وقت نافلة الليل

الملخص

نافلة الليل من العبادات التي شددت الآيات وروايات الأئمة المعصومين (ع) على أهميتها. كما دأبت السيرة العملية للمعصومين (ع) والسلف الصالح على المداومة عليها. ومن أحكام هذه العبادة التي حرمت الكثير من الراغبين فيها من إتيانها، هو وقتها. فبحسب مشهور الفقهاء، يبدأ وقتها من منتصف الليل وينتهي بطلوع الفجر الصادق. وفي أوساط الفقهاء المعاصرين أيضًا، أفتى الأغلبية وفقًا لرأي المشهور، باستثناء شخصين أو ثلاثة. تثبت هذه المقالة، من خلال دراسة ونقد أدلة القول المشهور، والتي تبلغ سبعة أدلة، وباستخدام أدلة وقرائن ومؤيدات متنوعة، أن وقت صلاة الليل يبدأ من أول الليل؛ ولكن ما بعد منتصف الليل هو وقت الفضيلة، وكلما اقترب الوقت من السحر وطلوع الفجر، حاز فضلًا أكبر.

المقدمة

في طليعة التكاليف الشرعية، تتصدر الأوامر العبادية. وبتعبير الأئمة المعصومين (ع)، من بين العبادات، الصلاة هي «قُرَّةُ عَيْنِي»، و«قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ»، وهي كذلك معيار ومقياس قبول أو رد سائر الأعمال، وعلامة على التشيّع (المجلسي، 1403هـ: ج 71، ص 233؛ نفسه، ج 87، ص 343؛ الحر العاملي، 1410هـ: ج 8، ص 116). ومن بين أقسام الصلاة وأنواعها، تعد نافلة الليل إكسيرًا يحوّل نحاس وجود كل مكلف إلى ذهب خالص، وآثارها لا يمكن إنكارها؛ حتى إن السالكين إلى حضرة الربوبية قد قطعوا بها مسيرة ألف عام في ليلة واحدة.

الآيات والروايات والسيرة العملية للأئمة (ع) وأهل المعرفة خير شاهد على هذا الادعاء. نشير هنا إلى لمحة من الآيات والروايات وأقوال أهل المعرفة حول الاهتمام بصلاة الليل والمداومة عليها ومكانتها وتأثيرها:

يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79). رسالة هذه الآية هي أن بلوغ المقام المحمود والمَرْضي عند الله يتأتى عن طريق نافلة الليل. ويقول أمير المؤمنين (ع) في وصف صلاة الليل: «لقد قال الله تعالى: لولا أهل الاستغفار في الأسحار، لأنزلت عذابي على أهل الأرض».[1] (الشيخ الصدوق، 1994م: ج 1، ص 300، ح 1372). العارف الواصل، المرحوم الحاج ميرزا جواد ملكي، أستاذ أخلاق حضرة الإمام، يرى أن الروايات الواردة في فضيلة صلاة الليل تصل إلى حد التواتر (ملكي تبريزي، 1394: ص 412). وفي إحدى هذه الروايات، يقول الإمام الصادق (ع): «من لم يصلِّ صلاة الليل فليس من شيعتنا».[2] (نفسه). من الواضح جدًا أن صلاة الليل ليست واجبة إلا على رسول الله (ص) ليخرج تاركها عن كونه شيعيًا، فرسالة الرواية هي أن الشيعي الكامل هو من لا يترك صلاة الليل.

لصلاة الليل أحكام وشروط، ومن شروطها وقت أدائها. المشهور عند الفقهاء أن أول وقت أدائها هو منتصف الليل وآخر وقتها طلوع الفجر الصادق. ومن الواضح أن مراعاة هذا الوقت يمثل صعوبة للكثيرين، خاصة الشباب. تسعى هذه المقالة إلى أن تثبت فقهيًا أن وقت صلاة الليل يبدأ من أول الليل، وكلما اقترب من السحر، زادت فضيلته.

1. أقوال الفقهاء

يقول المحقق اليزدي، صاحب العروة، عن وقت صلاة الليل:

«وقت نافلة الليل ما بين نصفه و الفجر الثانى و الأفضل إتيانها في وقت السحر و هو ثلث الأخير من الليل وأفضله القريب من الفجر» (الطباطبائي اليزدي، 1409هـ: ج 1، ص 525، المسألة 8): وقت صلاة الليل ما بين منتصف الليل والفجر الثاني (طلوع الفجر الصادق)، وأفضل أوقات أدائها هو وقت السحر، وهو الثلث الأخير من الليل، وأفضل أوقات السحر هو القريب من طلوع الفجر.

ويستثني في المسألة التالية حالات من هذه القاعدة فيقول:

«يجوز للمسافر و الشباب الذى يصعب عليه نافلة الليل في وقتها تقديمها على النصف و كذا كل ذى عذر كالشيخ و خائف البرد و الإحتلام و المريض» (نفسه، المسألة 8): للمسافر والشاب الذي يصعب عليه أداء نافلة الليل في وقتها، يجوز له تقديمها على منتصف الليل (أي أداؤها قبل منتصف الليل)، وكذلك يجوز لكل صاحب عذر، كالشيخ أو من يخشى البرد أو الاحتلام أو المريض.

وقد قبل المحشون على العروة، الذين جُمعت حواشيهم في طبعة مؤسسة السبطين العالمية (وهم أكثر من أربعين حاشية، باستثناء آية الله السيستاني)، دعوى صاحب العروة. كما أن المشهور، بل جميع الفقهاء القدامى والمعاصرين تقريبًا، قد قبلوا أصل هذا الحكم.

لقد قبلوا أن بداية وقت نافلة الليل هي منتصف الليل.

