المستخلص
يتناول هذا البحث تحليل ومقارنة مصطلحين أصوليين هما “انقلاب النسبة” و “شاهد الجمع” في كلمات العلماء الأصوليين. هذان المصطلحان ادعى البعض وجود فارق بينهما، وطرحوا فكرة قبول “شاهد الجمع” في الجمع بين الأدلة المتعارضة المتعددة مع إنكار نظرية “انقلاب النسبة”. ولكن، من خلال تبيين ماهية هذين المصطلحين وتحليل الخصائص المطروحة لهما، تم تحديد أوجه الشبه والاختلاف بينهما. إلا أن التحليل الدقيق للفروق يُظهر أن الاختلافات المذكورة لا تستدعي اعتبارهما مختلفين من حيث الماهية والقول بوجود مصطلحين متغايرين في علم الأصول. بل إن ماهيتهما واحدة، وفي الواقع يُعد “شاهد الجمع” من مصاديق نظرية “انقلاب النسبة”، حيث إن الصور المطروحة في إطار نظرية انقلاب النسبة، والتي تنطبق على مسألة شاهد الجمع، قد حظيت بقبول الأغلبية وأُطلق عليها اسم جديد.
المقدمة
لطالما لعبت النظريات دورًا مهمًا في مختلف العلوم، حيث إنها تبين المسائل والتفريعات المختلفة لعلم ما في صورة مجموعة مترابطة، وتوضح ارتباطها ببعضها البعض، وتساعد في حل مسائل ذلك العلم. وعلم أصول الفقه، شأنه شأن سائر العلوم، يشتمل على مسائل كثيرة، وقد طرح العلماء الأصوليون على مر تاريخ هذا العلم نظريات مختلفة من خلال اكتشاف الروابط المتعددة بين مسائله، كنظرية الحكم، ونظرية الحجية والاعتبار، ونظرية حق الطاعة، ونظرية المقاصد. ومن جملة هذه النظريات نظرية انقلاب النسبة.
تُعد نظرية انقلاب النسبة من النظريات التي أثارت جدلاً في القرون الأخيرة في علم أصول الفقه، وقد طرحها بعض العلماء الأصوليين. وبعد طرح هذه النظرية، ونظرًا لتأثيراتها الكبيرة في المباحث الفقهية وكيفية الجمع بين ثلاثة أدلة متعارضة فأكثر، يمكن القول إن اهتمام جميع الأصوليين قد انصب على هذه النظرية، فتناولوها بالبحث والنقد في مباحث التعادل والتراجيح من علم الأصول. وفي هذا السياق، فصّل البعض بين الأقسام المختلفة التي يمكن تصور انقلاب النسبة فيها، فقبلوا انقلاب النسبة في بعض الصور ورفضوه في صور أخرى. إلا أن فريقًا آخر من المفكرين الأصوليين سلكوا طريقًا آخر، وبطرحهم مصطلحًا آخر (“شاهد الجمع”) في مقابل انقلاب النسبة، سعوا إلى التفريق بينهما. وفي الحقيقة، إن هؤلاء، بإنكارهم نظرية انقلاب النسبة، قالوا بقبول شاهد الجمع كحل لرفع التعارض بين الأدلة المتعددة.
يهدف هذا البحث وغايته إلى تحليل ومقارنة نظرية انقلاب النسبة بمسألة شاهد الجمع، وذلك لكي يتضح من خلال دراسة الفروق وأوجه الشبه المطروحة بينهما، هل لهذا الاصطلاح المبتكر في مقابل انقلاب النسبة فارق ماهوي مع نظرية انقلاب النسبة، وهما مختلفان من حيث الجمع بين الأدلة المتعارضة، أم أن مسألة شاهد الجمع ترجع إلى نظرية انقلاب النسبة، وقبول مثل هذه الموارد هو في الحقيقة نفس التفصيل في الصور المطروحة في إطار نظرية انقلاب النسبة؟ من خلال الدراسات التي قام بها الباحثان، يمكن الادعاء بأنه لم يُنجز أي بحث حول هذه المسألة، وليس فقط لم تتم مقارنة الفرق بين هذين المصطلحين، بل لا يوجد تبيين دقيق لحقيقتهما وماهيتهما أيضًا. لذا، فإن الجانب الإبداعي في هذا العمل يكمن في نقطتين هما:
١. تبيين ماهية شاهد الجمع في مقابل نظرية انقلاب النسبة؛
٢. تبيين الفروق وأوجه التشابه بينهما؛
فرضية البحث هي أن الرأي المطروح لا يختلف ماهويًا عن نظرية انقلاب النسبة، بل هو في حقيقته نفس نظرية انقلاب النسبة، وبتعبير أدق، جزء منها. لذا، فإن قبول مثل هذه الموارد يعني قبول نظرية انقلاب النسبة على الأقل في بعض الموارد.
