أثر رأي الميرزا النائيني في مبحث تمايز علم الأصول

الملخص

من أسباب الوقوع في الخطأ عند النظر في المسائل العلمية أن يقوم الباحث بتحليل الظواهر العلمية بشكل متناثر ومستقل ومنفصل بعضها عن بعض؛ فعلى سبيل المثال، يحلل الفقه بمعزل عن الأصول، والأصول بمعزل عن الأدب والفلسفة، ويدرسها منفصلة عن المنطق، وينسب الآثار المترتبة على كل علم من العلوم إلى علم آخر، بحيث ينسب أحيانًا خصائص – مثلًا – إلى الفقه تتداخل مع خصائص موجودة في الأصول؛ في حين أن تلك الخصائص نفسها لا وجود لها في العلم المعني. إن مبحث «تمايز العلوم» يمنع من وقوع مثل هذا الخطأ. يسعى هذا البحث، بعد عرض الآراء المختلفة، إلى تبيين مبنى الميرزا النائيني في تمايز العلوم، وفي النهاية يسلط الضوء على تأثيره في سائر الأصوليين المعاصرين. كما يوضح وجه التمسك بالقواعد الفلسفية مثل «قاعدة الواحد» في بيان المسائل الأصولية.

مقدمة

من الأمور التي يجدر مراعاتها عند البحث في أي مسألة، معرفة إلى أي علم تنتمي تلك المسألة؛ وثمرة هذا الأمر أن طالب ذلك العلم، من حيث ملاحظة العلوم المشابهة له ومقارنتها بسائر المسائل، يكتسب وعيًا أكبر، وهذا العمل وإن كان لا يُعد من الأمور اللازمة، إلا أنه ينطوي على فوائد جمة (الكلانتري، ١٤٢٨: ١/ ١٩٨).

ويمكن الاستفادة من المطلب المذكور في نقطتين:

أولًا، إن مبحث تمايز العلوم له فائدة في فهم في أي من العلوم المختلفة تندرج المسألة قيد البحث. وتوضيح ذلك أن كثيرًا من الأصوليين كالإمام الخميني والسيد الخوئي لا يصححون استخدام «قاعدة الواحد» في علم الأصول (حاج عاملي، ١٤٢٤: ٢/ ٣٨٣؛ الفياض، دون تاريخ: ٥/ ١٠٠)، وينقدونها بشدة قائلين إن هذه القاعدة تجري فقط في الواحد الشخصي (الاشتهاردي، ١٤٠٩: ١/ ١٨ و ٣٥)، ولهذا السبب يرى البعض أن قاعدة الواحد باطلة في حد ذاتها (مقدم، ١٣٩٨: ٤٠ و ٤٢). هذه المسألة تمنع من بروز مثل هذا الاشتباه، وفيما يلي سيتم توضيح مقصود المتمسكين بقاعدة الواحد في المسائل الأصولية.

ثانيًا، إنه بواسطة تمايز العلوم يتضح الفرق بين علم الأصول أو غيره من العلوم كالفقه؛ فمثلًا، من خلال مبحث تمايز العلوم سيتضح ما الفرق بين «أصالة الصحة» في المعاملات و«أصالة البراءة» في علم الأصول. كذلك، بواسطة هذا البحث، سيتضح الفرق بين «أصل الطهارة» في علم الفقه و«أصل البراءة» في علم الأصول.

لفهم رأي الميرزا النائيني بشكل أفضل، من المناسب بعد الإشارة إلى خلفية البحث، دراسة أقوال المنافسين أيضًا حتى يتضح رأيه بشكل أكبر.

خلفية البحث

يعود البحث في تمايز العلوم إلى زمن بعيد، ويمكن الادعاء بأن خلفيته تمتد إلى بداية تشكل المنطق في اليونان؛ لأنه على الرغم من أن المنطق كان مطروحًا قبل اليونانيين باسم آخر (ابن سينا، دون تاريخ: ٣)، إلا أنه تم تدوينه في اليونان، وطرح المناطقة الحديث عن تمايز العلوم (قطب الدين الراوندي، دون تاريخ: ١٨؛ كما كُتبت مقالات متعددة في هذا المجال):

«تمايز العلوم» لصادق لاريجاني، «موضوع العلم ومعيار تمايز العلوم» لصالح حسن زاده، «رأي ابن سينا وملا صدرا في تبيين موضوع الفلسفة وتمايزها عن سائر العلوم» لأعلى توراني وآخرين، «مسار تطور نماذج تمايز العلوم في فكر المفكرين المسلمين» لحامد مصطفوي فرد، «ملاك تمايز العلوم البرهانية وتفاوتها مع ملاك تمايز آخر» لمحمد علي نوري، «إعادة نظر في تمايز الفلسفة الإسلامية والعرفان النظري بمثابة علم» و«قاعدة الواحد وإثبات وحدة موضوع علم الأصول» لغلام علي مقدم، هي مجرد جزء من المقالات العلمية التي تناولت مبحث تمايز العلوم بشكل مباشر أو غير مباشر.

ما يميز هذا البحث عن سائر الموارد هو أنه بالإضافة إلى إظهار تأثير الميرزا النائيني على سائر الأصوليين، فإنه يكشف أيضًا وجه الخطأ في بعض الكتابات في شرح القاعدة الفلسفية، ويثبت أن مثل هذا الخطأ نشأ بسبب عدم الالتفات إلى تمايز المسألة المستخدمة في علمين مختلفين.

الأقوال

في هذا الصدد، ظهرت أقوال مختلفة:

الشيخ الأنصاري، تبعًا للمناطقة (قطب الدين الراوندي، دون تاريخ: ١٨) والمشهور (الخوئي، دون تاريخ: ١/ ٢٥)، يرى أن تمايز العلوم بالموضوعات.

الآخوند الخراساني يرى أن تمايز العلوم بالأغراض (الخراساني، ١٣٨٥: ٨).

