أحاديث النهي عن البكاء على الميت: دراسة في ضوء الفهم الشمولي والسياقي

الملخص

البكاء هو أول رد فعل طبيعي للإنسان عند ولادته وأحد العمليات العاطفية البشرية. وأكثر أنواع البكاء ألماً ومرارةً هو ذلك الذي يحدث عند فقدان شخص عزيز تربطه به علاقة عاطفية. لدى بعض الأديان توجيهات بشأن هذا السلوك الانفعالي؛ ففي الإسلام، على سبيل المثال، توجد روايات تنهى عن البكاء، بينما تجيزه روايات أخرى. في الفئة الأولى، نُهي عن النياحة على الميت بتعبيرات مثل تعذيب المتوفى، أما في الروايات الأخرى، فقد اعتبر البكاء أمراً فطرياً ووُصف بأنه «رحمة». في التراث الإسلامي، بُذلت جهود كثيرة لحل هذا التعارض، وكان أكثرها شيوعاً هو القول بالنسخ، دون تقديم أدلة كافية على ذلك. تسعى هذه الدراسة، من خلال تصنيف الفهوم التقليدية، إلى تقديم قراءة تاريخية متناسبة مع سياق صدور هذه الروايات. تظهر النتائج أن الأمر الأولي بالتحريم كان له ارتباط وثيق بثقافة ما قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية، والتي كانت تتضمن التفاخر والتكاثر في مراسم العزاء والإيمان بالتقمص. وعليه، كان النهي عن البكاء وسيلة للقضاء على تلك المعتقدات. كما يُطرح تأثير الظروف السياسية وخطاب السلطة كفرضية أخرى لهذا النهي.

1. طرح الإشكالية

على الصعيد العالمي، تحظى «طقوس العبور»1 بأهمية بالغة؛ وهي تشمل المراسم والمناسبات التذكارية مثل الولادة والزواج، التي تشير إلى الانتقال من مرحلة إلى أخرى في الحياة البيولوجية والثقافية. ومن هذه الطقوس أيضاً الأمور المتعلقة بالموت. لقد تناول علماء الأديان الموت والمعتقدات المرتبطة به في مختلف الثقافات والأديان من زوايا متعددة؛ على سبيل المثال، في موسوعة الدين، تم تحديد ثمانية أنواع من الأساطير المتعلقة بأصل الموت؛ بدءاً من الإرادة الإلهية الأزلية وربط الموت بالخطايا، وصولاً إلى الصراع بين الكائنات فوق الطبيعية وأثره في موت البشر؛ كما يُعتقد في بعض الثقافات أن الموت هو نتيجة لخداع من كائنات أسطورية (انظر: Van Baaren, 1987: 252؛ للاطلاع على المعتقدات القديمة حول الموت، انظر: Hartland, 1908, 411-444).

في هذا السياق، يحظى البكاء، بوصفه رد فعل فيزيولوجياً وعاطفياً تجاه المعاناة النفسية والمؤثرات البيئية، بالاهتمام في طقوس العبور. لقد اعتبرت المنجزات العلمية الحديثة البكاء مهدئاً للنفس، وذرف الدموع سبباً لتفريغ الشحنات الانفعالية العصبية، وبالتالي وسيلة للسكينة الروحية والجسدية. ولكن على الرغم من الطبيعة الفطرية لهذا الرد الفعل النفسي، نجد معارضة للبكاء في تراث العديد من الثقافات والأديان.

على سبيل المثال، كانت الكنيسة تعارض رثاء «الجوسان» (بويس، 1368ش، 37-38)، وكان كهنة الزرادشتية ينهون الناس عن البكاء في حزنهم على فقدان أحبائهم. وقد ورد بالتحديد أن الأشرار والصالحين يواجهون عند عبور جسر «الصراط» (چينود) والوصول إلى الجنة نهراً هادراً متدفقاً من دموع المشيعين (ژينيو، 1377ش، الفصل 16)؛ وبتفصيل أكثر، كلما زاد النحيب والبكاء، زاد طغيان النهر وصعُب عبور الممر (انظر: هينلز، 1385ش، 97). يمكن تتبع جذور هذه الفكرة في المعتقدات الزرادشتية التي تعتبر الفرح من أصل إلهي (أهورائي)، بينما النحيب والبكاء من فعل شيطاني (أهريمني) (پورداود، 1387ش، 2: 198-199؛ ويدن جرن، 1377ش: 64)؛ ولهذا السبب، يُذمّ العويل والنحيب مراراً في «الأفيستا» (ونديداد، 1385، فرگرد 12). ولا يزال هذا المعتقد سائداً بين أتباع الديانة المزدية (أوشيدري، 1389ش، 353). وبالتالي، فإن معارضة عادة البكاء على الميت لها سوابق تعود إلى ما قبل الإسلام.