ماهية نظرية انقلاب النسبة
لم يقم معظم المفكرين الأصوليين بتعريف نظرية انقلاب النسبة، بل اكتفوا بتبيينها وتوضيحها ضمن أمثلة. وبالرجوع إلى المصادر المختلفة، ومع الأخذ بعين الاعتبار التوضيحات والتبيينات التي ذُكرت في سياق الأمثلة لهذه النظرية (راجع: الكاظمي الخراساني، ١٣٧٦: ٤/ ٧٤٠ – ٧٤٧؛ واعظ حسيني البهسودي، ١٤٢٢: ٤/ ٤٦٤؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧: ٧/ ٢٨٨؛ الطباطبائي القمي، ١٣٧١: ٣/ ١٩٧؛ الخميني، ١٤١٠: ٢/ ٣٢؛ لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (ع)، ١٤٢٧: ٤٨٧)، يمكن تقريبها على النحو التالي:
تُطرح نظرية انقلاب النسبة عندما يوجد أكثر من دليلين متعارضين. قد تكون لهذه الأدلة إحدى النسب الأربع في مقام الملاحظة. فمثلاً، دليل “أكرم العلماء” مع دليل “لا تكرم الفساق” بينهما علاقة التباين الجزئي (العموم من وجه). ويوجد دليل ثالث هو “لا تكرم الفساق من العلماء”، وعلاقته مع الدليل الأول والثاني هي العموم المطلق. فإذا خُصّص الدليل الأول بالدليل الثالث، تكون النتيجة “أكرم العلماء العدول”؛ وعلاقة النتيجة المستخلصة مع الدليل الثاني لم تعد عمومًا من وجه، بل تتغير هذه العلاقة إلى التباين. ويُطلق على هذا التغير في علاقة الدليل الأول بالدليل الثاني من العموم من وجه إلى العموم المطلق اسم “انقلاب النسبة”، لأن نسبة الدليلين، بلحاظ الدليل الثالث، تبدلت وتغيرت وانقلبت. أما إذا لم تُلحظ هذه الملاحظة بهذا النحو المتغير، وبقيت النسبة الابتدائية بين الأدلة هي المعتمدة، فستكون النتيجة مختلفة، لأنها ستؤدي إلى التعارض بين الدليل الأول والثاني، مما يقتضي القول بالترجيح أو التساقط وغير ذلك من الأقوال المطروحة في باب الأدلة المتعارضة.
بناءً على التوضيح المتقدم، يجب القول إن الكلام في الحقيقة يدور حول أي طريق يجب سلوكه في تعارض الأدلة المتعددة؟ هل يجب البدء بملاحظة النسبة بين دليلين واستصحاب النتيجة المستخلصة لملاحظتها مع سائر الأدلة، وإن تغيرت نسبتها مع بعضها البعض بالنظر إلى النسبة الأولى؟ وبتعبير آخر، هل يجب قبول نظرية انقلاب النسبة وتطبيقها في تعارض الأدلة المتعددة؟ أم أن المهم هو النسبة الابتدائية بين الأدلة المتعارضة ويجب الحكم وجريان القواعد بينها على أساس تلك النسبة الابتدائية؟ بتعبير ثالث، هل يجب في ملاحظة النسبة بين الأدلة المتعارضة النظر إلى مدلول الأدلة صرفًا، بغض النظر عن القرائن، أم يجب ملاحظة علاقتها بعد إعمال القرائن في مدلول الأدلة؟1
ماهية شاهد الجمع
“شاهد الجمع” من المصطلحات التي طُرحت في العصر الحاضر في مقابل نظرية انقلاب النسبة وكمنافس لها. في الواقع، شاهد الجمع هو أيضًا نوع من التعامل مع الأدلة المتعارضة المتعددة، وقد وقع الخلاف في قبوله أيضًا.2 ونظرًا لأوجه الشبه الكثيرة بين هذه الطريقة في التعامل مع الأدلة المتعارضة ونظرية انقلاب النسبة، فمن الضروري تبيين هذا الرأي وبيان أوجه الشبه والاختلاف بينه وبين نظرية انقلاب النسبة.
كما يتضح من اسم “شاهد الجمع”، فإن المراد به وجود شاهد على الجمع بين الأدلة المتعارضة. ولكن لا يُراد به أي نوع من الجمع، بل “شاهد الجمع” هو إحدى القواعد المتفرعة على قاعدة الجمع العرفي ومن مصاديقها. إذن، المقصود هو نوع خاص من الجمع. (راجع: لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (ع)، ١٤٢٧: ٤٧٠) بالنظر إلى التعريف المقدم والتصريح بأن شاهد الجمع من مصاديق الجمع العرفي، يتضح أن شاهد الجمع هو أحد الأقسام التي تُذكر ضمن الجمع العرفي، وهو إما أن يكون على نحو يقبله العرف ويستحسنه كحمل الظاهر على النص أو الأظهر، والتخصيص، والتقييد، وما إلى ذلك، أو يكون على نحو لا يدركه العرف بنفسه مستقلاً، ولكن توجد قرينة ودليل ثالث صادر عن المعصوم (ع) يدل على الجمع بين الدليلين المتعارضين وتبيين المراد منهما.3
بالطبع، مسألة شاهد الجمع، كنظرية انقلاب النسبة، لم يُقدم لها تعريف دقيق، بل تم تبيينها وتوضيحها في الغالب ضمن أمثلة. وقد أدى هذا النوع من التبيين إلى شرح هذه المسألة في قوالب نماذج مختلفة. وقد قال البعض في توضيح وتبيين هذه القاعدة:
كلما وُجد دليلان عامان أو مطلقان متعارضان، وورد دليل ثالث دال على التفصيل وموجب لتخصيص أو تقييد كلا الدليلين، يُحمل كل من الدليلين المتعارضين على غير مورد الآخر، وبهذا يرتفع التعارض بينهما. وفي الواقع، يكون الدليل الثالث شاهدًا على الجمع بين الدليلين العامين أو المطلقين. (نفس المصدر: ٤٧٠) الصورة المطبقة في كلام البعض الآخر طُرحت كجزء من مثال شاهد الجمع. هؤلاء يطرحون مسألة شاهد الجمع في الموارد التي يوجد فيها دليلان عامان متعارضان مع مخصصين لهما. بالطبع، من وجهة نظرهم، لا يعني وجود مخصصين وجود دليلين خاصين مستقلين خارجيين، بل قد يوجد دليل خاص واحد يكون بحكم المخصصين من حيث المنطوق والمفهوم. وقد قالوا في تبيين هذه المسألة ما يلي:
يُطرح شاهد الجمع عندما يوجد دليلان عامان متعارضان ومتباينان مثل “يجب إكرام العالم” و”لا يجب إكرام العالم”؛ ولكن يوجد مخصص لكل من الدليلين العامين، بحيث يرتفع التعارض بينهما بتخصيص الدليلين العامين بهذين المخصصين. وقد يكون المخصصان من خطاب واحد مثل “إن كان العالم عادلاً فيجب إكرامه”، حيث يُستفاد منه بالمفهوم والمنطوق. فمنطوق هذا الخطاب يخصص “لا يجب إكرام العالم”، ومفهومه يخصص خطاب “يجب إكرام العالم”. وأحيانًا يُبيَّن المخصصان في خطابين مستقلين: “أكرم العالم العادل” و”لا تكرم العالم الفاسق”. (شهيدي بور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣)
بناءً على التوضيح المذكور والأمثلة المطروحة، يمكن القول إن المراد بشاهد الجمع هو الموضع الذي توجد فيه شواهد خارجية على الجمع العرفي بين الأدلة المتعارضة. لذا، لا يمكن قبوله إلا في الموارد التي يوجد فيها ظهور عرفي، مثل المثال الذي طُرح في تبيين شاهد الجمع. أما إذا ورد دليلان خاصان بلفظ “أحب” و”أكره”، فلا يمكن اعتبار هذين الدليلين الخاصين شاهد جمع على أن إكرام العادل وحده واجب وإكرام الفاسق حرام؛ لأن هذه الشواهد الخارجية لا ظهور لها في الوجوب والحرمة. (شهيدي بور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣)
أوجه التشابه والاختلاف بين نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع
من خلال المطالب المذكورة، يتضح وجود تشابه بين هاتين المسألتين، مما قد يؤدي إلى اعتبارهما شيئًا واحدًا. إلا أن القائلين بالفرق بين نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع، قد بيّنوا فروقًا بصراحة أو في سياق تبيين هذين المصطلحين. وفيما يلي، بعد بيان وجه الشبه والتمايز بين هذين النوعين من طرق حل التعارض، سنبحث هذه النقطة: هل يوجد بينهما تمايز ماهوي أم لا؟ وبتعبير آخر، هل يوجد في حل تعارض الأدلة المتعددة طريقان وأسلوبان، أم أن كليهما يرجعان إلى أسلوب واحد لحل التعارض، وفي الحقيقة، شاهد الجمع هو جزء من نظرية انقلاب النسبة؟
أوجه التشابه
بناءً على التبيينات المقدمة لنظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع، يمكن ذكر بعض الموارد كوجه شبه بينهما:
١. التشابه في الموضوع
بالتدقيق في الأمثلة المطروحة أو التعاريف المقدمة لنظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع، يتضح أن موضوعهما واحد. لأن موضوع انقلاب النسبة وشاهد الجمع هو تعارض أكثر من دليلين، وكلا الطريقتين في الجمع لا تجريان وتطرحان إلا في الموارد التي يوجد فيها أكثر من دليلين متعارضين. بناءً على ذلك، إذا وُجد دليلان متعارضان فقط في مسألة ما، فلن تصل النوبة إلى جريان طريقة حل التعارض على أساس نظرية انقلاب النسبة أو مسألة شاهد الجمع.
٢. التشابه في الموقع
التشابه الثاني بين نظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع هو موقعهما في حل تعارض الأدلة المتعددة. فموقع هاتين النظريتين والمسألتين ضمن قواعد باب التعارض، يقع تحت مبحث الجمع العرفي. فكما طُرح في تبيين نظرية انقلاب النسبة بناءً على رأي المشهور، فإن انقلاب النسبة هو أحد مصاديق الجمع العرفي. (راجع: الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ١٠٢؛ الخراساني، ١٤٠٩: ٤٥١؛ الحائري اليزدي، ١٤١٨: ٦٨٢؛ العراقي، ١٤٢٠: ٢/ ٤٨٢؛ الخوئي، ١٣٥٢: ٢/ ٥١٨؛ الكاظمي الخراساني، ١٣٧٦: ٤/ ٧٤٠؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩: ٤/ ٣٧٤؛ الحكيم، ١٤١٣: ٧/ ٣٤٨) وكما هو مصرح به من قبل القائلين بطريقة حل التعارض على أساس مسألة شاهد الجمع، فهي أيضًا نوع من الجمع العرفي ومن مصاديقه. (راجع: لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (ع)، ١٤٢٧: ٤٧٠؛ شهيدي بور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣)
أوجه الاختلاف
مع وجود التشابه بين نظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع، قد يُعتبران شيئًا واحدًا. ولكن لمنع هذا التطابق، طرح القائلون بالفرق بين نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع نقاطًا يمكن على أساسها الوقوف على وجوه الاختلاف بين انقلاب النسبة وشاهد الجمع:
١. الفرق بين النظرية والرأي
إذا قُبلت ثنائية نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع،4 فإن الفرق الأساسي والماهوي بينهما يكمن في أن شاهد الجمع يُطرح كرأي ووجهة نظر في حل تعارض الأدلة المتعددة، أما انقلاب النسبة فهي نظرية في حل تعارض الأدلة المتعددة، لأنها تحمل خصائص النظرية، كما أُطلق عليها اسم “نظرية” من قبل بعض المفكرين الأصوليين. (الهاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ١٤١٧، ٧: ٢٨٨) أما شاهد الجمع، فلم يُطرح كنظرية علمية من قبل مؤيديه، إضافة إلى أنه لا يمتلك خصائص النظرية العلمية. إذن، نفس الفروق المطروحة بين الرأي والنظرية موجودة بين هذين المصطلحين.5
٢. الفرق في الأطراف وعدد العلاقات
رغم أنه ذُكر أن أحد أوجه التشابه بين نظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع هو التشابه في الموضوع، وأن موضوع كليهما هو تعارض الأدلة المتعددة (أكثر من دليلين)، إلا أنه بناءً على أقوال العلماء الأصوليين والتدقيق في موضوعهما، يتضح وجود فرق جزئي في الموضوع بينهما أيضًا. فبالتدقيق في كلمات الأصوليين، يتضح أنهما ليسا متماثلين من حيث أطراف العلاقة وعدد الأدلة المتعارضة.
