دراسة إمكانية جريان الإقالة في الإيقاعات

الملخص

في رأي أكثر الفقهاء، تُعدّ الإقالة، شأنها شأن الخيارات، من أسباب فسخ العقد وقطعه، مع فارق أنّ إعمال الفسخ بالخيارات يتم بإرادة طرف واحد فقط، بينما يُشترط لتحقق الإقالة تراضي طرفي العقد على حله. إنّ النظر في المدونات الفقهية وأدلة جواز الإقالة يكشف عن أن الفقهاء يجيزون فسخ العقود بشكل عام بهذه الطريقة، ولم يمنعوا الإقالة إلا في بعض العقود الخاصة كالنكاح. وقد أدى دخول مبحث الفسخ إلى نطاق الإيقاعات إلى طرح مباحث مختلفة بين الفقهاء، منها بحث «إمكان فسخ الإيقاع». بعض الفقهاء لم يقبلوا به أساساً، وآخرون، رغم أنهم وصفوا الإيقاعات بأنها قابلة للفسخ بالخيار كالعقود، إلا أنهم منعوا إقالة الإيقاع صراحةً أو اعتبروها غير ممكنة أو سكتوا عنها، ويبدو أن هذا السكوت يعود إلى تبنيهم لنظرية «استحالة إقالة الإيقاع» وبداهة هذه النظرة في أذهانهم.

في هذا البحث، جرت محاولة لدراسة قابلية الإيقاع للفسخ عن طريق الإقالة، وذلك بعد تقييم نظرية «إمكان فسخ الإيقاع» وتعزيز أدلتها المثبتة، وبناءً على نتائج هذا البحث، فإن إقالة الإيقاع لا تواجه مانعاً عقلياً أو شرعياً، ويمكن الاستفادة من هذه الطريقة لإحياء الوضع السابق لإنشاء الإيقاع.

طرح المسألة

عندما يتراضى طرفا العقد على فسخه، ويعيدان بهذا القرار المشترك الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل انعقاد العقد، يُقال في المصطلح الفقهي إنهما «أقالا العقد». فهل يمكن تصور عملية الإقالة في الإيقاعات واعتبارها إحدى طرق فسخ الإيقاع؟ إن البحث في المصادر الفقهية يكشف أن آراء الفقهاء حول موضوع إقالة الإيقاع لا تخرج عن حالين: فبعض العلماء منعوا صراحةً جريان الإقالة في الإيقاعات (الأنصاري، 1415هـ: ج5، ص150)، والبعض الآخر، رغم قبولهم بإمكانية فسخ الإيقاع، اختاروا السكوت وتجنبوا إبداء الرأي حول مشروعية الإقالة في الإيقاعات (الطباطبائي اليزدي، 1421هـ، ج2، ص32؛ الأصفهاني، 1418هـ، ج4، ص221؛ الهمداني، 1420هـ: ص485؛ الحسيني الشيرازي، د.ت، ج12، ص11؛ المامقاني، 1350هـ: ص67؛ الروحاني القمي، 1412هـ: ج17، ص164).

ويبدو أن الفريق الثاني أيضاً لا يوافق على إقالة الإيقاع، وسبب سكوتهم هو أنهم تصوروا أن ماهية الإيقاع الأحادية الطرف تجعله، من حيث الأساس، غير قابل للإقالة. وبناءً على ذلك، من الطبيعي ألا يرد في مباحثهم ذكر لمشروعية إقالة الإيقاع. والمقدار المتيقن هو أنه لا يوجد بين الفقهاء من قبل صراحةً إقالة الإيقاع وحكم بصحتها، ولكن يبدو أنه على الرغم من استحالة إقالة بعض مصاديق الإيقاع لظروفها الخاصة، فإن البحث الدقيق في ماهية الإقالة وأدلة مشروعيتها يمكن أن يثبت فرضية معقولية الإقالة ومشروعيتها في جنس الإيقاع. بعبارة أخرى، إثبات صحة إقالة الإيقاع لا يعني أن جميع مصاديق الإيقاع يمكن فسخها بالإقالة، لأنه في بعض الإيقاعات، كالإعراض والحيازة، لا يمكن تصور طرف حقيقي آخر غير الطرف المؤثر في إنشاء الإيقاع، بحيث تكون الإقالة ذات معنى.

من ناحية أخرى، ليس الهدف من هذا البحث هو تقديم الإقالة كأمر ممكن في جميع مصاديق الإيقاع، بل موضوع البحث هو دراسة هذه الإمكانية في جنس الإيقاعات، وذلك لأنه نظراً لاتساع وتعقيد العلاقات التعاملية، قد يرى الموجِد أحياناً بعد إنشاء الإيقاع مصلحته في الرجوع عن إرادته السابقة. على سبيل المثال، لنفرض أن شخصاً في إعمال حق الشفعة يمتلك الحصة التي باعها شريكه بدفع الثمن، ولكنه بعد الأخذ بالشفعة يفضل بقاء الشراكة مع الشريك الجديد على الملكية المفروزة الجديدة، ويعزم على إقالة الأخذ بالشفعة بجلب رضا المشتري. وفي مثال آخر، تقوم زوجة، تسهيلاً على زوجها، بإبراء ذمته من المهر، بعوض أو بغير عوض، ولكنها بعد إنشاء الإبراء تندم على قصدها وتفضل استقرار المهر في ذمة الرجل، وفي هذه الحالة، لا بد للزوجة من جلب رضا الزوج لرفع هذا الالتزام، وأن تطلب منه إعادة كل شيء إلى الوضع السابق. فإذا قبل الرجل اقتراح المرأة ورضي به، يمكن للزوجة فسخ الإبراء، وهذه العملية هي نفسها إقالة الإيقاع التي يمكن، على فرض مشروعيتها، أن تحل مشكلة الزوجة.

وفي فرض آخر، يبادر الوصي في نطاق صلاحياته إلى الوفاء بالتزامات كان الموصي مديناً بها وكان الوصي على علم بها. وفي هذا السياق، يبيع الوصي ملكاً من أموال الموصي لأداء دينه ويدفع ثمنه للدائن وفاءً بالعهد. فإذا فسخ مشتري الملك البيع بإثبات الغبن وطالب الوصي بالثمن، فلا يمكن من حيث القاعدة فسخ الوفاء، وإذا لم يتمكن الوصي من الحصول على رضا الدائن في إقالة الوفاء، فلا مناص له من دفع الثمن من ماله الخاص وإقامة دعوى ضد الورثة بصفته أحد دائني التركة (جعفري اللنكرودي، 1375، ج1، ص96).

