جريان البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية (تحليل حالة: دراسة دلالة «حديث الرفع» مع التركيز على رأي الشهيد الصدر)

المستخلص

من منظور الشهيد الصدر، تتوقف دلالة حديث الرفع على البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية على إثبات مسألتين: تصور إمكان وجود قدر جامع بين كلتا الشبهتين؛ وعدم وجود قرينة على اختصاص دلالته بإحداهما. يرى الشهيد الصدر أن استدلال الآخوند الخراساني القائم على اشتراك الشبهات الحكمية والموضوعية في «الشيئية» له أهمية كبرى، وبناءً عليه يمكن أن تكون كلتا الشبهتين مدلولاً لحديث الرفع؛ ذلك أن «ما» الموصولة في الحديث مساوقة للشيء من حيث المعنى، ومن هذه الجهة تتوفر الأرضية ثبوتاً لدلالة حديث الرفع على العموم. ولكن يبرز هذا التحدي المهم، وهو أن استعمال «ما» في كلتا الشبهتين يستلزم تعدد الإسناد في إسناد واحد؛ إذ إن مفهوم «الشيء» من حيث كونه جامعاً للشبهة الحكمية يمكن أن يكون مسنداً إليه للرفع حقيقةً، ولكن من حيث كونه منطوياً على الشبهة الموضوعية يكون إسناد الرفع إليه مجازياً، والجمع بين المجاز والحقيقة في إسناد واحد غير معقول. قام الشهيد الصدر، ضمن نقد ودراسة أجوبة الأصوليين الآخرين، بتقديم الحل بنفسه في إطار مجازية الإسناد؛ أي أن إسناد الرفع المجازي إلى ما هو غير معلوم بالنسبة للحكم والموضوع واحدٌ، ومع هذه الملاحظة، تكون دلالة الحديث على عموم الشبهات مطابقة للأصل؛ يعني بالنظر إلى سعة الدال والمدلول، يجب أن تكون «ما» الموصولة قد استُعملت في الأعم. والتحفظ على هذا الأصل لا يخل بسياق الحديث أيضاً، لكي لا يتم تقليص دلالته في خصوص الموضوع المجهول أو الحكم المجهول فقط من أجل الحفاظ عليه.

مقدمة

استدل الأصوليون لإثبات البراءة في الشبهات البدوية بأدلة متعددة، منها حديث الرفع. بناءً على هذا الحديث الشريف، رُفعت عن المسلمين تسعة أشياء، أحدها «ما لا يعلمون». بشكل عام، لا مسؤولية على المسلمين تجاه ما لا يعلمونه، كما لا مسؤولية عليهم في ثمانية موارد أخرى، مثل الأفعال التي تصدر عن خطأ، أو نسيان، أو إجبار. كذلك، رُفعت الأمور الحرجية، والطيرة، والحسد، والوسوسة. بناءً على ذلك، فإن أصل رفع ما هو غير معلوم في الحديث أمر مسلّم به، ولكن جرت نقاشات واسعة حول كيفية دلالته ومقدارها على البراءة. إن التأمل في أبعاد دلالته ينصب في الواقع على أبعاد المسألة في الشبهات، والتي تنقسم، وفقاً لتقسيم معين، إلى شبهات حكمية وموضوعية. لقد وضع الشيخ الأعظم مقدار دلالة حديث الرفع على عموم الشبهات في صميم المباحث الأصولية، وباهتمام من الآخوند الخراساني، تحول إلى أحد المحاور المثيرة للجدل والدائمة. وقد حاول معظم الأصوليين المشاركة في هذا الحوار والمساهمة بنصيبهم في تبيين الأبعاد الدلالية للحديث وتعيين نطاق البراءة على أساسه. يسعى هذا البحث إلى دراسة جريان البراءة في الشبهات من منظور تراث الشهيد الصدر. ولتوضيح أبعاد المسألة، قام سماحته أولاً بالفصل بين مقامي الثبوت والإثبات، وفي مقام الثبوت، سعى إلى تصور وتحديد جامع بين هاتين الشبهتين، بحيث إذا لم يكن هناك أي وجه جامع ومشترك بين الشبهات الحكمية والموضوعية، فإن عملية دلالة حديث الرفع عليهما معاً تُدار من البداية. وبشكل محدد، فإن المسألة من منظور الشهيد الصدر في هذا المحور من حديث الرفع هي كالتالي:

هل يوجد عقلاً قدر جامع ومشترك بين الشبهة الحكمية والموضوعية؟

هل توجد قرينة تدل على اختصاص دلالة حديث الرفع بإحدى الشبهتين؟

أجاب الشهيد الصدر على السؤال الأول، مثل معظم الأصوليين المعاصرين، جاعلاً آراء الآخوند الخراساني محوراً. فمن وجهة نظر الآخوند، يمكن تصور جامع بين كلتا الشبهتين، ولكن نظراً لاختلاف طبيعتهما، لا يمكن أن يكون إسناد الرفع إليهما متماثلاً. من هنا، تنتفي إمكانية دلالة حديث الرفع على البراءة في عموم الشبهات، ويجب اختيار إحداهما. وقد قيّم الشهيد الصدر عدة حلول في هذا الصدد، ولكنه في النهاية رأى أن حل المسألة يكمن في مجازية الإسناد؛ أي أن الرفع لم يُسند إلى الأشياء التسعة نفسها في الحديث على نحو حقيقي، بل هو مجازي؛ لا فرق في أن يكون المرفوع حكماً أو موضوعاً. على أي حال، بعد إمكان تصور الجامع بين الشبهات، تأتي النوبة إلى سؤال دلالة حديث الرفع، والذي يبدو من وجهة نظر الشهيد أن الجواب عليه إيجابي على القاعدة؛ أي بالنظر إلى سعة الدال والمدلول، الأصل هو أن الحديث استُعمل في معناه العام. وأي ادعاء آخر غير هذا، يهدف إلى حصر مدلوله في الشبهة الحكمية أو الموضوعية، يحتاج إلى قرينة ودليل. وبشهادة التراث الذي خلّفه ذلك الشهيد السعيد في العلوم الإسلامية، وخاصة علم الأصول، كان له باع في تنظيم وترتيب وتحليل المسائل، ونقد دقيق وابتكارات بنّاءة. من هنا، حظيت آثاره وآراؤه العلمية باهتمام كبير في الحوزات والمراكز البحثية في وقت مبكر، ولاقى بعضها قبولاً واسعاً في مستوى المتون الدراسية. لذلك، فإن دراسة هذا الموضوع في فكر الشهيد الصدر هي في الواقع نظرة حالة إلى مستوى ونوعية الاجتهاد الشيعي في مرحلة تطور خاصة.

دراسة مفهوم المفردات

1. حديث الرفع

حديث الرفع هو عنوان مشهور لرواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وردت ببعض الاختلافات الطفيفة في التعابير وباختلاف في عدد مصاديق الرفع (أحياناً بلفظ «وضع» أو «موضوع» بدلاً من «رفع»)، في معظم المصادر والمجامع المعتبرة المتقدمة والمتأخرة لدى الشيعة، نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلام، وفي مورد واحد نقلاً عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله. مضمون الحديث الأولي والإجمالي، بالنظر إلى أكمل صوره في الخصال وتوحيد الصدوق، يدل على رفع تسعة أشياء عن المسلمين: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ الْخَطَأُ وَ النِّسْيانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لاَ يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يَطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ الْحَسَدُ وَ الطَّيرَةُ وَ التَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْوَةِ مَا لَمْ يَنْطِقُوا بِشَفَة» (وسائل الشيعة 1409: 15/ 369)؛ قال الإمام الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رُفع عن أمة المسلمين تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما يضطرون إليه، وما يُكرهون عليه، والتطير، والوسوسة في الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد. كان محور النقاشات الرئيس بين الأصوليين الإمامية متركزاً على فقرة «ما لا يعلمون»، ولكن لدى الأصوليين من أهل السنة أيضاً رواية بعنوان حديث الرفع تتوافق مع الفقرات الثلاث الأولى من رواية الرفع الشيعية، وقد بحثوها من الناحية الدلالية من حيث الإجمال والبيان في مباحث الألفاظ. (انظر: الآمدي، 1402: 1/ 459)

1-1. مفهوم الرفع

المراد من الرفع في اللغة هو إزالة شيء ودفعه ومنعه. (ابن فارس، 2008: 341 و 395) بناءً على ذلك، لا يمكن القول إن شيئاً قد رُفع ما لم يكن موجوداً. وفقاً لهذا المفهوم، كيف نُسب الرفع إلى أمور لم تثبت في الشرع، وبعضها على الأقل، مثل الحكم المشكوك، لم يصل إلى مرحلة الفعلية؟ المفروض أن حديث الرفع، وبشكل عام جريان البراءة، لا يرفعان الحكم من الواقع، ويقتصر تطبيقهما في البراءة من الاحتياط بالنسبة للحكم المشكوك على الظاهر وشروط جهل المكلف؛ لذلك، لا يحتاج الحكم المشكوك إلى رفع وامتنان. نعم، يمكن للشارع أن يمنع أثره.