يقول الإمام الخميني: «وقت نافلة الليل من منتصف الليل إلى أذان الصبح، والأفضل أن تُؤدى قرب أذان الصبح» (بني هاشمي خميني، 1383: ج 1، ص 429، المسألة 773). فقط اثنان من مراجع التقليد المعاصرين الاثني عشر، الذين جُمعت فتاواهم في ضمن توضيح المسائل للإمام، يخالفانه في هذه المسألة:

أ. آية الله السيستاني يقول: «أول وقت نافلة الليل، على المشهور، نصف الليل، وهذا وإن كان أحوط وأفضل، إلا أنه لا يبعد أن يكون من أول الليل، ويستمر وقتها إلى أذان الصبح، والأفضل أن تُصلى قرب أذان الصبح» (نفسه).

ب. آية الله مكارم يقول: «وقت نافلة الليل، بناءً على الاحتياط، من نصف الليل إلى أذان الصبح، ولكن الأفضل أن تُصلى في وقت السحر، أي الثلث الأخير من الليل» (نفسه).

كذلك يقول آية الله وحيد:

«و لا يبعد أن يكون وقتها فيما بين أوّل الليل إلى طلوع الفجر الصادق إلا أن الأحوط و الأفضل إتيانها بعد انتصاف الليل، و الأفضل منه إتيانها في الثلث الأخير» (الخوئي، 1386: ج 1، ص 148، المسألة 506): لا يبعد أن يكون وقت نافلة الليل بين أول الليل وطلوع الفجر الصادق؛ ولكن الأحوط والأفضل إتيانها بعد منتصف الليل، والأفضل من ذلك إتيانها في الثلث الأخير من الليل.

وعليه، نلاحظ أن الأكثرية الساحقة من المراجع يعتبرون وقت نافلة الليل من منتصف الليل فصاعدًا.

2. أدلة القول المشهور

1-2. الإجماع

ادعى بعض الفقهاء (الحكيم، بلا تا: ج 5، ص 113؛ صاحب الجواهر، 1362: ج 7، ص 312) الإجماع على القول المشهور، أي أن بداية وقت نافلة الليل هي منتصف الليل، ونسبوا ذلك إلى شخصيات مثل الشيخ الطوسي (1411هـ: ج 1، ص 533)، والعلامة الحلي (1384: ج 1، ص 208)، والسيد المرتضى (1417هـ: ص 203) والسيد العاملي (1429هـ: ج 3، ص 76).

1-1-2. نقد ودراسة

يبدو أن دعوى الإجماع في هذه المسألة غير تامة من عدة وجوه:

أولًا: يرد عليه إشكال صغروي؛ لوجود قولين آخرين في المسألة:

أ. يرى بعض الفقهاء أن وقتها يقتصر على الثلث الأخير من الليل، ومنهم الشيخ الصدوق (1418هـ: ص 149).

ب. يرى آخرون أن وقتها يبدأ من أول الليل، مثل آية الله الخوئي عند نقله للأقوال يقول: «وقيل أوله» (1426هـ: ج 11، ص 263). وسيتم تناول هذا القول في تتمة هذه المقالة.

ثانيًا: يرد عليه إشكال كبروي؛ إذ لو لم نقل بأن الإجماع مدركي قطعًا، فهو على الأقل محتمل المدركية، وليس كاشفًا عن قول المعصوم (ع)؛ فلا يكون حجة؛ لأنه من المحتمل قويًا أن يكون مستند فتوى الفقهاء هو الروايات.

ثالثًا: على فرض التسليم وتجاوز هذين الإشكالين، ما هو مقصود مدعي الإجماع؟ قد يكون القصد هو الإجماع على جواز أداء نافلة الليل بعد منتصف الليل؛ وهذا الأمر، وإن كان قطعيًا ومسلمًا به، لا علاقة له بدعواهم (وهي أن بداية وقت نافلة الليل هو أول منتصف الليل، وأنه لا يجوز أداؤها قبله). كذلك، قد يكون القصد أن الإجماع قائم على أن أول الوقت هو أول منتصف الليل (ولازمه عدم جواز أداء النافلة قبل منتصف الليل). وهذا الأمر أيضًا غير تام، إذ لم يدّعِ أحد من مدعي الإجماع مثل هذه الدعوى.

رابعًا: بعض الذين نُسب إليهم ادعاء الإجماع لم يتعرضوا لوقت نافلة الليل أصلًا، فضلًا عن أن يدعوا الإجماع على أن وقتها منتصف الليل. مثلًا، صاحب المدارك في كتابه، طرح بحث نافلة الليل، ولكنه لم يتطرق إلى بحث الوقت (راجع: العاملي، 1429هـ: ج 3، ص 17-31). وكذلك، العلامة في المنتهى، لم يتحدث أساسًا عن وقت نافلة الليل حتى يدعي الإجماع على أن وقتها يبدأ من منتصف الليل (العلامة الحلي، 1384: ج 19، ص 19).

2-2. الروايات

الدليل الثاني والأهم على هذا الادعاء هو الروايات:

1-2-2. أولًا

قال الإمام الباقر (ع): «وقت صلاة الليل بين منتصف الليل».[3] (الحر العاملي، 1410هـ: ج 4، ص 248، ح 2).

هذه الرواية صريحة في دلالتها على مدعى المشهور، ولكنها محل إشكال من حيث السند، لكونها مرسلة.

2-2-2. ثانيًا

تدل طائفة من الروايات على أن المعصومين (ع) كانوا ملتزمين بأداء نافلة الليل بعد منتصف الليل. وعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى صحيحة ابن أذينة:

قال الإمام الباقر (ع): «كان علي (ع) يصلي دائمًا الصلوات اليومية بعد زوال الشمس، وصلاة نافلة الليل بعد أداء صلاة العشاء وبعد منتصف الليل».[4] (الحر العاملي، 1410هـ: ج 4، ص 230، ح 5).

الشاهد على هذا المدعى هو أنه لم يرد تقرير واحد يفيد بأن ذلك الإمام (ع) قد صلى صلاة الليل قبل منتصف الليل، وبما أن هذه المسألة كانت شائعة بين الناس، «لو كان، لبان». أي لو كان الأئمة (ع) يصلون نافلة الليل قبل منتصف الليل، لنُقل ذلك.

