلفين (1389ش)، معجم مصطلحات أصول الفقه، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية.

11. الجوادي الآملي، عبد الله (1370ش)، نظرية المعرفة في القرآن، قم: مركز إدارة الحوزة العلمية.

12. الحلي، جعفر بن الحسن (1423هـ)، معارج الأصول، لندن: مؤسسة الإمام علي (ع).

13. الخميني، السيد روح الله (1375ش)، التعادل والتراجيح، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

14. الخميني، السيد روح الله (1376ش)، جواهر الأصول، تعليقات اللنكرودي، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

15. الخميني، السيد روح الله (1410هـ)، كتاب البيع، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

16. الخميني، السيد روح الله (1415هـ)، أنوار الهداية على تعليقة الكفاية، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

17. الخميني، السيد روح الله (1415هـ)، مناهج الوصول إلى علم الأصول، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

18. الخميني، السيد روح الله (1417هـ)، الاستصحاب، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

19. الخوئي، السيد أبو القاسم (1422هـ)، محاضرات في أصول الفقه، تقريرات فياض، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

20. ربيع نتاج، سيد علي أكبر (1384ش)، «الاشتراك اللفظي في القرآن»، مجلة كلية العلوم الإنسانية، جامعة سمنان، العدد 10، ص 169-188.

21. الرشتي، حبيب الله (بلا تا)، بدائع الأفكار، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

22. رضائي، محمد علي (1392ش)، منطق تفسير القرآن، القرآن وعلوم الطبيعة والإنسان، قم: جامعة المصطفى العالمية.

23. رضائي، محمد علي (1396ش)، «مرجعية القرآن العلمية»، في مجموعة مقالات القرآن والعلوم الإنسانية، قم: جامعة المصطفى العالمية.

24. الزركشي، محمد بن بهادر (1410هـ)، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة.

25. السبزواري، الملا هادي (بلا تا)، شرح المنظومة، حواشي محمد تقي آملي، بيروت: دار المرتضى للنشر.

26. السيوطي، جلال الدين (1363ش)، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: منشورات الرضي.

27. الطباطبائي، السيد محمد حسين (1387ش)، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، طهران: صدرا.

28. الطباطبائي، السيد محمد حسين (1390ش)، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر النشر الإسلامي.

29. الطباطبائي، السيد محمد حسين (1428هـ)، الإنسان والعقيدة، قم: باقيات.

30. الطوسي، محمد رضا؛ العالمي، عبد الرؤوف (1396ش)، «علاقة المرجعية العلمية للقرآن بالعالمية والخلود والشمولية»، في مجموعة مقالات، قم: نشر المصطفى.

31. العالمي، عبد الرؤوف (1395ش)، «مرجعية القرآن العلمية في العلوم الإنسانية»، مجلة بحوث العلوم الإنسانية الإسلامية، العدد 5، ص 78-104.

32. العظيمي الجرجاني، هادي (1391ش)، «دراسة دلالية لتنقيح المناط مقارنة بالمفاهيم المشابهة ومنهجيتها»، دراسات إسلامية: الفقه والأصول، السنة 44، العدد 90، ص 127-154.

33. العظيمي، محمد شريفة (1396ش)، «ماهية وكيفية مرجعية القرآن في العلوم الإنسانية»، في مجموعة مقالات، قم: نشر المصطفى.

34. الفراهيدي، الخليل بن أحمد (بلا تا)، العين، قم: دار ومكتبة الهلال.

35. المجلسي، محمد باقر (1403هـ)، بحار الأنوار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

36. المظفر، محمد رضا (1387ش)، أصول الفقه، قم: بوستان كتاب.

37. الملكي الأصفهاني، مجتبى (1379ش)، فرهنگ اصطلاحات الأصول، قم: عالمة.

38. النائيني، محمد حسين (1352ش)، أجود التقريرات، تقريرات أبو القاسم الخوئي، قم: مطبعة العرفان.

39. النائيني، محمد حسين (1376ش)، فوائد الأصول، قم: جامعة مدرسي الحوزة العلمية بقم.

Scroll to Top