وبناءً على ذلك، ورغم أن إقالة الإيقاع ليست دائماً السبيل الوحيد لتحقيق هدف الموجِد في إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل إنشاء الإيقاع، إلا أنها يمكن أن توفر حرية تعاقدية أكبر لأفراد المجتمع من خلال دخولها في بعض الإيقاعات ذات الطرفين.

١. دراسة مفهوم الإقالة

الإقالة مصدر من باب الإفعال، وهي من جذر «قيل». ومشتقاتها في الأوزان المختلفة وأحياناً في التركيب مع كلمات أخرى تجد معاني متفاوتة. فمثلاً، كلمة «أقال» تُستخدم بمعنى الترك والصفح، كما في قولهم: «أقال الله عثرتك وأقالكها، أي صفح عنك» (الحسيني الواسطي، 1414هـ: ج15، ص644)، بمعنى أن الله عفا عنه وتجاوز عن ذنبه. وعندما تستخدم هذه الكلمة مع لفظ البيع، فإنها تعني فسخ البيع، وتستعمل في فرض يكون فيه أحد طرفي العقد على الأقل نادماً على إبرامه ويقترح فسخه، ويقبل الطرف الآخر طلبه، أي «وافقه على نقض البيع وأجابه إليه» (ابن منظور، 1411هـ: ج11، ص580).

أما إذا كان هذا الندم متبادلاً، فيستخدم لبيان الفسخ لفظ «التقايل»: «يتقايلان البيع أي يستقيل كل واحد منهما صاحبه». وبذلك، يكون «تقايل البيعان» بمعنى أن المتعاملين يفسخان البيع ويتخليان عنه، أي «تفاسخا صفقتهما». والجدير بالذكر أن ذكر عنوان البيع في المعاجم اللغوية هو من باب الإشارة إلى مصداق بارز من العقد وله طريقية، لا موضوعية، كما صرحوا هم أنفسهم بأن «تكون الإقالة في البيعة والعهد» (نفس المصدر، ص579).

الإقالة في المصطلح الفقهي تعني أيضاً التراضي على الفسخ، حيث يكون طرفا العقد أو أحدهما نادماً على إبرام العقد ويبحث عن سبيل لفسخه وإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً. وبناءً على ذلك، لا يوجد فرق ملحوظ بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للإقالة، والتراضي على الفسخ هو مقوّم معنى الإقالة في اللغة والاصطلاح.

٢. ماهية الإقالة

إنّ اتجاه أكثر فقهاء أهل السنة بشأن ماهية الإقالة هو اعتبارها بيعاً في اتجاه معاكس للبيع الأول (الزحيلي، 1418هـ: ج4، ص714). هذا بينما رجّح فقهاء الإمامية ماهية الفسخ للإقالة، ولم يعتبروها تبادلاً جديداً يندرج تحت عنوان التجارة (العلامة الحلي، 1414هـ: ج12، ص117؛ ابن حمزة، 1408هـ: ص257؛ الشيخ الطوسي، 1387هـ، ج2، ص186؛ الشهيد الأول، 1417هـ، ج3، ص267؛ البحراني، 1405هـ، ج20، ص90). ومؤيد رأيهم هو حكم العرف الذي يرى الإقالة فسخاً للعهد السابق وإزالة له، كما أن الحقيقة اللغوية للإقالة تؤيد هذا الرأي أيضاً.

إن نظرية اعتبار الإقالة فسخاً قوية إلى درجة أن بعض مؤيديها شككوا حتى في كون الإقالة عقداً، فهم يعتقدون أنه على الرغم من أن أساس الإقالة يتشكل من التراضي على حل العقد، إلا أنه ليس كل تفاهم وتراضٍ يسمى عقداً. الإقالة، في الحقيقة، مثل الفسخ الناشئ عن الخيار، مع الفارق أن الفسخ بالخيار ينشأ فقط برضا وإرادة الفاسخ، بينما في الإقالة، يعلن الطرف النادم عن رغبته وطلبه لفسخ العقد، والطرف الآخر يبدي رضاه. لهذا السبب، تصح الإقالة بلفظ طرف واحد يقول «فسخت العقد»، بشرط أن يكون الطرف الآخر راضياً بالفسخ أيضاً.

وبناءً على ذلك، فإن لزوم تراضي الطرفين لا يؤدي إلى ابتعاد الإقالة عن ماهية الفسخ لدرجة أن يطلق عليها عنوان عقد جديد. وعليه، يجب القبول بأن الإقالة، شأنها شأن الخيار، هي إحدى طرق فسخ العقد، وتستخدم غالباً عندما لا يجد الطرف النادم من إبرام العقد سبيلاً لفسخه من جانب واحد عبر إعمال الخيار.

٣. دراسة إمكانية ومشروعية إقالة الإيقاع

رغم أن أكثر الفقهاء قد قبلوا بتعميم الإقالة من عقد البيع إلى سائر العقود (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج24، ص351؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، ج3، ص436؛ مغنية، 1421هـ: ج3، ص291؛ الخوئي، 1410هـ، ج2، ص70؛ الإمام الخميني، 1404هـ، ص151؛ روحاني قمي، د.ت، ج2، ص122؛ البصري البحراني، 1413هـ: ج4، ص188)، إلا أنهم متفقون على عدم جريان الإقالة في الإيقاعات. ففي المصادر الفقهية، لم يتم الاستدلال على عدم قابلية التقايل في الإيقاعات، وهذا الأمر قد يكشف عن أن الموضوع كان بديهياً ومفروضاً في أذهان هؤلاء العلماء. ويبدو أن منشأ هذا الفرض المسبق الذهني هو أن إمكانية إقالة الإيقاع منتفية لديهم، إما لأنهم يعتبرون الإيقاعات غير قابلة للفسخ أساساً، أو لأنهم يرون أن هذه الطريقة للفسخ غير ممكنة في الإيقاعات (الطباطبائي اليزدي، 1415هـ، ص192).

بناءً على ذلك، سيتم أولاً دراسة نظرية إمكان فسخ الإيقاع، ثم سيتم النظر في الأدلة التي يمكن إقامتها على جواز فسخ الإيقاع عن طريق الإقالة.

