الملخص
إن كيفية تحريم الخمر من منظور القرآن الكريم والدور المحوري لآية «سُكارى» في هذا الصدد، قد أدى إلى تقابل رؤيتين حول التحريم التدريجي والدفعي للخمر. وتشير نتائج البحث، الذي اعتمد على الدراسة المكتبية والمنهج التحليلي-الوصفي، إلى أن «سكر النوم» بمعنى «سُكارى» في نظرية الحرمة الدفعية للخمر، هو أمر قابل للإثبات بالأدلة القرآنية والمؤيدات الروائية والعقلية. في المقابل، فإن رؤية «سكر الخمر» في الآية، والتي تشكل أساس نظرية التحريم التدريجي، قد ثبت عدم انسجامها مع آيات القرآن من حيث التناقض المضموني. وبنقد «سكر الخمر» في معنى «سُكارى»، فإن جميع أسباب النزول في نظرية التحريم التدريجي في تفاسير العامة، والتي تهدف إلى الدفاع عن شرب بعضهم للخمر ونسبة ذلك ظلمًا إلى آخرين، بتبرير غير صحيح لعدم تحريم الخمر حتى نزول الآية، تخرج موضوعًا عن نطاق هذه الآية. ومن الآثار المترتبة على نظرية التحريم الدفعي، بالإضافة إلى عدم إمكانية تبرير شرب بعض الصحابة للخمر في المدينة، هو تفكيك إعلان حكم تحريم الخمر في مكة وتأخير إجراء حد شرب الخمر في المدينة، مما أوجد دافعًا قويًا للترك، وكان نوعًا من أساليب المداراة التربوية في الإسلام.
بيان المسألة
مسألة تحريم الخمر في الإسلام من المسلّمات الدينية والقرآنية، والتي قُدّمت أدلة عقلية ونقلية كثيرة لإثباتها. ومع ذلك، فإن دراسة كيفية تحريم الخمر من منظور آيات القرآن تؤدي إلى تقابل رؤيتين في العالم الإسلامي: نظرية التحريم التدريجي للخمر ونظرية حرمته الدفعية. إن الاهتمام بسبب نزول وتفسير آية «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى» (النساء: 43)، هو أساس ومحور التقابل بين الرؤيتين في تحريم الخمر. تستند النظرية المشهورة في العالم الإسلامي حول التحريم التدريجي للخمر إلى أن المراد بـ«سُكارى» في هذه الآية هو سُكْر الخمر، وفي المقابل، تقوم نظرية الحرمة الدفعية للخمر على أساس أن المراد بـ«سُكارى» في هذه الآية هو سُكْر النوم. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذا التساؤل: هل يمكن لتفسير آية «سُكارى» أن يكون أساسًا للتقابل بين رؤيتي التحريم التدريجي أو الدفعي للخمر، أم أن آية «سُكارى» خارجة موضوعًا عن مسألة الخمر؟
الأهمية والضرورة
في التنظير القرآني، يكتسب الوصول إلى النظرية الصحيحة، التي لا تخالف الآيات الإلهية وتخلو من أي تناقض مضموني، أهمية خاصة. إذا ثبت بالأدلة والقرائن القرآنية والروائية أن المراد بـ«سُكارى» في آية «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى» (النساء: 43) هو سُكْر النوم، وإذا قبلنا بأن الحرمة الدائمة والقطعية والمطلقة للخمر قد أُعلنت من قبل في السور المكية وفي أول سورة مدنية (البقرة)، تتضح ضرورة هذا البحث من وجوه متعددة:
أولًا: الحكم بسكر الخمر في مفهوم «سُكارى» في الرؤية التدريجية – التي ادُّعي الإجماع عليها أيضًا (الفخر الرازي، 1420: 396/6، 10: 85) – بالإضافة إلى عدم انسجامه مع آيات القرآن الأخرى، فإنه ينطوي على تناقض مضموني؛ وذلك لأن المؤمنين بهذه الرؤية يصرحون من جهة – لتبرير نظرية التحريم التدريجي بناءً على قانون التدريج العقلي – بأن سكر الخمر في المرحلة الأولى، بشهادة آية «سُكارى»، حُرِّم فقط وقت الصلاة، وهذا في حين أن آية «سُكارى» وردت في سادس سورة مدنية في سورة النساء. (الجوادي الآملي، 1389: 17: 23) ومن جهة أخرى، بنقض قانون التدريج والتصريح بأن سورة البقرة بإجماع هي من أوائل السور المدنية، يعتقدون بأن الحرمة الدائمة والقطعية والشاملة للخمر ثابتة بشهادة الآية 219 من سورة البقرة وكذلك في الآيات المكية (على سبيل المثال: النجم: 32، الأعراف: 33، والشورى: 37). (الطباطبائي، 1374: 194/2؛ الجوادي الآملي، 1389: 499/23)
ثانيًا: غالب تفاسير العامة تقول بحلية الخمر وعدم حرمته حتى نزول آية «سُكارى». (الطبري، 1412: 61/5-211؛ الزمخشري، 1407: 259/1 و513) ولكن في هذه المقالة سيُثبت أن هذه النظرة هي فهم خاطئ للآيات ونسبة غير صحيحة للقرآن.
ثالثًا: بإثبات الفرضية المذكورة في هذه المقالة، وهي أن المراد بـ«سُكارى» في الآية المذكورة هو سُكْر النوم لا سُكْر الخمر، فإن أسباب النزول المزيفة حول هذه الآية في تفاسير العامة، والتي تبرر عدم حرمة الخمر حتى نزول آية «سُكارى»، وفيها نُسب شرب الخمر إلى صحابي معصوم، الإمام علي (ع) (مكي بن حموش، 1429: 1338/2؛ الطبري، 1412: 61/5؛ السيوطي، 1387: 165/2)، تكون خارجة موضوعًا عن هذه الآية؛ بالإضافة إلى أن علماء العامة يصرحون بعصمة ذلك الإمام: «على أن علياً (ع) معصوم… أدلة النصوص قد دلت على عصمته». (ابن أبي الحديد، 1404: 6: 375)
رابعًا: إن الطرح الأولي لنظرية حرمة الخمر التدريجية من قبل العامة بناءً على أسباب النزول المزيفة حول آية «سُكارى»، مع الأصل الإجماعي غير الصحيح لعدالة جميع الصحابة عندهم (العسقلاني، 1415: 162/1)، كان السبيل الوحيد للهروب من الاعتراف بفسق بعض الصحابة، وهو ما يؤيده تصريح أبي حنيفة في هذا الشأن: «لأن فيه تفسيق بعض الصحابة». وشرب بعض الصحابة للخمر حتى نزول آية التحريم من المسلمات التاريخية، وهو أساس تشكل نظرية التدريج الذي يمكن تبريره بهذه الحقيقة التاريخية. (الفخر الرازي، 1420: 396/6، 85/10) وهذا الأمر واضح وجلي لدرجة أن الآيتين 90 و91 من سورة المائدة، تعاتبهم وتوبخهم بهذا الاستفهام التوبيخي «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ». (الطباطبائي، 1374: 124/6؛ ابن عابدين، 1423: 33/10) والاهتمام بأسباب النزول وجملة الخليفة الثاني المعروفة (انتهينا انتهينا) في رده على هذه الآية الكريمة – المشهورة في تفاسير العامة – هو ختم تأييد على هذه الحقيقة التاريخية المرة بأنهم كانوا يشربون الخمر حتى ذلك الوقت. (راجع: الماوردي، دون تاريخ: 489/1؛ الزمخشري، 1412: 10/50؛ سيد قطب، 1425: 664/2؛ الغزالي، 1422: 425/1؛ الأبشيهي، 1401: 470)
خلفية البحث
على الرغم من عدم تدوين أي أثر مكتوب من كتاب أو رسالة أو مقالة تحت عنوان دراسة محورية لآية «سُكارى» في تشكيل رؤيتي التحريم الدفعي والتدريجي للخمر، إلا أن هناك أعمالًا مكتوبة مرتبطة ببحث التحريم التدريجي أو الدفعي للخمر. على سبيل المثال، مقالة نقدية بعنوان «نقد لنظرية التحريم التدريجي للخمر» (إيرواني نجفي وشاه پسند، 1390) ورسالة جامعية حوزوية من المستوى الثالث بعنوان «حلية أو حرمة شرب الخمر ابتداءً» (علي ميري، 1395). وفي الوقت نفسه، تعتبر المقالة الحالية عملاً جديدًا من الجوانب التالية:
- رؤية إرادة سكر النوم في معنى «سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء مع إثبات النظرية الدفعية، هي رؤية جديدة ومقالة إثباتية وليست نقدية.