حلّ المرحوم النائيني هذه المشكلة بتقليص معنى الرفع والدفع إلى مفهوم واحد؛ فبرأيه، الرفع والدفع يعنيان في الواقع منع استمرار أثر المقتضي في الأزمنة اللاحقة؛ لا فرق في أن يكون الأثر قد وصل إلى مرحلة الفعلية أو توقف عند حد المقتضي: «إن الرفع في الحقيقة يمنع ويدفع المقتضى عن التأثير في الزمان اللاحق أو المرتبة اللاحقة لأن بقاء الشيء كحدوثه يحتاج إلى علة البقاء و إفاضة الوجود عليه من المبدأ الفياض في كل آن، فالرفع في مرتبة وروده على الشيء إنّما يكون دفعا حقيقة باعتبار علة البقاء و إن كان رفعا باعتبار الوجود السابق، فاستعمال «الرفع» في مقام «الدفع» لا يحتاج إلى علاقة المجاز.» (النائيني، 1376: 3/ 337). أقصى ما يلزم ويصحح استعمال الدفع والرفع هو ثبوت شيء في حد الوجود أو كونه جزءاً من علته، وبدون ذلك يكون استخدام هذين اللفظين بلا معنى، ولكن صدق الرفع ليس مشروطاً بوجود سابق بل هو مشروط بالمقتضي. قد يكون تحليل مفهوم الرفع والدفع بناءً على التأثير الواحد الذي له في المقتضي صحيحاً من الناحية الفلسفية والتحليل العقلي، ولكن كما انتقد المرحوم الخوئي، فإن طبيعة هذا الحوار عرفية، ومن المحتمل أن يفرق العرف بين المقتضي الذي وصل إلى الفعلية وذلك الذي توقف عند حد المقتضي، فيرى فرقاً بينهما: «لأن احتياج الممكن إلى المؤثر حدوثاً وبقاء، وكون إعدام الشيء الموجود أيضاً منعاً عن تأثير المقتضى لا يستلزم اتحاد مفهوم الرفع و الدفع لغة، لإمكان ان يكون الرفع موضوعاً لخصوص المنع عن تأثير المقتضى بقاء، بعد فرض وجود المقتضى و حدوثه، و الدفع موضوعاً للمنع عن التأثير حدوثاً.» (الخوئي، 1420: 2/ 264). وبتعبير المرحوم الأصفهاني: «إن صدق عنوان الرافع و الدافع منوط به وجود الأثر في الأول و عدمه في الثاني.» (الأصفهاني، 1429: 4/ 38). ونتيجة لذلك، ليس للرفع والدفع مفهوم واحد، والمراد من الرفع في الحديث إما هو الرفع الحقيقي باعتبار ثبوت بعض هذه الأحكام في الشرائع السابقة، أو أنه بمعنى الدفع؛ لأنه في الواقع، منع الشارع فعلية الإلزام المجهول في قالب الاحتياط، وامتن على أمة الإسلام بذلك: «و بحسب اللب حيث إن إعدام الحكم الواقعى المجهول غير معقول، فهو دافع لفعليته مع وجود المقتضى لجعله فعليا بايصاله بجعل الاحتياط.» (الأصفهاني، 1429: 4/ 37). أما هذا الاستعمال فليس مجازياً أيضاً، بل في مرحلة الاستعمال والإسناد الكلامي، تُعتبر المرفوعات المذكورة في الحديث مفروضة الوجود اعتباراً، ونُسب الرفع إليها، ومن المسلّم أنه لا يلزم لصحة الإسناد الحقيقي في الكلام أكثر من ذلك. (الإمام الخميني، 1423: 3/ 35)

1-2. سند حديث الرفع

على الرغم من أن حديث الرفع مشهور ويُعتبر من حيث السند معتبراً وصحيحاً، إلا أن الشهيد الصدر يشكك في صحة نص «ما لا يعلمون»؛ لأن المرحوم الصدوق نقله في الخصال والتوحيد بسند «أحمد بن محمد يحيى العطار»، وهو لم يوثَّق.[1] كذلك، نقل المرحوم صاحب الوسائل رواية من كتاب نوادر أحمد بن محمد بن عيسى بسند إسماعيل الجعفي، تشمل ست فقرات ومنها «ما لا يعلمون»، ولكن إسماعيل الجعفي نفسه فيه إشكال، وإن كان طريق صاحب الوسائل إلى كتاب النوادر هو نفس طريق الشيخ الطوسي وكلاهما صحيح.[2] بناءً على ذلك، فإن الشهيد الصدر من الفقهاء القلائل الذين درسوا سند حديث الرفع بالتفصيل وتوصلوا إلى نتيجة مختلفة جداً عن أسلافهم وأصروا عليها.

2. الشبهة الحكمية

الشبهة الحكمية هي الموضع الذي يكون فيه الحكم الشرعي الكلي متردداً بين أحد الأحكام التكليفية الخمسة. يُطلق على التردد بين الوجوب وغير الحرمة «شبهة وجوبية»، وبين الحرمة وغير الوجوب «شبهة تحريمية». كما لو كان الحكم متردداً بين الوجوب والحرمة، فيُسمى «الدوران بين المحذورين». مقابل الشبهة الحكمية، توجد الشبهة الموضوعية.

منشأ الشك في هذا النوع من الشبهات إما عدم وجود نص، أو إجماله، أو تعارض النصوص. وبسبب تعلق الشك بالحكم الشرعي، سُميت بالشبهة الحكمية، ورفعها منوط بالشارع الذي يمكنه إنهاء هذا الوضع بجعل حكم أو بتوضيح المراد. (الشاهرودي، 1382: 4/ 465؛ المشكيني، 1374: 147)

3. الشبهة الموضوعية

الشبهة الموضوعية هي الشك في الحكم الشرعي الجزئي لموضوع ما، ومنشؤه الاشتباه في الأمور الخارجية؛ كأن يشك المكلف في أن السائل الموجود هو خمر أم خل، بينما يعرف مفهوم الخمر والخل وأحكامهما، ولكنه يشك في هذا السائل الموجود ولا يعرف أي مصداق هو. أو كأن يعرف المكلف الحكم الكلي لموضوع الخمر، أي يعلم أن شرب الخمر حرام، ولكنه يشك فيما إذا كان الخمر الموجود في هذا الإناء قد تحول إلى خل ليصبح طاهراً، أم لا يزال خمراً فيكون نجساً وحراماً. بناءً على ذلك، في الشبهة الموضوعية، يكون الشك إما في الموضوع الخارجي أو في الحكم الجزئي للموضوع الخارجي. (مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، 1389: 503)

المتغيرات الدلالية لحديث الرفع

كما أُشير، رُفعت عن المسلمين تسعة أشياء في متن حديث الرفع: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ الْخَطَأُ وَ النَّسْيانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يطيقون» (الحر العاملي، 1409: 15/ 369). بناءً على ذلك، فإن أحد تلك الموارد التسعة في هذا الحديث هو عنوان «ما لا يعلمون»؛ أي ما لا يعلمه المسلمون قد رُفع عنهم، كما رُفعت عنهم الأفعال الناتجة عن الخطأ والنسيان والإجبار والأمور الحرجية. اصطلاحاً، موضع الشاهد في مسألة البراءة هو هذه الفقرة من الحديث ولا علاقة لها بالفقرات الأخرى، ومن هنا، فإن السؤال الأساسي هو: ما هو الشيء الذي رُفع عن المسلمين تحت عنوان «ما لا يعلمون»؟ ينبع هذا السؤال من إبهام «ما» الموصولة التي تبدو ظاهراً مترددة بين ثلاثة احتمالات:

  1. خصوص الموضوع؛
  2. أو خصوص الحكم؛
  3. أو الأعم منهما…

«وكيف كان لا إشكال في توقف إرادته [المعنى الثالث] على تكلّف بعید و تمحل بارد فلا يحمل اللفظ عليه فبنى الاستدلال على إرادة المعنى الثاني فيدور الأمر بينه و بين المعنى الأول و الذي يقرّبه و يبعد المعنى الثاني أمور …» (الآشتياني، 1429: 4/ 257). بالطبع، هذه النتيجة هي رأي شخصي لشارح فرائد الأصول المعروف، المرحوم الآشتياني؛ أي أن خروج استعمال الموصول في الأعم من الحكم والموضوع من دائرة الاحتمالات ليس أمراً مسلّماً وقطعياً إلى هذا الحد بحيث يكون اختياره مستلزماً لتكلف بعيد وتحميل خارج عن بنية الكلام. ولهذا السبب، فإن البعض مثل المرحوم الفيروزآبادي، الشارح المعروف لأثر كبير آخر في علم الأصول، على عكسه، يرى أن استعمال الموصول في هذا الاحتمال الثالث هو المتعين: «و الظاهر أن الاحتمال الثالث هو المتعين من بين الاحتمالات.» (الفيروزآبادي، 1400: 4/ 24). هذه الاستنباطات المتناقضة ترسم على الأقل محاور ونطاق الحوارات حول دلالة حديث الرفع، وتُظهر على أي نقطة يجب التركيز لاستظهار التعميم والتخصيص من هذا الحديث وحلها.

دراسة إمكانية دلالة حديث الرفع على العموم

من بين المحاور التي كانت موضع نقاش في دلالة حديث الرفع على البراءة، رفع عموم الشبهات. بناءً على ترتيب الشهيد الصدر، هذا هو المحور الثاني الذي يجب دراسته في دلالة الحديث. برأيه، إثبات عمومية دلالته متوقف على إثبات أمرين: 1. إمكان وجود عنصر مشترك بين الشبهة الحكمية والموضوعية؛ 2. عدم وجود قرينة تدل على اختصاص دلالته بإحدى الشبهات. إن التمييز بين مقامي الثبوت والإثبات من خصائص المنهج الدراسي للشهيد السعيد، حيث يفصل بينهما بوضوح. بالطبع، محتواه منعكس في فكر الأصوليين، على الأقل من عهد الشيخ الأنصاري فصاعداً، في آثارهم. على أي حال، المسألة في مقام الثبوت هي أن المشكوك أو غير المعلوم في الشبهات الحكمية هو الحكم، وهذا يختلف عن المشكوك في الشبهات الموضوعية حيث يعرف المكلف الحكم الكلي ولكنه يشك في الموضوع الخارجي. من هنا، بُذلت جهود للبحث عن عنصر جامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية وتحديده ليغطيهما كليهما. من الواضح أنه إذا انتفت إمكانية وجود مثل هذا العنصر المشترك بين الشبهات، فإن إمكانية رفع ودلالة فقرة مثل «ما لا يعلمون» على كلا نوعي الشبهة بشكل عام ستنتفي.

في البحث عن عنصر مشترك بين الشبهات

كما قرّر الشهيد الصدر استدلال الآخوند الخراساني، فإن تصور وجه مشترك أو ما يُصطلح عليه بالقدر الجامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية ممكن تماماً: الشبهة الحكمية والموضوعية، على الرغم من اختلافهما من حيث منشأ الشك، إلا أنهما في كلتا الحالتين مصداق للشيء. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن «ما» التي هي أداة موصولة في فقرة «ما لا يعلمون» من حديث الرفع، استُعملت في مدلولها نفسه الذي يساوق الشيء، ومعناها هو رفع الشيء غير المعلوم. بناءً على ذلك، من الناحية الثبوتية، كلا نوعي الشبهة هما شيء غير معلوم، ويمكن أن يكونا مشمولين لدليل الرفع. (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 42). بالطبع، وفقاً لنص كفاية الأصول، فإن استدلال الآخوند مبني على عمومية عنوان «ما لا يعلمون» الذي يشمل الشبهتين الحكمية والموضوعية معاً؛ لأنه في كلتا الحالتين، يكون الحكم غير معلوم ومشكوكاً فيه، وبناءً على هذا الحديث، قد رُفع: «فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا و إن كان في غيره لا بد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه فإنه ليس ما اضطروا و ما استكرهوا إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة.» (آخوند الخراساني، 1417: 340). بناءً على ذلك، من الناحية الثبوتية، فإن الشبهة الحكمية والموضوعية، إما بسبب الاشتراك في الشيئية أو بسبب انطباق عنوان «ما لا يعلم»، مشمولتان بحديث الرفع. ونتيجة لذلك، كلاهما قابل للرفع شرعاً كما هما قابلان للوضع شرعاً. على هذا الأساس، لا حاجة لتقدير «المؤاخذة» حتى نستنتج مثل الشيخ أن المرفوع هو الفعل حتماً ومختص بالشبهة الموضوعية؛ لأن المؤاخذة على الحكم لا معنى لها بل هي في مقابل الفعل. (الشيخ الأنصاري، 1416: 2/ 428). يرى الآخوند أن التقدير يكون ضرورياً فقط إذا واجه إسناد الرفع ظاهراً مشكلة، وبالنظر إلى أن الحكم يوضع من قبل الشارع، فيمكن رفعه من قبل الشارع أيضاً، ومن هنا، لا توجد مشكلة تستدعي تقدير المؤاخذة أو الآثار لتصحيح نسبة الرفع. بالطبع، بالنسبة للفقرات الأخرى، سنكون مضطرين للتقدير، ولكن فيما يتعلق بـ«ما لا يعلمون»، لا نشعر بضرورة للتقدير. إذن، في كلتا الحالتين، المشكوك وغير المعلوم هو الحكم، وأقصى اختلاف بينهما يكمن في منشأ الشك، وهذا لا يمكن أن يلقي بظلاله على أصل المشكوك والمجهول الذي هو الحكم ويجعلهما مختلفين. بناءً على ذلك، من «ما» الموصولة في فقرات الحديث، أُريد التكليف: «و هو إرادة التكليف المجهول مطلقا سواء كان سبب الجهل به فقد النص أو إجماله أو تعارض النصين أو الأمور الخارجية، فالمراد من الموصول خصوص التكليف مع التعميم من حيث أسباب الجهل به.» (الأصفهاني، 1429: 2/ 435). ونتيجة لذلك، فإن المشكوك في الشبهة الحكمية والموضوعية هو التكليف المطلق، وبناءً عليه يمكن أن يكون كلاهما مدلولاً لدليل واحد، على الرغم من اختلاف أسباب الشك في كلتا الحالتين؛ ففي الحالة الأولى، منشأ الشك والجهل بالحكم هو عدم وصوله إلى المكلف بسبب فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين، أما في الشبهة الموضوعية، فالأمر يعود إلى أمور خارجية. النقطة الجديرة بالاهتمام في تقرير استدلال الآخوند من قبل الشهيد الصدر هي التركيز على شيئية الشبهات، والتي تم إبرازها والتركيز عليها في مقام البحث عن القدر الجامع بينهما. وكما ورد في تقرير دروسه الشريفة، فإن استدلال الآخوند مبني على محور الشيئية في الشبهات؛ من هذا المنظور، فإن الشبهات، سواء كانت حكمية أم موضوعية، داخلة في مفهوم الشيء، ومن هذه الجهة يمكن أن تكون مشمولة بحديث الرفع؛ لأن «ما» الموصولة في فقرة «ما لا يعلمون» استُعملت بمعنى موضوعها له؛ أي «الشيء».

