تحليل شروط وموانع استنباط الحكم الفقهي من فعل المعصوم (ع) وتقريره

المستخلص

يُعدّ فعل المعصوم وتقريره، في عرض قوله، من المصادر الفقهية المهمة المندرجة تحت السُنّة؛ إلا أن القيود الموجودة فيهما قد أدّت إلى تقليل استخدامهما في استنباط الأحكام الشرعية، وجعلت مسار التعامل معهما أكثر صعوبة من قول المعصوم؛ ومن هنا، فإن السعي لتنقيح صعوبات الاستنباط ووضع ضوابط لكيفية تعامل الفقيه معهما يعدّ أمراً ضرورياً. يسعى هذا البحث، وهو من النوع الوصفي-التحليلي وباعتماد المنهج المكتبي، إلى أن يتناول بعد دراسة المفهوم، نطاق وشروط دلالة الفعل والتقرير وموانعهما في استنباط الحكم الشرعي. وفي هذا السياق، توصّل البحث في قسم فعل المعصوم إلى ثلاث حالات في نطاق الدلالة، وسبعة شروط في الدلالة، وأربعة موانع في الاستنباط. وفي قسم تقرير المعصوم، قام بتحديد وتحليل ست حالات في نطاق الدلالة، وثلاثة شروط في الدلالة، ومانعين في الاستنباط. وتشير نتائج هذا البحث إلى أنه على الرغم من القيود والتحديات القائمة في دلالة الفعل والتقرير، فإن التوسّع الكمّي والكيفي في الاستنباط من هذين المصدرين الفقهيين ممكن، وله دور رئيسي في تطور الاستنباط.

بيان المسألة

عرّف مشهور الأصوليين الإمامية السُنّة بأنها قول وفعل وتقرير صادر عن المعصوم. وقد اقترن هذا التعريف في كلمات البعض بقيود مثل «على وجه» (التوني، ١٤١٥: ١٥٧) و«غير العاديات» (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٣٣٨). كما ورد في تعريف البعض الآخر: «ما صدر عن المعصوم دالاً على رأيه بما هو هادٍ»؛ أي ما يصدر عن المعصوم ويدل على رأيه من حيث هو هادٍ ومرشد للناس (لا من حيث شؤونه الأخرى ككونه قاضياً أو بشراً أو أباً) (رشاد، ١٣٨٣: ٨-٩). تدل هذه التعبيرات على أن ليس كل فعل أو تقرير يدل على حكم شرعي، ولا يمكن أن يدخل في دائرة الاستنباط.

يُعتبر فعل المعصوم وتقريره من أجزاء السُنّة، ولهما دور مهم في كشف التعاليم الدينية كقول المعصوم. وبناءً على ذلك، يجب على الفقيه الذي يتولى استنباط الأحكام الشرعية، كما يعالج محتوى الروايات للوصول إلى الدلالة الصحيحة لقول المعصوم، أن يبذل قصارى جهده للوصول إلى نطاق الاستفادة من فعل المعصوم وتقريره في استنباط الأحكام الإلهية، وأن يوضح الحد الأدنى والأقصى لدلالتهما؛ إذ بالنظر إلى أن المعصومين كانت لهم شؤون مختلفة، وكانت حياتهم واسعة النطاق، وبعض شؤونهم لم تكن ذات طابع هدايتي وديني، فإن استخلاص نطاق دلالة فعلهم وتقريرهم على الحكم الشرعي ليس بالأمر الهين، ولا يمكن التمسك بفعلهم وتقريرهم لاستنباط الحكم الشرعي إلا في حالات خاصة.

بالتدقيق في كتب الفقه والتتبع في أبوابها المختلفة، يمكن بوضوح ملاحظة أن الأحكام التي أُثبتت بالاستناد إلى فعل المعصوم وتقريره قليلة، وأغلبها استُخلص من قول المعصوم. ويعود هذا الأمر إلى القيود والموانع الموجودة في الاستناد إلى الفعل والتقرير؛ فالفعل لا يمكنه بسهولة إيضاح دلالته، بينما القول في أغلب الحالات صريح وواضح. والتقرير أيضاً، الذي هو رضا وسكوت المعصوم تجاه موقف فردي أو اجتماعي، لا يدل على الحكم الشرعي إلا بشروط خاصة، وثبوت الحكم الشرعي بواسطته أمر صعب، خاصة في الحالات التي لا تصاحبها قرينة. هذا الميل المحدود نحو الفعل والتقرير لا يعفينا من البحث فيهما؛ لأن فعلهما وتقريرهما حجة على الأفراد، وعلى الفقيه أن يعرف شروط ونطاق دلالة الفعل والتقرير ليتمكن من الاستفادة منهما بشكل كافٍ.

على الرغم من أن الفقهاء والأصوليين قد أولوا اهتماماً لهذه المسألة منذ القدم في طيات متونهم، وأن أعلاماً كالسيد المجاهد والميرزا القمي والشهيد الصدر قد تناولوا نطاق دلالة الفعل والتقرير بشكل أوسع من غيرهم، إلا أنهم لم يتطرقوا إلى جميع الحالات؛ بل تناول كل منهم بعض الحالات والفروض التي طُرحت، وبقيت فجوات كثيرة. كما أُلّفت كتب ومقالات في هذا المجال، ولكن حتى الآن لم يُعثر على بحث مستقل وشامل في هذا الموضوع. في كتاب «توسعة استنباط از فعل معصوم»، لم يتناول الكاتب مرداني تقرير المعصوم بالتفصيل المتوقع. وكذلك ضيائي فر في مقالة «بهره گيري از شئون معصوم در استنباط احکام فقهي زنان و خانواده» وكتاب «فلسفه علم فقه» تناول شؤون المعصوم بشكل أكبر، ولكنه لم يدرس جوانب الفعل والتقرير. البحث الحالي، بالإضافة إلى استخراج وتصنيف الحالات المختلفة للفعل والتقرير، يتناول آراء الأصوليين المذكورين الذين أجروا بحثاً أكثر دقة من غيرهم في هذا المجال، ويقوم بتحديد وتحليل موانع الفعل والتقرير في استنباط الحكم.