- في المقالة الحالية، أُثبت أن آية «سُكارى» هي محور وأساس تشكل الرؤيتين في تحريم الخمر، كما أُثبت أن الحرمة الدائمة والشاملة للخمر قد أُعلنت في مكة بأدلة عقلية ونقلية – بما في ذلك الآيات والمؤيدات الروائية الصحيحة (الحر العاملي، 1409: 304/25)، بينما في ملخص مقالة «نقد لنظرية التحريم التدريجي للخمر» يُؤكد صراحة على إثبات رؤية إعلان حرمة الخمر في أوائل هجرة الرسول الأكرم (ص) في المدينة، ورسالة «حلية أو حرمة شرب الخمر ابتداءً» تصل إلى رؤية توفيقية في جمع آراء العلامة الطباطبائي (علي ميري، 1395: 86)؛ بينما صرح العلامة مرارًا بحرمة الخمر التدريجية (الطباطبائي، 1374: 193/2، 117/6).
- إن النقد الأساسي الموجه لنظرية التدريج هو تناقضها المضموني، والذي تم تناوله في هذه المقالة وبالتفصيل في رسالة الدكتوراه (برزگر شاني، 1401: 101)، بينما لم تتم الإشارة إلى هذا الموضوع المحوري في العملين الآخرين.
وعليه، فإن هذه المقالة، من خلال الدراسة المكتبية والمنهج التحليلي-الوصفي، تسعى بعد إثبات محورية وأساسية آية «سُكارى» في تقابل رؤيتي التحريم التدريجي والدفعي للخمر، إلى نقد رؤية إرادة سكر الخمر وإثبات صحة رؤية إرادة سكر النوم في معنى «سُكارى» في هذه الآية.
1. دراسة المفاهيم
في البداية، يبدو من الضروري إجراء تحليل لغوي لبعض المفردات كثيرة الاستخدام وبيان علاقتها بهدف المقالة.
1-1. مفهوم سُكارى
إن دراسة مفهوم «سُكارى» بسبب النقاش المحوري حول آية «سُكارى»، هي محور هذا البحث. يقول القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُون» (النساء: 43).
«سُكارى» جمع سكران وكذلك سَكْرَى من السَّكْر (ابن منظور، 1414: 373/4؛ الكشي، 1363: 756/2)، وتأتي في اللغة بمعنى ضد الوعي وانسداد منبع الماء. (الفراهيدي، 1409: 309/5؛ ابن فارس، 1404: 89/3) وبناءً على ذلك، فإن كل ما يسبب انسداد المجاري الإدراكية وتعطل الوعي والعقل لدى الإنسان، مثل الخمر والنعاس، يسمى «سَكْر». أما أن المراد بـ«سُكارى» في هذه الآية هو سكر الخمر أم سكر النوم ونعاسه، فسيتم توضيحه لاحقًا بالأدلة والقرائن.
1-2. مفهوم الإثم
نظرًا لأن الخمر قد وُصف في القرآن الكريم بأنه «إثم كبير»، حيث يقول: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ» (البقرة: 219)، وكلمة «إثم» قد استُخدمت مرارًا في هذا البحث، فمن المناسب ذكر مفهوم الإثم.
إن مناسبة استخدام «الإثم» لوصف الخمر تتوافق مع معناه اللغوي، حيث إن «الإثم» في اللغة يعني البطء والتأخير، ويقال للناقة التي تتخلف: «ناقة آثمة» (ابن فارس، 1404: 60/1). وبما أن الخمر أكثر من أي شيء آخر يسبب بطء العقل وتعطل الإدراك لدى الإنسان، فقد كان يُعرف بـ«الإثم» في الجاهلية، كما نُقل الشعر التالي الذي استعمل فيه الإثم بمعنى الخمر عن الأخفش وابن الأنباري:
شربت الإثم حتى ضل عقلي … كذلك الإثم تفعل بالعقول
(الطوسي، 1417، 4: 390)
1-3. مفهوم الخمر
«الخمر» في الأصل يعني تغطية الشيء: «خمرتُ البيت: أي سترته». (الفراهيدي، 1409: 263/4؛ الراغب الأصفهاني، 1427: 298) لذلك، يُطلق على غطاء الرأس وما تغطي به النساء رؤوسهن «خمار»: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ» (النور: 31). وعلى هذا الأساس، سُميت الخمر في آيات القرآن بالخمر (البقرة: 219؛ المائدة: 90)؛ لأنها تغطي العقل (ابن منظور، 1414: 210/4)، ولا يوجد شيء بقدر الخمر يغطي العقل ويعطله عن العمل.
2. دراسة محورية آية «سُكارى» في نظرية التحريم الدفعي والتدريجي للخمر
فيما يتعلق بتفسير «سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء، توجد رؤيتان: إحداهما هي إرادة سكر الخمر؛ وهي الرؤية التي تشكل أساس وحجر الزاوية لنظرية الحرمة التدريجية للخمر. والرؤية الأخرى هي إرادة سكر النوم، والتي تشكل أساس نظرية التحريم الدفعي للخمر. وبناءً على ذلك، فإن كلتا الرؤيتين، الدفعية والتدريجية، في تحريم الخمر تستندان إلى تفسير «سُكارى» في هذه الآية.