لا شك في أن «الشيء» يصدق على كلتا الشبهتين، ولكن هذا ليس وجه الاشتراك الوحيد بينهما، بل إن جميع موجودات العالم هي «شيء»، وبهذا تشترك مع بعضها البعض. والشارع في مقام الامتنان، الذي هو بطبيعته ناظر إلى دائرة اختياراته وتشريعاته، لا يمكنه أن يصدر حكماً بهذا القدر من الإبهام والكلية. بناءً على ذلك، وكما قرر المرحوم الأصفهاني أو الخوئي، فقد زال إبهام الموصول بصلته، واستدلال الآخوند يتركز على البعد الحكمي للشبهات وما يرتبط بها. وقد طرح بعض الأصوليين بحق صلة الموصول كقرينة متصلة لرفع إبهام الموصول. (الروحاني، منتقى الأصول: 4/ 392). في جميع الموارد، تحد القرينة، وخاصة من النوع المتصل، ظهور ذي القرينة، ولا تترك له مجالاً للظهور في معناه الوضعي. بناءً على ذلك، إذا استُعملت الصلة بمعنى الحكم أو بمعنى أعم من الحكم والموضوع، فإن الموصول المستعمل يكون أيضاً في نفس الاتجاه لإزالة الإبهام والقرينية. أهم قرينة لتحديد نطاق دلالة الموصول هي، أولاً، الانتباه إلى دور الصلة في إزالة الإبهام عن الموصول؛ أي ليس الأمر أن الموصول يبقى دائماً على إبهامه، بل تتم إزالة إبهامه بواسطة الصلة ويصبح المراد منه شفافاً. ثانياً، الامتنان في جهة صدور الحديث وتقييده بدائرة التشريعات؛ أي أن الشارع في دائرة الاختيارات والأمور التشريعية قد أقدم على الرفع، ولا يُتوقع منه أكثر من ذلك. وثالثاً، إضافة إلى كل ذلك، بناءً على استدلال الآخوند في الكفاية، فإن إسناد الرفع إلى «ما لا يعلم» هو الأساس.

الانتقادات والحلول

رأى غالبية الأصوليين، ومنهم كما مر الشهيد الصدر، أن تحليل الآخوند له أهمية في دراسة إمكانية دلالة حديث الرفع على عموم جريان البراءة في الشبهات، وجعلوه أساساً. كذلك، في مقام النقد، جعلوا رأي الآخوند محوراً، وأعادوا صياغة هذا البيان منه في نقد الاستدلال السابق على النحو التالي:

إذا اتُخذ الموصول بمعنى الشيء والجامع بين التكليف والموضوع الخارجي، فإنه سيستلزم إسناداً مزدوجاً ومتضاداً في الكلام؛ لأن إسناد الرفع إلى الحكم حقيقي؛ أي يمكن للشارع أن يرفع الحكم ويزيله حقيقةً، أما إسناده إلى الموضوع الخارجي فسيكون مجازياً؛ لأن الموضوع الخارجي والتكويني ليس قابلاً للرفع حقيقةً حتى يرفعه الشارع وينفيه من موقعه كشارع. ونتيجة لذلك، فإن الجمع بين هذين النوعين من الإسناد في استعمال واحد أمر غير معقول.[3] (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 342). بناءً على هذا التحليل، فإن حقيقة الشك في الحكم والموضوع الخارجي مختلفة تماماً، ومن هذه الجهة، لا يمكن استعمال «ما» في الجامع بينهما، بل في الواقع لا يوجد جامع بينهما. ومن هنا، نظراً لأن الإسناد إلى كلتا الشبهتين ليس معقولاً، فإن إسناد الرفع إما أن يكون إلى الحكم أو إلى الموضوع الخارجي. ونتيجة لذلك، ينتفي تصور الجامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية، ولا يمكن لكليهما أن يكونا مشمولين بحديث الرفع. بالطبع، الجمع بين عدة أنواع من الإسناد في كلام واحد لا إشكال فيه، ولكن جمع عدة إسنادات في كلمة واحدة وباستعمال واحد غير معقول، وظاهراً فإن الرفع في الحديث نُسب بإسناد واحد إلى الأمور التسعة. في النهاية، إذا نُسب الرفع إلى جميع الأمور التسعة، وكان المراد منه لأي سبب كان هو الفعل والموضوع الخارجي، فسيكون الإسناد مجازياً ولن يشمل الحكم. (الخوئي، 1420: 2/ 260). وكما قرّر الشهيد الصدر، فإن الآخوند نفسه قد طرح هذا النقد على استدلاله، وبهذا قد تحدّى المدافعين عن جريان البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية بناءً على حديث الرفع. وعلى هذا الأساس، حاول بعض الأصوليين الدفاع عن استدلال الآخوند الأول القائم على إمكانية وجود قدر جامع بين الشبهات. وقد بيّن الشهيد الصدر بعض هذه الدفاعات، ونقدها أحياناً:

1. إمكان تعدد الإسناد في الاعتباريات

من بين الأصوليين الذين أجابوا على تحدي الإسناد المزدوج في استعمال واحد، المرحوم الأصفهاني؛ فبرأيه، لا إشكال في تعدد الإسناد الحقيقي والمجازي في استعمال واحد؛ لأن التقابل بين الحقيقة والمجاز ليس كتقابل المتضادين كالسواد والبياض حتى لا يمكن اجتماعهما في مورد واحد، بل اختلافهما اعتباري، ومن هنا يمكن في إسناد واحد اعتبارهما كليهما من حيثية مغايرة للحيثية الأخرى. إذن، إسناد الرفع في الحديث إلى الشيء باعتبار انطباقه على الحكم حقيقي، وباعتبار انطباقه على الموضوع الخارجي، مجازي: «فأن الحاجة إلى الاسناد الجامع بين الاسنادين إنما تثبت إذا كان اتصاف الاسناد الواحد – بكونه إلى ما هو له، و إلى غير ما هو له – من باب اتصاف الواحد بوصفين متقابلين، و هو محال، فلا بد من تعقل إسناد جامع، و هو أيضا محال، لعدم خروج الطرف عن كونه ما هو له، أو غير ما هو له، وإلا فلا إسناد. مع أن اتصاف الاسناد الواحد بوصفين متقابلين – إذا كانا اعتباريين- معقول، لتعقل اعتبارين في واحد، بلحاظ كل منهما له اعتبار مغاير لاعتبار آخر.» (الأصفهاني، 1429: 4/ 49-50). كما يُلاحظ، من وجهة نظر الأصفهاني، فإن إسناد الرفع إلى «الشيء» (الموصول) واحد، ولكن هذا الشيء نفسه، من حيث انطباقه في الخارج على كل من الحكم والموضوع الخارجي، يتشعب ويتصف بالحقيقة والمجاز، وهذا صحيح تماماً؛ فاتصاف الإسناد بهذين الوصفين الاعتباريين ليس كاتصاف الجسم بالسواد والبياض المتضادين وغير القابلين للجمع في جسم واحد، بل هو اتصاف بوصفين اعتباريين. هذا النوع من التحليل، كما أوضح الشهيد الصدر، قد حوّل المشكلة من مرحلة الإسناد إلى مرحلة الانطباق، وبالطبع ليس هذا حلاً للمسألة. إن تحدي تعدد الإسناد يكمن في مرحلة الاستعمال والإسناد الكلامي. في هذه المرحلة، تكون قدرة الإسناد من حيث الأداة الكلامية محدودة، ولا يمكن تفعيل عدة إسنادات باستعمال هيئة ونسبة كلامية واحدة. بناءً على ذلك، في هذه المرحلة، إما أن يكون الاستعمال حقيقياً أو مجازياً، وكلاهما معاً ليس معقولاً وممكناً للمتكلم؛ لأن إسناد الحكم إسناد حقيقي، وإسناد الموضوع إسناد مجازي، ولا يوجد جامع بينهما. ونتيجة لذلك، إذا أُسند الرفع إلى الحكم، فمن المستحيل أن يكون للموصول إطلاق بالنسبة لغير الحكم، والعكس صحيح. (الشهيد الصدر، 1426ق: 5/ 42-43)