٢. فعل المعصوم

١-٢. حدود الدلالة في الحالات المختلفة

من المسائل المهمة في الاستنباط من فعل المعصوم، أصل دلالة فعل المعصوم؛ والمقصود من دلالة فعل المعصوم هو: هل فعل المعصوم، كقوله، يدل على حكم شرعي ويمكن اعتباره دليلاً على الأحكام الشرعية أم لا؟ بعد التتبع في هذه المسألة، لم نجد من الفقهاء من ينكر مطلقاً دلالة فعل المعصوم على الحكم الشرعي، بل إن جميع الفقهاء متفقون على أن فعل المعصوم يدل على حكم شرعي؛ ولكنهم يختلفون في كيفية واتساع هذه الدلالة.

لا شك أن الأفعال العادية، مثل الأفعال التي تتوافق مع طبع الإنسان كالأكل والشرب، مباحة لنا وللأئمة (ع) دون أي إشكال، شريطة ألا تقترن بها حيثية أو خصوصية مثل الاستمرار (ميرزاي قمي، ١٤٠٣: ٥٥٠) والتكرار والمواظبة (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦١). أما إذا ترددنا في حالات ما إذا كان الفعل الصادر عن المعصوم منبثقاً عن طبيعته أم عن أمر شرعي، فما هو التكليف؟ يقول بعض الفقهاء: يمكن إقامة الدليل لكلا القولين؛ فيمكن بالاستناد إلى أصالة عدم التشريع اعتبار الفعل نابعاً من طبيعته الإنسانية، ويمكن بالاستناد إلى القرينة الحالية المتمثلة في أن رسالته هي بيان الشريعة، اعتبار الفعل أمراً دينياً (ميرزاي قمي، ١٤٠٣: ٥٥٠). الشهيد الأول من أنصار القول الثاني، حيث يقول ضمن أمثلة: عند التردد بين الطبيعيات والشرعيات في فعل المعصوم، يجب البناء على كون الأفعال شرعية (إلا إذا ثبت كونها طبعية) (الشهيد الأول، د.ت: ٢١١/١ – ٢١٢). بشكل عام، يمكن تصور فعل المعصوم في عدة حالات:

١-١-٢. فعل المعصوم المقترن بكلام الإمام (ع)

إذا بيّن الإمام فعلاً بكلامه أيضاً؛ مثل الوضوء الذي ورد في كلام الأئمة وفي فعلهم كيفية الإشارة إليه. في هذه الحالة، يوجد اقتضاء التعليمية في ذلك الفعل (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٠). ومثل وضوءات بيانية، حيث يتوضأ الإمام (ع) ويقول: كان النبي الأكرم (ص) يتوضأ هكذا (الحر العاملي، ١٤٠٩: ١/ ٣٨٧). هنا، حيث يكون المعصوم في مقام بيان الحكم والتشريع، فإن الفعل الصادر من جهة المعصوم يدل بنفسه على أن التكليف الواقعي هو هذا. وفي الاصطلاح، تسمى هذه الأفعال بالأفعال البيانية (مرداني، ١٣٩٨: ١٤٨).

٢-١-٢. الفعل المقترن بظهور الحال (بدون كلام)

في هذه الحالة أيضاً، يوجد اقتضاء التعليمية (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٠). مثل أن يسأل شخص الإمام عن أكل الجبن، فيعطي الإمام خادمه درهماً ليشتري الجبن ويأكله الإمام (الكليني، ١٤٠٧: ٦/ ٣٣٩). هنا، بقرينة السؤال، يُعلم أن فعل الإمام كان لبيان جواب السائل، فيكون له ظهور في الحكم الشرعي، وظهور الفعل كظهور اللفظ يكون مورداً لاستدلال الفقهاء، والفعل البياني في الوجوب والاستحباب يتبع المبيّن له (الطباطبائي، ١٢٩٦: ٢٧٩).

٣-١-٢. الفعل الخالي من كل قرينة حالية ومقالية

في الحالة الثالثة، يقول بعض الفقهاء: إذا لم يكن هناك احتمال لاختصاص هذا الفعل بالمعصوم، فإنه يدل على عدم حرمة ذلك الفعل بسبب عصمة الإمام (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٠). وقد استخدم بعض الأعلام مصطلح الإباحة في هذا المورد (المظفر، ١٤٣٠: ٣/ ٦٧). بالطبع، قام بعض الفقهاء بتقسيمات لهذا النوع من الفعل وقالوا: في مثل هذه الأفعال، إما أننا لا نعلم وجه الفعل (واجب، مستحب، أو مباح)، أو نعلمه؛ وأحياناً يكون وجه الفعل مجهولاً، ولكن هذا المقدار معلوم وهو أن الفعل قد تحقق بشكل عبادي وبقصد القربة. في هذه الحالة، يمكن القول إن الفعل متردد بين الوجوب والاستحباب، ولكن تعيين أحدهما غير ممكن (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٥٣). وبالطبع، هناك من يرى أنه إذا علمنا في هذه الحالة عدم اختصاص الفعل بالمعصوم، فإن ذلك الفعل يكون مستحباً بالنسبة لنا، وأحد أدلتهم على ذلك تيقن الرجحان وأصل عدم الوجوب (الطباطبائي، ١٢٩٦: ٢٧٩). أما في حال لم يكن وجه الفعل واضحاً حتى بهذا القدر، فالشيء الوحيد الذي يمكن قوله هو أن هذا الفعل ليس حراماً؛ لأن صدور الفعل الحرام من المعصوم مستحيل، ولكن تعيين الإباحة، الاستحباب، الكراهة أو الوجوب غير ممكن؛ طبعاً، إذا قبلنا بصدور المكروه من المعصوم، وإلا انحصرت الاحتمالات في الحالات الثلاث الأخرى (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٥٣). وفي ترك الفعل من جانب المعصوم، يمكن استخلاص دلالة الترك على عدم وجوب ذلك الفعل (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٠).