2-1. إرادة معنى سكر الخمر من «سُكارى» وأساسها في نظرية التحريم التدريجي
إن الرأي المشهور في العالم الإسلامي، القائل بنظرية الحرمة التدريجية للخمر، يرى أن «سُكارى» في آية «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى» تعني سكر الخمر؛ حيث يقول مفسرو أهل السنة، بعد التصريح بتدريجية حرمة الخمر والإذعان بمعنى السكر من الخمر في كلمة «سُكارى» استنادًا إلى روايات عن صحابة رسول الله (ص)، إن هذا النهي عن شرب الخمر وقت الصلاة كان قبل تحريم الخمر. (الطبري، 1412: 61/5؛ الثعلبي، 1422: 312/3؛ الزمخشري، 1407: 259/1 و513) وقد وصلوا إلى درجة أن الفخر الرازي يدعي الإجماع في هذا الصدد! (الفخر الرازي، 1420: 396/6، 85/10)
كذلك، فإن علماء ومفسري الشيعة، مثل العلامة الطباطبائي وآية الله الجوادي الآملي، الذين يصرحون بتدريجية حرمة الخمر، يعتقدون أن السكر في آية «سُكارى» يعني شرب الخمر. (الطباطبائي، 1374: 193/2، 117/6؛ الجوادي الآملي، 1389: 499/23، 33، 32/19)
2-1-1. أدلة إرادة معنى سكر الخمر من «سُكارى» في نظرية التحريم التدريجي للخمر
للأسباب التالية، تُعد آية «سُكارى» أساس تشكل نظرية التحريم التدريجي للخمر:
- يصرح القائلون بالحرمة التدريجية للخمر بأن تدريجية الحرمة لا تصح إلا إذا كان السكر في آية «سُكارى» بمعنى سكر الخمر؛ كما يكتب العلامة الطباطبائي: «إن كانت الآية ناظرةً إلى سكر الخمر». (الطباطبائي، 1374: 117/6)
- سكر الخمر في آية «سُكارى» يصح فقط إذا نزلت هذه الآية قبل آية «قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا» (البقرة: 219). (نفس المصدر، 359/4، 194/2)
- يدعي بعض أنصار نظرية التحريم التدريجي للخمر وجود قرائن قرآنية وروائية تدل على أن معنى «سُكارى» في هذه الآية هو سكر الخمر؛ حيث يعتبر الطبري وجود قرينة روائية من صحابة الرسول (ص) دليلًا على ترجيح رؤيته (الطبري، 1412: 5: 62)، وادعى الفخر الرازي الإجماع على هذا المعنى (الفخر الرازي، 1420: 87/10)، ويكتب صاحب تفسير التسنيم: «هنا توجد قرينة على سكر الخمر» (الجوادي الآملي، 1389: 40/19)، ويبدو أن مراده من القرينة هو سياق الكلام وتعبير «حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ» (النحاس، 1421: 216/1). استدلالهم هو أن الإنسان في حالة زوال العقل بسكر الخمر لا يعلم ما يقوله، وليس في حالة النعاس.
2-1-2. نقد رؤية إرادة سكر الخمر في معنى «سُكارى»
على نظرية التحريم التدريجي، من زاوية أن المراد من السكر في آية «سُكارى» هو سكر الخمر، ترد إشكالات من هذا القبيل، سيتم ذكرها:
2-1-2-1. التناقض المضموني
إن النقد الأساسي الذي يرد على رؤية سكر الخمر في نظرية التحريم التدريجي هو وجود تناقضات مضمونية في هذه الرؤية؛ في حين أن النظرية القرآنية يجب، بالإضافة إلى قوتها الداخلية، أن تكون بعيدة عن أي تضاد وتناقض مضموني وألا تتعارض مع مسلمات القرآن والروايات. (كريمي، 1398: 212)
بيان التناقض هو أن أنصار نظرية التحريم التدريجي يصرحون من جهة بأن تدريجية حرمة الخمر لا تصح إلا إذا كان المراد بـ«سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء هو سكر الخمر، وقد ادعى بعضهم الإجماع على هذا المعنى، ويصرحون أيضًا بأنه بسبب قانون التدريج العقلي، والمطلق والمقيد، والسياق في آية «سُكارى»، يجب أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل الآية 219 من سورة البقرة، لأنه مع التحريم الدائم والشامل لشرب الخمر في سورة البقرة، ما معنى منع سكر الخمر فقط وقت الصلاة!
ومن جهة أخرى، يصرحون بأن سورة البقرة هي أول سورة مدنية وقد أجمعوا على تقدم نزول سورة البقرة على سورة النساء (راجع: السيوطي، 1387: 96/1)، ويعتقدون أن حرمة الخمر قبل الهجرة قد أُعلنت بناءً على حكاية الأعشى بن قيس وفي الآية 37 من سورة الشورى من السور المكية. بالإضافة إلى ذلك، فإن حرمة الخمر كأبرز وأوضح مصداق للإثم المحرم في الآية 33 من سورة الأعراف، بانضمام الآية 219 من سورة البقرة، هي قطعية ونص في مكة. (الطباطبائي، 1374: 194/2، 117/6، 62/18؛ الجوادي الآملي، 1389: 38/2، 83/11، 33/17، 483/18، 8/19، 518/23؛ مكي بن حموش، 1429: 2347/4؛ الفخر الرازي، 1420: 396/6، 232/14) ثم، لتبرير نظرية التحريم التدريجي، يقولون إن التحريم في آية «سُكارى» بسكر الخمر هو تحريم خاص وبصيغة النصيحة (الطباطبائي، 1374: 117/6؛ الجوادي الآملي، 1389: 499/23)، ولكن التصريح بالتحريم الخاص والنصيحة في آية «سُكارى» يواجه مشكلات تأتي لاحقًا.
أولًا، هذا الكلام لا يرفع التناقض المذكور. كيف يمكن من جهة الإيمان بالحرمة الدائمة والمطلقة للخمر بناءً على الآيات المكية والآية 219 من سورة البقرة، ومن جهة أخرى، في آية «سُكارى»، قبول حرمة خاصة مقيدة بوقت الصلاة أو بصيغة نصيحة؟
ثانيًا، هذا الكلام هو نقض صريح لقانون التدريج العقلي، وبتعبير العلامة، يتنافى مع التدريج المستفاد من هذه الآيات. (الطباطبائي، 1374: 194/2) كيف يمكن لمكي بن حموش والفخر الرازي، بادعاء الإجماع على سكر الخمر في معنى «سُكارى»، أن يصرحوا بعدم حرمة الخمر حتى نزول آية «سُكارى»، وفي الوقت نفسه، يثبتوا بعدة أسانيد أن شرب الخمر حرام في الآية 219 من سورة البقرة وفي الآية 33 من سورة الأعراف؟! (راجع: الفخر الرازي، 1420: 85/10، 396/6، 232/14)
على الرغم من هذه التناقضات المضمونية، فإن النتيجة القطعية هي أن كلًا من سكر الخمر في آية «سُكارى» ونظرية التحريم التدريجي هما ادعاءان بلا دليل.