2. إسناد الرفع إلى عموم التكليف

حلّ البعض، مثل المرحوم العراقي، مشكلة تعدد الإسناد عن طريق تعلق الرفع بالتكليف؛ بناءً على هذا الحل، لم يُنسب الرفع إلى «الشيء» حتى نواجه اجتماع وتعدد الإسنادات المختلفة، بل نُسب إلى «التكليف» كوحدة واحدة، والذي يكون أحياناً مشكوكاً فيه بشكل كلي، مثل الشك في حكم استعمال التبغ، وأحياناً بشكل جزئي، مثل الشك في حكم سائل معين مشتبه عنوانه بين الماء والخمر. على أي حال، في كلتا الحالتين، متعلق الشك والجهل هو الحكم، والرفع قد أُسند إليه بشكل حقيقي؛ لأن التكليف قابل للرفع حقيقةً كما هو قابل للوضع: «ان المراد من الموصول فيما لا يعلم هو مطلق الحكم الشرعى المجهول الجامع بين الشبهات الحكمية و الموضوعية، حيث لا فرق بينهما إلا ان منشأ الشك في الشبهات الحكمية فقد النص أو إجماله و في الشبهات الموضوعية الأمور الخارجية و لا يوجب ذلك فرقا بينهما في إضافة الرفع و اسناده إلى الموصول كما هو ظاهر.» (العراقي، 1417: 3/ 217). والمرحوم الخوئي أيضاً، في معرض الرد على اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية، طرح هذا الخيار: «شمول الحديث للشبهات الموضوعية لا يقتضى ارادة الفعل من الموصول بل يكفى ارادة الحكم منه با اعتبار أن مفاده حينئذ أن الحكم المجهول مرفوع؛ سواء كان سبب الجهل به عدم تمامية الحجة عليه من قبل المولى كما في الشبهات الحكمية أو الامور الخارجية كما فى الشبهات الموضوعية.» (الخوئي، 1420: 2/ 263). وكما أشار بعض مقرري درس أصول الشهيد الصدر، فإن أصل تصور الجامع تحت عنوان «التكليف» يعود إلى المرحوم الآخوند، وعلى أي حال، فإن تصوره يحل الإشكال على الأكثر بالنسبة لفقرة «ما لا يعلمون»، ولكن يبقى الإشكال بالنسبة لسائر الفقرات؛ لأن المراد من «ما لا يطيقون»، و«ما يضطر إليه»، وما شابهها هو الفعل الخارجي، وفي النهاية، لا تُحل معضلة تعدد الإسناد بناءً على تصور جامع مثل التكليف. (الحائري، 1408: 3/ 162؛ عبد الساتر، 1408: 11/ 107)

بالطبع، عدم تمامية هذا الجواب مبني على اعتبار ضرورة الحفاظ على السياق في حديث الرفع؛ أي بافتراض شمولية نظام كلي واحد لجميع فقرات الحديث، لا يمكن لجواب العراقي أن يحل معضلة تعدد الإسناد. من الواضح أنه إذا لم تُستشعر ضرورة للحفاظ على هذا النظام، فإن تحويل الإسنادات المتعددة في «ما لا يعلمون» إلى التكليف يمكن أن يُعتبر حلاً، ولا ننتظر أكثر من ذلك لتصور جامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية.

3. مجازية الإسناد

كان التحدي الرئيس في شمول حديث الرفع للشبهات الحكمية والموضوعية، بناءً على رأي المرحوم الآخوند، هو الجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي في كلام واحد. يقبل الشهيد الصدر، بعد قبوله النسبي لحل المرحوم العراقي، حلاً خاصاً به يحل مشكلة تعدد الإسناد ويحافظ إلى حد ما على السياق الموجود بالنسبة للفقرات الأخرى. هذا الحل مبني على مجازية الإسناد بالنسبة لجميع الفقرات: إسناد الرفع في الحديث في جميع الأحوال مجازي؛ لأن الرفع الواقعي والحقيقي لا معنى له، وكل ما هو موجود هو رفع ظاهري يعتمد على المجاز والعناية؛ لا فرق في أن يكون منسوباً إلى الفعل والموضوع الخارجي أو إلى الحكم. بناءً على ذلك، استُعملت هيئة الكلام الواحد في إسناد مجازي، والمراد منه هو: رُفعت المشقات والتبعات المترتبة على «ما لا يعلمون»، «ما لا يطيقون» وما شابهها، وليس هي نفسها؛ لا فرق في أن يكون المجهول والمشكوك فيه أو الشيء الذي يفوق الطاقة حكماً أو موضوعاً وفعلاً خارجياً. (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 44). يمكن تحليل حل الشهيد على النحو التالي: أ) أن الرفع ليس رفعاً حقيقياً للتكليف الواقعى المشكوك، وحينئذ، إذا جمعنا في اسم الموصول الذي هو «ما»، في قوله: «رفع ما لا تعلمون»، بين التكليف و الموضوع، فإنه لا يلزم من ذلك الجمع في إسناد واحد بين الرفع الحقيقي، و المجازي. (عبدالساتر، 1408: 11/ 109) ب) رفع الأمور التسعة في الحديث هو بالضرورة ظاهري؛ أي بناءً على هذا الحديث، في ظرف الشك والجهل، ليس من اللازم الاحتياط بالنسبة للحكم المشكوك، على الرغم من أن الحكم نفسه موجود في الواقع ولم يُرفع. الالتزام بالرفع الواقعي يستلزم إقرار واختصاص أحكام الشرع بالعلماء، وكلاهما باطل بالضرورة في فقه وكلام الإمامية.[4] ج) الأمور التسعة في الحديث ليست قابلة للرفع، وفي الواقع نُسب الرفع إلى آثارها؛ أي المراد من رفع أشياء مثل «ما لا يعلمون»، «ما لا يطيقون»، وما ذُكر في الفقرات الأخرى، هو رفع الآثار المترتبة عليها؛ مثلاً، لا مسؤولية على المكلف تجاه الآثار المترتبة على الحكم المجهول أو الفعل الذي عنوانه مجهول بمقتضى هذا الحديث.[5] ونتيجة لذلك، من الناحية الثبوتية، يمكن تصور جامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية، وهو عنوان «الآثار المترتبة على الأشياء التسعة» التي ذُكرت في الحديث، وأحد مواردها هو الآثار المترتبة على «ما لا يعلمون»؛ وهذا العنوان ينطبق على كل من الحكم غير المعلوم والفعل والموضوع الخارجي المشتبه.

القرائن الإثباتية في حديث الرفع

كما ذُكر، درس الشهيد الصدر دلالة حديث الرفع على البراءة في جميع الشبهات من منظورين؛ المنظور الأول الذي مر في القسم السابق كان مبنياً على إمكانية دلالة الحديث على العموم. وقد سعى سماحته بشكل خاص إلى تتبع هذه المسألة لتحديد عنصر جامع بين الشبهات الحكمية والموضوعية يصدق على كلتا الشبهتين كجامع ولا يستلزم فساد تعدد الإسناد في كلام واحد. خلال هذه النقاشات، ثبت أن العنصر الجامع بين الشبهات هو «الآثار المترتبة عليها»؛ لا فرق في أن تكون الشبهة ناشئة من التردد في أصل الحكم الكلي أو الحكم الجزئي لموضوع وفعل مكلف معين، ولكن على أي حال، إذا ثبت وجه مشترك بينهما، تأتي النوبة للبحث في مقام الإثبات ومن القرائن الموجودة في الكلام؛ لأنه من المحتمل أن يكون الشارع في مقام البيان قد خصص الرفع بالشبهات الموضوعية أو الحكمية. وكما سنرى، ادعى البعض أن الآلية الموجودة في الحديث تدل على اختصاصه بأحد هذين النوعين من الشبهات.

مقتضى الأصل

أثار الشيخ الأنصاري أكثر من أي شخص آخر الشك في دلالة حديث الرفع على جريان البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية. كما بذل شراح أثره القيم جهداً عظيماً في هذا القسم لصياغة الأفكار والنقاط التي طرحها سماحته حول اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية تحت عدة أمور استدلالية. (الآشتياني، 1429: 4/ 257). من وجهة نظر الشهيد، الأصل بعد إمكان تصور الجامع بين كلتا الشبهتين هو إطلاق الموصول في فقرات حديث الرفع: «مقتضى الاصل اطلاق الموصول للشبهتين مع بعد أن تم تصوير الجامع في الجهة السابقة، فلا بد لمدعى التقييد من ابراز مقيّد.» (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 44). بالنظر إلى أنه أولاً، يمكن تصور جامع بين الشبهات، وثانياً، موضوع له الموصول عام أيضاً، على القاعدة يجب أن يكون الموصول قد استُعمل في معناه العام الذي هو الجامع نفسه؛ أي بمقتضى أصالة الحقيقة، يُستعمل اللفظ في معناه الحقيقي. بناءً على ذلك، أي تخمين أو ادعاء يخالف هذا المعنى يحتاج إلى دليل وقرينة.