المسألة المطروحة هنا هي: هل قيام المعصوم بفعل دون أن يقترن بقرينة، أي عندما يكون وجه الفعل مجهولاً، يدل على الوجوب أم على رجحان الفعل واستحبابه أم إباحته؟ في هذا الخصوص، توجد ثلاث آراء:

١. فعل المعصوم بمفرده يدل على الاستحباب. من القائلين بهذا الرأي يمكن ذكر الميرزا القمي (ميرزاي قمي، ١٤٣٠ق: ٢/ ٥٥٣) وصاحب الفصول (الأصفهاني، ١٤٠٤: ٣١٣).

٢. فعل المعصوم لا يدل على أي من هذين الأمرين، ولا يدل على شيء أكثر من الإباحة. من القائلين بهذا الرأي يمكن الإشارة إلى السيد محمد مجاهد (الطباطبائي، ١٢٩٦ق: ٢٨٤)، والشهيد محمد باقر الصدر (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٠)، ومحمد رضا المظفر (المظفر، ١٤٣٠: ٣/ ٦٧).

٣. البعض توقف في هذه الأفعال، ويمكن الإشارة إلى المحقق الحلي (المحقق الحلي، ١٤٢٣: ١٧٠).

برأي الكاتبين، القول الثالث هو القابل للدفاع؛ أي أن الفعل الذي لا يتضح وجهه لا يدل على أي حكم سوى الإباحة؛ لأن أولاً، الفعل الصامت خالٍ من هذه الدلالات، وإثباتها يحتاج إلى دليل، وعدم الحرمة في هذه الموارد لا يساوي المشروعية والرجحان، وفقط في العبادات يكون عدم الحرمة مساوياً للرجحان والمشروعية، وهذا بسبب عدم وجود عبادة مباحة أو مكروهة (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦١).

ثانياً، للمعصوم شؤون مختلفة، وقيامه بأي فعل لا يدل على استحبابه، فلا يمكن بسهولة استخلاص رجحان ما هو واجب أو مستحب من فعل المعصوم وإثبات دلالته على الحكم الشرعي؛ ولكن بإحراز الشروط، يمكن إثبات دلالة الفعل على الحكم الشرعي، وهو ما سنتناوله في القسم التالي.

من الضروري الانتباه إلى أن نطاق الدلالة وشروط الدلالة أمران مختلفان. نطاق الدلالة هو الحد الأدنى والأقصى لمجال الدلالة مثل الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، والإباحة. أما شروط الدلالة، فهي الحالات التي يؤدي وجودها إلى دلالة الفعل أو التقرير على الحكم الشرعي، بحيث لا يمكن في غيابها استخلاص دلالة الفعل أو التقرير على الحكم الشرعي بسهولة؛ لذا، ما يزيد من فعالية الفعل والتقرير في استنباط الحكم الشرعي هو توضيح الحد الأدنى والأقصى لنطاق دلالتهما، ومعرفة شروط دلالتهما على الحكم الشرعي، ومعرفة الموانع والمشكلات التي تعترض حجيتهما.

٢-٢. شروط الدلالة

يكون فعل المعصوم قابلاً للدلالة إذا استوفى شروطاً معينة. في ما يلي، ندرس هذه الشروط:

الأول: ألا يكون للفعل أي دافع غير شرعي (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٠). على سبيل المثال، الدخول إلى المسجد بالرجل اليمنى؛ النقطة التي يجب ذكرها هنا هي أن البعض لا يرى أن القيام بالفعل مرة واحدة كافٍ، بل يعتبر تكرار الفعل دالاً على الحكم الشرعي (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٥١)، والبعض يعتبر التكرار والمواظبة على الفعل دالاً على قوة ظهور الفعل على الحكم الشرعي (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦١).

الثاني: إذا كان الفعل من الأفعال التي لا ينسجم معها الطبع، فإن ظهوره في الحكم الشرعي سيكون أقوى (نفس المصدر)، مثل اليقظة بين الطلوعين، بينما يفضل غالبية الناس النوم في هذا الوقت.

الثالث: ألا يكون من الأفعال الخاصة بالنبي (ص) أو المعصوم؛ المقصود بالأفعال الخاصة هي السلوكيات التي هي من خصائص المعصوم ولا يشاركه فيها أحد في هذه الأفعال الشرعية، وبالطبع أكثر هذه الخصائص خاصة بالنبي (ص) (نفس المصدر: ٢٦٠). في كثير من الكتب، تم تناول خصائص النبي (الطوسي، ١٣٨٧ق: ٤/ ١٥٢؛ المحقق الحلي، ١٤٠٨: ٢/ ٢١٥؛ الحلي، ١٣٨٨: ٥٦٥؛ الكركي، ١٤١٤: ١٢/ ٥٣؛ الشهيد الثاني، ١٤١٣: ٧/ ٦٩؛ البحراني، ١٤٠٥: ٩٤/٢٣). ومنها السواك، وصلاة الليل، وغير ذلك مما كان واجباً على النبي (ص).