البعض يرى تمايز العلوم بالمحمولات.

الميرزا النائيني يرى أن تمايز العلوم بالحيثية الخاصة التي تعرض على كل علم (الكاظمي، ١٤٢٤: ١/ ٢٥ و ٢٦).

القول الأول: الشيخ الأنصاري: الموضوعات

تمايز العلوم بالموضوعات، لأنه بواسطة الموضوعات يحصل التمايز الذاتي والجوهري؛ وتوضيح ذلك أن موضوع كل علم يندرج تحت نوع خاص؛ فمثلًا، علم «الحساب» وعلم «الهندسة» كل منهما يندرج تحت نوع خاص، بحيث يندرج علم الحساب تحت «الكم المنفصل» ويبحث فيه عن أحوال الأعداد، كما أن موضوع علم الهندسة جزء من مقولة «الكم المتصل» ويبحث عن أحكام الخطوط والسطوح، وهذه التمايزات تؤدي إلى تفاوت ذاتي بين العلوم.

نقد القول الأول

مثل هذا التمايز لا يجري في جميع العلوم؛ فمثلًا، بدن الإنسان موضوع لثلاثة علوم هي «الطب» و«التشريح» و«وظائف الأعضاء»؛ حيث إن البدن من جهة عروض الصحة والسقم هو موضوع علم الطب، ومن جهة معرفة الأعضاء والأجزاء هو موضوع علم التشريح، ومن جهة أن غاية المعرفة تتركز على وظائف كل عضو، فهو موضوع علم وظائف الأعضاء؛ في جميع هذه الموارد، الموضوع واحد وهو بدن الإنسان، والتمايز يحصل بواسطة المحمولات (حاج عاملي، ١٤٢٤: ١/ ٢٨).

القول الثاني: المحقق الخراساني: الأغراض

يقول إن تمايز العلوم بالأغراض لا بالموضوعات، لأنه لو كانت الموضوعات سبب التمايز لوجب اعتبار كل باب من أبواب علم ما علمًا مستقلًا، أي أن اختلاف موضوع مسألتين في علم واحد يجب أن يؤدي إلى تعدد العلم (الآخوند الخراساني، ١٣٨٥: ٨)؛ فمثلًا، يجب اعتبار مباحث الألفاظ في علم الأصول ومباحثه العقلية علمين مستقلين، والحال ليس كذلك (القوچاني، ١٤٣٠: ١/ ٢٩)، أو مثلًا باب الفاعل في علم النحو يجب أن يكون علمًا مستقلًا.

نقد رأي المحقق الخراساني

في نقد رأي الآخوند، طُرحت عدة أمور:

أولًا: بما أن المرحوم الآخوند قال إن علم الأصول ليس له عنوان خاص – لأن العنوان الخاص ليس له أي تأثير في موضوعات العلم – ومجموعة من القضايا تشكل علم الأصول، فلا بد من وجود جامع يسري في جميع مسائل علم الأصول؛ وبناءً على هذا البيان، لا مفر من أن يتم تحديد مسائل علم الأصول بشيء آخر، وإلا لحصل الدور.1

ثانيًا: إذا كان تمايز العلوم بتمايز الأغراض، فإن نفس الإشكال الذي طرحه المرحوم الآخوند على الموضوعات يرد على دعواه أيضًا؛ لأنه في كل مسألة غرض وفائدة لا توجد في سائر المسائل، وإذا أُجيب عن هذا الإشكال بأن هذه الأغراض كلها تجتمع تحت غرض واحد وهو الغرض الذي دُوّن العلم من أجله، يُقال في الجواب إن هذا الجواب نفسه يأتي في الموضوعات أيضًا (الطاهري، ١٣٨٣: ١/ ٦٠).

ثالثًا: الالتفات إلى مدوِّن العلم ومتعلمه يوضح وجه نقد رأي الآخوند؛ بحيث إن كلًا من مدوِّن العلم ومتعلمه، بالنسبة لذلك العلم، في مرحلة متأخرة، ينظران إلى الغرض، وبعبارة أخرى، الشخص المواجه للعلم – سواء كان مدوِّنًا أو متعلمًا – في المرحلة الأولى ينظر إلى الموضوع ثم يلتفت إلى الأغراض. هذا الإشكال الأخير أورده الإمام الخميني على رأي الآخوند (الخميني، ١٤٠٩: ١/ ٤٣؛ السبحاني، دون تاريخ: ١/ ٤؛ حاج عاملي، ١٤٢٤: ١/ ٢٧).

نكتة: الإشكال الأخير – نقد الإمام الخميني – لا يرد على المرحوم الآخوند ويمكن الإجابة عنه. بيان المطلب: إذا تم قبول قول «عدم حاجة العلم إلى موضوع»، يمكن التخلص من إشكال تأخر الغرض عن الموضوع الذي ورد على المرحوم الآخوند، لأنه أساسًا علم الأصول – كمثال – ليس له موضوع خاص حتى يُشكل بأن الغرض متأخر عن الموضوع؛ كذلك إذا قُبل بأن الأغراض المترتبة على العلوم المختلفة تترتب على العلم بعد العلم به، لا أنها تترتب على نفس العلم، فلن يرد إشكال المرحوم الإمام على رأي المحقق الخراساني. بعبارة أوضح، الأغراض تترتب على «العلم بالعلوم» لا على «نفس العلوم».

القول الثالث: المحمولات

قد يقال إن المحمولات هي سبب تمايز العلوم، فمثلًا في علم الفقه يُبيّن الحكم الجزئي لأفعال المكلفين، ولكن في علم الأصول يُكشف عن الحكم الكلي للمكلف.