2-1-2-2. الروايات المستند إليها في الرؤية التدريجية القائلة بإرادة معنى سكر الخمر من «سُكارى» ونقدها
لعدة أسباب سيتم ذكرها، فإن الروايات التي تدل على سكر الخمر في معنى «سُكارى» غير معتبرة:
- لم تُنقل أي رواية صحيحة تفسيرية حول إرادة معنى سكر الخمر من «سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء في تفاسير الشيعة والسنة، لدرجة أن صاحب مجمع البيان بعد نقل رواية تذكر «سُكارى» بمعنى سكر الخمر، يضعفها ويقوي ويؤيد الرواية التي تؤيد معنى سكر النوم (الطبرسي، 1372: 3: 80). ويؤمن كبار الرواة بهذه النقطة إلى حد أنهم يعتبرون الرواية الصحيحة في هذا الباب – على فرض وجودها – غير معتبرة لكونها صدرت تقيةً (الكليني، 1407: 1: 68)، كما أن صاحب تفسير كنز الدقائق يحمل الرواية المنقولة عن الإمام الكاظم (ع) على التقية لموافقتها للعامة، ويكتب: «فمحمول على التقية لأنه موافق لمذهب العامة». (القمي المشهدي، 1368: 412/3؛ شبر، 1407: 48/2)
- الروايات التي تدل على إرادة معنى سكر الخمر في آية «سُكارى» تخالف آيات القرآن، والروايات المخالفة للآيات فاقدة للحجية بسبب روايات العرض (الكليني، 1407: 69/1؛ الحر العاملي، 1409: 111/27)، كما أن العلامة الطباطبائي يرى القول بسكر الخمر بناءً على الروايات مخالفًا للقرآن (الطباطبائي، 1374: 361/4)، وصاحب تفسير التسنيم يعتبر هذه الرواية (العياشي، 1380: 242/1) مخالفة للقرآن ويقول: «المقصود من الصلاة في حال السكر، صلاة الشخص الكسل والمتعب» (الجوادي الآملي، 1389: 59/19)، وهذا في حين أنه، في المقابل، توجد روايات كثيرة صحيحة تفسيرية وغير تفسيرية عن الرسول (ص) والأئمة المعصومين (ع) تدل على إرادة معنى سكر النوم في آية «سُكارى»، وهو ما سيأتي ذكره.
الروايات في تفاسير أهل السنة أيضًا تذكر فقط اجتهاد ونظر الصحابة في هذا الخصوص، والتي بسبب اختلافها مع القرآن، بناءً على روايات العرض الصحيحة عن رسول الله (ص)، لا اعتبار لها. (الكليني، 1407: 69/1؛ الحر العاملي، 1409: 111/27)
بالإضافة إلى ذلك، فإن الروايات التفسيرية في موضوع الأحكام لا تكون حجة إلا إذا صدرت عن رسول الله (ص) (راجع: النحل: 44، الحشر: 7، الطباطبائي، 1374: 261/12)، أو رُويت عن الأئمة المعصومين (ع)؛ لأن حديث الثقلين يدل على حجية قولهم وسنتهم، وتواتر حديث الثقلين مسلم به بين الشيعة والسنة (ابن أبي الحديد، 1404: 375/6، 133/9؛ الخصيبي، 1419: 18؛ صدر الدين الشيرازي، 1383: 120/1)، ومصداق أهل البيت في حديث الثقلين بتصريح ابن أبي الحديد هم الأئمة المعصومون (ع)، ولكن لا توجد آية أو نص يدل على حجية كلام سائر الأفراد من الصحابة والتابعين والعلماء. (الطباطبائي، 1374: 261/12)
قد يقول قائل: ماذا عن الروايات التي استند إليها علماء الشيعة في نظرية حرمة الخمر التدريجية؟ توضيح المسألة هو أن ثلاث روايات في الكافي نُقلت عن الإمامين الصادقين (ع) بمضمون متقارب. على سبيل المثال، في إحدى الروايات جاء: «وَلَمْ تَزَلِ الْخَمْرُ حَرَامًا… وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً لَهَلَكُوا». (الكليني، 1407: 395/6)
على الرغم من أن العلامة الطباطبائي نقل روايتين من تلك الثلاث دون أي توضيح بالرد أو القبول (الطباطبائي، 1374: 136/6)، واستخدم آية الله الجوادي الآملي الروايات الثلاث جميعها كمستند روائي لنظرية التدريج (الجوادي الآملي، 1389: 95/11)، إلا أن الحقيقة هي أن الاستنباط من هذه الروايات لتدريجية حرمة الخمر يُنتقد للأسباب التالية:
- في هذه الروايات، لا توجد أي عبارة تصرح بتدريجية حرمة الخمر بشكل خاص، بل هي في صدد بيان قاعدة كلية: أن الله تعالى، بناءً على الرفق والمداراة بالناس، لم يكلف عباده بالأحكام الشرعية دفعة واحدة، بل إن آحاد الأحكام والتكاليف في شريعة ما تُعلن تدريجيًا؛ كما أن النزول التدريجي لآيات القرآن والتكاليف الشرعية على مدى أكثر من عشرين عامًا يؤيد هذا المطلب.
- من القرائن على صحة هذا الفهم حديث الإمام الباقر (ع) حيث قال: «لَيْسَ أَحَدٌ أَرْفَقَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمِنْ رِفْقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ نَقَلَهُمْ مِنْ خَصْلَةٍ إِلَى خَصْلَةٍ وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً لَهَلَكُوا» (الكليني، 1407: 395/6)، وفي حاشية كتاب الكافي تحت الرواية السابقة، استُخدم لفظ تدريجية «التكاليف» وليس تدريجية تكليف واحد، حيث يقول: «يعني إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يَحْمِلُ التَّكَالِيفَ عَلَى الْعِبَادِ شَيْئًا فَشَيْئًا جَلْبًا لِقُلُوبِهِمْ»، وشرح آية الله الجوادي الآملي بخصوص الأحاديث المذكورة هو قرينة أخرى على صحة فهم المقالة من هذه الروايات، حيث يكتب: «لو أن الله فرض جميع الأحكام الواجبة والمستحبة والحرام والمكروهة دفعة واحدة على الناس، لهلكوا». (الجوادي الآملي، 1389: 96/11)
- كيف يمكن الاستفادة من ذيل هذه الروايات لتدريجية حرمة الخمر، بينما في صدر الروايات الثلاث، صُرّح بالحرمة الدائمة للخمر في الأديان السماوية؟! هل الحرمة الدائمة للخمر في الأديان السماوية – بما في ذلك الإسلام – وتحريمها مع بعثة كل نبي، كما ورد في رواية صحيحة (الكليني، 1407: 148/1؛ ابن بابويه، 1398: 334؛ الحر العاملي، 1409: 321/5)، قابلة للجمع مع حلية الخمر حتى نزول آية «سُكارى» التي صرحت بها تفاسير العامة؟ (الطبري، 1412: 212/2) يجب الانتباه إلى أن حرمة الخمر قد أُعلنت في أوائل بعثة رسول الله (ص) (ابن بابويه، 1376: 416)، وهذه الروايات صحيحة ومقيدة ومقدمة على الروايات المطلقة.
- ظاهراً، تلك الروايات الثلاث في صدد التفكيك بين إعلان حكم حرمة الخمر في بداية كل شريعة وتنفيذ حده في وقت اكتمالها، كما في الإسلام حيث حُكم بثمانين جلدة، وهذا الأسلوب التربوي، بالإضافة إلى خلق دافع قوي للترك، هو نوع من الرفق والمداراة بالمسلمين، بينما إعلان حرمة شرب الخمر المطلق مع تنفيذ الحد في وقت واحد مع نزول آية التحريم في النظرية التدريجية، يخالف المداراة التربوية المتوقعة منهم. ويبدو أن شرب بعض الصحابة للخمر واجتهادهم حتى نزول آية التحريم يؤيد هذا الادعاء. (سيد قطب، 1425: 664/2)
- إذا كان ظاهر جزء من هذه الروايات يوحي بما استنتجه أنصار النظرية التدريجية، فإن ذلك الجزء يُحمل على التقية، والروايات التقوية فاقدة للحجية. (الكليني، 1407: 68/1 و69) دليل ذلك هو وجود شروط روايات التقية الثلاثة في هذه الفئة من الروايات:
- هذه الروايات تخالف تلك الفئة من الآيات القرآنية التي أعلنت الحرمة المطلقة والدائمة والقطعية للخمر في مكة.