١-٣. أدلة عدم إمكانية فسخ الإيقاع

الفقهاء الذين اعتبروا فسخ الإيقاع أمراً غير ممكن، أقاموا فرضيتهم على الأدلة التالية:

١-١-٣. معقولية الفسخ في حل العلاقة الثنائية

عندما يُستخدم مصطلح «الفسخ»، يُقصد به قطع علاقة ثنائية بإنشاء إرادة طرف واحد. ومن الواضح أنه يمكن تصور هذا الشكل من الارتباط في العقد؛ إذ إنه فقط في هذا الفعل القانوني تتحقق علاقة بين الطرفين بالإيجاب والقبول، علاقة تُقطع بإنشاء الفسخ في الأثناء وتمنع استمرار آثار العقد. هذا في حين أن إنشاء الإيقاع من طرف واحد يمنع تشكل مثل هذه العلاقة الثنائية، وبالتالي، فإن المفهوم المتبادر من الفسخ لا يمكن أن تكون له موضوعية في الإيقاعات (الحسني، د.ت: ص373؛ المامقاني، 1350هـ: ص67).

مثلاً، عندما يبرئ الدائن ذمة المدين، بما أن إرادة المدين ليس لها دخل في تحقق براءة ذمته بل قد يكون غير مطلع عليها تماماً، فلا تتشكل أساساً علاقة بين الدائن والمدين بحيث يمكن تصور قطعها بالفسخ من قبل الموجِد. بناءً على ذلك، يصدق مفهوم الفسخ والانحلال على قطع الارتباط بين موضوعين، في حين أن هذا المعنى بعيد عن الذهن في الإيقاعات (التي تتحقق بإنشاء إرادة واحدة). لذا، يمكن القول إن الفسخ في الإيقاعات غير قابل للتصور والتحقق.

١-١-١-٣. نقد ودراسة

يبدو أن الدقة في ماهية ومعنى الفسخ يمكن أن تكون معياراً جيداً لتقييم صحة هذا الادعاء؛ فالمعنى اللغوي للفسخ مرادف لكلمة «النقض» (الحسيني الواسطي، 1414هـ: ج4، ص301؛ الفيومي، د.ت، ج2، ص472)، والمقصود به هو الرفع والإزالة. من جهة أخرى، فإن المعنى الاصطلاحي للفسخ مأخوذ من المعنى اللغوي ومنطبق عليه تماماً. وبناءً عليه، عندما يُفسخ فعل قانوني، فإن منشأه يُزال بيد من يملك حق الفسخ ويُعمله (الأصفهاني، 1418هـ: ج4، ص219؛ الروحاني، 1412هـ: ج17، ص164).

مثلاً، عندما يكتسب البائع حق فسخ البيع، فهذا يعني أنه أصبح بإمكانه أن ينقض باختياره الملكية التي نشأت للمشتري ويعيد المبيع إلى ملكه. من الواضح أنه بالنظر إلى هذا المعنى للفسخ، لا يوجد أي مانع من جريانه في الإيقاعات. مثلاً، إذا اكتسب الدائن حق فسخ الإبراء، فإنه بتنفيذ حقه يزيل براءة الذمة الحاصلة من الإبراء ويشغل ذمة المدين مرة أخرى بأداء الدين.

أما إذا قيل إن الفسخ في معناه العرفي يدل على قطع وفصل الارتباط بين شيئين، بحيث تكون نتيجته زوال ونقض المنشأ، فلا يمكن مع ذلك اعتبار الإيقاعات غريبة عن معنى الفسخ لهذا السبب؛ إذ يكفي لتحقق المعنى المذكور أن تُقطع العلاقة بين المسبَّب والسبب بواسطة إعمال حق الفسخ، وليس من الضروري أن يُفتح قراران تعامليان عن بعضهما البعض حتى يمكن القول بأن الفسخ قد تحقق (الأصفهاني، نفسه).

مثلاً، الشخص الذي أبرأ المدين بشكل مشروط، والآن بسبب تخلفه عن الشرط، اكتسب حق فسخ الإبراء، فإنه بتنفيذ حقه يقطع الارتباط بين الإبراء الذي أنشأه وبراءة الذمة الحاصلة منه، ويشغل ذمة المدين تجاه نفسه. بناءً على ذلك، يُلاحظ أن الفسخ بكلا الفهمين لمعناه معقول وقابل للتصور في الإيقاعات، وفي الاصطلاح، لا يوجد مانع ثبوتي لفسخ الإيقاع.

٢-١-٣. عدم إمكانية عودة المعدوم

من الأدلة الأخرى التي عززت نظرية عدم إمكانية الفسخ في الإيقاعات، هو عدم إمكانية عودة علاقة سقطت وزالت بفعل الإيقاع. توضيح ذلك أن أثر معظم الإيقاعات هو حذف وإعدام العلاقات القائمة. مثلاً، علاقة الزوجية تزول بالطلاق، وما في ذمة المدين يزول بالإبراء. فإذا طُرح إمكان فسخ الطلاق أو الإبراء، فهذا يعني أنه بفعل فسخ الطلاق، تعود علاقة الزوجية الماضية، وعقب فسخ الإبراء، تُشغل ذمة المدين بنفس الدين.

ومن البديهي أن عودة هذه العلاقات الزائلة عن طريق الفسخ أمر مستحيل، وهذا يعني أن يعود معدوم إلى حيز الوجود مرة أخرى، في حين أن مثل هذا الأمر محال عقلاً وغير ممكن. وبناءً على ذلك، خلافاً للعقود، فإن فسخ الإيقاعات غير قابل للتصور (الخوئي، د.ت، ج6، ص270؛ السبزواري، 1413هـ، ج7، ص121؛ المامقاني، 1350هـ، ص67).

١-٢-١-٣. نقد ودراسة

بغض النظر عن أن أثر جميع الإيقاعات ليس إعدام العلاقات القائمة، بل إن نتيجة انعقاد بعضها هو إيجاد علاقة جديدة (مثل حق الشفعة وحيازة المباحات)، فإن الفسخ في الإيقاعات ذات الأثر العكسي أساساً لا يمكن أن يسبب مشكلة. بعبارة أخرى، ما جعل فسخ الإيقاع يبدو بعيداً في أذهان بعض الفقهاء هو استحالة إعادة المعدوم. إن عدم الإمكانية المذكورة بحد ذاتها حقيقة بديهية، وربما لا يمكن العثور على أي شخص يعتقد بأن شيئاً معدوماً حقيقة يمكن إيجاده مرة أخرى في العالم الخارجي.