2. دراسة المصطلحات

يُظهر استعراض الروايات أن مصطلح «البكاء» هو الأكثر استخداماً، ولكن استُخدمت أيضاً مرادفات أخرى مثل «النيح» و«النياحة». البكاء هو نقيض «الضحك» ويشمل أي نوع من أنواع البكاء والعويل، أما جذر «نوح» فيختص بالعويل والنحيب على الميت بصوت عالٍ؛ وهو معنى موجود في العديد من اللغات السامية (مشكور، 1978م، 2: 940). ولكن يبدو أن هذا المصطلح في اللغة العربية قد اقتصر على تجمّع النساء للبكاء: «أصل النوح: اجتماع النساء في المناحة، وهو من التناوُح أي التقابل» (راغب، 1412ق، 1: 827)؛ «سُميت النساء النوائح نوائح، لأن بعضهن يقابل بعضاً إذا نُحْنَ» (ابن منظور، 1414ق، 2: 627). ورغم أن علم أصول الكلمات لا يؤيد هذا الوجه الشامل للمعنى، فإن ما يهمنا هو الإشارة إلى الدور المحوري للنساء في النياحة، وهو ما سيتم التطرق إليه لاحقاً.2

3. استعراض روايات البكاء على الميت

يمكن تقسيم أحاديث البكاء على الميت إلى فئتين: روايات النهي وروايات الجواز، وسيتم الإشارة إليهما فيما يلي.

1-3. الروايات الناهية والمانعة

يمكن تصنيف الروايات التي تنهى بشكل مباشر أو غير مباشر عن البكاء على الميت إلى أربع مجموعات:

1-1-3. المنع غير المباشر بالإشارة إلى عذاب المتوفى إثر بكاء الأهل

أ- كل أنواع البكاء تؤدي إلى عذاب المتوفى: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (البخاري، 1410ق، 2: 80).

ب- في روايات أخرى، تم تقييد المضمون المطلق السابق ليصبح قضية موجبة جزئية، حيث رُبط العذاب ببعض أنواع بكاء الأهل: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (مسلم، 1412ق، 2: 641). وفي رواية أخرى أكثر تفصيلاً، رُبط العذاب بالوقت الذي يرافق فيه الشخص نياحته بألفاظ مثل «وا ناصراه، وا كاسياه». في هذه الحالة، يُستحضر الميت ويُقال له: «أأنت ناصره؟ أأنت كاسيه؟» (أحمد بن حنبل، 1416ق، 32: 488).

ج- في الفئة الثالثة من الروايات، وهي أقل تواتراً، يُشار إلى بكاء الأحياء دون تقييده بالأقارب والمعارف: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ» (نفس المصدر: 639).

د- في كثير من الروايات، يُشار بكلمتي «النيح» و«النياحة» إلى القبر كمكان للعذاب: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ»، «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ» (أحمد بن حنبل، 1416ق، 1: 428). وتجدر الإشارة إلى أنه في إحدى روايات هذا الحديث، ورد قبله الحديث النبوي: «إِنَّ كَذِباً عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ويبدو أن الراوي كان مدركاً للانتقادات الموجهة لمنع البكاء، وأراد أن يقرنها بالرواية المشهورة «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً…» ليوصل رسالة إلى المخاطبين بأنه لا يكذب على النبي (ص) وأن ما يقوله له من الاعتبار ما يكفي (نفس المصدر، 30: 142).

هـ- في رواية أخرى، أُضيف قيد «يوم القيامة» في النهاية: «مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (مسلم، 1412ق، 2: 644). الذين يعتبرون العذاب من جنس العقوبة الأخروية يستندون في رأيهم إلى هذه الرواية؛ بينما ترى فئة أخرى أن العذاب هو من نوع الألم والضيق في القبر (انظر: ابن الجوزي، 1376ش، 1: 178).