الرابع: أن يكون صادراً عن شأن غير شأن التشريع والهداية، وباصطلاح أن يكون فعلاً هادويّاً (رشاد، ١٣٨٣: ٩). بعبارة أخرى، ليس لنا الحق في استنباط الحكم الشرعي من جميع شؤون المعصوم، بل فقط بعض أقواله وأفعاله وتقريراته لها قابلية الدخول في دائرة استنباط الحكم الشرعي. ورغم أن الشأن الأصلي للمعصومين (ع) هو تبليغ الشريعة الإلهية، إلا أن لهم شؤوناً متفاوتة، وليست كل أقوالهم وأفعالهم نابعة من شأن التشريع؛ فأحياناً كانوا في مقام المشورة مع فرد، وأحياناً في مقام الإنسان العادي الذي يحتاج إلى أفعال طبيعية كالأكل والنوم وغيرها، وأحياناً في مقام القضاء. وقد أحصى البعض للمعصوم أحد عشر شأناً، وهي: شأن الإبلاغ، شأن التفسير، شأن التفريع، شأن التشريع، شأن الأخلاق والتربية، شأن العادي، شأن التطبيقي، شأن الإرشادي والمشورتي، شأن الولائي-الحكومي، شأن الولائي-الإداري، وشأن القضاء (ضيائي فر، ١٣٩٢: ٣٩٩-٤٥٠). من هنا، لا يمكن استنباط حكم شرعي من كل كلام. ومع ذلك، لم يتم استقصاء جميع شؤون المعصوم بالكامل، ولم يستفد منها بشكل كافٍ في مختلف مجالات العلوم الإسلامية؛ فإذا استُخدمت هذه الشؤون في علوم مثل الفقه، فستكون لها نتائج مهمة، منها معرفة دقيقة للأحكام الشرعية وفقاً لمقتضيات الزمان، وحل تعارض الروايات مع بعضها البعض، وحل تعارض الروايات مع القرآن، وحل تعارض الروايات مع العقل والعرف في الجملة (ضيائي فر، ١٣٩٢: ٢).

هذه النقطة نفسها موجودة في فعل المعصوم أيضاً، لذا لا يمكن استخدام سوى بعض شؤون المعصومين (ع) كسنة تشريعية؛ لأن التشريع هو القول والفعل الصادر عن المعصوم بناءً على كونه هادياً، وليست كل أفعاله صادرة عن شأن هادوي وبداعي الهداية. لذا، فعل المعصوم بما هو مسلم، وبما هو حي بشر، وبما هو قاضٍ، وبما هو عالم لا يدخل في نطاق السنة التشريعية (رشاد، ١٣٨٣: ٩). على سبيل المثال، ذكر بعض فقهاء الإمامية في شروط صحة خطب صلاة الجمعة أن تكون بالعربية، ودليلهم على ذلك هو التأسي بفعل المعصوم (الموسوي العاملي، ١٤١١ق: ٤/ ٣٥). والبعض الآخر أفتى بالاحتياط في أن يكون الحمد والصلوات في الخطب بالعربية فقط، حتى لو لم يكن المخاطب عربياً، ولكنهم اعتبروا إلقاء الخطب بلغة المستمع والمخاطب أقوى من قراءتها بالعربية (الموسوي الخميني، د.ت: ١/ ٢٣٤). من البديهي أن إلقاء الخطبة باللغة العربية لشخص عربي هو سلوك عادي وطبيعي. لذا، لا يمكن استنتاج وجوب أو استحباب الفعل لمجرد أن المعصوم قام به. ومن الجدير بالذكر أن فتوى بعض الفقهاء بوجوب أن تكون الخطب بالعربية هي من باب الاحتياط والأخذ بالقدر المتيقن، ومن هذا القبيل قراءة خطب صلاة الجمعة جهراً، وكون الذكر عند الذبح بالعربية، وحالات أخرى كثيرة (ضيائي فر، ١٣٩٢: ٤٣٢).

الخامس: ألا يكون الفعل «قضية في واقعة» (مرداني، ١٣٩٨: ٩٠)؛ بمعنى أن هذا القول أو الفعل من الإمام ليس حكماً عاماً لجميع فئات الناس، بل هو لشخص بشروط خاصة يمر بها، لذا فإن قابلية استنباطه من ذلك القول أو الفعل أو التقرير في جميع الظروف غير موجودة. وقد أشير إلى هذا التعبير في بعض كتب الأصول (السبزواري، د.ت: ٢/ ١٧٢؛ الكلبايكاني، ١٤١٠: ٢/ ٣٥٧؛ النراقي، ١٤١٧: ٧٥٩؛ الموسوي القزويني، ١٣٧١: ٣٤٠).

السادس: أن يكون أداء الفعل باختيار، وألا يكون صادراً عن تقية (مرداني، ١٣٩٨: ٧٤). الاختيار في العمل من شروط التكليف، ولا يترتب أثر على سلوك يصدر دون اختيار. وبما أن التقية في الاصطلاح تعني إظهار عقيدة أو القيام بعمل يخالف الرأي القلبي لأسباب خاصة (السبحاني، ١٣٧٥: ١/ ٣٧٧٦)، فلا يترتب أثر على السلوك التقوي؛ لأنه ليس عن اختيار. أحياناً كان المعصومون، بسبب الظروف السائدة في عصرهم، يضطرون إلى القيام بسلوكيات عن تقية، والاستناد إلى تلك السلوكيات غير صحيح.

السابع: أن تكون جميع الشروط والظروف التي صدر فيها الفعل متطابقة مع وضع الشخص الفاعل (الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦١)، وكذلك الخصائص الجسدية، والروحية، والميول، وطاقة الأفراد، ليس لها جانب شخصي.

٣-٢. موانع استنباط الحكم

بالنظر إلى ما ذُكر من جهة فعل المعصوم، تظهر موانع وتحديات في استنباط الأحكام الشرعية من فعله، والتي سنتناولها في ما يلي.

١-٣-٢. شمول آفات عموم الروايات للروايات الحاكية عن فعل المعصوم

بما أن فعل المعصوم هو أحد أجزاء السُنّة، والروايات هي ناقلة للسُنّة، فإن بعض الآفات التي ترد من جهة عموم الأحاديث – التي تلعب دور الدليل الفقهي في استنباط الأحكام الشرعية – ترد أيضاً في تقرير فعل المعصوم؛ مثل النقل بالمعنى، والتقطيع، وضياع القرائن وغيرها.