تتناول نظرية انقلاب النسبة بشكل مطلق دراسة علاقة أكثر من دليلين متعارضين (ثلاثة أدلة متعارضة فأكثر). ولكن شاهد الجمع يُطرح في موضع يوجد فيه أربعة أدلة متعارضة ولا يشمل تعارض ثلاثة أدلة. بالطبع، قد نواجه في بعض الموارد ظاهريًا ثلاثة أدلة، ولكن مع تبيين الصورة يتضح أننا في الواقع نواجه أربع علاقات وأدلة.
بناءً على الفرق المذكور، يتضح أن العلاقة بين نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع من حيث الموضوع هي علاقة العموم المطلق، ونظرية انقلاب النسبة تشمل صورة التعارض بين أربعة أدلة التي هي موضوع شاهد الجمع، ولكن شاهد الجمع لا يشمل التعارض بين ثلاثة أدلة الذي هو محل جريان نظرية انقلاب النسبة.
٣. الفرق في نطاق الجريان من حيث نوع علاقة الأدلة
قد تكون للأدلة المتعارضة المتعددة علاقات مختلفة من الناحية المنطقية. فمثلاً، قد تكون العلاقة بين الأدلة هي العموم المطلق، أو العموم من وجه، أو التباين، والتي يمكن تصور صور مختلفة في ملاحظتها بناءً على عدد أطراف التعارض. نظرية انقلاب النسبة، بنطاق شمولها، وكما ذُكر، تشمل بشكل مطلق تعارض أكثر من ثلاثة أدلة، وتغطي جميع الصور المحتملة في هذه العلاقات. ولهذا السبب، بيّن العلماء الأصوليون صورًا مختلفة في إطار نظرية انقلاب النسبة.6
أما بالنظر إلى الصورة المبينة لمسألة شاهد الجمع، فإن هذه القاعدة لا تجري إلا في بعض الصور المطروحة ضمن نظرية انقلاب النسبة. إذ إن هذه القاعدة، من وجهة نظر القائلين بها، تجري في حال وجود دليلين عامين متعارضين (متباينين) ودليلين خاصين، بحيث يُخصَّص كل من الدليلين العامين بدليل خاص ويرتفع التعارض بينهما. هذا الفرق في نطاق الجريان من حيث نوع العلاقة، يوضح أيضًا، كالفرق السابق، أن علاقة نظرية انقلاب النسبة بشاهد الجمع هي علاقة العموم المطلق، ونطاق جريان نظرية انقلاب النسبة أوسع من شاهد الجمع، وتشمل موارد جريان شاهد الجمع أيضًا.
٤. الفرق في المقبولية وعدمها
من الموارد الأخرى التي يمكن ذكرها كفرق بين هذين المصطلحين، هو الفرق في المقبولية وعدمها. فبالرجوع إلى الآراء المختلفة المطروحة حول نظرية انقلاب النسبة، نواجه آراءً متباينة، لدرجة أن نسبة رأي واحد إلى المشهور تواجه صعوبة.7 بينما قيل بوجود إجماع على قبول مسألة شاهد الجمع، أو على الأقل يمكن نسبة قبولها إلى المشهور.8
قد يكون هذا الفرق أيضًا بسبب علاقة العموم المطلق بين نظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع، حيث إن في بعض صور انقلاب النسبة، تكون ملاحظة علاقة الأدلة المتعارضة وتأثير نتيجة ملاحظة ما على نوع العلاقات مقبولة لدى المشهور أو بالإجماع، وهذه الصور تنطبق على نفس موارد تطبيق مسألة شاهد الجمع.