قرائن خلاف الأصل

كما أشار الشهيد الصدر، سلك مدعو القرينة خلاف الأصل طريقين متقابلين تماماً؛ أي أن بعضهم أذعن باختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية، وبعضهم على عكسهم تحدث عن اختصاص الحديث بالشبهات الحكمية. على أي حال، كل منهم من منظوره أنكر عموميته.

وحدة السياق

ربما كان المرحوم الشيخ الأنصاري أول من طرح قرينية وحدة السياق وتأثيرها في ظهور حديث الرفع؛ فبرأيه، الموصول في «ما لا يعلمون» له ظهور في الشبهات الموضوعية؛ لأنه في الفقرات الأخرى لم يُستعمل إلا بهذا المعنى: «أن الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون» – بقرينة أخواتها – هو الموضوع، أعنى فعل المكلّف الغير المعلوم، كالفعل الذي لا يعلم أنه شرب الخمر أو شرب الخلّ وغير ذلك من الشبهات الموضوعية، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم.» (الشيخ الأنصاري، 1416: 2/ 428). كما يُلاحظ، من وجهة نظر الشيخ، ظهور الموصول في الفقرات الأخرى على «الفعل» هو قرينة على أن المراد منه في «ما لا يعلمون» يجب أن يكون الفعل أيضاً. وبتعبير الشهيد الصدر، وحدة ظهور الموصول في فقرات الحديث الثمانية في الموضوع الخارجي توجب حمل الموصول في «ما لا يعلمون» على الفعل أيضاً: «فبظهور السياق في وحدة المراد يحمل الموصول فى ما لا يعلمون، على الفعل.» (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 44). بالطبع، الشيخ نفسه لا يذكر وحدة السياق ومقتضاها، ولكن معظم الأصوليين بعد الشيخ أطلقوا على هذا النحو من الاستدلال تمسكاً بالسياق، وقد ارتقى به الشهيد الصدر إلى مرتبة القرينة الداخلية للكلام، وذكره بهذا العنوان. على أي حال، بناءً على هذا التحليل، فإن وحدة النظام الحاكم على كلام واحد تقتضي أن تُفهم «ما» الموصولة في جميع الفقرات بشكل متناسق، وكما أن المراد من «ما» في الفقرات السابقة هو «الفعل الذي لا يطيقون»، «الفعل الذي يكرهون عليه»، و«الفعل الذي يضطرون إليه»، فإن المراد منها في «ما لا يعلمون» هو الفعل الذي يكون حكمه مشكوكاً فيه، ولا يمكن أن يُفهم بمعنى مختلف. وبما أن هذه الظواهر تكوينية، فمن المعلوم أن المراد من رفعها هو رفع الآثار المترتبة عليها؛ لأنه بخلاف ذلك، فإن نسبة الرفع إلى المؤاخذة غير معقولة، ولا يمكن الالتزام بأن المؤاخذة على التكليف المجهول قد رُفعت؛ فالإنسان ليس لديه تكليف تجاه الحكم المجهول حتى تُرفع مؤاخذته. ونتيجة لذلك، بناءً على إلزاميات دلالة الاقتضاء، فإن ما رُفع هو جميع الآثار المترتبة على الفعل المشكوك، وهذا هو أقرب الاحتمالات إلى المعنى الحقيقي؛ أي إذا لم يمكن حمل الرفع على معناه الحقيقي بسبب المحذورات، فيجب تفسيره على المحمل الأقرب إلى الحقيقة: «أن المقدّر في الرواية – باعتبار دلالة الاقتضاء – يحتمل أن يكون جميع الآثار في كل واحد من التسعة، وهو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقى.» (الشيخ الأنصاري، 1416: 2/ 428).

تحليل وحدة السياق في حديث الرفع

للاستظهار وتفسير النص أصول وقواعد معروفة، وسياق الكلام ظاهراً ليس واحداً منها. بالإضافة إلى ذلك، لم يُذكر له تعريف اصطلاحي في المصادر الأصولية، وجميع الحوارات حوله في علم الأصول ترتبط بشكل جدي بتفسير هذا الحديث الشريف نفسه. من بين الأصوليين، ذكره المرحوم العراقي والشهيد الصدر كقرينة. (العراقي، 1417ق: 3/ 216؛ الشهيد الصدر، 1426: 5/ 44). على هذا الأساس، كما أن بعض القرائن تؤدي إلى تغيير مراد اللفظ، فإن النظام الحاكم على وحدة كلامية واحدة يمكن أن يكون محدداً في انعقاد ظهور جديد. جميع الأصوليين الذين دافعوا عن دلالة الحديث العامة على الرفع، افترضوا اعتبار السياق وضرورة الحفاظ عليه هنا، وحاولوا إقامة تعامل بين عموم «ما» في العموم مع السياق. بناءً على ذلك، يجب أن تكون لدينا هذه الذهنية مسبقاً بأن منتقدي استدلال الشيخ لم ينكروا ضرورة الحفاظ على السياق، بل وجهوه:

1. الشهيد الصدر

الاختلاف الذي يُتصور بين لفظين أو دال واحد في سياق واحد، يجب أن يكون في أحد هذه المستويات الثلاثة: 1. المدلول الاستعمالي: مثلاً، في جملة: «زر الإمام وصلِّ خلف الإمام»؛ زُر الإمام وصلِّ خلف الإمام. تكرر لفظ «الإمام» ولكنه استُعمل في معنيين مختلفين وخلافاً للسياق؛ أي المراد منه في الجملة الأولى هو الإمام المعصوم، وفي الجملة الثانية هو إمام الجماعة. 2. المدلول الجدي في تعبير: «أكرم العلماء وقلّد العلماء»؛ أكرم العلماء وقلّد العلماء. يتضح المراد الجدي للمتكلم بناءً على قرائن خارجية أنه لم يرد معنى واحداً من «العلماء»، بل مراده من العلماء الذين يجب تقليدهم هم العلماء العدول وبشروط خاصة، أما مراده الجدي من العلماء في «أكرم العلماء» فهو الإطلاق. 3. المصداق الخارجي: مثلاً، قيل: «لا تغصب ما تأكله ولا تغصب ما تلبسه»؛ لا تغصب ما تأكله ولا ما تلبسه. في هذا المثال، المراد الاستعمالي والجدي من الغصب واحد، ولكن المصداق الخارجي للمغصوبات مختلف. المخالفة للسياق منوطة بالاختلاف في الدلالة الاستعمالية للفظ، وإذا كان للفظ المكرر في هذا المستوى مدلول واحد، فإن السياق محفوظ، ولا يلزم لوحدة السياق تناسق أكثر من ذلك. بناءً على ذلك، مدلول «ما» الاستعمالي في حديث الرفع في جميع الفقرات لا يختلف، بل في جميع تلك الموارد استُعمل في مفهوم «الشيء»، والاختلاف يتعلق بمصداق الانطباق في الخارج؛ لأن في بحث الألفاظ والظهورات ثبت أن القرينة على المراد الجدي، حتى من النوع المتصل، لا تُحدث خللاً في الظهور الاستعمالي. (الشهيد الصدر، 1415: 2/ 183). ونتيجة لذلك، فإن انطباق حديث الرفع على رفع التكليف والموضوع في «ما لا يعلمون» لا يخل بسياق الكلام؛ لأن «ما» في فقرات الخطأ والنسيان والاضطرار والإكراه استُعملت أيضاً بمعنى «الشيء» وهو واحد، وما يختلف هو مصاديقها، وهذا لا علاقة له بالدلالة الاستعمالية ولا حتى الجدية ليخل بسياق الكلام. (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 44-45). وبهذا المضمون، وجّه أصوليون آخرون مثل المرحوم الخوئي وحدة السياق في حديث الرفع، على فرض دلالته على عموم الشبهات، من قبل: الموصول مثل «ما» من المبهمات التي تُعرّف بصلتها، ومن هنا، في حديث الرفع، كأن الإمام عليه السلام قال: «رُفع الشيء الذي لا يُعلم»، «الشيء الذي لا يُطاق»، «الشيء المضطر إليه» وما شابه. بناءً على ذلك، استُعمل الموصول في جميع الفقرات بمعناه نفسه، ولكن «الشيء المضطر إليه» في الخارج لا ينطبق إلا على الأفعال الخارجية، وكذلك الشيء المكره عليه، أما الشيء المجهول، خلافاً لهما، فينطبق على الموضوع والحكم معاً. إذا كان هناك اختلاف، فهو في معنى الصلة، وهذا الاختلاف لا يوجب اختلافاً في المستعمل فيه لأداة الموصول. (الخوئي، 1429: 2/ 460). المفروض عند المرحوم الخوئي والشهيد الصدر والأصوليين الآخرين الذين وجّهوا وحدة السياق في الحديث على أساس وحدة المستعمل فيه للموصول هو عدم إخلال القرينة بالظهور التصوري للفظ؛ أي حتى لو ذُكرت قرينة من النوع المتصل في الكلام، فإنها لا توجب تصرفاً في الظهور الوضعي والتصوري للكلمة. بناءً على ذلك، إذا خُدش هذا المبدأ وشُكك في صحته، فإن هذا الجواب لا يمكنه الدفاع عن وحدة سياق الحديث بناءً على اختلاف معاني صلة الموصول؛ لأن صلة الموصول لها دور لا يقل عن القرينة المتصلة في الكلام، وإذا كان معناها مختلفاً ومتقابلاً، فإن معنى الموصول سيُصادر في ذلك الاتجاه، ونتيجة لذلك سيختلف. واتفاقاً، انتقد المرحوم الروحاني من الأصوليين المعاصرين التوجيهات المذكورة بناءً على هذا المبدأ: مقتضى القرينة في الفقرات الأخرى من الحديث هو اختصاص الموصول بالشبهات الحكمية؛ لأن القرينة هنا ليست من النوع المنفصل حتى تخل بالظهور الاستعمالي للموصول في العموم، بل صلة الموصول من نوع القرينة المتصلة ولا تترك مجالاً لظهور الموصول في العموم. بناءً على ذلك، فإن ظهور الموصول في موضوعات مثل الأفعال الاضطرارية والإكراهية والحرجة يضيق دائرة شمول الموصول، كما أن قيد «العادل» في «أكرم العالم العادل» يضيق المراد الاستعمالي من «العالم» وأن المراد منه ليس مطلق العالم. بناءً على ذلك: «إذا ثبت ان المراد الاستعمالى من الموصول في سائر الفقرات هو خصوص الشيء الذي يقبل الاضطرار و غيره المساوق للفعل، فيكون الالتزام بكون المراد منه فيما لا يعلمون مطلق الشيء أعم مما يقبل الاضطرار و ما لا يقبله كالحكم منافيا للظهور السياقي.» (الروحاني، 1413: 4/ 392).