- هذه الروايات تخالف الروايات الصحيحة الموافقة والمؤيدة للقرآن؛ الروايات التي تصرح بحرمة الخمر في أوائل البعثة كأولى المحرمات الإلهية. على سبيل المثال، قال رسول الله (ص): «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي… شُرْبُ الْخَمْرِ». (ابن بابويه، 1376: 416؛ السيوطي، 1404: 326/2؛ الحر العاملي، 1409: 304/25)
- هذه الروايات موافقة لرأي العامة، كما أن رواية المجمع عن الإمام الكاظم (ع) تُحمل على التقية لهذا السبب. (القمي المشهدي، 1368: 412/3؛ شبر، 1407: 48/2)
2-1-2-3. بطلان الإجماع على إرادة سكر الخمر في معنى «سُكارى»
ادعاء الفخر الرازي بالإجماع على إرادة معنى سكر الخمر من «سُكارى» مردود لعدة أسباب:
- كثير من علماء ومفسري الشيعة والسنة، بناءً على روايات صحيحة، ذكروا سكر النوم أيضًا في تفسير «سُكارى». (على سبيل المثال، راجع: الطبري، 1412: 62/5؛ الطبرسي، 1372: 81/3؛ الحر العاملي، 1409: 233/7) وقد ذكر البعض فقط سكر النوم كمعنى لـ«سُكارى». (القمي، 1363: 139/1) كيف يمكن للفخر الرازي أن يدعي الإجماع، بينما هو نفسه ينقض ادعاءه ويقول إن الضحاك بن مزاحم نفى سكر الخمر في معنى «سُكارى» وحصر «سُكارى» في سكر النوم؟! (الفخر الرازي، 1420: 87/10) والقرطبي أيضًا، بناءً على رواية عن رسول الله (ص)، يصحح قول الضحاك. (القرطبي، 1364: 201/5)
- بعد اعتراف الفخر الرازي بدلالة الآية 219 من سورة البقرة على الحرمة الدائمة للخمر، فإن النهي عن الصلاة في الآية 43 من سورة النساء في حالة سكر الخمر، بالإضافة إلى كونه غير منسجم مع العقل وقانون المطلق والمقيد، فإنه يتنافى أيضًا مع التدريج الذي يدعيه، وهذا القول جدير بالاهتمام لأنه مع ادعاء السيوطي بالإجماع على تقدم نزول الآية 219 من سورة البقرة على الآية 43 من سورة النساء (السيوطي، 1387: 96/1)، يكون ادعاء الفخر الرازي بالإجماع غير صحيح.
2-1-2-4. عدم وجود قرينة على إرادة سكر الخمر في معنى «سُكارى»
هذا القول بأن في آية «سُكارى» قرينة على إرادة سكر الخمر، وهي عبارة «حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ»، يُنتقد للأسباب التالية:
- هذا الادعاء بأن الإنسان فقط في حالة زوال العقل بسكر الخمر لا يعلم ما يقول، وليس في حالة النعاس، يخالف الروايات ونظر المفسرين؛ لأن نصًا صريحًا لرواية عن الرسول (ص) نقله الشيعة والسنة يقول بأنه لا تصلوا وأنتم نعسى، لئلا تسبوا أنفسكم بدلًا من الاستغفار. (المازندراني، 1429: 495/2؛ ابن ماجه، 1395: 436/1؛ النيسابوري، 1407: 212/2؛ البيهقي، 1424: 23/3)
- صحة هذه الرواية عن رسول الله (ص) تؤيدها روايات تفسيرية صحيحة عن الأئمة المعصومين (ع)؛ حيث يقول الإمام الباقر (ع): «لا تقيموا الصلاة بحالة النعاس وثقل النوم، والمراد الإلهي من السكر في الآية هو سكر النوم». (الكليني، 1407: 299/3)
- «السكر» في اللغة يعني ضد الوعي وانسداد منبع الماء، والمراد منه حالة تفصل بين الإنسان وعقله. (الفراهيدي، 1409: 309/5؛ ابن فارس، 1404: 89/3؛ الراغب الأصفهاني، 1427: 416) هذه الحالة لا تختص بسكر الخمر، بل إن سكر النوم أيضًا يسبب انسداد المجاري الإدراكية وتعطلها، وفي حالة النعاس أيضًا لا يعلم الإنسان ما يقول. (الشيخ زاده، 1419: 327/3؛ الطريحي، 1375: 334/3)
- على فرض أننا نقبل قرينة «حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ» على إرادة معنى سكر الخمر، فإن هذا الفهم والاستنباط من ظاهر الآية يتعارض مع النص، والنص مقدم على الظاهر (مكارم الشيرازي، 1424: 62/1)، وذلك لأن الروايات التفسيرية الصحيحة هي نص في أن المراد بـ«سُكارى» في الآية هو سكر النوم (الكليني، 1407: 299/3-371)؛ لدرجة أن الإمام الباقر (ع) قال: «أنّ المراد به سكر النوم خاصة» (القمي المشهدي، 1368: 412/3)، وتقدم النص الروائي على ظاهر القرآن من ضروريات المذهب الشيعي. (الأنصاري، 1407: 58/1)
- يعتقد المفسرون أن إرادة معنى سكر الخمر في هذه الآية لا تصح إلا إذا نزلت آية «سُكارى» قبل الآية 219 من سورة البقرة؛ لأن تحريم الخمر بناءً على الآية 43 من سورة النساء خاص ومقيد بوقت الصلاة، ويجب أن يكون قد نزل قبل الآية 219 من سورة البقرة التي تحريمها مطلق وشامل (الطباطبائي، 1374: 194/2، 359/4؛ الجوادي الآملي، 1389: 51/19، 499/23)، ومع فقدان الشرط، فإن إرجاع معنى «سُكارى» في الآية إلى سكر الخمر غير صحيح؛ لأن العقل لا يقبل أن يكون شرب الخمر حرامًا دائمًا في الآيات المكية وفي الآية 219 من سورة البقرة التي هي بإجماع أول سورة مدنية (الطباطبائي، 1374: 134/6، 62/18؛ الفخر الرازي، 1420: 396/6، 232/14؛ مكي بن حموش، 1429: 2347/4)، ولكن في الآية 43 من سورة النساء، وهي سادس سورة مدنية (الجوادي الآملي، 1389: 23/17)، تكون حرمة الخمر خاصة ومقيدة ومحصورة بوقت الصلاة؛ وهذا بالإضافة إلى نقض قانون التدريج، هو نقض للحكم المطلق والمقيد والعام والخاص أيضًا، والآية 219 من سورة البقرة ليست من الآيات الاستثنائية التي تنزل لاحقًا. (نفس المصدر، 38/2-40)
2-2. إرادة سكر النوم في معنى «سُكارى» وأدلة إثباتها في نظرية الحرمة الدفعية للخمر
كما ذُكر، السكر في اللغة هو ضد الوعي وانسداد مجرى الماء، والمراد منه حالة تمنع الإدراك والفهم العقلي، ولها استعمالات مثل سكر الخمر وسكر النوم. (الحويزي، 1415: 483/1) والمراد بـ«سُكارى» في الآية الكريمة 43 من سورة النساء يحتاج إلى قرينة، وقد ذُكر سابقًا أنه لا توجد أي قرينة على إرادة سكر الخمر، بل للأسباب التي ستأتي، المراد منه هو سكر النوم.