لكن البحث هنا يدور حول عالم الاعتبار والعلاقات الحاكمة عليه. ففي فضاء العلاقات الاعتبارية، تتغير العناوين ببساطة، والعلاقات التي زالت تعود إلى مكانها بسهولة وبدون مانع عقلي. مثلاً، شخص يبيع 20 كيلو من 100 كيلو أرز موجود في مخزنه بعنوان «الكلي في المعين» لشخص آخر؛ فإذا تلف 80 كيلو من أرز المخزن، فإنه ملزم بتسليم الـ 20 كيلو المتبقية بعنوان «العين المعينة» للمشتري. هذا التغيير في العناوين في عالم الاعتبار لا مانع منه (السبزواري، 1413هـ: ج17، ص123).

من ناحية أخرى، إذا تم بيع ثم فُسخ لأي سبب، فإن ملكية البائع للمبيع وملكية المشتري للثمن – التي زالت بسبب البيع – تعود إلى وضعها السابق. فإذا ادُعي أن إعادة المعدوم مستحيلة، فلا شك أن فسخ البيع سيؤدي إلى محال عقلي؛ بينما لا يوجد أي فقيه يتبنى مثل هذه النظرة ويقبلون جميعاً بإمكانية فسخ البيع.

بناءً على ذلك، فإن عودة علاقة زالت بفعل إعمال حق الفسخ، في حيز العلاقات الاعتبارية الحاكمة على المعاملات، لا تواجه إشكالاً، وكون الفعل عقداً أو إيقاعاً لا يمكن أن يخل بهذه القاعدة الكلية. وبناءً عليه، كما يمكن بالفسخ إعادة البائع مالكاً للمبيع مرة أخرى، فإنه من الممكن عقلاً فسخ الطلاق وإعادة علاقة الزوجية إلى حالتها السابقة، أو بفسخ الإبراء، شغل ذمة المدين بأداء الدين. وهذا لأن إعمال الفسخ يُنشئ عنواناً جديداً من الملكية والزوجية وشغل الذمة؛ لا أن نفس العلاقات التي زالت تعود بعينها، لكي ينشأ إشكال استحالة إعادة المعدوم في عملية الفسخ (الطباطبائي اليزدي، 1421هـ، ج2، ص32؛ الأصفهاني، 1418هـ: ج4، ص219).

٣-١-٣. زوال آثار الإيقاع بعد الإنشاء

الاستدلال الآخر الذي طُرح لتبرير عدم إمكانية فسخ الإيقاعات يقوم على اعتبار أن آثار الإيقاع لا تبقى بعد تحققها؛ بمعنى أن الإيقاع، كفعل يتم بإنشاء إرادة من الموجِد، يوجد في لحظة معينة في عالم الاعتبار ويزول فور تحقق أثره، فلا يبقى أساساً ما يُمارَ عليه الفسخ لاحقاً. بناءً على هذا، يُستنتج أن «فسخ الإيقاع عقلاً غير ممكن»، لأن لا أثر مستمر يمكن قطعه أو تغييره بعد الانتهاء من إنشائه.

في المقابل، العقود في الشرع والعرف تُنتج آثاراً مستمرة بعد إتمامها، مما يسمح بافتراض إمكانية فسخها وقطع آثارها لاحقاً (السبحاني التبريزي، 1414هـ: ص180). ورغم أن هذا الاستدلال لم يُرد صراحة في كلام الفقهاء، إلا أن هناك مؤشرات تدل على قبوله لدى بعضهم. فعلى سبيل المثال، يرى الإمام الخميني[6] أنه من غير المعقول عقلاً تصور الإيقاع كظرف يمكن أن يُقيد بشرط، لأنه بمجرد تمامية عنوان الإيقاع وتحقيق أثره، لا يمكن ربطه بأي شرط لاحق، إذ كيف يمكن للشرط أن يقع داخل الإيقاع وفي ظرف تحقق تأثيره؟

١-٣-١-٣. نقد ودراسة

الادعاء هو أن الوجود الاعتباري للإيقاع يزول بعد تحققه؛ بمعنى أنه لا يمكن تصور وجود له يتجاوز زمن الإنشاء، حتى يمكن بإعمال الفسخ إعادته إلى الوضع السابق. في نقض هذا الادعاء، يجب القول إن إبداء مثل هذه الآراء بعيد أساساً عن مقتضيات العرف الحاكم على المعاملات ومبني على دقائق فلسفية لا ينبغي إدخالها في مجال المسائل الفقهية واستنباط الأحكام الشرعية؛ إذ إن العرف لا يميز في بقاء آثار عمل قانوني بين كونه عقداً أو إيقاعاً، ويفترض بقاء أثر كليهما بعد تمام الإنشاء اللفظي. مثلاً، كما أنه في عقد البيع تنتقل ملكية المبيع بشكل دائم إلى المشتري بالبيع، ففي الطلاق أيضاً بعد إجراء الصيغة، يطلق وصف المطلقة على الزوجة إلى الأبد. بناءً على ذلك، يُلاحظ أن أثر الإيقاعات، شأنه شأن العقود، يستمر في جميع الآنات واللحظات بعد وقوعه، وليس الأمر بحيث يزول أثره بمجرد تحققه (السبحاني التبريزي، 1414هـ: ص180).

٢-٣. أدلة إمكانية فسخ الإيقاع

من الممكن اعتبار الإيقاعات قابلة للفسخ. ولهذا الغرض، يجب إثبات أن ذات وماهية الإيقاع لا تتنافى مع ماهية الفسخ؛ بمعنى أن إطلاق عنوان الإيقاع على عمل قانوني لا يمنع من إمكانية حله بواسطة الفسخ، وبالتالي، فإن فسخ الإيقاعات ممكن شأنه شأن العقود. ورغم أن نقد وتضعيف الأدلة التي قيلت في عدم إمكانية الفسخ تدل على إمكانية فسخ الإيقاع، إلا أنه يمكن استخدامها لإثبات إمكانية فسخ الإيقاع. ولكن لا شك أن ما يكون أكثر تأثيراً في هذا المسار من أي استدلال آخر هو العثور على أمثلة للفسخ وقابلية الإيقاع للعودة. إذ إن مجرد وجود مصداق واحد من الإيقاعات يمكن إعادته بإرادة الموجِد إلى وضعه الأول، يكفي لإثبات هذا الادعاء؛ فذات الإيقاع لا تأبى أن توصف بأنها قابلة للفسخ.