وفي الرد على هذا المدعى يمكن القول:

أ. هذا الإشكال يرد في الصغرى؛ فعدم النقل وعدم وصوله إلينا أعم من أنهم لم يفعلوا ذلك؛ فربما كانت هناك حالة أو حالات، ولكنها لم تصل إلينا وضاعت على مر التاريخ.

ب. على فرض التسليم وتجاوز الإشكال الأول، فإنهم كانوا ملتزمين بأداء الفرد الأفضل، ولا شك أن أفضل وقت لأداء صلاة الليل هو السحر وقرب طلوع الفجر. الشاهد على هذا المطلب هو أنه لم يرد في أي مصدر أن أحدًا من المعصومين (ع)، حتى رسول الله (ص)، صلى صلاة الظهر قبل غروب الشمس؛ مع أن هذا الفعل جائز. فعدم أداء الأئمة (ع) لصلاة الليل قبل منتصف الليل لا يدل على أن وقتها ليس قبل منتصف الليل؛ وبعبارة أخرى، الدليل أعم من المدعى.

3-2-2. ثالثًا

تدل طائفة من الروايات على أنه يجوز للمعذورين (مثل المريض، والمسافر، والشاب، والخائف من الاحتلام) وفي ليالي الصيف القصيرة، أداء صلاة الليل قبل منتصف الليل. فلو لم يكن ابتداء وقت صلاة الليل هو منتصف الليل، وكان أداء الصلاة قبله جائزًا أيضًا، لكان صدور هذه الروايات لغوًا. وهذه الروايات متعددة، مثل صحيحة ليث المرادي[5] (الحر العاملي، 1410هـ: ج 4، ص 249، ح 1) وصحيحة يعقوب بن سالم[6] (نفسه: ص 252، ح 10).

وفي الرد على هذا المدعى يمكن القول:

أ. إذا قيل إن وقت صلاة الليل في الحالات المذكورة هو قبل منتصف الليل، فذلك يعني أن أداء النافلة قبل منتصف الليل مرجوح ومكروه، وبعده راجح ومستحب. فتخصيص هؤلاء الأفراد إنما هو بالنظر إلى هذه المرجوحية والكراهة، لا أنه غير جائز. وبناءً عليه، فإن ثمرة هذا التخصيص الفقهية هي أن تقديم صلاة الليل قبل منتصف الليل مكروه ومرجوح للجميع إلا للمعذورين؛ فلا يكون التخصيص لغوًا.

ب. يمكن القول إن التخصيص بالنظر إلى أن وقت الفضيلة لجميع المكلفين هو بعد منتصف الليل وقرب السحر؛ إلا لهذه الفئات التي خُصصت. ونتيجة هذا المطلب هي التوسعة في وقت الفضيلة.

ج. قد يقال إن الصحيحة الأولى تدل من باب التوسعة في الوقت على جواز التقديم، لا من باب التعجيل في الوقت؛ لأن ظاهر عبارة «نعم ما رأيت ونعم ما صنعت» هو: في موضوع الرواية، تقديم الأفضل على قضاء صلاة الليل. والدليل على هذا القول هو أن الإمام (ع) قد مدحه. وكذلك، الصحيحة الثانية تدل على التوسعة في ظهور الوقت؛ لأن الأمر في موضوع هذه الصحيحة دائر بين مراعاة شرط الوقت وشرط الطهارة المائية. ومن الواضح أن مراعاة شرط الوقت مقدمة على مراعاة شرط الطهارة؛ ففي كلتا الحالتين، تكون صلاة الليل قد أُديت في وقتها وتكون أداءً.

4-2-2. رابعًا

رواية محمد بن مسلم:[7]

سألت الإمام (ع) عن رجل لا يستيقظ في آخر الليل، ويمضي عليه على هذه الحال عشرة أو خمسة عشر يومًا؛ هل الأفضل له أن يصلي صلاة الليل في أول الليل أم يقضيها؟ فقال (ع): «أرى أن الأفضل له أن يقضيها، لأني لا أحب أن تصير هذه الطريقة عادة». وكان زرارة يقول دائمًا: «كيف يصلي صلاة الليل قبل منتصف الليل، مع أن وقتها لم يدخل بعد؟ فوقتها هو منتصف الليل». (الحر العاملي، 1410هـ: ج 4، ص 256، ح 7).

دلالة الرواية على المدعى تامة؛ لأن ذيل الرواية يصرح بأن وقت صلاة الليل هو من منتصف الليل فصاعدًا، وأن الوقت لم يدخل قبله.

وفي الرد على هذا المدعى يمكن القول:

أ. هذه الرواية ضعيفة السند؛ لوجود محمد بن سنان في السند.

ب. على فرض غض النظر عن الإشكال السندي، والقول بأن تضعيف محمد بن سنان من باب نسبة الغلو إليه، وأن من نسبه إليه لم تكن لهم معرفة كاملة بفضائل الأئمة (ع)؛ مع هذا الوصف، فإن الاستدلال بذيل هذه الرواية غير تام؛ لأنه كلام زرارة وليس الإمام. فلا يمكن الاستدلال به.

5-2-2. خامسًا: رواية موثقة زرارة:[8]

قال الإمام الباقر (ع): «إنما عليكم إذا انتصف الليل أن تقوموا وتصلوا ثلاث عشرة ركعة». (نفسه: ج 6، ص 495، ح 2).

في تقرير الدلالة، يجب القول إن مفهوم جملة «إنما على أحدكم» هو: لا يجوز أداء صلاة الليل قبل منتصف الليل.

قد يقال إن النسبة بين الروايات الدالة على أن وقت صلاة الليل يبدأ من أول الليل ومفهوم هذه الرواية هي الإطلاق والتقييد؛ ومن جهة أخرى، بما أن كليهما إثباتيان، يُحمل مفهوم هذه الرواية على أفضل الأفراد. وفي الرد على هذا الإشكال يجب القول: ليسا كلاهما إثباتيين، بل مدلول الروايات المطلقة هو جواز إقامة نافلة الليل في أول الليل، ومدلول مفهوم هذه الرواية هو عدم الجواز؛ فيجب تطبيق قاعدة تقييد المطلق بالمقيد، ويُقدَّم مفهوم هذه الرواية؛ لأنه أخص من مدلول الروايات المطلقة. والنتيجة هي أنه بمقتضى مفهوم هذه الرواية، يكون وقت نافلة الليل بعد منتصف الليل.