يبدو أن الإصرار على وحدة سياق حديث الرفع على أساس وحدة استعمال الموصول في «الشيء» المشترك بين الحكم والموضوع ليس مثمراً؛ لأنه بوجود قرينة متصلة في الكلام، يتقيد ظهور اللفظ من البداية ولا يُتصور له عموم، وهذا أحد الفروق بين المخصص المتصل والمنفصل. (آخوند الخراساني، 1426: 219). هذه النظرية تنطبق على القرينة أيضاً، بل إن المخصص نفسه هو من مصاديق القرينة، ووجه تقدمه على العام من منظور الشهيد الصدر يُحلل على أساس القرينية.[6][7]

2. آقا ضياء العراقي

قبل المرحوم العراقي قرينية السياق كما قررها المرحوم الشيخ، ولكنه يرى هذه القرينة في تعارض مع قرينة أخرى، وهي صدق عنوان «ما لا يعلمون» على الحكم المجهول بصورة حقيقية، ونسبته إلى الموضوع بالعناية والمجاز؛ ففي الشبهات الموضوعية، ليست ذات الموضوع مجهولة ومشتبهة، بل عنوانه هو المجهول. ومن هنا، يقدّم العرف التحفظ على الاستعمال الحقيقي على حفظ السياق ويرجحه، ونتيجة لذلك: «فتوصيف ذات الموضوع بالجهل يكون من باب توصيف الشيء بحال متعلّقه، فهذا غير مشمول لإطلاق الحديث، فإنّ الإطلاق إنّما يتكفّل شمول المفهوم لأفراده الحقيقية، لا لأفراده العنائية.» (الحائري، 1408: 3/ 168). بناءً على ذلك، وعلى عكس أمثال الشيخ الأنصاري الذين كانوا يرون اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية مقروناً بالسياق، فإن اختصاصه بالشبهات الحكمية مقرون بقرينة أقوى؛ أي أن قرينية استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أقوى من السياق. لا يرى الشهيد الصدر استدلال العراقي مقنعاً؛ أولاً، إذا كانت المسألة هي صدق الموصول، فإنه يصدق على «مجهول العنوان» أيضاً، ولا حاجة لأكثر من ذلك؛ مثلاً، يمكن نسبة عنوان «المجهول» إلى فعل لا يُعلم هل هو مصداق لشرب الخمر أم الماء، بدون مسامحة ومجاز، ومن هذه الجهة لا فرق بينه وبين الحكم المجهول، واتفاقاً، فإن نسبته إليه كعنوان أنسب من نسبته إلى ذات الموضوع؛ لأن متعلق الوضع والرفع من حيث كونه حكماً شرعياً ليس سوى العنوان. ثانياً، في بعض الشبهات الموضوعية، تكون ذات الموضوع نفسها مشتبهة، مثل الشك في الوجوب بسبب حصول الاستطاعة؛ مثلاً، شخص لا يعلم هل ثبتت ملكيته لمال معين ليصبح مستطيعاً أم لا ليبقى غير مستطيع. وإذا غطى هذا المورد من الشبهات، فسيغطي سائر الموارد أيضاً، ولم يقل أي فقيه بالفرق بين الشبهات الموضوعية من هذه الجهة.[8] وفقاً للنص المقرر من بيان الشهيد الصدر، فإن العراقي في مقام تعارض قرينية السياق مع قرينية استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، قد أخذ بالجانب الثاني ودافع عن اختصاص حديث الرفع بالشبهات الحكمية، ولكن المذكرة المقررة لدرسه في مباحث الأصول تُظهر: أولاً، أن العراقي يستدل على أساس حفظ السياق، وثانياً، لا يريد توجيه مدلول الحديث نحو الشبهات الحكمية، بل يطرحه في مقابل الاختصاص بالشبهات الموضوعية، وفي النهاية يدافع عن عموم حديث الرفع. (الشهيد الصدر، 1408: 3/ 169). النص الذي قُرر من درس العراقي هو: الموصول في «ما لا يعلمون» له ظهور في أن «نفسه» غير معلوم، كما هو الحال في عناوين أخرى مثل الاضطرار والإكراه، ونفس الموصول هو معروض هذه الأوصاف. بناءً على ذلك، فإن تخصيص الموصول بالشبهات الموضوعية يتنافى مع هذا الظهور؛ لأنه في تلك الموارد، ليس الفعل نفسه معروضاً للجهل، بل عنوانه هو المجهول؛ فالمكلف لا يعلم ما هو عنوان الفعل الذي يقوم به، مثل شرب السائل. ونتيجة لذلك، إما أن نحافظ على السياق من جهة ظهور الموصول في رفع «نفس الأشياء»، ونخصصه بالشبهات الحكمية، أو نأخذ بجانب السياق في الموضوعات ونخرج الشبهات الحكمية من تحتها. من الواضح من وجهة نظر العرف أن الخيار الأول هو المتعين. (العراقي، 1417: 3/ 216). ربما يكون وجه تعين تقدم مثل هذا السياق من وجهة نظر العراقي هو أن ظهور «ما لا يعلم» في «نفس الأشياء» يسلب تماماً مجال ظهوره في الموضوعات التي يكون عنوانها مجهولاً، ولا يسمح له بالانعقاد.