2-1-3. المنع عن طريق ربطه بسلوك جاهلي

أ- في رواية عن النبي (ص): «النِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ» (صدوق، 1413ق، 4: 376). وفي رواية أخرى، يُعتبر إقامة مجلس النياحة بمثابة ترك للصبر ويُعد أمراً خاطئاً (الكليني، 1365ق، 3: 223).

ب- في رواية أخرى، وُضعت النياحة على الميت إلى جانب معتقدات أخرى مثل الاستسقاء بالنجوم والطعن في الأنساب؛ مع توقع أن أياً من هذه الأمور لن يزول من بين الناس حتى قيام الساعة: «ثَلَاثٌ مِنْ أَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَزَالُ النَّاسُ فِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ: الِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَوْتَى» (القاضي نعمان، 1385ق، 1: 226). وفي مسند أحمد، عُدّت النياحة أحد ثلاثة سلوكيات جاهلية قُدّر أن المسلمين لن يتخلصوا منها (أحمد بن حنبل، 1416ق، 12: 519).

ج- كان من شروط مبايعة النبي (ص) للنساء في فتح مكة ترك سنة النياحة الجاهلية في العزاء (النسائي، بي تا، 212). اقتران هذا الشرط بالشروط الواردة في الآية 12 من سورة الممتحنة، مثل عدم الشرك بالله، وتجنب السرقة وقتل الأولاد، يُظهر أهمية هذا الموضوع أكثر من ذي قبل.

3-1-3. النهي المطلق (بدون تقديم دليل)

في إحدى الروايات، لم يُنهَ عن النياحة فحسب، بل نُهي أيضاً عن الاستماع إليها؛ وكأنه اعتراض على ممارسة جماعية: «نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا» (صدوق، 1413ق، 4: 5؛ القاضي نعمان، 1385ق، 1: 225).

4-1-3. ذكر عذاب النائحة على الميت

في الفئة الرابعة من الروايات، تُعتبر النساء النائحات اللاتي لم يتبن قبل موتهن مستحقات لارتداء سربال من قطران ودرع من جرب يوم القيامة: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (مسلم، 1412ق، 2: 642).

2-3. روايات الإباحة والجواز

في مقابل الروايات السابقة، توجد أحاديث تجيز البكاء على الميت؛ على سبيل المثال، اعتبر النبي (ص) الدموع على الميت رحمة من الله وُهبت لقلوب عباده (مسلم، 1412ق، 2: 636). وبالطبع، فإن هذه الفئة من الروايات هي في الغالب من السنة النبوية وتحكي عن بكاء النبي (ص) في فراق أحبائه. وقد سجل جامعو الروايات والمؤرخون روايات مختلفة عن بكاء النبي (ص)، نذكر بعضها فقط.

أ- عن أم أيمن: «رأيت النبي (ص) يبكي تحت جنازة عبد المطلب» (ابن الجوزي، 1418ق، 18).

ب- كما أنه بكى على قبر والدته حتى أبكى من حوله (ابن شبة، 1410ق، 1: 118).

ج- عن علي (ع): «لما أخبرت النبي (ص) بوفاة أبي طالب، بكى» (ابن سعد، 1410ق، 1: 99).

د- أما أكثر الروايات، فهي تتعلق بالسنة الثالثة للهجرة بعد غزوة أحد؛ حيث بكى النبي (ص) بصوت عالٍ عندما رأى جثمان حمزة المُمثَّل به (ابن عبد البر، 1412ق، 1: 374). وفي رواية أخرى، لم يكتفِ بالبكاء بنفسه، بل هيأ الأسباب لبكاء الآخرين أيضاً (انظر: البلاذري، 1417ق، 4: 289).