نقد القول الثالث

إذا كان تمايز العلوم بسبب المحمولات، فيجب أن تكون كل قضية علمًا مستقلًا، فمثلًا في عبارتي «الفاعل مرفوع» و«الفاعل إما ظاهر وإما مضمر» يجب أن يُطرح علمان مستقلان، وفساد هذا ظاهر. بل يجب أن يُعتبر كل مسألة علمًا مستقلًا، مثلًا رفع الفاعل ونصب المنصوب يجب أن يُحسبا علمين مستقلين، والحال ليس كذلك؛ لذا فإن ما يسبب تمايز وتعدد العلوم هو أهداف وأغراض العلم لا الموضوعات والمحمولات (آخوند خراساني، ١٣٨٥: ٨).

القول الرابع: رأي المحقق النائيني

لفهم رأي الميرزا النائيني في مبحث تمايز العلوم، يجب أولًا طرح مقدمتين:

المقدمة الأولى: الميرزا النائيني، مثل المرحوم الآخوند ومشهور الأصوليين، يرى أن موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية (الخوئي، ١٤١٩: ١/ ٦؛ الكاظمي، ١٤٢٤: ١/ ٢٠). كما أنه، مثل المرحوم الآخوند، يعرّف علاقة موضوع كل علم بمسائل ذلك العلم بأنها علاقة الكلي الطبيعي بأفراده ومصاديقه؛ أي كما أن الكلي الطبيعي متحد مع أفراده ومصاديقه بالحمل الشائع الصناعي ومغاير له بالحمل الأولي الذاتي، فإن هذه العلاقة نفسها تُطرح في موضوع العلم مع مسائله؛ فمثلًا، موضوع علم النحو هو الكلمة والكلام، ومبحث «الفاعل» و«المفعول» يشكلان مسائل ذلك العلم؛ في هذا المثال، الفاعل والمفعول متحدان من حيث المصداق مع الكلمة التي هي موضوع علم النحو، ولكنهما يغايرانها من حيث المفهوم (الكاظمي، ١٤٢٤: ١/ ٢٢).

المقدمة الثانية: بناءً على هذا المبدأ القائل بأن علاقة موضوع كل علم بمسائله هي علاقة الكلي الطبيعي بمصاديقه – والذي كان مقبولًا لدى الميرزا النائيني – يُطرح إشكال يكون الجواب عنه سببًا في تحديد «تمايز العلوم» أيضًا.

الإشكال: هذا الادعاء بأن علاقة موضوع كل علم بمسائله هي علاقة الكلي الطبيعي بمصاديقه ليس صحيحًا؛ لأن علامة الرفع التي تعرض على الفاعل (مسألة علم النحو) لا تعرض على ذات الكلمة (موضوع علم النحو) من حيث هي، بل تعرض على الكلمة بواسطة عروضها على الفاعل، ونتيجة لذلك، على الرغم من أن وزن «الرفع» بالنسبة إلى «الفاعل» هو من وزن العوارض الذاتية، إلا أن وزن «الرفع» بالنسبة إلى «الكلمة» هو من وزن العوارض الغريبة، وهذا يستلزم ورود نقض على المبدأ المذكور القائم على اتحاد موضوع كل علم بمسائل ذلك العلم.

بعبارة فنية، موضوع الرفع هو «الكلمة بشرط الفاعلية» (مسائل علم النحو)، وموضوع علم النحو هو نفس «الكلمة» بصورة قضية لا بشرط (موضوع علم النحو)، ومن الواضح أن «القضية بشرط شيء» تغاير «القضية لا بشرط»، ونتيجة لذلك، فإن موضوع العلم سيغاير موضوع مسائله، لأنه وفقًا للبيان المذكور، ما يُبحث عنه في مسائل العلم لا يُعد من العوارض الذاتية، بل يُحسب من العوارض الغريبة (نفس المصدر).

يمكن تبيين المطلب الذي طرحه الميرزا النائيني من خلال طرح مبحثين وبيان إشكالين وجواب واحد:

المبحث الأول: الذاتي في اصطلاح القدماء هو أن يؤخذ المحمول في حد الموضوع، أو أن يؤخذ الموضوع في حد المحمول. توضيح ذلك أن القضية لكي تكون برهانية تحتاج إلى أربعة شروط: ١. أن تكون ضرورية الصدق. ٢. أن تكون دائمية الصدق. ٣. أن تكون كلية الصدق. ٤. أن يكون المحمول ذاتيًا.

يتمحور الذاتي في اصطلاح القدماء حول الشرط الأخير، حيث يعتقدون أن العرض الذاتي هو ما يؤخذ في حد التعريف، ويكون الموضوع جزءًا من حد التعريف، بحيث يكون شرط تعريف المحمول هو أن يكون الموضوع جزءًا من المحمول. بعبارة أخرى، الموضوع من مقدمات المحمول ومن علله الوجودية؛ فمثلًا، عندما يقال: «الوجود إما واجب وإما ممكن»، فإن الموضوع الذي هو الوجود نفسه قد أُخذ في الواجب وفي الممكن، بمعنى أن الواجب موجود بالضرورة والممكن موجود بالإمكان. ولكن في بعض الموارد يكون الأمر بالعكس، ويؤخذ المحمول في الموضوع، مثل «الواجب موجود»، ففي هذا المثال، أُخذ المحمول في حد الموضوع.

المبحث الثاني: سبب طرح القدماء لهذا البحث هو إثبات أن «موضوع العلم» متحد مع «موضوع مسائل العلم»، وإلا ففي حالة عدم اتحادهما لن يكون ذلك العلم قطعيًا. بسبب المطلب المذكور، اشتهرت هذه الجملة على ألسنتهم: «في كل علم يُشترط أن تكون قضاياه يقينية». واتحاد ومساواة «موضوع العلم» مع «مسائل العلم» يتوقف على أحد أمرين: إما أن يؤخذ الموضوع في المحمول، أو أن يؤخذ المحمول في الموضوع، كما في المثالين المذكورين في السطور السابقة، أي «الوجود إما واجب أو ممكن» حيث أُخذ الموضوع في المحمول، و«الواجب موجود» حيث أُخذ المحمول في حد الموضوع.