2-2-1. الدليل القرآني
يعتقد بعض الباحثين القرآنيين أن آيات القرآن، لردع الناس عن بعض العادات السيئة، استخدمت أحيانًا أسلوب الإجمال والتفصيل، وأحيانًا استفادت من أسلوب التدريج (واعظ زاده الخراساني، 1388: 893/17)، ولكن في موضوع تحريم الخمر، فإن بعض المفسرين مثل العلامة الطباطبائي ومكي بن حموش، على الرغم من تصريحهم بتدريجية حرمة الخمر، يرون أن آيات القرآن نص على أن الخمر حُرّم في مكة. (الطباطبائي، 1374: 193/2، 135/6؛ مكي بن حموش، 1429: 2347/4)
حرمة شرب الخمر في الآية 219 من سورة البقرة وكذلك بكلمة «الإثم» في الآيات المكية مثل الآية 33 من سورة الأعراف، بانضمام الآية 219 من سورة البقرة، جاءت مطلقة لجميع الحالات. (الطباطبائي، 1374: 194/2، 135/6؛ الجوادي الآملي، 1389: 83/11؛ مكي بن حموش، 1429: 2348/4) وما يؤيد هذا القول هو الروايات التفسيرية الصحيحة في تفسير الآيات المكية التي عرفت شرب الخمر بأنه المصداق الكامل للإثم و«أكبر الكبائر». (راجع: الحر العاملي، 1409: 304/25-315؛ المجلسي، 1406: 252/9)
وعليه، بعد النهي المطلق والشامل عن شرب الخمر في الآيات المكية (النجم: 32؛ الأعراف: 33؛ الشورى: 37) وكذلك في أول سورة مدنية (البقرة: 219)، فإن تحريمه مجددًا بنهي خاص وقت الصلاة في آية «سُكارى» (سادس سورة مدنية) غير جائز عقلًا ومخالف لقانون التدريج والمطلق والمقيد. إذن، الحل الوحيد هو القول بمعنى سكر النوم لـ«سُكارى». (الطباطبائي، 1374: 194/2، 359/4) وفيما يلي، سيتم بيان كيفية دلالة الآيات المذكورة على حرمة الخمر قبل الهجرة باختصار.
أ) الآية 33 من سورة الأعراف:
في هذه الآية، صُرّح بحرمة شرب الخمر وعُبّر عنه بـ«الإثم». استخدام «الإثم» بدلًا من الخمر كان شائعًا في صدر الإسلام وقبله، كما ورد في أشعار «شَرِبْتُ الإِثْمَ» و«نَشْرَبُ الإِثْمَ». (ابن فارس، 1404: 60/1؛ الثعلبي، 1422: 230/4؛ الطوسي، 1417: 390/4؛ الطبرسي، 1372: 64/4، 558/2؛ الفاضل المقداد، 1373: 305/2؛ القرطبي، 1364: 201/7؛ الخازن، 1415: 195/2؛ مكي بن حموش، 1429: 2348/4؛ الفخر الرازي، 1420: 232/14؛ معرفت، 1418: 505/1)
نظرًا لأن آيات القرآن يفسر ويبيّن بعضها بعضًا: «إن الكتاب يصدق بعضه بعضاً» (الشريف الرضي، 1414: 61/18)، فإن الآية 33 من سورة الأعراف بانضمام الآية 219 من سورة البقرة التي سمت شرب الخمر إثمًا كبيرًا، تعلن تحريم شرب الخمر، كما ورد في رواية عن الإمام موسى الكاظم (ع). (الكليني، 1407: 406/6؛ العياشي، 1380: 17/2؛ المجلسي، 1406: 301/9)
الحكايات التاريخية، مثل حكاية الأعشى بن قيس (ابن هشام، 1407: 28/2) وأبي جهل (ابن حبان، 1393: 69/1)، والأدلة العقلية (برزگر شاني، 1401: 159)، والشواهد اللغوية والأشعار الجاهلية، وتصريح مفسري الشيعة والسنة كمؤيدات، تؤكد أن الخمر، سواء بالوضع الثانوي والتعيين بالاستعمال العرفي في معنى الإثم، أو كمصداق تام وكامل للإثم بناءً على الآية 219 من سورة البقرة، قد حُرّمت في مكة. والروايات التفسيرية الصحيحة التي عرّفت الخمر بأنه «أكبر الكبائر» ومصداق كامل للإثم، تدل على أن الآية 33 من سورة الأعراف، بتصريح المفسرين، نص صريح على حرمة الخمر (مكي بن حموش، 1429: 2347/4)، كما يكتب العلامة الطباطبائي: «فالكتاب نص في تحريم الخمر في الإسلام قبل الهجرة». (الطباطبائي، 1374: 135/6)
نصية آيات القرآن في حرمة الخمر في مكة بناءً على الآية 33 من سورة الأعراف بانضمام الآية 219 من سورة البقرة، تشبه نصية آيات القرآن في أقل مدة للحمل بستة أشهر بناءً على الآية 15 من سورة الأحقاف بانضمام الآية 14 من سورة لقمان. وكما لا يبقى شك في نصية أقل مدة للحمل بستة أشهر بناءً على هذه الآيات، كذلك لا يوجد شك في نصية حرمة الخمر في مكة بناءً على الآية 33 من سورة الأعراف بانضمام الآية 219 من سورة البقرة.
ب) الآيتان 32 من سورة النجم و37 من سورة الشورى ودلالتهما على حرمة الخمر في مكة
«الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» (النجم: 32)
«وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ» (الشورى: 37)
أحد مصاديق «كبائر الإثم» في هاتين الآيتين هو شرب الخمر. (الطباطبائي، 1374: 62/18) دلالة هاتين الآيتين على تحريم شرب الخمر في مكة، بالإضافة إلى كونه إثمًا بناءً على الآية 219 من سورة البقرة، ثابتة بمفهوم الأولوية؛ وذلك لأن الآية 219 من سورة البقرة وصفت شرب الخمر بـ«الإثم الكبير»، والنبي (ص) والإمام الجواد (ع) في روايات تفسيرية صحيحة، اعتبرا «كبائر الإثم» في هاتين الآيتين شرب الخمر ووصفاه بـ«أكبر الكبائر». (الكليني، 1407: 285/2؛ الحر العاملي، 1409: 319/15؛ المجلسي، 1406: 252/9؛ همو، 1404: 45/10-61؛ الشنقيطي، 1427: 128/7) بالإضافة إلى ذلك، بناءً على رواية صحيحة أن رسول الله (ص) اعتبر شرب الخمر رأس كل إثم: «إِنَّ الْخَمْرَ رَأْسُ كُلِّ إِثْمٍ» (الكليني، 1407: 403/6؛ الحر العاملي، 1409: 315/25)، فإن حرمة الخمر في مكة قطعية.