٢-٣-٢. كون الفعل مجملاً وصامتاً

دلالة الأفعال، خاصة الأفعال المجهولة الصفة للمعصوم (ع)، مجملة؛ أي لا صراحة ولا ظهور لها في حكم معين؛ بالإضافة إلى ذلك، لأن الفعل صامت، لا يمكن بسهولة استخلاص دلالته، وكما ذُكر، هناك عدة آراء مطروحة في دلالة هذه الأفعال، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى استنباط غير صحيح.

٣-٣-٢. كون الفعل دليلاً لبّياً

الفعل دليل لبّي وليس لفظياً؛ في الألفاظ يمكن الأخذ بالإطلاق من خلال مقدمات الحكمة، ولكن في دلالة الأفعال يُكتفى بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن هو الاتحاد في جميع الخصائص التي يُحتمل مدخليتها في الحكم؛ ولكن إمكانية الأخذ بالإطلاق في الدليل الصامت غير اللفظي غير موجودة. فإذا شُك في شرطية أو عدم شرطية شيء في الحكم، فإن السبيل الوحيد هو إحراز شرطيته وعدمها، ولا يمكن نفيها عن طريق الإطلاق. لذا، الحكم الذي يمكن استنباطه من فعل المعصوم يكون جارياً فقط في حالة مماثلة لجميع الحالات والجهات والخصائص التي يُحتمل تأثيرها في الفعل عند ثبوت الحكم (الأشكناني، ١٣٨٠: ٣٣٢). على سبيل المثال، إذا قال المعصوم: يجوز لبس السواد في اليوم العاشر من محرم، يمكن تعميم هذا الإطلاق على اليوم الحادي عشر من محرم ولبس السواد. ولكن إذا لم يقل المعصوم شيئاً ولبس السواد فقط، لا يمكن استنباط الاستحباب من فعله؛ بل فقط إذا علمنا أن المعصوم قصد القربة من هذا العمل، يمكن استنتاج كونه عبادياً ومطلوباً؛ ولكن ليس لدينا حكم لليوم الحادي عشر. ففي دلالة الفعل، لا يمكن إلا الاكتفاء بالقدر المتيقن؛ لأنه في كل دليل لبّي يُشك في شرطية أو جزئية شيء ما، يجب إحراز ذلك الجزء المشكوك فيه، ولا يمكن المضي أبعد من مورده. إن عدم الانتباه إلى هذه القاعدة في دلالة الفعل يمكن أن يؤدي إلى خطأ الفقيه في الاستنباط (الحيدري، د.ت: ٤، ٢١١-٢١٢).

٤-٣-٢. الشك في كون الأفعال بيانية

في الحالات التي يُشك فيها في كون الفعل بيانيّاً؛ أي لا تُعلم مدخلية الحركات والسكنات في الحكم الشرعي، إذا وقع ذلك الفعل لأول مرة ولم يقم المعصوم به من قبل، فإن ظاهره أنه داخل في البيان؛ أما إذا كان المعصوم يقوم بشيء من قبل؛ مثل اللبس في الصلاة أو الطهارة في صلاة الميت، فإذا توضأ المعصوم قبل هذه الصلاة للصلوات اليومية وصلى صلاة الميت بنفس الوضوء؛ فالظاهر عدم دخوله في الفعل البياني إلا إذا ثبت بدليل من الخارج. كذلك الحالات التي هي من عوارض الأفعال المستحدثة مثل كونها قصيرة أو طويلة، سريعة أو بطيئة في أداء بعض الأفعال، أو مثلاً القراءة الفصيحة وغير الفصيحة في الصلاة، هذه من الفروقات التي لا يلتفت إليها العرف عادةً ولا يضع لها حداً، لأن التكليف بما لا يطاق؛ أما إذا كانت هذه الفروقات فروقات ملحوظة يُلتفت إليها، فهي معتبرة، أي الظاهر في البيان؛ مثلاً غسل أعضاء الوضوء لمدة ساعة، ومن الحالات التي يكون دخولها في البيان مشكوكاً فيه، الموالاة بين الأعضاء في الوضوء بحيث إذا انتهى عضو بدأ بالعضو التالي مباشرة، وكذلك الغسل من الأعلى إلى الأسفل، لأنه في الغسل العرفي يصدق الغسل بدون هذه الموارد أيضاً (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٥٨). ورغم أن البعض قد حل إشكالات هذه الأفعال بهذه الطريقة، إلا أنه يبدو أن التصريح بالدلالة وعدم دلالة الفعل على الحكم في هذه الموارد يواجه صعوبات كثيرة، وربما يخرجه عن دائرة الاستنباط.

٣. تقرير المعصوم

التقرير هو أن يقوم شخص بفعل في مرأى ومسمع المعصوم، أو أن يعلم المعصوم بذلك الفعل بطريقة ما، أو أن يجري شخص كلاماً عن حكم من أحكام الشريعة على لسانه، أو أن يكون له اعتقاد خاص، ويسكت المعصوم بعلم والتفات ولا يمنع ذلك الفعل أو القول أو الاعتقاد. هنا، السكوت بشروط معينة يعني التصحيح والإمضاء لذلك الفعل أو القول أو العقيدة (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٦٧؛ المظفر، ١٤٣٠: ٣/ ٧٠). وبالطبع، اعتبر البعض التقرير جزءاً من السنة الفعلية (رشاد، ١٣٨٣: ١٣)، ولكن يبدو أن التقرير أمر مستقل عن الفعل، وكلاهما يندرج تحت السنة؛ لأن التقرير هو ترك الردع عن فعل الغير، ولا يلازم القيام بالفعل.