٥. الفرق في الموقع
رغم أنه ذُكر أن موقع طرح كلتا المسألتين، بناءً على الرأي السائد والمشهور، هو الجمع العرفي، إلا أنه يجب الانتباه إلى أنه أولاً، يوجد في هذا المجال مخالفون، والبعض لا يعتبر انقلاب النسبة من مصاديق الجمع العرفي (راجع: الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧: ٧/ ٢٨٨؛ الحسيني، ١٤١٥: ٤٢). وبناءً على هذا الرأي، فإن موقع طرح هاتين المسألتين لم يعد نقطة تشابه بينهما، بل نقطة تمايز. وثانيًا، ثبت في محله أن علاقة انقلاب النسبة والجمع العرفي ليست علاقة تساوي أو عموم مطلق بحيث يكون انقلاب النسبة مصداقًا للجمع العرفي، بل العلاقة بينهما هي العموم من وجه. أي أن انقلاب النسبة قد ينتهي إلى الجمع العرفي بين الأدلة ويحول التعارض المستقر إلى غير مستقر؛ وأحيانًا بالعكس، يُخرج موارد التعارض من الجمع العرفي ويحول العلاقة إلى تعارض مستقر (راجع: شاكري، فخلعي وحائري، ١٣٩٩: ٢٤/ ٥٤ – ٥٨).9 ويبدو أن القائلين بشاهد الجمع قد أطلقوا اسمًا آخر على بعض الموارد والمصاديق لجريان نظرية انقلاب النسبة التي تنتهي إلى الجمع العرفي بين الأدلة، وقالوا بالتمايز والفرق بينها وبين نظرية انقلاب النسبة.
الرأي المختار
يبدو أن ادعاء ثنائية نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع هو ادعاء غير تام، وعلى أساس الفروق المذكورة بينهما، يجب القول بأن نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع لهما ماهية واحدة، وفي الحقيقة، شاهد الجمع هو مصداق من مصاديق نظرية انقلاب النسبة. وفي توضيح وإثبات ادعاء التطابق بين نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع بناءً على الفروق المزعومة، يمكن القول: كما ذُكر، بناءً على الفروق المطروحة (باستثناء الفرق الأول الذي يُطرح على فرض قبول ثنائية انقلاب النسبة وشاهد الجمع، وبناءً على رأي الباحثين لا موضوعية له)، فإن علاقة نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع هي عموم وخصوص مطلق؛ والخاص ليس له تفاوت ماهوي مع العام، بل هو فرد من أفراده. وكما مرّ في الفرق الثاني، فإن نظرية انقلاب النسبة تشمل موارد تعارض أكثر من ثلاثة أدلة أيضًا، أما شاهد الجمع فلا يشمل التعارض بين ثلاثة أدلة. بالنتيجة، يجب القول إن شاهد الجمع هو مصداق وصورة من الصور المطروحة في إطار نظرية انقلاب النسبة، ولن يكون بينهما تفاوت ماهوي.
والشاهد على هذا المدعى هو أن من جملة الصور المطروحة لنظرية انقلاب النسبة في كلمات الأصوليين، هي نفس الصورة التي ذكرها القائلون بشاهد الجمع. (راجع: الطباطبائي الحكيم، ١٤١٤: ٦/ ١٠٢؛ همو، ١٤٢٨: ٢/ ٥٥٢) بل في تعابيرهم أيضًا، صُرّح بهذه المسألة، وهي أنه في مواجهة دليلين عامين متعارضين مع وجود خاصين، لا يقع انقلاب النسبة، بل قد يكون شاهد جمع. (شهيدي بور، درس خارج الأصول، جلسة ٦١ الأربعاء ٩٩/٠٩/٢٦) إذن، إنكار نظرية انقلاب النسبة من قبل القائلين بشاهد الجمع، هو قول بالتفصيل في مسألة انقلاب النسبة؛ أي أنهم أيضًا قبلوا بعض الصور ورفضوا بعضها الآخر. والفرق الوحيد هو أن القائلين بشاهد الجمع، قد ابتكروا اسمًا جديدًا للصور المقبولة.
في الفرق الثالث أيضًا، تُلاحظ بوضوح علاقة العموم والخصوص المطلق بين نظرية انقلاب النسبة وشاهد الجمع؛ لأن الصور المطروحة في إطار نظرية انقلاب النسبة تشمل صورة مسألة شاهد الجمع أيضًا. والمقبولية وعدم المقبولية في إحدى المسألتين، لا يمكن أن تكون سببًا لفرق حقيقي بينهما؛ لأنه بدراسة الصور المطروحة في إطار انقلاب النسبة، يتضح أن بعض مواردها متفق عليها من الجميع، وبعضها محل خلاف. إضافة إلى أن في الصور المطروحة تحت عنوان شاهد الجمع، المسألة ليست إجماعية، ويوجد مخالفون وإن كانوا قلة. وكما أُشير إليه في كلمات بعض المعاصرين، فإن مسألة شاهد الجمع كانت أيضًا مورد إنكار. على أي حال، فإن الفرق المذكور هو في الواقع فرق بين صور نظرية انقلاب النسبة، وليس فرقًا ماهويًا بينهما، مما ينتهي إلى التفريق بينهما والادعاء بوجود مسألتين في علم الأصول.
النتيجة
من خلال الدراسات التي أُجريت، تم التوصل إلى هذه النتيجة: على الرغم من وجود فروق بين شاهد الجمع ونظرية انقلاب النسبة، إلا أن هذه الفروق لا تستدعي اعتبار شاهد الجمع رأيًا مستقلاً عن نظرية انقلاب النسبة. بل إن بعض مصاديق وصور نظرية انقلاب النسبة التي حظيت بقبول الأغلبية تقريبًا، قد طُرحت بشكل مستقل تحت عنوان شاهد الجمع. ولكن لا يوجد فرق ماهوي بين شاهد الجمع وانقلاب النسبة، بل العلاقة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، لأن نظرية انقلاب النسبة لها صور متعددة، وموارد جريان شاهد الجمع هي جزء من هذه الموارد. إذن، قبول شاهد الجمع وإنكار نظرية انقلاب النسبة، هو في الواقع نفس الرأي التفصيلي حول انقلاب النسبة الذي قال به بعض كبار الأصوليين بناءً على صور المسألة، حيث قبلوا انقلاب النسبة في بعض الصور وأنكروه في بعضها الآخر.