١-٢-٣. الاستناد إلى جواز الرجوع في الطلاق

إن إمكانية رجوع الرجل في أيام عدة الطلاق الرجعي من مسلّمات الفقه ومؤيدات القرآن الكريم. وقد اختار بعض الفقهاء عنوان فسخ الطلاق للرجوع إلى الزوجية؛ مستدلين بأنه عندما يرجع الرجل إلى زوجته السابقة، فإنه في الواقع يمحو ويزيل الطلاق الذي أوجده بإنشاء إرادته في عالم الاعتبار، وبالرجوع يبادر في الحقيقة إلى فسخ الطلاق.[7]

إذا عُبّر عن عودة الرجل إلى الزوجية بعنوان الرجوع أو أي عنوان آخر، فإن ذلك لن يغير شيئاً في الماهية الأصلية لهذه العملية – وهي الفسخ -.

وفي القرآن الكريم أيضاً عُبر عن الرجوع بلفظ «الرد» (البقرة: 228). وهذا دليل واضح على إثبات تماثل ماهية الطلاق والفسخ، لأن المعنى المتبادر من لفظ الرد هو إعادة كل شيء إلى ملاكه ووضعه السابق. وهذه النتيجة لا تتحقق إلا بعد فسخ عمل قانوني (الخوئي، 1414هـ: ج2، ص141).

وبما أنه بعد رجوع الزوج، تنشأ علاقة الزوجية مرة أخرى بنفس الشروط والقيود التي كانت قبل الطلاق، فإنه يبدو أنه يمكن اعتبار الرجوع فسخاً حقيقياً للطلاق.

بالطبع، بعض الفقهاء، مع معارضتهم لهذه النظرة، يعتبرون الرجوع إلى الزوجية حكماً شرعياً وُضع فقط في الطلاق الرجعي، ويعتبرون تلقي الفسخ منه غير معقول (كاشف الغطاء النجفي، د.ت: ص99؛ الإمام الخميني، د.ت: ج4، ص378؛ الأنصاري، 1415هـ: ج5، ص149).

وفي الرد على الإشكال الأخير، يمكن القول: إن قبول قالب الحكم الشرعي للرجوع لا يمنع من اعتباره فسخاً. بمعنى أنه لا يوجد أي إشكال في أن يكون الرجوع حكماً شرعياً وفي نفس الوقت سبباً لفسخ الطلاق (الخوئي، نفس المصدر: ج4، ص142).

كما يمكن أن يقال: إن حكم الرجوع إلى الزوجية في أيام العدة ثابت فقط في الطلاق الرجعي، وعلى فرض أن ماهية الرجوع من جنس الفسخ، فلا يمكن تعميم هذا الحكم على سائر مصاديق الإيقاعات واعتبار فسخها مشروعاً. هذا المطلب صحيح، لأن اعتبار الرجوع فسخاً يثبت فقط مشروعية الفسخ في الطلاق الرجعي ولا يمكن بالاستناد إليه تشريع فسخ جميع الإيقاعات.

ولكن من البديهي أن إمكانية الفسخ مقولة تختلف تماماً عن مشروعيتها، وإذا ثبت أن فسخ الطلاق بشكل رجوع الزوج ممكن، فلا شك أنه يمكن تعميم هذا الحكم على سائر الإيقاعات؛ لأنه إذا كان فسخ الإيقاع لا يتوافق مع ماهيته، ووصف في الواقع بأنه محال وغير ممكن، لما جاز أن يجري حتى في مصداق واحد من الإيقاعات.

خلاصة القول، الرجوع في الحقيقة هو فسخ الطلاق، ومن هنا يمكن استنتاج أن الإيقاع أيضاً قابل للفسخ كالعقود.

٢-٢-٣. الاستناد إلى رجوع الورثة عن إجازة الوصية الزائدة على الثلث

من فروع مباحث الوصية حول حدود نفوذ الوصية التمليكية. فالفقهاء أجازوا للموصي الوصية في ثلث أمواله، واعتبروا نفوذ الوصية فيما زاد على هذا الكسر متوقفاً على إجازة الورثة.

إجازة الورثة هي إنشاء لإرادتهم في إنفاذ تصرف الموصي الفضولي، وتعتبر إيقاعاً شأنها شأن سائر الموارد. وبناءً عليه، عندما يجيز الورثة الوصية فيما زاد على الثلث، فلا يمكنهم من حيث القاعدة الرجوع عن الإرادة التي أبدَوْها؛ إلا في حالة واحدة قبل فيها بعض الفقهاء رجوع الورثة عن إجازتهم.

هذا الاستثناء يكون في حالة يدعي فيها الورثة بعد الإجازة أنهم كانوا يظنون أن المقدار الزائد على الثلث قليل، وأن إجازتهم صدرت على هذا الأساس. وفي فرض كون الوصية بجزء مشاع من التركة، يكون أساس ادعاء الورثة هو عدم علمهم بمبلغ التركة الإجمالي؛ لأن العلم بالكسر الموصى به لا يمكن إلا في حالة معرفة مبلغ التركة كلها.

وكذلك الحال إذا أوصى الموصي بعين مالية تتعلق بالوصية، وأجاز الورثة الوصية بظن أن قيمة الموصى به تزيد قليلاً عن ثلث التركة، ثم علموا بعد الاطلاع على مبلغ التركة الإجمالي أن العين المذكورة تزيد قيمتها المالية كثيراً عن ثلث التركة.

إن التتبع في المدونات الفقهية يظهر أن الفقهاء طرحوا ثلاثة آراء حول سماع هذا الادعاء وقبوله: فالبعض، استناداً إلى إطلاق وحاكمية الإجازة، يعتبرون الادعاء المطروح في كلا الفرضين مخالفاً للضوابط الشرعية وغير مسموع (اليزدي، 1409هـ، ج2، ص892؛ الحكيم، 1416هـ: ج14، ص611).

البعض الآخر يعتبرون لزوم دفع الضرر عن الورثة وأصل عدم علمهم بالمقدار الزائد على الثلث دليلاً على قبول ادعائهم في كلا شكلي الوصية (الصيمري، 1420هـ: ج2، ص423).