هذا الاستدلال هو أحد الموارد التي استند إليها آية الله الخوئي في اعتقاده بأن وقت نافلة الليل يبدأ من منتصف الليل. ويقول: «و لم أر من استدل بها في المقام» أي لم أرَ من استدل بها (الخوئي، 1426هـ: ج 1، ص 265).

ولكن يبدو أن هذا الاستدلال غير تام أيضًا؛ لأنه يتضح من مجموع الروايات والقرائن أنه يجب حمل مدلول موثقة زرارة على وقت الفضيلة؛ بمعنى أن وقت صلاة الليل يبدأ من أول الليل، ولكن الأفضل هو بعد منتصف الليل، وكلما اقترب من السحر وطلوع الفجر كان أفضل. ومن الشواهد الدالة على هذا الادعاء:

أ. موثقة سماعة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «لا بأس أن تُصلى صلاة الليل في أول الليل أو آخره؛ ولكن الأفضل بعد منتصف الليل».[9] (الحر العاملي، 1410هـ: ج 4، ص 252، ح 9).

هذه الرواية صريحة في أن وقت نافلة الليل يبدأ من أول الليل، ومنتصف الليل هو وقت الفضيلة، لا وقت أداء الصلاة. بناءً على ذلك، لا يتعارض مفهوم موثقة زرارة مع منطوق الأدلة التي تدل على أن وقت صلاة الليل هو أول الليل، وأن ما بعد منتصف الليل هو وقت الفضيلة. ونتيجة لذلك، لن تُقيد الروايات المطلقة من باب الإطلاق والتقييد.

ب. يروي الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا (ع):[10]

«إنما يجوز للمسافر (بسبب انشغاله) والمريض (بسبب ضعفه) أن يصليا صلاة الليل في أول الليل ليدركا فيض الصلاة؛ ثم يستريح المريض في وقت راحته، وينشغل المسافر بأموره و[الأمور المتعلقة بـ] التنقل والسفر». (نفسه: ص 250، ح 3).

على الرغم من أن هذه الرواية تتعلق بالمسافر والمريض وتدل على جواز صلاة الليل في أول الليل، فإن تعليل ذيل الرواية يعمم هذا الحكم؛ فبموجب قاعدة «العلة تعمم»، يجوز أداء صلاة الليل في غير المسافر والمريض أيضًا.

ويرد على هذه الرواية إشكال وهو أنها ضعيفة السند؛ لأن سند الشيخ الصدوق إلى الفضل بن شاذان ضعيف؛ ومن ثم، فإن الرواية مؤيدة.

ج. روايات تدل على أن النافلة كالهدية؛ متى ما قُدمت، قُبلت. على سبيل المثال:

رواية عمر بن يزيد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «اعلم أن صلاة النافلة (إحدى نوافل الليل) كالهدية؛ متى ما قُدمت، قُبلت».[11] (نفسه: ص 232، ح 3).

يرد على هذه الرواية إشكال وهو أنه لا يمكن العمل بإطلاقها؛ لأنه من الواضح أنه لا يصح أداء نافلة الليل في النهار بنية الأداء. وفي الرد، يجب القول: بما أن موضوع الرواية هو نافلة الليل، فالنهار يخرج منها؛ وبالتالي، دلالة الرواية على المدعى تامة.

الإشكال الآخر هو أن سند الرواية ضعيف؛ لوجود أشخاص مثل سهل بن زياد ومحمد بن عذافر فيها؛ وبالتالي، الرواية مؤيدة.

د. روايات تدل على أن صلاة الليل كالصدقة؛ فيجوز تقديمها وتأخيرها. على سبيل المثال:

في رواية ينقل عبد الله بن الحسن عن موسى بن جعفر (ع) أنه قال: «صلواتكم النافلة صدقة، فقدموها متى شئتم».[12] (نفسه: ص 234، ح 9).

هذه الرواية، كرواية رابعة، ضعيفة السند؛ لأن عبد الله بن الحسن غير موثق. ومن ثم، فهي مؤيدة.

نتيجة لذلك، هذه المطالب الأربعة هي أدلة أو على الأقل قرائن على أن مفهوم الموثقة يُحمل على أن صلاة الليل بعد منتصف الليل أفضل، وأن وقتها يبدأ من أول الليل.

6-2-2. سادسًا: رواية

بناءً على دلالة طائفة من الروايات، في دوران الأمر بين أداء نافلة الليل في أول الوقت أو قضائها بعد وقتها، يُقدَّم القضاء على أدائها قبل منتصف الليل؛ على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى صحيحة معاوية بن وهب:

قال الإمام الصادق (ع) في جواب لأحد محبيه وصالحيه الذي شكى من عدم الاستيقاظ من النوم لصلاة الليل: «لا يجوز له أن يصلي صلاة الليل في أول الليل». بل قال: «قضاؤها في النهار أفضل من أن تُصلى قبل منتصف الليل».[13] (نفسه: ص 255، ح 1 و 2).

يقول آية الله الخوئي: هذه الرواية وأمثالها تدل على أن أول وقت صلاة الليل ليس أول الليل، بل منتصف الليل؛ لأنه لو كان وقت الصلاة أول الليل، فلا وجه لأن يكون أداؤها خارج وقتها أفضل من أدائها في وقتها؛ لأن تقديم القضاء على الأداء، مع أن الشارع قد عين وقتًا للصلاة، يتنافى معه. ومع هذا الوصف، فإن القضاء أفضل من الأداء.