هـ- البكاء في مصاب الأبناء: بكى النبي (ص) في مأتم ابنه إبراهيم، وعندما سأله الصحابة عن السبب، قال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» (ابن ماجه، 1418ق، 3: 109؛ صدوق، 1361ق، 1: 177). كما جلس (ص) على قبر ابنته رقية وعيناه تذرفان الدموع (أحمد بن حنبل، 1416ق، 21: 84). والجدير بالذكر أن عدداً من النساء كن يبكين مع النبي (ص)، فبدأ عمر بن الخطاب بضربهن وتأنيبهن. عندئذ، أوقف النبي (ص) عمر وقال للنساء: «ابكين، ولكن احذرن نعرة الشيطان؛ فالحزن والدمع ما داما ينبعان من القلب وتفيض بهما العين فهما رحمة ولطف من الله، فإذا وصل إلى الضرب باليد والصياح باللسان، فهو من الشيطان» (ابن حجر، 1415ق، 8: 138). وفي نفس الحادثة، ورد أن السيدة فاطمة (س) كانت تجلس على حافة القبر وتبكي؛ حتى أن أباها كان يمسح دموعها بطرف ردائه (نفس المصدر).

و- البكاء على الأصحاب: كان فقدان بعض الأصحاب سبباً في جريان دموع النبي (ص)؛ على سبيل المثال، بكى (ص) عند وفاة عثمان بن مظعون (الترمذي، 1419ق، 3: 205). كما زار (ص) بعد غزوة حمراء الأسد عائلة سعد بن الربيع -أحد شهداء معركة أحد- وذكر هناك بطولة سعد وتضحيته؛ وفي تلك الأثناء، كان النبي (ص) يبكي مع عائلة سعد (الواقدي، 1409ق، 1: 329).

4. الاتجاهات في التراث الإسلامي

يمكن تصنيف شروح المحدثين وشرّاح كتب الروايات ضمن خمسة اتجاهات رئيسية:

1-4. قبول روايات النهي واعتبار البكاء ممنوعاً

الاتجاه الأول هو القبول العام وظاهر الروايات. كان الخليفة الثاني من بين معارضي أي شكل من أشكال العزاء، حيث كان يضرب الباكين بالعصا ويرميهم بالحجارة ويرش عليهم التراب، مستنداً إلى روايات النهي (البخاري، 1410ق، 2: 383). وفي رواية أخرى، يُذكر أن أحد أقارب رسول الله (ص) توفي، فاجتمعت النساء حوله وبدأن في البكاء. فقام عمر ونهاهن وفرّق اجتماعهن مستنداً إلى روايات العذاب (النسائي، بي تا، 212). بناءً على هذا الاعتقاد، منع الخليفة الثاني مجلس عزاء عائشة لوفاة أبيها؛ لكن عائشة لم تعبأ بذلك، غير أن عمر لم ييأس وأمر هشام بن الوليد بضرب المعزين بالسوط وتفريقهم! والجدير بالانتباه هو ما ترسخ في اعتقاد عمر بن الخطاب؛ حيث قال للنساء: «أتردن أن تعذبن أبا بكر ببكائكن؟! فإن الميت ليعذب ببكاء أهله» (ابن سعد، 1410ق، 3: 156).

ظل هذا الاعتقاد مع عمر بن الخطاب حتى وفاته؛ فعندما طُعن، وبكى عليه صهيب، قال له: «أتبكي عليّ يا صهيب؟ وقد قال رسول الله (ص): إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه؟» (النسائي، بي تا، 212). كما كان ابن عمر من صغار الصحابة على رأي أبيه؛ فعندما توفيت ابنة عثمان، شكى عبد الله بن عمر من بكاء الناس وقال لابن عثمان: «سمعت من النبي (ص) يقول: الميت ليعذب ببكاء أهله عليه؛ فلم لا تنهون الناس عن البكاء؟» (مسلم، 1412ق، 2: 641).

السلفيون عبر التاريخ، الذين عارضوا عادةً أي شكل من أشكال العزاء، قبلوا الرواية بالكامل. على سبيل المثال، انتقد ابن تيمية الشيعة، وهاجم إقامة أي مجالس عزاء ونياحة (ابن تيمية، 1426ق، 1: 26). وفي العصر الحديث، أعلن الوهابيون، استناداً إلى الروايات المذكورة، تحريم جميع الاجتماعات التي تقام للمتوفى (عبد الوهاب، بي تا، 46). واعتبروا البكاء سبباً لعذاب المتوفى، ورفضوا تبريرات الفرق الأخرى التي حاولت إنكار هذه الروايات أو حصرها في فئة معينة، معتبرينها مخالفة لظاهر الرواية. كما اعتبر ابن عثيمين الاجتماع عند الموتى وقراءة القرآن وتوزيع الصدقات بدعة، وعلل النهي باقترانه بالنياحة والبكاء (ابن عثيمين، 1413ق، 17: 418).