بعد التعرف على الذاتي من منظور القدماء، يبرز إشكال سيتم تناوله أدناه.

الإشكال الأول: في كثير من العلوم، «موضوع العلم» لا يساوي «مسائل ذلك العلم» ولا يتحدان، مثل موضوع علم النحو الذي هو الكلمة والكلام، ومسائله هي الفاعل والمفعول وما شابه ذلك، في هذا المورد، المسألة أخص من موضوع علم النحو، والشرط المذكور في عبارات القدماء القائم على اتحاد «الموضوع» مع «المسائل» لم يُراعَ.

الجواب: يمكن دفع هذا الإشكال بالنظر إلى مسألة «علاقة موضوع العلم بمسائل العلم»، حيث إن الاتحاد بين الموضوع والمسائل قد رُوعي، لأن علاقة الموضوع بالمسألة هي علاقة الكلي بالفرد، وكما أن الكلي متحد مع أفراده، فإن الموضوع أيضًا متحد مع المسألة، وقد أشير إلى توضيحه.

الإشكال الثاني: علاقة موضوع كل علم بمسائله ليست علاقة الكلي الطبيعي بمصاديقه، لأنها تحتوي على مادة للنقض؛ حيث إن كون الفاعل مرفوعًا يُحسب من مسائل علم النحو، ولكنه لا يرتبط بموضوع علم النحو الذي هو الكلمة والكلام بعلاقة الكلي الطبيعي بمصاديقه، لأن كون الفاعل مرفوعًا بالنسبة إلى الكلمة هو من الأعراض الغريبة لا من الأعراض الذاتية، لأن المرفوعية بما هي هي لا تعرض على الكلمة، بل تعرض عليها بماهية الفاعل.

يقول المرحوم الميرزا النائيني في جواب الإشكال الأخير إن الفاعلية هي علة عروض الرفع على الفاعل، لا أن الرفع يعرض على الفاعل، ونتيجة لذلك، فإن الواسطة في هذا المبحث هي واسطة في الثبوت لا واسطة في العروض، ومعلوم أن الواسطة في الثبوت لا تتنافى مع العرض الذاتي؛ وعليه، فإن الشيء نفسه الذي يعرض على الفاعل يعرض بنفس الخاصية على الكلمة أيضًا (إن ما يعرض للفاعل من الرفع يعرض للكلمة بعين عروضه للفاعل من دون واسطة). بيان المطلب:

موضوع علم النحو ليس «الكلمة من حيث هي لا بشرط» حتى يظهر الإشكال المذكور، بل موضوع علم النحو هو «الكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء»؛ كما أن الكلمة من حيث لحوق الصحة والاعتلال هي موضوع علم الصرف. ونتيجة لذلك، يتحد موضوع العلم مع موضوع مسائله، فمثلًا، الموضوع في عبارة علماء النحو القائلة «كل فاعل مرفوع» هو نفس الكلمة، لأنه كما أشير، موضوع علم النحو هو الكلمة من حيث الإعراب والبناء؛ وبعبارة أخرى، عندما يبحث عن الفاعل، لا يبحث عنه من حيث تقدمه على المفعول أو صدور الفعل منه، بل يبحث عنه من حيث الإعراب والبناء، ومن الواضح أن الكلمة من هذه الحيثية (حيثية الإعراب والبناء) تقع موضوعًا لعلم النحو؛ كذلك، موضوع علم الفقه ليس فعل المكلف من حيث هو، بل موضوع علم الفقه هو فعل المكلف من حيث عروض الأحكام الشرعية عليه. ونتيجة ذلك أن موضوع كل علم متحد مع موضوع مسائله، شريطة أن يُلحظ موضوع مسائل العلم ملحوظًا بشرط شيء، وهو «قيد الحيثية».

إن أخذ «قيد الحيثية» والخلاص من الإشكال المذكور يستلزم بروز إشكال آخر سيتم التطرق إليه أدناه.

الإشكال

مثل هذا العمل يؤدي إلى أخذ «عقد الحمل» في «عقد الوضع». بيان الإشكال:

في السطور السابقة، قيل إن المقصود من عبارة «الكلمة إما معربة أو مبنية» في علم النحو ليس مطلق الكلمة، بل المقصود هو الكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء؛ ولازمة مثل هذا البيان أن تكون عبارة «الكلمة إما معربة أو مبنية» بمنزلة عبارة «الكلمة المعربة أو المبنية، إما معربة أو مبنية»، والحال أن بطلان مثل هذا الأمر واضح، لأنه يستلزم حمل الشيء على نفسه؛ بعبارة أخرى، أُخذ المحمول في الموضوع، وهذا ضروري البطلان.

الجواب

المراد مما يقال إن الكلمة من حيث الإعراب والبناء هي موضوع علم النحو، ليس الكلمة التي تحيثت بالفعل بحيثية الإعراب والبناء حتى يظهر إشكال حمل الشيء على نفسه، بل المراد هو الكلمة التي لها قابلية لحوق الإعراب والبناء، وعندما يدور البحث حول كلمة لها استعداد للحوق أي من الإعراب والبناء، يمكن أن تقع موضوعًا لعلم النحو ويقال: «الكلمة من حيث الإعراب أو البناء هي موضوع علم النحو».

النتيجة هي أن قيد الحيثية بالمعنى المذكور، أي «استعداد وقوة لحوق عنوان ما»، يمكن أن يسبب ظهور علوم مختلفة، فمثلًا، الكلمة «من حيث لحوق الإعراب والبناء» هي موضوع علم النحو، و«من حيث لحوق الصحة والاعتلال» هي موضوع علم الصرف (الكاظمي، ١٤٢٤: ٢٢/١).