ويجيب هو نفسه على هذا الإيراد بقوله: إن أفضلية القضاء على تقديم صلاة الليل قبل منتصف الليل مبنية على أن التقديم من باب التعجيل في الوقت، لا التوسعة في الوقت (الخوئي، 1426هـ: ج 11، ص 293). ويصرح في ذيل المسألة 10 من العروة – التي يفتي فيها السيد برجحان قضاء صلاة الليل على تقديمها – بمنتصف الليل ويقول:

«إن هذا على إطلاقه لا يستقيم بل ينبغي التفصيل بين ما كان التقديم فيه من باب التعجيل و بين ما كان من باب التوسعة في الوقت».

إطلاق كلام السيد غير تام؛ بل ينبغي التفصيل بين ما إذا كان التقديم من باب التعجيل في الوقت أو التوسعة في الوقت.

ويصرح أيضًا في موضع آخر (نفسه، ص 286) بأن مدلول الروايات هو أن تقديم صلاة الليل على منتصف الليل للمعذورين (باستثناء الشباب) هو من باب التوسعة في الوقت. نتيجة لذلك، فإن تقديم صلاة الليل على منتصف الليل للمعذورين (باستثناء الشباب) أرجح من قضائها. إذن، هذا الدليل أخص من المدعى.

في هذا السياق، يُطرح إشكال آخر: بناءً على دلالة الروايات، فقط في حالات خاصة، مثل المسافر، والخائف من الجنابة، والجارية في الليالي القصيرة، يمكنهم تقديم صلاة الليل، لا مطلقًا. إذن، لا يمكن استنتاج من هذه الروايات أن التقديم للمعذورين مطلقًا من باب التوسعة في الوقت جائز. يقول آية الله الخوئي في الجواب:

«مدفوعة بأن التقديم في تلك الموارد ما عدا الجارية إنما هو في باب التوسعة كما سبق». يُدفع هذا الإشكال بأن الروايات دالة على أن جواز التقديم في هذه الموارد (باستثناء الجارية) هو من باب التوسعة.

بناءً على ذلك، ووفقًا لعقيدته، فإن أول الليل هو وقت أداء نافلة الليل لجميع المعذورين (مطلقًا)؛ باستثناء الشباب، الذين يكون التقديم بالنسبة لهم من باب التعجيل في الوقت لا التوسعة.

من جهة أخرى، وفقًا لمبناه، أي انقلاب النسبة، فإن الاستدلال بهذه الرواية صحيح. ولتوضيح ذلك، يجب القول: لدينا ثلاث فئات من الروايات: 1. روايات تدل على أن وقت نافلة الليل هو أول الليل؛ 2. روايات تدل على أن وقت نافلة الليل هو منتصف الليل (نسبة هاتين الفئتين هي التباين والتعارض)؛ 3. فئة تدل على أن وقت أداء نافلة الليل للمعذورين هو أول الليل، ولغير المعذورين هو منتصف الليل.

يقول آية الله الخوئي: الفئة الثالثة تقيد الفئة الثانية، ونتيجة لذلك، يكون وقت صلاة الليل لجميع (باستثناء المعذورين) هو منتصف الليل. بعد التقييد، تنقلب نسبة الفئة الأولى والثانية من التباين إلى العموم والخصوص. الفئة الثانية خاصة، والفئة الأولى – التي تدل على أن الوقت مطلقًا (سواء للمعذور أو لغير المعذور) هو أول الليل – تُخصَّص. والنتيجة التي تُستخلص هي أن وقت نافلة الليل هو منتصف الليل، إلا للمعذورين.

مع هذا، إذا أُنكر انقلاب النسبة، فلا يمكن الجمع العرفي بين الفئة الأولى والثانية؛ لأن النسبة هي التباين، وينشأ التعارض، وبما أنه لا يوجد مرجح للفئة الثانية، تتساقطان. وعليه، يكون المرجع هو إطلاقات أدلة النوافل (التي ليست مقيدة بقيد زمني)، وإذا وصل الأمر إلى الشك، تجري البراءة من شرطية منتصف الليل لصلاة الليل. والنتيجة هي أن وقت نافلة الليل يبدأ من أول الليل.

بعض الفقهاء، ومنهم المحقق الداماد، في تعارض الفئة الأولى والثانية، يقدمون الفئة الثانية (مع قبولهم للجمع العرفي) بناءً على أن الفئة الثانية تُحمل على أفضل الأفراد. وقد تراجع عن هذا الجمع العرفي؛ لأن نتيجته (وهي أن وقت صلاة الليل يبدأ من أول الليل) تخالف الإجماع، ومن هذا المنطلق، حملوا روايات الفئة الأولى على التقية؛ لأنها موافقة للعامة (جوادي آملي، 1415هـ: ج 1، ص 132). بالطبع، هذا القول غير صحيح؛ لأنه قبل هذا، أُشكل على إجماعية كون وقت صلاة الليل هو منتصف الليل من عدة جهات؛ منها أنه لو لم يكن الإجماع مدركيًا، فهو قطعًا محتمل المدركية.

نتيجة لذلك، لا يتم أي من أدلة القول المشهور.

قد يرد إشكال بأن مجموع روايات الطوائف الست المردودة ليس مردودًا؛ فبالجملة، يدل بعضها على أن وقت نافلة الليل هو بعد منتصف الليل.

بناءً عليه، ينشأ تعارض بين الفئة الأولى من الروايات (الدالة على القول المشهور) والفئة الثانية (الدالة على توسعة وقت نافلة الليل من بداية الليل). فيجب اللجوء إلى الجمع الدلالي.

بعض الأكابر، ومنهم آية الله التبريزي، في مقام الجمع الدلالي، حملوا روايات الفئة الثانية على أنها تدل على جواز التعجيل في وقت صلاة الليل في حالة العذر؛ باستثناء عدة فئات، منها المسافرون، والمسنون، والمرضى، وكذلك الشباب الذين يصعب عليهم الاستيقاظ، والذين يخشون من الجنابة والبرد؛ روايات الفئة الثانية تدل على التعجيل والتوسعة لهؤلاء الأفراد. (التبريزي، 1431هـ: ج 1، ص 293). والنتيجة هي أن وقت صلاة الليل هو منتصف الليل، إلا للأفراد المذكورين.