نقطة مهمة أُغفلت في بعض التعريفات هي أن التقرير يكون أحياناً أمام موقف فردي، وأحياناً أمام موقف اجتماعي؛ سكوت المعصوم أمام الموقف الذي يواجهه يدل على إمضائه، وهذا الموقف يكون أحياناً فردياً، وأحياناً يتجلى في سلوك عام وجماعي يسمى بسيرة العقلاء أو بناء العقلاء؛ لذا، سيرة العقلاء دليل على الحكم الشرعي، ولكن باعتبار تقرير الشارع وإمضائه لها (الصدر، ١٤١٣: ١/ ١٣٨). بعض الأصوليين يعتبرون السيرة أعم من السلوك والفعل الخارجي، بحيث تشمل المرتكزات العقلائية أيضاً ولا تختص بالفعل الخارجي؛ في الواقع، وضعوا جامعاً للموقف العقلائي يمكن أن يظهر في صورة سلوك خارجي، ويمكن أن يكون في صورة أبنية ومرتكزات (الصدر، ١٤١٧: ٤/ ٢٣٤).

تجدر الإشارة إلى أن البعض قد فرّق بين السيرة والارتكاز، وذكر إشكالات حول ردع الارتكاز؛ كما أنهم لم يعتبروا للسيرة قيمة مستقلة، ويعتبرونها ذات قيمة فقط عندما يؤيدها الشارع، وإحدى طرق تأييد الشارع هي عدم ردعه لها في حين أنها كانت في مرأى ومنظر الشارع، لأنه بدون ختم تأييد الشارع، لا قيمة للسيرة. الارتكاز أيضاً كذلك، بمعنى أن الارتكازات التي لدى العقلاء ليس لها قيمة في حد ذاتها ومستقلة، وتصبح ذات قيمة عندما يوجد ختم تأييد الشارع لها. لكن الفرق بين السيرة والارتكاز هو أن السيرة عملية ودائماً تحت الأعين، وردعها ومنعها له اعتباره بسبب جريانه، إذ يجب على الشارع أن يبدي رأيه فيه، أما الارتكازات، فهي مسائل موجودة في أذهان العقلاء ولا ضرورة لأن يقوم الشارع بإصلاحها وتعديلها لأنها لم تتجسد عملياً (الأعرافي، درس خارج فقه الاجتهاد والتقليد، الجلسة ١٧٤، ١٩ بهمن ١٣٩٤).

١-٣. حدود الدلالة في الحالات المختلفة

دلالة التقرير من المباحث المليئة بالتحديات ومحل خلاف بين الفقهاء؛ يعتقد البعض أنها تدل على الإباحة بالمعنى العام (الحكيم، ١٤١٨: ٢٢٨)، والبعض بشروط معينة اعتبرها دالة على الجواز (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٦٧؛ الصدر، ١٤١٨: ١/ ٢٦٢). بما أن سكوت المعصوم له ظهور في الإمضاء العملي الذي يتم أمامه، يُطرح سؤال: هل هذا السكوت في جميع الظروف الزمانية وفي الحالات المختلفة يدل أيضاً على إمضائه؟ في ما يلي، نشير إلى الحالات المختلفة لهذه المسألة.

١-١-٣. المنع بعد المنع وعدم الفائدة في المنع

في هذه الحالة، قال صاحب القوانين: إذا منع المعصوم من فعل سابقاً، أو كان واضحاً له أنه لا فائدة في هذا المنع، فإن تقريره في هذه الحالة لا يدل على الإمضاء (ميرزاي قمي، ١٤٣٠: ٢/ ٥٦٧). صاحب مفاتيح الأصول يقول هنا أيضاً: إذا صُرح بحرمة فعل قبل القيام به عند المعصوم، ولم يكن هناك احتمال لنسخ ذلك الفعل؛ فإن السكوت لن يفيد الإباحة. ولكن إذا كان المعصوم قد ردع عن ذلك الفعل من قبل، وأصر الفاعل على ارتكابه والمعصوم أيضاً على الردع، فإن السكوت هنا لا يدل على الإباحة؛ ولكن إذا لم يكن هناك إصرار، فإن السكوت دليل على نسخ حرمة ذلك الفعل. ويعتقد خلافاً لصاحب القوانين أن عدم إنكار المعصوم لا يمكن أن يكون بسبب عدم احتمال التأثير، لأن إنكار المعصوم مؤثر حتماً (الطباطبائي، ١٢٩٦: ٢٨٩).

٢-١-٣. الشك في اطلاع المعصوم على الفعل

إذا شُك في فعل ما هل اطلع عليه المعصوم وسكت أم لم يطلع عليه أصلاً، فالأصل في هذه الموارد أن المعصوم لم يطلع عليه (الطباطبائي، ١٢٩٦: ٢٨٩؛ الموسوي القزويني، ١٤٢٧: ٥/ ٤٦٣).

٣-١-٣. الشك في قدرة المعصوم على ردع الفعل

إذا شككنا في حالة ما هل كان المعصوم قادراً على الردع ولم يفعل، أي أن ذلك الفعل لم يكن حراماً، أم أن ذلك الفعل كان حراماً ولكن المعصوم لم يكن قادراً على النهي؛ فالأصل هو قدرته، لأن عدم القدرة غالباً ما يكون بسبب مانع، والأصل عدم المانع (الطباطبائي، ١٢٩٦: ٢٩٠).

٤-١-٣. صدور فعل من شخصين وردع المعصوم لأحدهما

إذا صدر فعل واحد من شخصين ونهى المعصوم أحدهما وسكت عن الآخر، فكيف تكون دلالة السكوت والفعل؟ في الجواب يمكن القول: في هذه الحالة يحدث تعارض بين التقرير وردع المعصوم، ويُقدّم الردع؛ لأن المعصوم اكتفى بردع واحد بسبب اشتراك المكلفين في التكليف. كما يمكن حل التعارض بهذه الطريقة: أن الحكم الظاهري للشخص الذي سكت المعصوم أمامه هو الجواز؛ لأنه كان في موضع تقية، بخلاف الشخص الآخر الذي لم يكن في موضع تقية (نفس المصدر).