تأثير رأي النائيني على سائر الأصوليين

طُرح رأي الميرزا النائيني في أثناء كلمات بعض الأصوليين أيضًا؛ فمثلًا، آية الله السبحاني الذي يرى أن تمايز العلوم بـ«الميز الجوهري» ويقول إن الميز الجوهري يحصل بواسطة الموضوعات (حاج عاملي، ١٤٢٤: ١/ ٣٠)، قد استعار في تبيين رأيه من الميرزا النائيني؛ حيث يقول في تمايز العلوم:

التمايز بين العلوم ظاهريًا يكون بالأغراض، وإلا ففي الواقع، إن تمايز العلوم رهن لأمر جوهري متقدم على غرض كل علم، فمثلًا، الفرق الجوهري بين علمي الصرف والنحو، يُتصور من خلال الجامع المطروح بينهما، أي في علم الصرف يبحث عن عوارض الكلمة والكلام من حيث الصحة والاعتلال، ولكن في علم النحو يبحث عنها من حيث الإعراب والبناء (نفس المصدر: ٢٧)؛

كما هو واضح، هذا التقرير هو نفس بيان الميرزا النائيني، لأنه هو أيضًا مثل المرحوم الميرزا يقول إنه في علم الصرف والنحو يبحث عن الكلمة والكلام، مع فارق أن الكلمة في علم الصرف تُبحث من «حيث الصحة والاعتلال»، وفي علم النحو تُبحث من «حيث الإعراب والبناء».

كذلك، المحقق الداماد بعد نقد قول المشهور والمحقق الخراساني، يطرح في تبيين الرأي المختار مطالب تتوافق تمامًا مع رأي المحقق النائيني؛ حيث يقول:

من المناسب أن يقال إن المراد بالأغراض ليس الفائدة المترتبة على كل مسألة، بل المراد هو الداعي الذي يدعو القارئ إلى ذلك العلم؛ فمثلًا، مدوّن كل علم له داعٍ ومحفز يدفعه إلى جمع القضايا المتناثرة في الخارج والمرتبطة بمطلب واحد وتدوين ذلك العلم؛ ونتيجة لذلك، يكون تمايز العلوم بتمايز الأغراض الشخصية التي تدفع إلى اختيار الموضوع والبحث حول أحواله وعوارضه لمدوّن ذلك العلم، فمثلًا، إذا كان موضوع علم النحو هو مطلق هيئة الكلمة، فإن مسائل الصرف والنحو تدخل في عوارضه، وإذا فُرض أن موضوعه هو هيئة آخر الكلمة فقط، فإنه يختص بمسائل علم النحو، فإذًا ما يسبب تمايز العلوم هو تمايز الأغراض الشخصية حين تدوين العلم، فمثلًا، ما يجعل علم الصرف متميزًا عن النحو هو أن غرض مدوّن علم النحو قد تعلق بموضوع خاص هو هيئة آخر الكلمة، لذا يتحقق التمايز بواسطة الغرض المتعلق بموضوع خاص (الطاهري، ١٣٨٣: ١/ ٤٠).

كما هو واضح، هذا التحليل يتوافق مع بيان المحقق النائيني.

ثمرات مبحث تمايز العلوم

بغض النظر عن الثمرة العلمية لمبحث تمايز العلوم، يمكن طرح ثلاث ثمرات:

الثمرة الأولى هي أنه بواسطة هذا المبحث يتضح سنخ المحمولات المطروحة في العلوم المختلفة؛ فمثلًا، عندما يقال في الأصول إنه عند الشك في أصل التكليف تجري «أصالة البراءة»، فإن الفرق بينها وبين «أصالة الطهارة» في الفقه يتضح لعالم هذه العلوم؛ ومن هذا المورد، يتضح وضع الموارد المشابهة كالشك في المكلف به الذي يبحث عنه في الأصول كمجرى لقاعدة الاحتياط، مع قاعدة النجاسة في الدم التي تبحث في الفقه.

الثمرة الثانية هي المطلب التالي:

الميرزا القمي وصاحب الفصول، اعتبرا موضوع علم الأصول هو «الأدلة الأربعة»؛ مع فارق أن موضوع العلم من منظور الميرزا القمي هو الأدلة الأربعة بوصف الحجية (الميرزا القمي، ١٤٣٠: ١/ ٤٧)، ولكن صاحب الفصول اعتبر ذات الأدلة – بدون وصف الحجية – موضوعًا له (الأصفهاني، ١٤٠٤: ٩ و ١٢)، وكلا القولين واجها نقدًا مفصلًا في كتب الأصول (الآخوند الخراساني، ١٣٨٥: ٨ و ٩؛ الخوئي، ١٤١٩: ١/ ١٣ و ١٤). أحد النقود الواردة على القولين المذكورين يستقيم بالنظر إلى مبحث تمايز العلوم. بيان المطلب:

إن البحث عن الدليلية وتمييزها عن سائر المسائل إنما يحصل بواسطة المحمول، والموضوع في العلوم هو ذات الدليل فقط، وإذا أُدخل اعتبار الدليلية في الموضوع أيضًا (مثل مقالة الميرزا القمي) بحيث يحصل التميز بواسطته، فلا يعود من المعقول أن يُطرح البحث عن ذات الشيء ويُحسب من مسائل العلم، وحتى لو جرت مقالة صاحب الفصول أي «ذات الدليل»، فإن الإشكال باقٍ، لأن تمايز العلوم يحصل بتمايز حيثيات المحمول على الموضوعات، وإذا بُحث عن ذات الدليل (مقالة صاحب الفصول)، فإن ذات الدليل هذه تحصل بواسطة المحمول العارض على الموضوع، ولذا يبقى الإشكال (المجتهد التبريزي، ١٣١٧: ٨٩)؛ وبعبارة أخرى، دعوى صاحب الفصول هي جمع بين نقيضين، لأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات العارضة على الموضوع؛ فمثلًا، الكلمة من حيث «الإعراب والبناء» غير حيث «الصحة والاعتلال»، وهاتان الحيثيتان غير حيثية «الفصاحة والبلاغة»؛ والموارد المذكورة تسبب تشكيل «علم النحو»، «علم الصرف» و«علم البلاغة»، وهذا المقدار من التميز كافٍ لتمايز العلوم؛ ومن هذه المطالب يُعلم أن اختلاف الأحوال يكون باختلاف الحيثيات، لأن حال الكلمة من حيث الإعراب والبناء وغير هذه الحيثيات هو حال آخر، لذا لا يُعقل أن تُعتبر حيثية الدليلية في الموضوع أيضًا ومع ذلك يُبحث عن ذات الدليل (التهراني النجفي، ١٣٢٠: ٢/ ٧٨ و ٧٩).