الجدير بالذكر أن الإخبار بمعنى النهي في هذه الآيات أبلغ من النهي الصريح (الزمخشري، 1407: 159/1)، وبتأكيد أكبر، يدل على النهي والتحريم. (الآخوند الخراساني، 1415: 92)
2-2-2. الروايات التفسيرية
في معظم تفاسير الشيعة والسنة، ومنها في رواية صحيحة عن الإمام الباقر (ع)، ذُكر معنى سكر النوم لـ«سُكارى». (النوري، 1408: 83/4، ابن بابويه، 1385: 358/2؛ المجلسي، 1406: 269/2؛ الفيض الكاشاني، 1415: 453/1) حتى إن تفسيري القمي والبرهان ذكرا فقط سكر النوم كمعنى لـ«سُكارى» (القمي، 1363: 139/1؛ البحراني، 1415: 81/2)، وكثير من المفسرين، نقلًا عن الضحاك بن مزاحم، حصروا معنى «سُكارى» في هذا المعنى (الطوسي، 1417: 206/3؛ الطبري، 1412: 62/5)، كما أن الثعلبي قوّى هذا الحصر المعنوي بروايتين عن رسول الله (ص) من مسند أحمد (الثعلبي النيسابوري، 1422: 312/3).
كذلك، نقل الفخر الرازي عدة أدلة من الضحاك بن مزاحم لإثبات أن المراد بـ«سُكارى» هو سكر النوم (الفخر الرازي، 1420: 87/10؛ ابن كثير، 1419: 273/2). وهذا المعنى الحصري رُوي عن الإمام الباقر (ع). (العياشي، 1380: 242/1) وكذلك المرحوم الطبرسي، بنقله لهذه الرواية عن الإمام الباقر (ع)، قوّاها برواية عن رسول الله (ص) وكتب: «أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَأَنْتُمْ سُكَارَى سُكْرُ النَّوْمِ خَاصَّةً عَنِ الضَّحَّاكِ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ (ص)». (الطبرسي، 1372: 81/3)
وكذلك الإمام الباقر (ع) في رواية صحيحة، اعتبر المراد بـ«سُكارى» سكر النوم: «وَهُمْ سُكَارَى يَعْنِي سُكْرَ النَّوْمِ» (الكليني، 1407: 399/3). وقد احتمل بعض المفسرين أن عبارة «يعني سُكْرَ النَّوْمِ» في تفسير «وَهُمْ سُكَارَى» هي من الراوي (الطباطبائي، 1374: 361/4)، ولكن ليس من المستبعد أن يكون الأمر خلاف ذلك. يبدو أن الرواية التفسيرية الصحيحة عن الإمام الصادق (ع) حيث قال: «فَقَالَ: سُكْرُ النَّوْمِ» (الكليني، 1429: 371/3) تثبت أن جملة «يَعْنِي سُكْرَ النَّوْمِ» هي من الإمام. ولآية الله الجوادي الآملي نفس الفهم. (الجوادي الآملي، 1389: 6/19)
كذلك، اعتبر العلامة الطباطبائي مراد الآية بناءً على روايات عن الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، وكذلك عن رسول الله (ص) بنقل من صحيح البخاري، سكر النوم، وقال: «القول بسكر الخمر في آية «سُكارى» له محذور عقلي، وهو مخالف للقرآن». (الطباطبائي، 1374: 361/4، 117/6؛ الجوادي الآملي، 1389: 38/2)
وعليه، وبعد إثبات سكر النوم في معنى «سُكارى» ونفي معنى سكر الخمر، فإن هذه الآية بدلالتها المنطوقية خارجة عن موضوع الخمر، ولم تتعرض للحكم الفقهي لشرب الخمر، لا ترخيصًا ولا تحريمًا: «فالآية لا تعرض لها لحكم الخمر رخصة أو تحريماً». (الخوئي، 1430: 334/1)
بهذا البيان، فإن آية «سُكارى» فقط في صدد بيان بطلان الحكم الفقهي للصلاة مع أي نوع من السكر؛ بمعنى أن إعادة الصلاة التي أُديت في حالة السكر واجبة بالإجماع. (الطوسي، 1417: 208/3؛ الطبرسي، 1372: 82/3) وبديهي أن بطلان الصلاة مع سكر النوم، يشمل من باب أولى بطلان الصلاة مع سكر الخمر.
نتيجة القول هي أن الروايات التفسيرية الصحيحة نص على أن المراد بـ«سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء هو سكر النوم، وهذا المعنى المستفاد من الروايات مقدم على معنى سكر الخمر المستنبط من ظاهر الآية، لأن تقدم الرواية النصية على ظاهر القرآن من ضروريات المذهب الشيعي. (الأنصاري، 1407: 58/1)
2-2-3. الأدلة العقلية
حرمة شرب الخمر في مكة بعدة أدلة عقلية سابقة، تثبت صحة إرادة سكر النوم في معنى «سُكارى» بناءً على نظرية التحريم الدفعي لشرب الخمر ونفي معنى سكر الخمر؛ مع توضيح أنه قد ثبت سابقًا أنه في حالة الحرمة المطلقة للخمر قبل آية «سُكارى»، فإن سكر الخمر في آية «سُكارى» لن يكون صحيحًا.
أ) قياس منصوص العلة:
من انضمام الآية 145 من سورة الأنعام (من السور المكية) إلى الآية 90 من سورة المائدة، يُستنبط حرمة شرب الخمر في مكة، وذلك لأن:
- بوحدة ملاك حكم التحريم في هاتين الآيتين، ومع حجية قياس منصوص العلة (الخوانساري، 1366: 178/3؛ كاشف الغطاء، 1410: 100/1؛ الكراجكي، دون تاريخ: 226/2)، تثبت حرمة شرب الخمر. توضيح القول هو أنه في الآية 90 من سورة المائدة، اعتُبر الرجس علة لتحريم الخمر، كما في الآية 145 من سورة الأنعام، عُرّف الرجس بأنه علة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير. ونظرًا لأن قياس منصوص العلة له حجية شرعية، يمكن الاستنتاج بأن شرب الخمر، مثل استخدام الميتة والدم ولحم الخنزير، كان حرامًا في مكة.
- بناءً على الآية 90 من سورة المائدة، حُرّم شرب الخمر إلى جانب عبادة الأوثان. (واعظ زاده الخراساني، 1388: 812/17) وبما أن تحريم عبادة الأوثان في مكة قبل الهجرة أمر بديهي بناءً على الآيات 31-32 من سورة الإسراء وسورة الكافرون والروايات الصحيحة (ابن بابويه، 1376: 416؛ الحر العاملي، 1409: 304/25؛ السيوطي، 1404: 326/2) والشواهد التاريخية، وملاك تحريم الحكم فيهما واحد، فبناءً على حجية قياس منصوص العلة، يحكم العقل بأن حرمة شرب الخمر قد أُعلنت أيضًا في مكة.
ب) نجاسة الخمر:
استدل علماء وفقهاء الشيعة للحكم بنجاسة الخمر بالآية 90 من سورة المائدة: «استدلّ أصحابنا القائلون بنجاسة الخمر بهذه الآية» (الفاضل المقداد، 1373: 52/1)؛ لأن الآية صريحة في كون الخمر رجسًا: «إِنَّمَا الْخَمْرُ… رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ»، والرجس في الثقافة القرآنية يعني القذر والنجاسة والخبث. (الجوهري، 1368: 878/2-933)
بناءً على ذلك، الخمر نجس بناءً على الآية الشريفة، وبما أن أكل وشرب النجاسة حرام بإجماع جميع المسلمين، فإن شرب الخمر حرام بسبب نجاسته. (الطوسي، 1417: 17/4؛ الطبرسي، 1372: 37/3؛ الفخر الرازي، 1420: 169/13) إذن، الخمر حرام بسبب نجاسته الذاتية في مكة. من جهة أخرى، الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية (النائيني، 1376: 62/3؛ المظفر، 1368: 199)، إذن حكم حرمة الخمر مرتبط بمكة. ومن الناحية العقلية، لا معنى للتفريق بين نجاسة الخمر في مكة وعدم حرمة شربه في النظرية التدريجية، وهو خلاف نص القرآن الصريح والروايات وإجماع المسلمين.