٥-١-٣. تمكّن المعصوم من المشاركة

إمضاء السيرة يثبت فقط حيث نحصل على مشاركة المعصوم في ما صدر، ولكن فقط في الحالات التي لم يتمكن فيها المعصوم من المشاركة، يكون تقريره معتبراً (الحكيم، ١٤١٨: ١٩٢).

٦-١-٣. نهي غير المعصوم عن فعل أمام المعصوم مع سكوته

من الحالات التي يُخطأ فيها في دلالة التقرير، هي عندما يقوم شخص بفعل أمام المعصوم، وينهاه غير المعصوم، ويسكت المعصوم؛ ظن البعض أن هنا تعارض بين سكوتين؛ أحدهما سكوت الإمام عن نهي غير المعصوم، والآخر سكوت الإمام عن فعل ذلك الشخص. وبين هذين، يُقدّم التقرير الثاني؛ لأن المعصوم اكتفى بنهي الناهي من حيث أن وجوب النهي عن المنكر وجوب كفائي. وفي المقابل، رد بعض الأعلام هذا القول وقالوا: هذا المورد أصلاً لم يحدث فيه تقرير للفعل الأول حتى يتعارض مع تقرير آخر ويُقدّم أحدهما (الموسوي القزويني، ١٤٢٧: ٥/ ٤٦٥).

٢-٣. شروط الدلالة

لكي يكون لسكوت المعصوم قابلية الدلالة على الحكم الشرعي، لا بد من وجود شروط يمكن في ظلها استخلاص رضاه عن الفعل أو الحكم. وهذه الشروط هي:

الأول: أن يكون سكوت الإمام (ع) عن علم والتفات؛ أي أن يعلم ويدرك أن شخصاً قام بعمل أو قال كلاماً أو كان له اعتقاد، ومع ذلك يسكت الإمام ولا يمنع.

الثاني: أن يكون المعصوم في ظروف تمكنه من إعلان خطأ الفاعل أو القائل؛ أي ألا يكون وقت البيان ضيقاً؛ وأن يكون للإمام فرصة للإعلان والتنبيه، وألا تكون هناك موانع مثل الخوف، التقية، اليأس من تأثير الإرشاد، وغيرها.

الثالث: في العمل الذي يتم أمام الإمام، يُحتمل الحرمة؛ على سبيل المثال، إذا أجرى شخص معاملة، فإن سكوت الإمام يعني أنها مشروعة وصحيحة بهذه الكيفية، وليست فاسدة وباطلة (المظفر، ١٤٣٠: ٣/ ٧٠).

٤-٣. موانع استنباط الحكم

كما مر، يعتبر التقرير وسكوت المعصوم أحد مصادر استنباط الحكم الشرعي، ولكن ليس دائماً سكوت المعصوم دالاً على رضاه. بالإضافة إلى ذلك، فإن السكوت الذي يدل على الحكم الشرعي لا يجري في جميع الأزمنة والحالات وبالنسبة لجميع المكلفين؛ لذا، توجد موانع وصعوبات في طريق استنباط الحكم بواسطة تقرير المعصوم. موردان من هذه الموانع يأتيان في ما يلي.

١-٤-٣. عدم الاستفادة من دلالة التقرير في جميع الموارد

ربما يمكن القول: إن أقصى ما يمكن استخلاصه من التقرير هو حكم بإباحة الفعل الذي قام به الفاعل في حضور المعصوم، ولكن الحكم بإباحته في جميع الحالات والأزمنة وبالنسبة لجميع المكلفين غير ممكن؛ لأن التقرير مثل الفعل ليس له عمومية، بخلاف القول الذي غالباً ما يكون مفيداً للعموم إما بالإطلاق أو بالوضع. لذا يجب في تعميم الحكم المستفاد من التقرير الاستعانة بدليل آخر مثل الإجماع المركب، وغالباً ما يوجد إجماع مركب في هذا المورد (الطباطبائي، ١٢٩٦: ٢٨٨).

يكتب المحقق القزويني في هذا الصدد: تقرير المعصوم، مثل فعل المعصوم، مجمل من حيث أن وجهه غير معلوم. مثلاً، سكوت المعصوم أمام شخص يأكل لحم الأرنب بسبب الاضطرار لا يدل على الإباحة بشكل مطلق حتى في حالة عدم الاضطرار، أو سكوت المعصوم أمام من يأكل الطين الأرمني للعلاج لا يدل على الإباحة حتى في حالة عدم العلاج، أو سكوت المعصوم أمام من يجهل بالفقاع ويشربه لا يدل على إباحته حتى في حق العالم به (الموسوي القزويني، ١٤٢٧: ٥/ ٢٦٤).

٢-٤-٣. كون التقرير لبّياً

في بحث التقرير أيضاً، تجري النقطة التي مرت في فعل المعصوم، لذا نمتنع هنا عن التكرار والتفصيل.

النتيجة

من خلال دراسات هذا البحث، تم التوصل إلى النتائج التالية:

١. بالنظر إلى الشؤون المختلفة للمعصوم، مثل الشأن العادي، الأخلاقي، والإرشادي، لا يمكن استنباط حكم شرعي من كل فعل. كما أن ثبوت الحكم الشرعي بواسطة التقرير أمر صعب، خاصة في الحالات التي لا تصاحبها أي قرينة حالية أو مقالية.

٢. باستثناء الأفعال العادية والطبيعية للمعصوم، فإن سائر أفعال الإمام تدل على الحكم الشرعي بوجود سبعة شروط: أولاً، أن يُحرز عدم اختصاصه بالإمام. ثانياً، أن يُحرز صدوره من شأن غير الشأن الهادوي. ثالثاً، أن يوجد تكرار ومواظبة على ذلك الفعل. رابعاً، ألا يكون صادراً في ظروف مثل التقية، وباصطلاح أن يكون عن اختيار. خامساً، أن تكون الظروف التي صدر فيها الفعل متطابقة مع ظروف الشخص الفاعل. سادساً، ألا يكون من الأفعال الخاصة بالمعصوم. وسابعاً، ألا تكون قضية في واقعة واحدة.