الثمرة الثالثة من نتائج مبحث تمايز العلوم هي فهم كيفية استخدام بعض المسائل الفلسفية في سائر العلوم. بعض الأصوليين مثل الشيخ الأنصاري (الكلانتر، ١٤٢٨: ٢/ ٥٢) والمحقق الخراساني (الخراساني، ١٣٨٥: ٢٠١) استخدموا «قاعدة الواحد» في تبيين المسائل الأصولية، وهذا النوع من استخدام المسائل الفلسفية تعرض لنقد شديد من قبل كبار العلماء بعد الآخوند مثل الإمام الخميني (السبحاني، ١٤٢٣: ١/ ٥٠٤) والسيد الخوئي (الفياض، دون تاريخ: ٥/ ١٠٠ و ١٠١) وتلامذة العلمين. بالنظر إلى المطلب المذكور، ولتبيين قاعدة الواحد والفرق بينها في المباحث الفلسفية والأصولية، لا بد من ذكر مطلبين كمقدمة بشكل مختصر:

المطلب الأول: المرحوم الشيخ الأنصاري في المبحث المعروف بتعدد الشرط ووحدة الجزاء، يرى لرفع التعارض بين المنطوق والمفهوم أنه يجب النظر إلى «الوجه المشترك» من تعدد الشرط حتى يرتفع التعارض بين المنطوق والمفهوم، ولإثبات دعواه فرّع المسألة المذكورة على قاعدة الواحد.2 المرحوم الآخوند أيضًا، مع أنه لم يقبل قول أستاذه في مسألة تعدد الشرط ووحدة الجزاء، لكنه بطرح عبارة «كما العقل ربما يعين هذا الوجه» يقول إنه لو لم يكن النظر العرفي مقدمًا، لوجب بسبب قاعدة الواحد اتخاذ نفس القول، أي القدر المشترك بين تعدد الشرط (الخراساني، ١٣٨٥: ٢٠١).

المطلب الثاني: كما أشير، نقد الأصوليون بشدة نوع استدلال المرحوم الآخوند الذي تمسك فيه بقاعدة الواحد لتبيين المطالب الأصولية؛ فمثلًا، الإمام الخميني والسيد الخوئي في نقد الآخوند يقولان إنه أخطأ في استخدام قاعدة الواحد في تبيين المسائل الأصولية، وأدخل قاعدة لا مجال لحضورها في المسائل الأصولية في هذا العلم (الفياض، دون تاريخ: ٥/ ١٠٠؛ السبحاني، دون تاريخ: ١/ ٢٨٢)؛ لأن قاعدة الواحد تامة في «الواحد البسيط من جميع الجهات» حتى يُكشف بواسطتها عن الجامع الوحداني الحقيقي – الذي هو بسيط محض -، ولكنها ليست تامة في الموارد التي تكون فيها وحدة المعلول اعتبارية، مثل تعدد الشرط ووحدة الجزاء، ومن الواضح أن وحدة الجزاء في باب المفاهيم هي وحدة اعتبارية لا وحدة حقيقية، وبالتالي فإن استخدام هذه القاعدة لإثبات المسألة الأصولية لن يكون صحيحًا.

بالنظر إلى المطلبين المذكورين، يمكن فهم وجه استخدام المرحوم الآخوند للاستناد إلى قاعدة الواحد لتبيين المسائل الأصولية، ووجه نقد الإمام الخميني والسيد الخوئي له، وهذا المطلب نفسه يظهر تأثير تمايز القواعد المستخدمة من قبل العلماء في العلوم المختلفة.

قبل تحليل الرأيين المذكورين، لا بد من توضيح مختصر حول «قاعدة الواحد».

تقرير قاعدة الواحد

قاعدة الواحد تنص على أن صدور أمر واحد من أمور متعددة محال، لذا لا بد لكل معلول من وجود خصوصية في ذات العلة توجب صدور المعلول (الشيرازي، ١٩٨١: ٧/ ٢٠٧).

نقد فخر الرازي هذه القاعدة وقال إنه لإثباتها أقيمت أربعة أدلة كلها مخدوشة «الأدلة المذكورة في إثبات هذا المطلوب أربعة» (الرازي، ١٤١١: ١/ ٤٦٠). وفي المقابل، نقد الملا صدرا جميع استدلالات فخر الرازي وأجاب عنها (الشيرازي، ١٩٨١: ٧/ ٢٠٧)، لذا فإن ما توهمه البعض من أن هذه القاعدة في حد ذاتها مصحوبة بالتردد والتزلزل (مقدم، ١٣٩٨: ٧ و ٩) ليس صحيحًا، وقد قبلها كبار العلماء مثل الملا صدرا والملا هادي السبزواري (حسن زاده، ١٣٦٩: ٢/ ٤٧٧).