المصادر والمراجع
الآشتياني، محمد حسن، بحر الفوائد في شرح الفرائد، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، ١٤٢٩ هـ.
الأراكي، محمد علي، أصول الفقه، قم، مؤسسة در راه حق، ١٣٧٥ ش.
إسماعيل بور، محمد علي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار (تقريرات درس آية الله ميرزا هاشم آملي)، قم، المطبعة العلمية، ١٣٩٥ هـ.
الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم، سيد الشهداء(ع)، ١٣٧٤ هـ.
الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٨ هـ.
الإيرواني، علي، الأصول في علم الأصول، قم، دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم، ١٤٢٢ هـ.
البجنوردي، حسن، القواعد الفقهية، قم، نشر الهادي، ١٣٧٧ ش.
بحر العلوم، محمد، بلغة الفقيه، طهران، منشورات مكتبة الصادق، ١٤٠٣ هـ.
البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٧ هـ.
التبريزي، موسى، أوثق الوسائل في شرح الرسائل، قم، كتبي نجفي، ١٣٦٩ هـ.
التبريزي، ميرزا جواد، دروس في مسائل علم الأصول، قم، دار الصديقة الشهيدة، ١٣٨٧ ش.
تقوي الاشتهاردي، حسين، تنقيح الأصول، طهران، مؤسسة نشر وتنظيم آثار إمام خميني، ١٤١٨ هـ.
الحائري اليزدي، عبد الكريم، درر الفوائد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٨ هـ.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، مصحح: مؤسسة آل البيت (ع)، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٠٩ هـ.
الحسيني الشيرازي، صادق، بيان الأصول، قم، دار الأنصار، ١٤٢٧ هـ.
الحسيني، محمد، معجم المصطلحات الأصولية، بيروت، مؤسسة العارف للمطبوعات، ١٤١٥ هـ.
الحكيم، عبد الصاحب، منتقى الأصول (تقريرات درس آية الله محمد روحاني)، قم، دفتر آية الله سيد محمد حسيني روحاني، ١٤١٣ هـ.
الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٠٩ هـ.
الخميني، روح الله، التعادل والتراجيح، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني، ١٣٧٥ ش.
الرسائل، قم، مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان، ١٤١٠ هـ.
الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات (تقريرات درس آية الله محمد حسين نائيني)، قم، مطبعة العرفان، ١٣٥٢ ش.
شاكري، بلال وفخلعي، محمد تقي وحائري، محمد حسن، ماهية انقلاب النسبة (نظرة جديدة لمنهجية الملا أحمد النراقي في حل التعارضات)، پژوهش هاي اصولي، العدد ٢٤، ١٣٩٩ ش.
شاكري، بلال وفخلعي، محمد تقي وحائري، محمد حسن، نظرة جديدة لانقلاب النسبة بمثابة نظرية أصولية، مطالعات تطبيقي فقه وأصول، السنة ٤، العدد ٢، ١٤٠٠ ش.
شهيدي بور، محمد تقي، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣.
درس خارج الأصول، الجلسة ٦١ الأربعاء ٩٩/٠٩/٢٦.
الصافي، لطف الله، بيان الأصول، قم، دائرة التوجيه والإرشاد الديني في مكتب المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، ١٤٢٨ هـ.
صنقور، محمد، المعجم الأصولي، قم، منشورات الطيار، ١٤٢٨ هـ.
الطباطبائي الحكيم، محمد سعيد، الكافي في أصول الفقه، بيروت، دار الهلال، ١٤٢٨ هـ.
المحكم في أصول الفقه، قم، مؤسسة المنار، ١٤١٤ هـ.
الطباطبائي القمي، تقي، آراؤنا في أصول الفقه، قم، محلاتي، ١٣٧١ ش.
العراقي، ضياء الدين، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٠ هـ.
فرحي، سيد علي، تحرير الأصول (تقريرات درس آية الله ميرزا هاشم آملي)، قم، مكتبة الداوري، ١٣٨٦ هـ.
القدسي، أحمد، أنوار الأصول، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ١٤٢٨ هـ.
الكاظمي الخراساني، محمد علي، فوائد الأصول، قم، جامعة مدرسين حوزه علميه قم، ١٣٧٦ ش.
كمره اي، محمد باقر، أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي، طهران، مطبعة فردوسي، د.ت.
لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (ع)، قواعد أصول الفقه على مذهب الإمامية، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، قم، مركز الطباعة والنشر، ١٤٢٧ هـ.
موسوي زنجاني، محمد بن أبو القاسم، إيضاح السبل في الترجيح والتعادل، طهران، أبو طالب موسوي، ١٣٠٨ هـ.
مؤمن قمي، محمد، تسديد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٩ هـ.
النراقي، أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام، قم، دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم، ١٣٧٥ ش.