٣. الفعل والتقرير دليلان لبّيان وليسا لفظيين، لذا لا يمكن الأخذ بالإطلاق منهما، ويجب الاكتفاء بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن في هذه الموارد هو الاتحاد في جميع الخصائص التي يُحتمل مدخليتها في الحكم. من هنا، تكون دائرة استنباط الأحكام بواسطة القول أوسع من دائرة استنباط الأحكام بواسطة الفعل والتقرير.

٤. تقرير المعصوم في حالة اقترانه بشروط مثل علم والتفات الإمام بالفعل، وقدرته على التنبيه على خطأ الفاعل، وبشرط عدم وجود موانع من حيث الزمان (عدم مواجهة الإمام لضيق الوقت)، والتقية، واليأس من تأثير الإرشاد، يدل على الحكم.

٥. على الرغم من القيود والموانع الموجودة في دلالة الفعل والتقرير، وبالنظر إلى وضع الضوابط الذي تم خلال هذا البحث، فإن التوسع الكمي والكيفي للاستنباط من هذين المصدرين الفقهيين ممكن، وله تأثير كبير في تحول استنباط الفقيه.

المصادر والمراجع

الأشكناني، محمد حسين، (١٣٨٠)، دروس في أصول الفقه (توضيح الحلقة الثالثة)، قم، أنوار الهدى، الطبعة الأولى.

الأصفهاني، محمد حسين بن عبد الرحيم، (١٤٠٤ق)، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، قم، دار إحياء العلوم الإسلامية، الطبعة الأولى.

الأعرافي، علي رضا، (١٣٩٤)، درس خارج فقه الاجتهاد والتقليد، متاح على موقع www.arafi.ir.

البحراني، يوسف بن أحمد، (١٤٠٥ق)، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الأولى.

التوني، عبد الله بن محمد، (١٤١٥ق)، الوافية في أصول الفقه، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية.

الحر العاملي، محمد بن حسن، (١٤٠٩ق)، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى.

الحيدري، سيد كمال، شرح الحلقة الثالثة، مقرر: حيدر يعقوبي، بلا مكان، بلا تاريخ.

رشاد، علي أكبر، (١٣٨٣)، «سنت پژوهی»، حقوق إسلامي، ١، العدد ٦٦.

السبحاني، جعفر، (١٣٧٥)، دانشنامه جهان إسلام، طهران، بنیاد دائرة المعارف الإسلامي، الطبعة الأولى.

السبزواري، عبد الأعلى، تهذيب الأصول، قم، مؤسسة المنار، الطبعة الثانية، بلا تاريخ.

الشهيد الثاني، زين الدين، (١٤١٣ق)، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى.

الصدر، محمد باقر، (١٤١٧ق)، بحوث في علم الأصول، مقرر: محمود هاشمي، قم، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامي لمذهب أهل البيت (ع)، الطبعة الثالثة.

الصدر، محمد باقر، (١٤١٣ق)، دروس في علم الأصول، قم، انتشارات دار الصدر، الطبعة السادسة.

الصدر، محمد باقر، (١٤١٨ق)، دروس في علم الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة.

ضيائي فر، سعيد، (١٣٩٢)، «بهره گیری از شئون معصوم در استنباط احکام فقهی زنان و خانواده»، کاوشی نو در فقه إسلامي، ٢٠، العدد ٣.

ضيائي فر، سعيد، (١٣٩٢)، فلسفه علم فقه، طهران، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، قم و سمت، الطبعة الأولى.

الطباطبائي المجاهد، محمد بن علي، (١٢٩٦ق)، مفاتيح الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى.

الطوسي، محمد بن حسن، (١٣٨٧ق)، المبسوط في فقه الإمامية، طهران، المكتبة المرتضوية، الطبعة الثالثة.

الشهيد الأول، (بلا تاريخ)، القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية، قم، کتابفروشی مفید، الطبعة الأولى.

الكركي، علي بن حسين، (١٤١٤ق)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الثانية.

الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب، (١٤٠٧ق)، الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الأولى.

الكلبايكاني، محمد رضا، (١٤١٠ق)، إفاضة العوائد (تعليق على درر الفوائد)، قم، دار القرآن الكريم، الطبعة الثانية.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، (١٤٢٣ق)، معارج الأصول، لندن، مؤسسة إمام علي (ع)، الطبعة الأولى.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، (١٤٠٨ق)، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، قم، مؤسسة إسماعيليان، الطبعة الثانية.

مرداني، مهدي، (١٣٩٨)، توسعه استنباط از فعل معصوم، مشهد، بنیاد پژوهشهای إسلامي، الطبعة الأولى.

المظفر، محمد رضا، (١٤٣٠ق)، أصول الفقه، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الخامسة.

الموسوي الخميني، روح الله، (بلا تاريخ)، تحرير الوسيلة، قم، مؤسسة مطبوعات دار العلم، الطبعة الأولى.

الموسوي العاملي، محمد بن علي، (١٤١١ق)، مدارك الأحكام في شرح عبادات شرائع الإسلام، بيروت، انتشارات مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى.

الموسوي القزويني، علي، (١٤٢٧ق)، تعليقة على معالم الأصول، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الأولى.

الموسوي القزويني، إبراهيم، (١٣٧١ق)، ضوابط الأصول، قم، نشر مؤلف، الطبعة الأولى.

الميرزاي القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، (١٤٣٠ق)، قوانين الحكمة في الأصول، قم، إحياء الكتب الإسلامية، الطبعة الأولى.

النراقي، أحمد بن محمد مهدي، (١٤١٧ق)، عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام، قم، انتشارات دفتر تبلیغات إسلامي حوزه علمیه قم، الطبعة الأولى.

 

Scroll to Top