البعض الآخر فرقوا بين الوصية بالعين المعينة والجزء المشاع: ففي الفرض الأول، اعتبروا معلومية قيمة الموصى به مانعاً من قبول ادعاء الورثة؛ بينما في الوصية بالكسر المشاع، اعتبروا إمكانية رجوعهم عن الإجازة. وبذلك، في الفرض الأخير، يمكن للورثة الرجوع عن إجازتهم السابقة، ويكونون ملزمين بإنفاذ الوصية الزائدة على الثلث بأداء اليمين، طبقاً للظن الذي ادعوه (الشهيد الأول، 1410هـ: ص169؛ الشهيد الثاني، 1413هـ: ج6، ص170).

من الواضح أن الرجوع عن الإجازة، بوصفه أحد مصاديق الإيقاع، يمكن أن يُعد دليلاً آخر على إمكانية فسخ الإيقاعات؛ لأنه كما قيل، ليس للفسخ كعمل قانوني معنى سوى النقض والإبطال.

وهنا أيضاً، تمكن الورثة من خلال طرح الادعاء المذكور وإثباته باليمين من إزالة إجازتهم الأولى ومنع تأثيرها، وهذا هو عين فسخ الإيقاع. حتى لو لم يُطرح هذا المصطلح من قبل الفقهاء وعُبّر عنه بعنوان الرجوع، فلا يمكن إنكار أن هذه العملية بمنزلة فسخ الإيقاع.

وهذا يعني أن إمكانية فسخ الإيقاع لا مانع منها.

٤. أدلة إمكانية إقالة الإيقاع

١-٤. تماثل ماهية العقد والإيقاع من حيث قابلية الإقالة

قد يوجد تصور بأن الإيقاع، لكون طرف واحد فقط مؤثراً في إنشائه، لا يمكن أن يكون قابلاً للإقالة (التي تتوقف على تراضي الطرفين).

لرد هذه الفرضية، يجب أولاً الانتباه إلى ماهية الإقالة. لقد قيل سابقاً إن الإقالة أيضاً، شأنها شأن الخيارات، تُعد من أسباب الفسخ والانحلال؛ مع هذا الفارق أن في الإقالة، خلافاً للخيارات، يُشترط تراضي الطرفين على الفسخ.

من جهة أخرى، قُبل بأن ذات الإيقاع لا تأبى قابلية الفسخ، ويمكن فسخه شأنه شأن العقد. بناءً على ذلك، فإن ما يثبت في هذه المرحلة إمكانية أو عدم إمكانية الإقالة في الإيقاعات، لا يرتبط بقابلية الإيقاع للفسخ؛ بل يتعلق بمسألة ما إذا كان الإيقاع يمكن أن يقبل التراضي على الفسخ أم لا؟ وهل توقف الإقالة على رضا الطرفين يتنافى مع ماهية الإيقاع؟

يبدو أنه في الإيقاعات أيضاً يمكن التراضي على الفسخ، وكون الإيقاع يتشكل بإنشاء إرادة طرف واحد لا يمنع إمكانية هذا التراضي؛ كما هو الحال في الإيقاع المشروط، حيث يكون رضا المشروط له شرطاً؛ دون أن يؤدي هذا الأمر إلى ابتعاد الإيقاع عن ذاته الأحادية الطرف (السبزواري، 1413هـ: ج17، ص121؛ الموسوي البجنوردي، 1419هـ: ج4، ص225؛ الأنصاري، 1415هـ: ج5، ص149؛ الإيرواني، 1406هـ: ج2، ص26؛ الموسوي الخوئي، 1414هـ، ج2، ص94).

من ناحية أخرى، ليس من الضروري أن يُحل عمل قانوني بنفس عدد الإرادات التي كانت مؤثرة في إنشائه. ففي الحقيقة، لا يوجد تلازم بين الإنشاء والانحلال من هذه الجهة. مثلاً، صاحب الخيار، بإعمال إرادته، يفسخ العقد – الذي تشكل بإنشاء إرادة طرفين – بمفرده. حتى الشخص الثالث، الذي ليس له أي دخل في تحقق العقد، يمكنه، بشرط أن يكون متمتعاً بحق الفسخ، أن يفسخ المعاملة.

بناءً على ذلك، لا يمكن قبول هذه الفرضية القائلة بأن «الإيقاع غير قابل للإقالة؛ لأن الماهية التي كان طرف واحد دخيلاً في تحقيقها لا يمكن فسخها بتراضي طرفين».

بل على العكس، فإن رضا الطرف المقابل للإيقاع، في الحالات التي لا يوجد فيها حق الفسخ للموجِد، يبدو منطقياً ومبرراً تماماً؛ لأنه على الرغم من أن الطرف المقابل في الإيقاعات ذات الطرفين كان يُعد شخصاً غير مؤثر قبل انعقاد الإيقاع، إلا أنه بعد تحقق الإيقاع ينشأ له أيضاً حق لا يمكن المساس به دون رضاه.

مثلاً، تملك الحصة المبيعة بواسطة الشفيع هو إيقاع ويتحقق بإرادته وحده؛ ولكن بعد تسليم الثمن للمشتري واسترداد المبيع منه، يستقر حق ملكية المشتري للثمن. وبناءً على ذلك، إذا أراد الشفيع أن يفسخ الشفعة، فإذا لم يتمكن من الوصول إلى مقصوده عن طريق إعمال الخيار، فلا مناص له من جلب رضا الطرف المقابل لفسخ الشفعة.

هذه العملية، التي تحصل بطلب الفسخ من الشفيع النادم وإعلان رضا المشتري، لا يمكن أن يكون لها عنوان سوى الإقالة، ولا يمكن تصور أي محال عقلي أو عدم إمكانية لها.

النتيجة هي أنه لا يوجد فرق بين ماهية العقد والإيقاع من حيث إمكانية وقابلية التقايل؛ بعبارة أخرى، يمكن فسخ كليهما بهذه الطريقة.

٢-٤. إطلاق وعموم الأدلة النقلية

لقد تمسك الفقهاء بأدلة نقلية عديدة لتجويز الإقالة؛ ويمكن لعموم وإطلاق بعضها أن يشمل جميع العقود بل والإيقاعات.