واعظ حسيني بهسودي، محمد سرور، مصباح الأصول (تقريرات درس آية الله أبو القاسم الخوئي)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ١٤٢٢ هـ.
الهاشمي الشاهرودي، محمود، أضواء وآراء تعليقات على كتابنا بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامي، ١٤٣١ هـ.
بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامي بر مذهب أهل بيت (ع)، ١٤١٧ هـ.
الهاشمي الشاهرودي، علي، دراسات في علم الأصول (تقريرات درس آية الله أبو القاسم الخوئي)، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت (ع)، ١٤١٩ هـ.
الهوامش
1. قام بعض المعاصرين بتقديم تعريف لهذا المصطلح، فقالوا: “انقلاب النسبة هو تبدل نسبة الأدلة المتعارضة بعد ملاحظة نسبة أحد الدليلين مع دليل ثالث، بعد ملاحظة نسبة الدليلين الأولين، حيث تكون هذه النسبة مختلفة عن النسبة بين الأدلة الثلاثة في عرض واحد”؛ (صنقور، ١٤٢٨: ١/ ٣٨٢). وقال آخرون في تعريف انقلاب النسبة: “المقصود من انقلاب النسبة هو الموضع الذي يرد فيه دليل مخصص لأحد الدليلين المتعارضين، فإذا لوحظت علاقة الأدلة المتعارضة بعد إعمال التخصيص، تبدل تعارضها المستقر إلى تعارض غير مستقر”. (راجع: الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧: ٧/ ٢٨٨؛ الحسيني، ١٤١٥: ٤٢). لكن التعريفين المقدمين ليسا بتعريفين دقيقين، خاصة التعريف الثاني الذي هو ناقص جدًا، لأن هذا التعريف مبني على إحدى الصور المطروحة في تطبيقات انقلاب النسبة فقط. بينما لانقلاب النسبة صور متعددة تم بيانها بالتفصيل في محلها. كما أن التعريف المذكور لا يشمل إلا الفرض الذي يتبدل فيه التعارض المستقر إلى غير مستقر، بينما انقلاب النسبة قد يحول التعارض غير المستقر إلى مستقر، وأحيانًا لا يحدث أي تغيير في النسب. والتعريف الأول أيضًا مبني على الفهم السائد لانقلاب النسبة. لذا، يجب أولاً تبيين التقريبات المختلفة لانقلاب النسبة وتحليلها، حتى يتضح إشكال هذا التعريف أيضًا. إذن، بعد تبيين انقلاب النسبة، سيُقدم تعريف له.
2. ما تم بيانه هو ماهية انقلاب النسبة بناءً على التبيين السائد والمشهور. أما تبيين مبتدع هذه النظرية (الملا أحمد النراقي) فهو مختلف عما اشتهر حاليًا. (لمزيد من الدراسة حول تبيين النراقي والفروق بينه وبين التبيين المشهور، وكذلك وجه الجمع بين هذين التبيينين، راجع: شاكري وفخلعي وحائري، ماهية انقلاب النسبة (نظرة جديدة لمنهجية الملا أحمد النراقي في حل التعارضات)، ١٣٩٩، ٢٤: ٣٣-٦٤). وفي محله، سيُشار إلى نقاط حول علاقة مسألة شاهد الجمع بانقلاب النسبة بناءً على التبيين المقبول لدى الكاتب.
3. صرح بعض مدرسي الخارج بأنهم لا يقبلون شاهد الجمع كانقلاب النسبة. (شهيدي بور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣). مع أنهم يعترفون بأن شاهد الجمع مقبول نوعًا ما. (شهيدي بور، درس خارج الأصول، الجلسة ٦١ الأربعاء ٩٩/٠٩/٢٦). بل إنه يعتبر شاهد الجمع مورد إجماع، وقد تراجع عن قوله الابتدائي في نفيه ويقول: ربما لا يمكن رده بشكل قطعي، ولكن يمكن طرحه بعنوان “يمكن أن يقال” أن شاهد الجمع، كجمع عرفي، ليس مورد قبول (شهيدي بور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣).
4. على سبيل المثال، حول جواز وعدم جواز صوم النذر في السفر، لدينا روايتان متعارضتان. في رواية عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق (ع) ورد أن الشخص الذي نذر يومًا معينًا يصومه، فإذا كان مسافرًا في ذلك اليوم، لا يصوم (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٧/ ١٤٢). ولكن في رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن الإمام الرضا (ع) ورد أنه يجب أن يصوم ذلك اليوم في السفر أو الحضر (نفس المصدر: ١٤١). هاتان الروايتان مطلقتان من حيث نية الشخص للصوم في السفر وعدمها عند النذر، وبسبب التباين الكلي بينهما، فهما متعارضتان. ولكن في رواية عن علي بن مهزيار، ورد تفصيل يقول إنه إذا كانت نيته الصوم في السفر، يجب أن يصوم، وإلا فلا يصوم. (نفس المصدر: ٢٧٧). هذه الرواية شاهد على الجمع بين الروايتين المتعارضتين. (لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (ع)، ١٤٢٧: ٤٧٠-٤٧١).