يبدو أن هذا المطلب غير صحيح؛ للأسباب التالية:

أولًا: تم فحص ونقد كل طائفة من الطوائف الست؛ فلا يبقى مجال لهذا الإشكال، لأن المجموع ليس شيئًا منفصلًا عن الطوائف الست.

ثانيًا: لو لم نقل إن صحيحة ليث المرادي وصحيحة يعقوب بن سالم – اللتين ذُكرتا في الطائفة الثالثة – صريحتان في توسعة الوقت، فهما على الأقل ظاهرتان في ذلك. بعض الفقهاء المعاصرين، ومنهم آية الله الخوئي، يقبلون أيضًا بأن هذه الروايات في مقام التوسعة في الوقت (الخوئي، 1426هـ: ج 11، ص 286).

الإشكال الذي يُطرح هنا هو أن هذه الروايات تدل على توسعة الوقت في حالات خاصة (كما ذُكر في الرواية مثل الليالي القصيرة، والمسافر، والخوف من الجنابة والبرد)، وفي غير هذه الحالات لم تُعطَ توسعة في الوقت. ففي دوران الأمر بين التقديم والتأخير، يكون الثاني من باب القضاء أفضل (التبريزي، نفسه).

في الرد، يجب القول: أولًا، قبل هذا، تم الرد على هذا الإشكال بالتفصيل في ذيل الطائفة السادسة. أحد الأجوبة كان: بناءً على مبدأ انقلاب النسبة (الذي يلتزم به المستشكل أيضًا)، النتيجة هي أن وقت صلاة الليل لجميع المكلفين هو أول الليل. ثانيًا، الجمع العرفي للمستشكل بحمل الفئة الثانية على التعجيل غير صحيح؛ بل مقتضى الجمع العرفي هو حمل الفئة الأولى على أفضل الأفراد، وحمل الفئة الثانية على التوسعة في الوقت. وقد قبل بعض الأكابر هذا الجمع أيضًا، ومنهم المحقق الداماد (جوادي آملي، 1415هـ: ج 1، ص 132).

3-2. الشهرة

قد يقال إن الشهرة قائمة على أن وقت نافلة الليل يبدأ من منتصف الليل. في الرد، يجب القول: إذا كان المقصود بالشهرة هو الشهرة الروائية، فلا قيمة لها في موضوع البحث؛ لأن استخدام الشهرة الروائية يكون حيث يكون رواة الحديث ضعفاء، ويُتمسك بالشهرة لجبر ضعف السند. في موضوع البحث، معظم الروايات المستدل بها لا إشكال في سندها؛ فالشهرة الروائية لا فائدة لها. وإذا كان المقصود هو الشهرة الفتوائية للقدماء، فيرد عليها إشكالان:

أولًا، أن الكثير من الفقهاء المعاصرين لا يعتبرون الشهرة الفتوائية حجة. ومن هؤلاء الفقهاء آية الله الخوئي، الذي تركز هذه المقالة أكثر على أقواله.

ثانيًا، أن الشهرة الفتوائية للقدماء، على فرض حجيتها، مشروطة بأن لا يكون مستند الفتوى معلومًا لتكون كاشفة عن دليل لو وصل إلينا لكان حجة علينا. في موضوع البحث، الشهرة الفتوائية ليست كاشفة عن مثل هذا الدليل؛ لأنه من المعلوم أن مستند أصحاب الفتوى هو نفس الروايات، والروايات إما فيها إشكال سندي أو دلالي.

3. أدلة القائلين بالتوسعة

حتى الآن، تم عرض أدلة القائلين ببداية وقت صلاة الليل من منتصف الليل. هذه الأدلة كانت في مجموعها ست طوائف من الروايات والإجماع. وقد تم فحص ونقد كل من هذه الأدلة. في المقابل، يُدعى أن وقت نافلة الليل يبدأ من أول الليل. وبناءً على رأي أنصار هذا الادعاء، هناك أدلة تدل عليه؛ على سبيل المثال:

1-3. القرآن

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: 1-2): «يا أيها المتلفف بثيابه، قم الليل إلا قليلًا».

هذه الآيات تدل على أن وقت صلاة الليل هو «الليل». والدليل مطلق بالنسبة لأول الليل أو منتصف الليل؛ لأن زمان صلاة الليل هو الليل؛ فيشمل أول الليل أيضًا.

وهنا يظهر إشكالان:

أولًا، قد يقال إن هذه الآيات ليست في مقام بيان وقت صلاة الليل؛ فلا إطلاق لها. في الرد، يجب القول: هذا الادعاء بلا دليل، لأن هذه الآيات في مقام التشريع.

ثانيًا، على فرض قبول الإطلاق، وفقًا للقواعد الأصولية، يُقيد الإطلاق بالأدلة المقيدة التي تدل على أن وقت صلاة الليل هو منتصف الليل. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الطوائف الست من الروايات (التي ذُكرت في الأرقام السابقة) التي اعتبرت وقت نافلة الليل هو منتصف الليل. في الرد على هذا الإشكال أيضًا يجب القول: من جهة، قاعدة تقييد الإطلاق بالمقيد لا تجري في موضوع البحث، لأن البحث هنا في الأحكام الترخيصية لا الإلزامية؛ ومن جهة أخرى، قد أُورد خدش في دلالة كل من هذه الروايات.

2-3. موثقة سماعة

قال الإمام الصادق (ع): «صلاة الليل في أول الليل وآخره لا إشكال فيها، ولكن بعد منتصف الليل أفضل».[14] (الحر العاملي، 1410هـ: ص 252، ح 4).

دلالة الرواية على المدعى صريحة وتامة، ومن حيث السند لا إشكال فيها، وبما أن سماعة واقفي، يُعبر عنها بالموثقة.

3-3. معتبرة محمد بن عيسى

سُئل الإمام الجواد (ع): روي عن جدكم أنه قال لا بأس أن يصلي الرجل صلاة ليله في أول الوقت. فأجاب في كتابته: «في أي وقت صلى، فهو جائز، إن شاء الله».[15] (نفسه، ص 253).