الآية الشريفة التي تنهى عن «أكل المال بالباطل» (النساء: 29) هي أحد هذه الأدلة. وقد استند الفقهاء إلى هذه الآية للحكم بصحة الإقالة؛ بالاستدلال بأن الله قد استثنى «التجارة عن تراض» من حرمة «أكل الأموال بالباطل». من ناحية أخرى، الإقالة أيضاً، لكونها متوقفة على التراضي، لا تُعد تصرفاً باطلاً في الأموال.

قد يُشكل بأن ماهية الإقالة، في الحقيقة، هي فسخ وليست مبادلة جديدة وتجارة، وبالتالي، لا يمكن أن تكون مشمولة بالآية المذكورة. في الرد على هذا الإشكال، يجب القول: إن الفسخ بواسطة الإقالة يؤدي إلى عودة كل شيء برضا الطرفين إلى الوضع السابق، ومثل هذا التصرف، حتى لو لم يكن يحمل عنوان التجارة حقيقة، لا يمكن وصفه بأنه تصرف باطل وممنوع (الحائري الحسيني، 1423هـ: ج1، ص427؛ السبحاني التبريزي، 1423هـ: ص197؛ الحسيني الروحاني، 1412هـ: ج18، ص320).

وبغض النظر عن الآية المذكورة، فإن بعض الروايات تدل أيضاً على رفعة المقام والأجر الأخروي لمن يقبل طلب إقالة الطرف النادم. هذه الروايات، التي تشمل بنطاقها المطلق جميع الأفعال القانونية، لا تقتصر على إثبات مشروعية الإقالة، بل يُستفاد منها أيضاً استحباب ورجحان الإقالة (صاحب الجواهر، 1404هـ: ج24، ص351؛ العلامة الحلي، 1412هـ: ج15، ص292؛ العاملي، 1419هـ: ج12، ص433؛ الفيض الكاشاني، د.ت: ج3، ص123؛ آل عصفور البحراني، د.ت: ج12، ص244).

٣-٤. قاعدة التسليط

الأشخاص في المجتمع أحرار في كيفية التصرف واستيفاء حقوقهم؛ بشرط ألا تكون كيفية تصرفاتهم مقيدة بموانع قانونية. هذا هو مضمون قاعدة التسليط، التي تُعد أحد مستندات صحة الإقالة.

وكما أشار بعض الفقهاء، إذا كانت الإقالة موافقة للأصل، فإنه استناداً إلى قاعدة التسليط، يوجد حق اتخاذ القرار بشأن فسخ أو إبقاء عمل قانوني للأشخاص الذين أوجدوه أو استفادوا منه، ويمكنهم التراضي على فسخ ذلك العمل للحفاظ على مصالحهم. وبذلك، عندما يتفق طرفان على رفع التزام الطرف المقابل، لا يمكن للشارع أن يجبرهما على البقاء وعدم الفسخ (الحسيني المراغي، 1417هـ: ج2، ص386).

قد يُشكل بأن الإقالة خلاف القواعد الأولية، ولا يمكن لطرفي عمل قانوني بعد تحققه الرجوع عن إرادتهم؛ إلا إذا اعتبر الشارع التراضي على الفسخ. بناءً على ذلك، كما أن جريان الإقالة في أحد العقود، مثل البيع، قد قُبل استناداً إلى أدلة خاصة، فلا يمكن تعميم هذا الحكم على سائر الأفعال القانونية، سواء كانت عقوداً أو إيقاعات. لرفع هذا التردد، يجب أولاً القول: إن هذا الادعاء نفسه يحتاج إلى استدلال؛ إذ عندما يقصد أصحاب الحق في قالب من جنس التراضي فسخ العمل القانوني المنجز، والشارع لم يمنعهم من هذا الإجراء، فبناءً على أي دليل يمكن منعهم من الفسخ؟

بالإضافة إلى ذلك، في بعض الأخبار، طُرح موضوع الإقالة بشكل مطلق ودون اختصاص بعقد البيع (الحر العاملي، 1409هـ: ص387؛ الفيض الكاشاني، 1406هـ: ج17، ص441). من ناحية أخرى، فإن النظر في الأجر والثواب الأخروي لمن يقبل طلب فسخ الطرف النادم، يكشف عن أن تجويز الإقالة ليس محصوراً في حالة خاصة؛ لأن وعد الثواب للمخاطب بدعوة الإقالة هو لأنه يقبل طلب الطرف النادم في حالة الاضطرار وعدم وجود سبيل آخر، ويفضل فسخ العمل على إبقائه. ومن الواضح أن هذا الدليل لا يختص بالبيع (نفسه).

وبناءً على ذلك، فإن قاعدة التسليط، كما يمكن استخدامها لتعميم حكم صحة الإقالة من البيع إلى سائر العقود، يمكنها أيضاً إثبات مشروعية جريان الإقالة في الإيقاعات.

٤-٤. بناء العقلاء

يسعى جميع الأفراد في علاقاتهم التعاملية مع الآخرين إلى تحقيق منافعهم ومصالحهم؛ ولكن رغم كل الدقة والحساسية التي يبذلونها في هذا الشأن، يشعرون أحياناً بالندم على معاملة قاموا بها، ويرغبون في تغيير الوضع القائم إلى حالة ما قبل إجراء المعاملة.

في هذه المواقف، إذا لم تكن هناك إمكانية للفسخ عن طريق الخيار، فلا سبيل لهم سوى جلب رضا بعضهم البعض لفسخ المعاملة. في عرف المعاملات بين الناس، هذه هي الطريقة المعتادة والطبيعية، والشارع لم يمنعها فحسب، بل أثنى على هذا السلوك الأخلاقي والمستحسن – الذي يمكن أن يظهر كصورة من صور التسامح في العلاقات الاجتماعية – وشجع عليه (السبزواري، 1413هـ: ج18، ص118).

في مثل هذه الظروف، يُعد بناء العقلاء أحد أقوى الأدلة التي يمكن إقامتها على جواز الإقالة؛ بالطبع، طالما لم يقم الشارع بحصر طرق حل عمل قانوني في حالات محددة ومنع الإقالة منها (مثل النكاح). وبناءً على ذلك، طالما لم ينه الشارع عن إقالة عمل ما، يمكن التمسك ببناء العقلاء لتجويز التراضي على فسخه (الطباطبائي اليزدي، 1415هـ: ص192).