5. تجدر الإشارة إلى أن الفرق المذكور مبني على فرض قبول الاختلاف بينهما. أي إذا قُبل أن مسألة شاهد الجمع غير نظرية انقلاب النسبة، يمكن طرح مثل هذا الفرق الماهوي بينهما. أما إذا ثبت أن ثنائية انقلاب النسبة وشاهد الجمع غير مقبولة، فلا يمكن القول بمثل هذا الفرق. وما أُشير إليه في المتن كفرق، هو في الحقيقة مبني على أقوال القائلين بالفرق. ولكن كما سيأتي لاحقًا، من وجهة نظر الكاتبين، هذه الثنائية غير مقبولة، ونظرية انقلاب النسبة ومسألة شاهد الجمع لا تختلفان ماهويًا، بل العلاقة بينهما هي العموم المطلق، وموارد تطبيق قاعدة شاهد الجمع هي جزء من مصاديق جريان نظرية انقلاب النسبة التي حظيت بقبول مجموعة، وبناءً على عدم قبول سائر الصور المطروحة في إطار نظرية انقلاب النسبة، أطلقوا عليها اسمًا مستقلاً.
6. لمزيد من الدراسة حول كون انقلاب النسبة نظرية (راجع: شاكري، فخلعي وحائري، ١٤٠٠: ٢١٧/٢ – ٢٣٤).
7. لمزيد من الدراسة حول الصور المطروحة في نظرية انقلاب النسبة (راجع: الخميني، ١٣٧٥: ٩٣ – ٩٩؛ تقوي الاشتهاردي، ١٤١٨: ٤/ ٥٠٣ – ٥١١؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩: ٤/ ٣٧٧ – ٣٨٦؛ واعظ حسيني بهسودي، ١٤٢٢: ٢/ ٤٦٧ – ٤٨٣؛ الحكيم، ١٤١٣: ٧/ ٣٦٠ – ٣٦١ حاشية و ٧/ ٣٦٥ – ٣٦٨؛ الحائري اليزدي، ١٤١٨: ٦٨٣؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧: ٧/ ٢٩٥ – ٣٠٨؛ الأنصاري، ١٤٢٨: ٤/ ١٠٢ – ١١٢؛ الأصفهاني، ١٣٧٤: ٣/ ٤١٢ – ٤١٣؛ البروجردي، ١٤١٧: ٢٠/ ١٦٠ – ١٦٤؛ الخوئي، ١٣٥٢: ٢/ ٥١٨ – ٥٢٠؛ الكاظمي الخراساني، ١٣٧٦: ٤/ ٧٤٢ – ٧٤٧؛ كمره اي، د.ت: ٢/ ٢٧٨ – ٢٧٩؛ الموسوي الزنجاني، ١٣٠٨: ١١٢ – ١٣٠؛ الحسيني الشيرازي، ١٤٢٧: ٩/ ١٩١ – ١٩٦؛ التبريزي، ١٣٦٩: ٦١٨ – ٦٢٣؛ الآشتياني، ١٤٢٩: ٨/ ٢٨٧).
8. لمزيد من الدراسة حول الأقوال المطروحة في نظرية انقلاب النسبة: (راجع: الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣١: ٣/ ٤٥٨؛ البجنوردي، ١٣٧٧: ٧/ ٢٣؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧: ٧/ ٢٩٠؛ الطباطبائي القمي، ١٣٧١: ٣/ ١٩٨ – ١٩٩؛ مؤمن القمي، ١٤١٩: ٢/ ٥٠٨؛ إسماعيل بور، ١٣٩٥، ٤: ٤١٣؛ الخراساني، ١٤٠٩: ٤٥٢؛ الحكيم، ١٤١٣: ٧/ ٣٦٠ – ٣٦١ حاشية و ٣٦٥ – ٣٦٨؛ الحائري اليزدي، ١٤١٨: ٦٨٢؛ بحر العلوم، ١٤٠٣: ٤/ ١٠٠؛ الخوئي، ١٣٥٢: ٢/ ٥١٩ و ٥٢٢؛ الموسوي الزنجاني، ١٣٠٨: ١١٤؛ الأراكي، ١٣٧٥: ٢/ ٤٧٢؛ القدسي، ١٤٢٨: ٣/ ٥١١؛ التبريزي، ١٣٨٧: ٦/ ١٧٩؛ الآشتياني، ١٤٢٩: ٨/ ٢٨٩؛ الإيرواني، ١٤٢٢: ٢/ ٤٥٤؛ كمره اي، د.ت: ٢/ ٢٧٨ – ٢٧٩؛ الصافي، ١٤٢٨: ٩/ ٣٣٥ – ٣٣٧؛ مؤمن القمي، ١٤١٩: ٢/ ٥١١؛ فرحي، ١٣٨٦: ٤٣١ – ٤٣٢).
9. بعض مدرسي الخارج، مع أنهم يصرحون بأنهم لا يقبلون شاهد الجمع كانقلاب النسبة. (شهيدي پور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣). لكن في بعض الموارد، يعتبرون شاهد الجمع مورد إجماع، ويتراجعون عن قولهم الابتدائي في نفيه ويقولون: ربما لا يمكن رده بشكل قطعي، ولكن يمكن طرحه بعنوان «يمكن أن يقال» أن شاهد الجمع، كجمع عرفي، ليس مورد قبول. (شهيدي پور، درس خارج الأصول، ٩٧/١١/٠٣). وفي موضع آخر ينسبون قبوله إلى المشهور ويقولون إنه نوعًا ما شاهد الجمع مورد قبول. (شهيدي پور، درس خارج الأصول، الجلسة ٦١ الأربعاء ٩٩/٠٩/٢٦).
10. في محله، سيُشار إلى نقاط حول علاقة مسألة شاهد الجمع بانقلاب النسبة بناءً على التبيين المقبول لدى الكاتب.