النتيجة

على أي حال، من وجهة نظر الشهيد الصدر، لا اعتبار وحدة السياق المبني على حفظ ظهور الموصول في الموضوعات يمكنه أن يخصص حديث الرفع بالشبهات الحكمية، ولا في مقابل ظهوره في «نفس الأشياء المرفوعة» يمكنه أن يجعله خاصاً بالشبهات الحكمية، بل بالنظر إلى عمومية موضوع له الموصول، فإن الرفع يشمل كل حكم وموضوع مجهول. وكما تم توضيحه في الرد على استدلال الشيخ، فإن تفسير الحديث على محمل العموم لا يضر أيضاً بالسياق الكلي للرواية، كما أن صدق عنوان «ما لا يعلم» على «نفس الحكم» ليس مانعاً من صدقه كـ«مشتبه» في الموضوعات الخارجية حتى يختص بالشبهات الحكمية. بناءً على ذلك، فإن دلالة حديث الرفع على البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية تامة. لقد قام الشهيد الصدر بتفكيك ودراسة دلالة حديث الرفع على عموم الشبهات الحكمية والموضوعية على مرحلتين. في المرحلة الأولى، أي في مرحلة تحديد القدر الجامع بين هاتين الشبهتين، جعل فكر المرحوم الآخوند الخراساني محوراً للنقض والإبرام. وفقاً لتقريب وترتيب الشهيد، يرى الآخوند أن كلتا الشبهتين تشتركان في «الشيئية»، واختلاف منشأ الشك فيهما لن يحدث تغييراً في هذا الجانب. من ناحية أخرى، معنى «ما» الموصولة هو «الشيء» أيضاً. بناءً على ذلك، وبالنظر إلى هذا العنصر الجامع وموضوع له «ما»، فإن إمكانية دلالة حديث الرفع على البراءة في عموم الشبهات الموضوعية والحكمية متاحة. التحدي المهم في تصور القدر الجامع، مرة أخرى بناءً على رأي الآخوند الخراساني، هو تعدد الإسناد. هاتان الشبهتان، على الرغم من اشتراكهما في الشيئية، إلا أن إسناد الرفع إليهما ليس متماثلاً ومشتركاً في استعمال واحد معقول؛ لأن الحكم يمكن رفعه حقيقةً، أما الموضوع الخارجي فلا. ونتيجة لذلك، فإن إسناد الرفع إليهما في استعمال واحد يستلزم تعدد إسناد متضاد، مثل استعمال لفظ واحد في معنيين. قُدمت عدة إجابات على هذا النقد، وقد أورد الشهيد الصدر وحلل عدداً منها، ولكن جوابه النهائي مبني على مجازية الإسناد الواحد بالنسبة لجميع فقرات حديث الرفع؛ لا فرق في أن يكون «ما لا يعلم» حكماً أو موضوعاً، على أي حال، نسبة الرفع إليهما مجازية. على أي حال، دافع الشهيد الصدر عن العنصر الجامع بين الشبهات الموضوعية والحكمية، ويرى أن استعمال حديث الرفع مع سعة الموصول في العموم مطابق للأصل. على هذا الأساس، أي ادعاء يخالف الأصل يحتاج إلى إثبات وقرينة. يوضح الشهيد في هذا القسم ادعاءين، بناءً عليهما يكون مراد «ما» الموصولة بشكل متكرر في فقرات الرواية ليس المعنى العام. وفقاً لبعض الاستدلالات، «ما» الموصولة في الفقرات الأخرى لها ظهور في الموضوع والفعل الخارجي. من هنا، في «ما لا يعلم» يجب أيضاً حمله على الموضوع حتى لا يختل سياق الكلام. من وجهة نظر الشهيد الصدر، سياق الحديث محفوظ أيضاً في حالة حمله على الحكم والموضوع؛ لأن اختلاف معنى لفظ واحد في نظام كلامي واحد يخل بالسياق إذا أدى إلى اختلاف ظهوره الاستعمالي، ولكن اختلاف معنى «ما» في حديث الرفع لا يرتبط بالظهور الاستعمالي، بل منوط بمرحلة التطبيق والمصداق. وادعى البعض أيضاً أنه بناءً على ظاهر الحديث، رُفع «ما لا يعلم» نفسه، وهذا العنوان صادق وحقيقي بالنسبة للحكم المشكوك، ولكنه مجازي بالنسبة للموضوع المشكوك؛ لأنه في الشبهات الموضوعية، ليست ذات الفعل مشكوكة، بل عنوانها هو المشكوك. ونتيجة لذلك، يرجح العرف الاستعمال الحقيقي، ومن هنا، يختص حديث الرفع بالشبهات الحكمية. جواب الشهيد الصدر على هذا الادعاء مبني على كفاية نسبة الرفع إلى «نفس العنوان»، ونتيجة لذلك، فإن دلالة حديث الرفع على البراءة في عموم الشبهات ثبوتاً وإثباتاً تامة.

الهوامش

1. سند المرحوم الصدوق في التوحيد والخصال هو كالتالي: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيِي الْعَطَارُ رضي الله عنه قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ الْخَطَأُ وَ النِّسْيانُ وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَطِيقُونَ وَ مَا لَا يَعْلَمُون…» (الشيخ الصدوق، 1398: 352). ونقله المرحوم صاحب الوسائل أيضاً في كتاب الجهاد بنفس السند من التوحيد والخصال: «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بْنِ الْحُسَينِ فِي التَّوْحِيدِ وَ الْخِصَالِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى…» (الحر العاملي، 1409: 15/ 369).

2. أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى فِي نَوَادِرِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: وُضِعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سِتُّ خِصَالٍ : الْخَطَأُ وَ النَّسْيانُ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ (نفس المصدر: 1409: 15/ 369).

3. «انّ إسناد الرفع إلى الحكم لما كان من قبيل الاسناد إلى ما هو له، لأنه بنفسه مما يتطرق إليه الجعل رفعاً و وضعاً، به خلاف إسناده إلى الموضوع، فانّه من قبيل الإسناد إلى غير ما هو له، حيث انه بنفسه غير قابل لذلك، بل رفعه برفع آثاره، و لم يكن في البين إسناد واحد يجمع الإسنادين…». (آخوند الخراساني، 1410: 190).

4. يبدو أن المرحوم الروحاني من الفقهاء القلائل الذين شككوا بجدية في اشتراك العالم والجاهل: «ما ادعى من وجود الاخبار المتواترة الدالة على ان الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل. فليس له في الاخبار عين و لا أثر، و ما يستظهر منه ذلك يختص بموارد الشبهات الموضوعية. اذن فلا محذور في الالتزام بان الرفع واقعی، فالحكم مرتفع واقعا عند الجهل به، و لا موجب للالتزام بان الرفع ظاهرى كما عليه الاعلام (رحمهم الله)… و عليه، فما نقربه ليس خرقا لإجماع أو مناهضة لضرورة. نعم الذي يوقعنا عن الجزم بهذا الأمر هو ان المتيقن من الحديث هو إرادة الشبهة الموضوعية. وقد عرفت ان النصوص كثيرة على بقاء الحكم الواقعي و ثبوته فيها، فلا يسعنا الالتزام بان الرفع واقعي في المقام.» (الروحاني، 1413: 4/ 386).

5. أشار المرحوم الشاهرودي إلى هذه المسألة في حاشية قائلاً إن ما يذكره الشهيد يقتضي تقديرًا: «هذا يتم على فرض أخذ التقدير في اسناد الرفع» (الشهيد الصدر، 1426: 5/ 44).

6. «الدلالة التفهيمية منوطة بثلاثة أمور: الأول: علم السامع بالوضع، و هذه هي الجهة المشتركة بينها و بين الدلالة التصورية. الثاني: أن يكون المتكلّم عاقلا و ملتفتا لما يقول. الثالث: أن لا يكون المتكلّم قد نصب قرينة متصلة على عدم إرادة المعنى الحقيقى و أن لا يكون الكلام محتفا بما يصلح للقرينية على عدم إرادة التفهيم للمعنى الحقيقي. و تسمى هذه الدلالة بالدلالة التصديقية الاولى، لأنها توجب إذعان السامع بإرادة المتكلّم لتفهيم المعنى الحقيقي، كما تسمى بالدلالة الاستعمالية لأنّها تعبّر عن ان المتكلم قد استعمل اللفظ لغرض تفهيم المعنى.» (صنقور، بيتا: 2/ 119).

7. شرحت هذه المسألة سابقاً في مقال «بررسی نوآوریهای شهید صدر: جمع عرفی» (فياض، 1396: ش 7).

8. في قسم شرح ونقد آراء العراقي من «مباحث الأصول»، استخدمت تقرير السيد محمد كاظم الحائري. تقريره في هذا القسم أكثر شمولية ويتضمن نقاطاً كثيرة، وبالإضافة إلى ذلك، يشير في حاشية إلى أن فهم الشهيد الصدر لكلام العراقي يختلف تماماً عما ورد في نهاية الأفكار، وهو أيضاً في مقابله من حيث النتيجة.

Scroll to Top