والإيقاع أيضاً ليس مستثنى من هذه المقولة. وبناءً عليه، عندما يعتبر العقلاء إقالة الإيقاع صحيحة والشارع لم يمنع هذه الطريقة، يمكن قبول جريان الإقالة في الإيقاعات. ويبدو أن بعض الفقهاء أيضاً قبلوا هذه السيرة بطريقة ما، وعكسوا في آرائهم علامات منها.

فالحكم بجريان الإقالة في أداء الدين هو أحد هذه الحالات: فأحياناً يؤدي المدين دينه بمال معين ثم يقرر تغييره، أو بالعكس، يفضل الدائن أن يُعوّض المال الذي دُفع له كأداء للدين بمال آخر. وهنا، السبيل الوحيد هو إقالة الوفاء وكسب رضا الطرف المقابل.[9]

نتيجة البحث

١. تقريباً لم يتناول أي من الفقهاء، وحتى أولئك الذين يقبلون بإمكانية فسخ الإيقاع بواسطة الخيارات، موضوع قابلية الإيقاع للفسخ بالإقالة. ويبدو أن الفرض المسبق الذهني لديهم القائم على عدم إمكانية إقالة الإيقاع هو سبب هذا السكوت.

٢. في البحث الحالي، تمت دراسة فرضية معقولية إقالة الإيقاع وصحتها ومشروعيتها، وتوضح بالاستناد إلى الأدلة المعتبرة العقلية والنقلية أنه لا يوجد مانع من فسخ الإيقاع بواسطة الإقالة. فبمقتضى الظروف الحاكمة على العقد، توجد إمكانية لتأمين الحرية التعاقدية بالإقالة في الإيقاع أيضاً؛ لأنه من ناحية، لا يوجد فرق بين ماهية العقد والإيقاع من حيث قابلية التقايل، وليس من اللازم أن يكون عدد الإرادات المنشئة والمزيلة لعمل قانوني متساوياً. وبناءً على ذلك، كما يمكن فسخ العقد بإرادة أحد الطرفين فقط، يمكن أيضاً إقالة الإيقاع بطلب الموجِد أو الطرف غير المؤثر وبشرط تفاهم الطرفين على الفسخ. ومن ناحية أخرى، فإن الأدلة النقلية ذات النطاق الشمولي العام لا تجوّز الإقالة فحسب، بل تدل أيضاً بوعد الثواب الحسن لمن يقبل طلب الطرف النادم على استحبابها ورجحانها. وهذا الأمر نفسه ينفي احتمال حصر هذه الأدلة في العقود. ومن ناحية أخرى، فإن قاعدة التسليط، والأهم من ذلك، بناء العقلاء – المصون من تعرض المنع والردع من الشارع – هي من الأدلة الأخرى التي يمكن إقامتها على إمكانية إقالة الإيقاع.

الهوامش

1. أما الإيقاعات فهي خارجة عن موضوعاتها، لانصرافها إلى العقود المنوطة بتراضي الطرفين (العراقي، 1414ق: ج5، ص427).

2. هناك خلاف في الرأي حول ماهية الوفاء بالعهد. وقد رجّح بعض المفكرين أن ماهية الوفاء هي الإيقاع. ونُسب هذا الرأي إلى ابن إدريس والمحقق الأردبيلي. للاطلاع على تفصيل الآراء، راجع: أحمد باقري، «وفاي به عهد»، مقالات وبررسيها، دفتر 63، تابستان 77، ص61-81.

3. إن الإقالة ليست عرفاً تبادلاً جديداً بل هي في نظر العرف تعتبر حلاً للعقد ولذا لا تكون داخلة تحت عنوان التجارة.

4. إن تبيين ماهية الفسخ للإقالة قد أوصل بعض الفقهاء إلى قناعة راسخة بأن الإقالة أساساً تندرج ضمن الإيقاعات ولا تُعدّ عقداً: «فالإقالة رد الملك إلى من كان له قبل العقد بالتراضي، وليست بيعاً مستأنفاً فلا تترتب عليها آثار البيع وأحكامه، بل ليست عقداً أصلاً فهي من سنخ الإيقاعات كالفسخ، ولذا تقع بقول أحدهما مع رضاء الآخر، وليس كل ما كان متوقفاً على رضاء الطرفين عقداً» (السبزواري، 1413ق: ج8، ص 118).

5. ولكن الإقالة عبارة عن إبراز الرضا بأن يفسخ الطرف المقابل العقد.

6. ما يظهر من اللغويين، هو أن «الشرط» إلزام والتزام في البيع ونحوه، والظاهر من الظرف أن يكون البيع حاوياً له؛ أي يقع الشرط في ضمنه وخلاله، بحيث يدعى أنه ظرفه، وأنه فيه. من المعلوم، أن الإيقاع لا يعقل فيه ذلك، فإنه لا يعقل أن يرتبط به الشرط الواقع بعده، أي بعد تماميته عنواناً وتأثيراً، فضلاً عن أن يكون في ضمنه وخلاله (الإمام الخميني، 1421ق: ج4، ص373).

7. يكفي في إحراز قبول المورد قابلية الإيقاع عقلاً وعرفاً في نفسه، بل قد ثبت قابلية الإيقاع للانحلال شرعاً كما في الطلاق المنحل بالرجوع، وكون الرجوع حكماً لا حقاً غير مناف للقابلية للانحلال (الأصفهاني، 1418ق: ج4، ص221).

8. على سبيل المثال: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ أَقَالَ نَادِماً أَوْ أَغَاثَ لَهْفَانَ أَوْ أَعْتَقَ نَسَمَةً أَوْ زَوَّجَ عَزَباً» (الحر العاملي، 1409ق: ص387)؛ وكذلك: عن عبد الله بن القاسم الجعفري عن بعض أهله: «قال إن رسول الله (ص) لم يأذن لحكيم بن حزام في التجارة حتى ضمن له إقالة النادم وإنظار المعسر وأخذ الحق وافياً وغير واف» (الفيض الكاشاني، 1406ق: ج17، ص441).

9. على هذا فيمكن أن يقال بجريانها في الوفاء، كما إذا كان عليه قرآن فأعطاه للدائن فأخذ ثم أراد أن يرده ويأخذ قراناً آخر أو أراد المديون أن يسترده ويعطي قراناً آخر، فله ذلك ويحتاج إلى التبديل بمعاملة جديدة (الطباطبائي اليزدي، 1415ق: ص192).

Scroll to Top