هذه الرواية لا إشكال في سندها، لأن محمد بن عيسى هو والد أحمد بن عيسى ومن رجال كتاب كامل الزيارات. في هذه الحالة، له توثيق عام، والرواية صحيحة. وإذا لم يُقبل هذا المطلب، فقد اعتبره علماء الرجال من جهة شيخ القميين ومن جهة وجه الأشعريين؛ فالحديث حسن. (الخوئي، 1426هـ: ج 11، ص 266).

الإشكال الذي يرد هنا هو أن هذه الرواية مطلقة بالنسبة لأصحاب الأعذار وغيرهم؛ فتُقيد بمفهوم موثقة زرارة (التي دلت على أن وقت نافلة الليل من منتصف الليل)، وتُحمل هذه الرواية فقط على جواز الصلاة المبكرة لأصحاب الأعذار. ونتيجة لذلك، يكون الوقت لغير أصحاب الأعذار هو منتصف الليل. وفي الرد على هذا الإشكال، يمكن القول: لقد ثبت سابقًا أن مفهوم موثقة زرارة حُمل على أفضل الأفراد ولم يدل على حصر الوقت بمنتصف الليل؛ فلا يمكن أن يكون مقيدًا للروايات التي تدل على أن وقت صلاة الليل هو أول الليل.

4-3. رواية حسين بن علي بن بلال

يقول حسين بن علي بن بلال: كتبت إلى الإمام (ع) عن وقت صلاة الليل. فأجاب: «عند زوال (زوال الليل وهو منتصفه) أفضل؛ فإن فات، فأوله وآخره جائز».[16] (نفسه، ح 13).

دلالة الرواية صريحة في أن منتصف الليل هو أفضل أوقات نافلة الليل، لا أنه أول وقتها.

من حيث السند، قد يقال إن حسين بن بلال لم يوثق في كتب الرجال؛ فالرواية ضعيفة وساقطة عن الاعتبار. وفي الرد على هذا الإيراد يجب القول: إبراهيم بن مهزيار، الذي يروي عنه، من رجال كتاب كامل الزيارات؛ فوفقًا لمبنى أن التوثيق العام لكامل الزيارات يشمل المشايخ بالواسطة أيضًا، فهذا المورد مشمول أيضًا.

5-3. صحيحة يعقوب بن سالم

يقول المحقق الهمداني: هناك روايات تدل على أن من يخشى أن يجنب في الليل، يمكنه أن يصلي صلاة الليل في أول الليل، ومنها صحيحة يعقوب بن سالم:

يقول يعقوب بن سالم: سألت الإمام الصادق (ع): هل يجوز لرجل يخشى الجنابة في السفر أو في الهواء البارد أن يصلي صلاة الليل وصلاة الوتر في أول الليل؟ فأجاب (ع): «نعم. جائز».[17] (نفسه، ص 252، ح 10).

ويقول إن هذه الرواية تدل على أن وقت صلاة الليل هو أول الليل.

لتقريب الدلالة على المدعى، يجب القول: مقتضى القاعدة هو أنه إذا كان شخص معذورًا عن الغسل في وقت النافلة، تتحول الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية (التيمم). وهذه القاعدة، كما تجري في أوقات الصلوات الواجبة، تجري أيضًا في أوقات الصلوات المستحبة؛ أي لو أن شخصًا احتلم من أول طلوع الفجر ولم يكن قادرًا على الاغتسال حتى طلوع الشمس، فوظيفته التيمم. وكذلك في الصلوات المستحبة (منها صلاة الليل)، إذا كان الوقت من أول منتصف الليل إلى طلوع الفجر، واحتلم الشخص، فوظيفته التيمم لا تقديم صلاة الليل على وقتها؛ لأن أداء الصلاة في وقتها مع التيمم يُرجح على أداء الصلاة مع الوضوء خارج وقتها. بناءً على ذلك، فإن العجز عن الصلاة مع الغسل في الوقت ليس مجوزًا لأداء الصلاة خارج وقتها؛ وإن كان مع الغسل والوضوء.

جواز تقديم صلاة الليل (في حالة الخوف من الجنابة) على وقتها، شاهد على أن وقتها يبدأ من أول الليل. مع ذلك، الأفضل هو منتصف الليل.

6-3. الرواية السادسة

سُئل الإمام الصادق (ع) عن وقت صلاة الليل: هل نصليها في أول الليل؟ فقال (ع): «نعم. أنا نفسي أصليها في أول الليل، وإذا كنت في سفر واستعجلني الجمّال، أصلي صلاة الليل في المحمل».[18] (نفسه، ح 11).

هذه الرواية أيضًا صريحة في أن وقت صلاة الليل هو أول الليل؛ خاصة أن الإمام (ع) يصرح بأنه هو نفسه يصليها في أول الوقت.

قد يقال: بقرينة «فإذا أعجلني»، الرواية تتعلق بالمسافر. وفي الرد يقال: على فرض أنها تتعلق بالمسافر، فإن الرواية تدل على توسعة الوقت للمسافر.

7-3. صحيحة ليث

سألت الإمام الصادق (ع) عن أداء صلاة الليل في بداية ليالي الصيف القصيرة. فقال (ع): «نعم، لا بأس. إنك تفعل عملًا حسنًا».[19] (نفسه: ص 254، ح 16).

8-3. النتيجة

بعد رد أدلة القائلين باختصاص وقت النافلة بمنتصف الليل، تم عرض سبع روايات.

بناءً على دلالة كل من تلك الروايات، وقت صلاة الليل هو أول الليل، ومنتصف الليل هو وقت الفضيلة. كذلك، على فرض أن الروايات تتعارض وتتساقط، وإذا لم يكن هناك مثل هذا الإطلاق، تصل النوبة إلى البراءة من التقييد بمنتصف الليل.

الاستنتاج

1. من بين العبادات، ومن بين الصلوات، نافلة الليل هي الأبرز. وقد ورد تأكيد وتوصية كبيرة بهذا الأمر في الآيات والروايات والسيرة العملية للأئمة (ع) والعلماء.