وجه صحة الاستفادة من قاعدة الواحد بواسطة الآخوند

المرحوم الآخوند، تبعًا للملا هادي السبزواري، بالإضافة إلى جريان هذه القاعدة في البسيط المحض، يجريها أيضًا في الواحد النوعي مثل الإنسان. يقول الملا هادي في شرح المنظومة في مبحث الأحكام المشتركة بين العلة والمعلول:

مصدرُ ذا ليس مصدرًا لذا معنىً فكا اقتضى ما حبذا

كذلك في وحدته قد تبعت فاتحد المعلول حيث اتحدت

مصدر ذا (أي مصدر معلول) غير مصدر لذا (معلول آخر)؛ أي أن كل علة لها خصوصية يصدر عنها معلول معين فقط، فمثلًا للنار خصوصية (هذه الخصوصية هي نفسها الصورة النوعية) يصدر عنها الحرارة، أو ما يشبه هذه النسبة للماء والبرودة، أو النور والظلمة، كل منها يقتضي خصوصية في العلة تناسب صدوره؛ ويشرح الشارح لهذين البيتين، المحقق حسن زاده الآملي، ويصرح بأنه إذا فُهم هذا البيان فلا حاجة إلى البيانات المطولة لفخر الرازي ودفع إشكالاته على قاعدة الواحد (حسن زاده، ١٣٦٩: ٢/ ٤٧٧).3

بعبارة أخرى، في هذا الصدد تُطرح قاعدتان؛ إحداهما قاعدة «الواحد لا يصدر إلا عن الواحد» وموردها الواحد الشخصي، والأخرى قاعدة «لزوم السنخية بين المعلول والعلة وبين المؤثر والأثر» وهي مرتبطة بمطلق الواحد ومخصوصة بالواحد الشخصي؛ وحال مقصود المرحوم الآخوند من الاستناد إلى قاعدة الواحد هو المورد الثاني، ولهذا السبب صرح بعض الأصوليين بأنه لا يرد إشكال من جهة الاستناد إلى قاعدة الواحد على المرحوم الآخوند (الميلاني، ١٣٨١: ١/ ٢٣٣). ما يقوي الادعاء المذكور هو أن بعض الأصوليين، مع أنهم في المبحث الأصولي المشار إليه أي تعدد الشرط ووحدة الجزاء، لا يقولون بلزوم لحاظ القدر المشترك لرفع التعارض، ولم يقبلوا قول الشيخ الأنصاري الذي تمسك بقاعدة الواحد لإثبات دعواه، لكنهم قبلوا تقرير قاعدة الواحد لتبيين المسألة الأصولية (الحكيم، ١٤٣٤: ١/ ٥٥٧).4

وجه عدم صحة الاستفادة من قاعدة الواحد

علة عدم صحة الاستناد إلى هذه القاعدة في المسائل الأصولية هي أن أفرادًا مثل الإمام الخميني والسيد الخوئي وأتباعهما يصححون قاعدة الواحد في الواحد البسيط من جميع الجهات والذي لا يجري فيه أي تركيب، أي حضرة الحق جل جلاله؛ وبعبارة أوضح، هذان العلمان يربطان قاعدة الواحد بالأمور التكوينية مثل العقل الأول – بناءً على أن العقل الأول وجود بدون ماهية لا يصدر إلا من البسيط المحض الله جل جلاله – (حاج عاملي، ١٤٢٤: ٢/ ٣٨٢).5

النتيجة

١. بناءً على مبنى الميرزا النائيني، فإن علاقة موضوع كل علم بمسائله هي علاقة الكلي الطبيعي بمصاديقه. واجه هذا الأمر إشكالًا تم دفعه بالنظر إلى التمايز المطروح في العلوم المختلفة.

٢. البعض حدد تمايز العلوم بالفرق الجوهري بينها، وفي تفسيره طرحوا الحيثيات الموجودة في كل علم؛ وهذا البيان هو نفس تقرير المرحوم الميرزا لتمايز العلوم، وبهذه الواسطة يظهر تأثير الميرزا على الأصوليين.

٣. المرحوم الميرزا القمي وصاحب الفصول اعتبرا الأدلة الأربعة – مع تفاوت اقتران قيد الحجية وعدم اقترانه – موضوعًا لعلم الأصول. النقد الوارد عليهما – عدا خروج المسائل الأصولية عن موضوع علم الأصول الذي تم تبيينه في محله – يظهر من خلال مبحث تمايز العلوم.

٤. الهجوم على صاحب الكفاية ونقده في استخدام القواعد الفلسفية مثل «قاعدة الواحد» في تبيين المسائل الأصولية لا يبدو صحيحًا، ويتضح وجه عدم الإشكال من تمايز هذه القاعدة في علمي الأصول والفلسفة، لأن مقصود الآخوند من قاعدة الواحد ليس الواحد الشخصي حتى يُشكل بأن هذه القاعدة تجري في البسيط من جميع الجهات، لأن المباني أولًا مختلفة، والبعض مثل الملا هادي السبزواري يجري هذه القاعدة في غير الواحد الشخصي، ومن الواضح أنه في المباحث العلمية يجب قدر الإمكان تجنب الإشكالات المبنائية، وثانيًا يمكن الادعاء بأن مقصود المرحوم الآخوند من القاعدة المذكورة هو «لزوم السنخية بين المعلول والعلة وبين المؤثر والأثر»، ومثل هذه القاعدة تجري في مطلق الواحدات.

الهوامش

1. «لما كان تعيين موضوع العلم، بناء على ما أفاده في بيان الموضوع، موقوفا على تعيين مسائله بحيث تصير جملة من القضايا متعيّنة لكونها مسائل هذا العلم، حتّى يكون الجامع بين موضوعاتها موضوع العلم، فلا بد ان يكون تعيين المسائل مسائل للفنّ بشيء آخر غير الموضوع و إلا دار». (الحاشية على كفاية الأصول، ١١/١).

2. «قد يستشكل في كيفية تأثير الأسباب المتعددة فيما لا يقبل التعدد إذا تعاقب الأسباب أو تواردت دفعة واحدة، فإنه إما أن يقال بسببية كل منهما مستقلا فيلزم المحال المعروف، أو باستناد الأثر إليهما معا، و هو خلاف الفرض ؛ لكفاية أحدهما فيه قطعا». (كلانتري، ١٤٢٨: ٢/ ٥٢).