بإثبات الحرمة الدائمة والشاملة لشرب الخمر قبل الهجرة بالأدلة العقلية والنقلية المذكورة، فإن تحريم الخمر مجددًا بنهي خاص في آية «سُكارى» بسكر الخمر المخصص لوقت الصلاة، غير جائز عقلًا، ومخالف لقانون التدريج والمطلق والمقيد، ومخالف أيضًا لآيات القرآن، ولا يوجد حل إلا أن نعتبر المراد بـ«سُكارى» في الآية هو سكر النوم.
الخاتمة
من خلال ما تم توضيحه في هذا البحث، يمكن استنتاج النتائج التالية:
- بعد إثبات إرادة سكر النوم ونفي إرادة سكر الخمر في معنى «سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء، ثبت أن هذه الآية خارجة موضوعًا عن الخمر وحكمه الفقهي. هذه الآية فقط في صدد بيان بطلان الحكم الفقهي للصلاة مع أي نوع من السكر. (الطوسي، 1417: 208/3؛ الطبرسي، 1372: 82/3) إذن، بطلان الصلاة مع سكر النوم يشمل من باب أولى سكر الخمر.
- في الآية 219 من سورة البقرة، وُصف الخمر بـ«الإثم الكبير»، والروايات الصحيحة عرّفت الخمر بأنه أكمل مصداق للإثم و«أكبر الكبائر» في الآيات المكية: الأعراف: 33، النجم: 32، والشورى: 37. (الكليني، 1407: 285/2؛ الحر العاملي، 1409: 319/15؛ المجلسي، 1406: 252/9؛ الشنقيطي، 1427: 128/7) وكذلك، بالمؤيدات الروائية الصحيحة، والعقلية واللغوية، وعدم انفصال نجاسة الخمر عن عدم حرمة شربه، وحجية قياس منصوص العلة، ثبتت الحرمة الدائمة للخمر في مكة، والحرمة المطلقة للخمر في السور المكية في جميع الأحوال تنهى من باب أولى عن سكر الخمر في حالة الصلاة.
- بعد نقد المعنى المنسوب لسكر الخمر في «سُكارى» في الآية 43 من سورة النساء وأساسه في نظرية التدريج، ثبت بأربعة أدلة أن نظرية التحريم التدريجي للخمر غير صحيحة لمخالفتها للقرآن وبسبب التناقض المضموني؛ لأنه بعد النهي الدائم عن شرب الخمر في الآيات المكية والآية 219 من سورة البقرة – الذي صُرح به في النظرية التدريجية (مكي بن حموش، 1429: 2348/4؛ الفخر الرازي، 1420: 396/6، 14: 232؛ الطباطبائي، 1374: 194/2، 134/6، 62/18) – فإن التحريم المجدد بنهي خاص فقط وقت الصلاة في الآية 43 من سورة النساء يخالف قانون التدريج العقلي وتجاهل قانون المطلق والمقيد.
- بعد إثبات عدم صحة إرادة سكر الخمر في آية «سُكارى»، ثبت أن أسباب النزول الملفقة في تفاسير العامة حول التحريم التدريجي، في نسبة شرب الخمر إلى الإمام علي (ع) (مكي بن حموش، 1429: 1338/2)، بالإضافة إلى ضعفها السندي والاختلاف الشديد في مضمونها (البلاغي، 1420: 116/2)، بتبرير غير صائب لعدم حرمة الخمر حتى نزول الآية 43 من سورة النساء، تخرج موضوعًا عن هذه الآية. أساسًا، كانت أسباب النزول هذه، وبالتالي الطرح الأولي لنظرية التحريم التدريجي في تفاسير العامة، هي السبيل الوحيد للهروب من الاعتراف بفسق بعض الصحابة المعروفين (ابن عابدين، 1423: 33/10)، وهذه الجملة المعروفة للخليفة الثاني: «انتهينا انتهينا؛ كففنا عن هذا العمل (شرب الخمر)»، واستمرار شربه للخمر حتى نزول آية التحريم، مشهور في تفاسير العامة. (الماوردي، دون تاريخ: 489/1؛ سيد قطب، 1425: 664/2)
- هذا الأسلوب التربوي للإسلام في التفكيك بين إعلان حكم حرمة الخمر في مكة وتأخير تنفيذ حد شرب الخمر لعدة سنوات في المدينة في النظرية الدفعية مع سكر النوم في آية «سُكارى»، بالإضافة إلى خلق دافع قوي للترك وإتمام الحجة الشرعية، كان نوعًا من الرفق والمداراة بالمسلمين.
- من الآثار المترتبة على إثبات رؤية إرادة سكر النوم في نظرية الحرمة الدفعية للخمر، بالإضافة إلى الوصول إلى النظرية القرآنية الصحيحة، هو عدم إمكانية تبرير شرب بعض الصحابة للخمر في المدينة.
الهوامش
1. إن أصل الإجماع غير الصحيح على عدالة جميع الصحابة مخالف للنص الصريح للقرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم في آيات كثيرة – منها الآية الأولى من سورة المنافقون – ينص على أن بعض الصحابة كانوا منافقين، وفي الآية 3 من سورة المنافقون يقول إن المنافقين كافرون. وكذلك في الآيتين 53 و54 من سورة التوبة في وصف المنافقين يقول إنهم فاسقون وكافرون، وفي الآيتين 67 و68 من نفس السورة – بعد التصريح بفسق المنافقين – يعد بخلود المنافقين في جهنم مع الكفار. هؤلاء المنافقون الفاسقون الكاذبون الكافرون وأهل الخلود في جهنم كانوا جزءًا من صحابة الرسول (ص) بناءً على الآيات 1 و7 و8 من سورة المنافقون، والتي اتفق الشيعة والسنة على شأن نزولها في عبد الله بن أبي. يقول الطبري: «كل الآيات الثماني الأولى من سورة المنافقون نزلت في شأن عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين في المدينة». ويقول الفخر الرازي: «هذه الواقعة حدثت بخصوص عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين في غزوة بني المصطلق». وينقل السيوطي أيضًا عن البخاري ومسلم وسنن الترمذي والنسائي، شأن نزولها في عبد الله بن أبي، زعيم المنافقين. مع الأخذ في الاعتبار نفاق بعض الصحابة وفسقهم وكذبهم وكفرهم وكونهم من أهل الخلود، فهل لإجماع عدالة جميع الصحابة عند أهل السنة – الذي يخالف نص القرآن الصريح – مكانة؟
2. بالترتيب، السورة الثالثة والعشرون، والتاسعة والثلاثون، والثانية والستون المكية. (الزركشي، 1391: 193/1؛ معرفت، 1415: 136/1)