2. أكبر عائق تسبب في حرمان عدد كبير من محبي نافلة الليل من فيض آثارها وبركاته، وعدم توفيقهم لأدائها، هو اختصاص وقتها بمنتصف الليل.

3. أقوال فقهاء الشيعة حول وقت صلاة الليل كالتالي: أ. الثلث الأخير من الليل حتى طلوع الفجر الصادق؛ ب. من منتصف الليل حتى طلوع الفجر الصادق (مشهور الفقهاء قبلوا هذا القول)؛ ج. في هذه المقالة، طُرح قول ثالث: وقت نافلة الليل من أول الليل حتى طلوع الفجر الصادق، وما بعد منتصف الليل هو وقت الفضيلة.

4. في هذه المقالة، طُرحت أدلة القول المشهور – وهي سبعة أدلة – بالتفصيل ونُقدت. في المقابل، أُقيمت سبعة أدلة ومؤيدات على القول الثالث. كذلك، الروايات الدالة على أن وقت صلاة الليل من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، أولًا، حُملت على وقت الفضيلة؛ ثانيًا، في حال عدم قبول الجواب الأول (الحمل على وقت الفضيلة)، ينشأ تعارض بين الروايات الدالة على أن وقت نافلة الليل هو أول الليل والروايات التي تدل على أن وقت نافلة الليل هو منتصف الليل، وبما أنه لا يوجد مرجح، يحدث التساقط، والمرجع هو عموم الأدلة التي وردت بشأن النوافل (منها نافلة الليل) بشكل مطلق؛ ثالثًا، إذا وصلت النوبة إلى الشك، تجري البراءة من شرطية قيد منتصف الليل لنافلة الليل.

الهوامش

1. «لولا الذين … يستغفرون بالأسحار لولاهم لأنزلت عذابي.»

2. «قال الصادق : ليس من شيعتنا من لم يصل صلاة الليل.»

3. قال أبو جعفر : وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره.

4. وعنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن عدّة أنهم سمعوا أبا جعفر الله يقول: «كان أمير المؤمنين لا يصلّى من النهار حتّى تزول الشمس ولا من الليل بعدما يصلّى العشاء الآخرة حتى ينتصف الليل.»

5. محمد بن علی بن الحسين بإسناده عن عبدالله بن مسكان عن ليث المرادي قال: سألت أبا عبدالله ال عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار صلاة الليل في أوّل الليل؟ فقال: «نعم نعم ما رأيت، ونعم ما صنعت، یعنی فی السفر».

6. وعنه، عن على بن رباط، عن يعقوب بن سالم، عن أبي عبد الله الله قال: سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد، أيعجل صلاة الليل والوتر في أول الليل؟ قال: «نعم».

7. وبإسناده عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضى لذلك العشر والخمس عشرة فيصلّى أوّل الليل أحبّ إليك أم يقضى؟ قال: لا، بل يقضى أحبّ إلى إنى أكره أن يتخذ ذلك خلقاً. وكان زرارة يقول: كيف تقضى صلاة لم يدخل وقتها؟ إنّما وقتها بعد نصف الليل.

8. وبإسناده عن سعد، عن أحمد وعبد الله ابنى محمد بن عيسى، عن على بن الحكم، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن ابی جعفر الله قال: إنما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلى صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة.

9. وعنه، عن محمد بن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة عن أبي عبدالله الله قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله إلى آخره إلا أن أفضل ذلك بعد انتصاف الليل.»

10. وبإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضاء الله – في حديث – قال: «إنّما جاز للمسافر والمريض أن يصليا صلاة الليل في أول الليل لاشتغاله وضعفه وليحرز صلاته فيستريح المريض في وقت راحته، وليشتغل المسافر باشتغاله وارتحاله وسفره.»

11. وعن على بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عذافر، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبدالله قال: قال: «إعلم أن النافلة بمنزلة الهدية متى ما أتى بها قبلت.»

12. عبدالله بن جعفر في قرب الإسناد عن عبدالله بن الحسن، عن جده على بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر قال: «نوافلكم صدقاتكم فقدموها أنى شئتم.»

13. محمد بن علی بن الحسين بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله الله أنه قال : قلت له : إنّ رجلاً من مواليك من صلحائهم شكى إلى ما يلقى من النوم، وقال: إنّى أُريد القيام بالليل فيغلبني النوم حتى أُصبح فربما قضيت صلاتي الشهر المتتابع والشهرين أصبر على ثقله، فقال: «قرّة عين والله قرة عين الله، ولم يرخص في النوافل أول الليل»، وقال: «القضاء بالنهار أفضل.»

14. وعنه، عن محمد بن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة عن أبي عبد الله الله قال: « لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله إلى آخره إلا أنّ أفضل ذلك بعد انتصاف الليل.»

15. عنه، عن محمد بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله: يا سيدى روى عن جدك قال: لا بأس بأن يصلّى الرجل صلاة الليل في أول الليل؟ فكتب: «في أي وقت صلى فهو جائز، إن شاء الله.»

16. وبإسناده عن محمد بن على بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزیار، عن الحسين بن على بن بلال قال: كتبت إليه في وقت صلاة الليل، فكتب: «عند زوال الليل وهو نصفه أفضل، فإن فات فأوله وآخره جائز.»

17. وعنه، عن على بن رباط، عن يعقوب بن سالم عن أبي عبدالله الله قال: سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد، أيعجل صلاة الليل والوتر فى أول الليل؟ قال: «نعم.»

18. وعنه، عن محمد بن زياد، عن محمد بن حمران، عن أبي عبدالله ال قال: سألته عن صلاة الليل أصليها أول الليل؟ قال: «نعم إنّي لأفعل ذلك، فإذا أعجلنى الجمال صليتها في المحمل.»

19. وبإسناده عن صفوان، عن ابن مسكان عن ليث قال: سألت أبا عبدالله ال عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار، (صلاة الليل) في أول الليل؟ فقال: «نعم نعم ما رأيت، ونعم ما صنعت).»

Scroll to Top