3. «مصدر ذاك ليس مصدرا لذا معنى أي ذاتا. فإن كل علة لا بد أن يكون لها خصوصية بحسبها يصدر عنها المعلول المعين كما أن للنار خصوصية بالنسبة إلى الحرارة و هي الصورة النوعية النارية و للماء خصوصية بالنسبة إلى البرودة. فذاك و ذا فيما نحن فيه كالنور و الظلمة كل يقتضي خصوصية في العلة يناسب صدوره. و إذا تحقق في بسيط و صدق عليه هذان المفهومان أعني مصدر ذاك و مصدر ذا فكل اقتضى في ذلك البسيط ما بحذا أي الخصوصية الخاصة فيتركب ذلك البسيط. و إذا أحكمت هذا البيان فلا تحتاج إلى البيانات الطويلة الذيل و تقدر أن تدفع الشبهات الفخرية التي في هذا المقام» (حسن زاده آملي، ١٣٦٩: ٢/ ٤٧٧).

4. لا إشكال في أن السيد الحكيم لم يقبل قول الشيخ الأعظم – الذي اعتمد على قاعدة الواحد لإثبات دعواه – بل قبل تفسير قاعدة الواحد في المسألة الأصلية. والسبب هو أن الحكيم الراحل، على نهج الآخوند، ينفي فكرة مثل هذه الحالات نفيًا قاطعًا، ويقول إن قول الشيخ لا يتوافق مع العرف، ولو لم يسود العرف، لكان حكم الواحد هو المعيار للعمل بحكم الواحد، وهو المصير الشامل (قول الشيخ). “فإن كان المقصود جعل تعدد الشروط قرينة على أن موضوع الحكم الذي تشمله العقوبة هو القدر الشامل… فإنه وإن كان قريباً من العرف، كأن بين الشرطين عرفاً شاملاً، بل نقطع قطعاً بما يرد من كل منهما – كالباحث الخراساني – من كون تعدد موضوع الحكم الواحد حقيقة، لانعدام آثار التعدد على الواحد” (حكيم، ١٤٣٤: ١/ ٥٥٧).

5. لا يخفى على العقل أنه لو كانت قاعدة “الواحد لا يصدر إلا عن الواحد” خاصة بالعقل الأول وانبثاقه من البسيط المحض، لما كان لها أصلاً أي تطبيق، لأن العقل الأول ليس بسيطاً من جميع الوجوه، فلا يصح انبثاقه من البسيط المحض وفقاً للقاعدة نفسها. ولذلك، لا بد من القول بأن القاعدة الثانية فقط، وهي أن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد، هي الصحيحة.

قائمة المصادر

ابن سينا، حسين، منطق المشرقيين، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، د.ت.

الاشتهاردي، حسين، تنقيح الأصول (تقريرات درس الإمام الخميني)، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ١٤٠٩ق.

الأصفهاني، محمد حسين، الفصول الغروية، قم، دار إحياء العلوم الإسلامية، ١٤٠٤ق.

الإيرواني، باقر، كفاية الأصول في أسلوبها الثاني، النجف الأشرف، مؤسسة إحياء التراث الشيعي، ١٤٢٩ق.

التهراني النجفي، هادي بن محمد أمين، طهران، محجة العلماء، ١٣٢٠.

الحاج عاملي، محمد حسين، إرشاد العقول إلى مباحث الأصول (تقريرات درس آية الله السبحاني)، قم، منشورات الإمام الصادق (ع)، ١٤٢٤ق.

الحكيم، السيد محمد سعيد، المحكم في أصول الفقه، قم، دار الهلال، ١٤٣٤ق.

الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت، ١٣٨٥.

الخميني، السيد روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول، قم، مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني، ١٤٠٩ق.

الخوئي، السيد أبو القاسم، أجود التقريرات (تقريرات درس الميرزا النائيني)، قم، مؤسسة صاحب الأمر، ١٤١٩ق.

الرازي، فخر الدين، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، قم، منشورات بيدار، ١٤١١ق.

الرازي، قطب الدين، مطالع الأنوار في المنطق، قم، منشورات كتبي نجفي، د.ت.

السبحاني، جعفر، تهذيب الأصول (تقريرات درس الإمام الخميني)، قم، مطبعة مهر، د.ت.

السبزواري، الملا هادي، شرح المنظومة (شرح حسن حسن زاده آملي)، طهران، نشر ناب، ١٣٦٩.

الشيرازي، صدر الدين محمد، أسفار أربعة، بيروت، دار إحياء، ١٩٨١.

الطاهري، السيد جلال الدين، محاضرات (تقريرات درس المحقق داماد)، أصفهان، منشورات مبارك، ١٣٨٣.

الفياض، محمد إسحاق، محاضرات (تقريرات درس آية الله الخوئي)، النجف، منشورات الإمام موسى الصدر، د.ت.

القوچاني، علي، تعليقة القوچاني على كفاية الأصول، قم، منشورات ستارة، ١٤٣٠ق.

الكاظمي، محمد علي، فوائد الأصول (تقريرات درس الميرزا النائيني)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤٢٤ق.

الكلانتري، الميرزا أبو القاسم، مطارح الأنظار (تقريرات درس الشيخ الأنصاري)، قم، منشورات مجمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٨ق.

المجتهد التبريزي، صادق بن محمد، المقالات الغرية في تحقيق المباحث الأصولية، تبريز، نشر مشهر أسد آقا، ١٣١٧ق.

مقدم، غلام علي، «قاعدة الواحد وإثبات وحدة موضوع علم الأصول»، نشرية دراسات أصول فقه إمامية، العدد ١١ (ربيع وصيف ١٣٩٨).

الميرزا القمي، أبو القاسم، قوانين المحكمة، بيروت، دار المرتضى، ١٤٣٠ق.

الميلاني، السيد علي، تحقيق الأصول (تقريرات درس آية الله وحيد)، قم، نشار المؤلف، ١٣٨١.

Scroll to Top