2-4. التصحيح في إطار تقديم سبب صدور خاص

الاتجاه المشهور والشائع في التعامل مع هذه الروايات هو نفي التعميم وتصحيحها في إطار تقديم سبب صدور خاص. كان لعائشة دور مهم في هذا المجال؛ فعندما نُقل إليها الحديث، نسبت النسيان والخطأ إلى رواته، أي عمر وابنه؛ لأنها كانت تعتقد أن الجملة قيلت عند مرور النبي (ص) بقبر يهودي ومخاطبته له؛ وفي هذه الحالة، يكون ترجمة الرواية كالتالي: «إنكم لتبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره» (مسلم، 1412ق، 2: 642). إذن، نحن لا نواجه حكماً كلياً وعالمياً.

في موقف آخر، استناداً إلى آية ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر: 18)، حصرت عائشة العذاب في حالة ما إذا كان المتوفى كافراً (مسلم، 1412ق، 2: 641). وتجدر الإشارة إلى أن البيهقي رحب بتوضيح عائشة، معتقداً أن البكاء على الكافر يوجب العذاب وأن هذه الروايات لا علاقة لها بالمؤمن (البيهقي، 1412ق، 302). وقد توصل عبيد الكلباني، مؤلف كتاب «حول البكاء على الميت»، إلى النتيجة نفسها (انظر: الكلباني، 1428ق، 75-80).

كما استند ابن عباس إلى كلام عائشة، فاعتبر عمر بن الخطاب هو قائل روايات تحريم البكاء ونفى صدورها عن النبي (ص) (البخاري، 1410ق، 2: 373)؛ واستناداً إلى آية ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾ (النجم: 43)، اعتبر الصيغة الصحيحة هي «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (نفس المصدر).

3-4. التصحيح في قالب الالتفات إلى القلب وتغيير موضع الجمل

بالإضافة إلى الحل السابق الذي حظي بانتشار أوسع، ورد تصحيح آخر لعائشة في المجامع الروائية، وإذا اعتبرناه صحيحاً، يجب القول إن روايات عذاب الميت كانت نوعاً من الخطأ في السماع. وتوضيح ذلك أنه عندما قيل لعائشة «إِنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ»، اعترضت بشدة ونسبت النسيان إلى الراوي، أي ابن عمر، وصححت الرواية على النحو التالي: «إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ؛ أي أن الميت يعذب في قبره بسبب خطاياه وذنوبه، بينما أهله يبكون عليه في تلك اللحظة» (البخاري، 1410ق، 6: 247؛ مسلم، 1412ق، 2: 643). بعبارة أخرى، كانت تعتقد بحدوث قلب وتغيير في موضع الكلام وتداخل العبارات. ومن المهم الانتباه إلى تتمة كلام عائشة؛ فقد أشارت إلى أن الحديث المذكور يشبه قول النبي (ص) لقتلى المشركين على قليب بدر (نفس المصدر). ووجه الشبه بينهما هو أن الإنسان لا يموت ويفنى بالموت، بل يظل على علم بما يحدث. وبالطبع، اعتبر ابن قتيبة محاولة عائشة مبنية على الظن والتخمين، ورأى أن رواية النبي (ص) لا تحتاج إلى تأويل (انظر: ابن قتيبة، بي تا، 235).

4-4. حمل الرواية على شروط خاصة (التقييد)

حاول البعض أن يفترض قيداً مضمراً ومخفياً لعذاب المتوفى؛ فغالبية علماء الشافعية حملوا الرواية على من أوصى بالبكاء والنياحة عليه بعد موته (البيهقي، 1412ق، 302؛ النووي، 1426ق، 2: 63). واكتفت فئة أخرى بهذا القدر، معتبرة التوصية بترك النحيب والبكاء أمراً لازماً؛ لأن السكوت في هذا المجال قد يُعتبر علامة على الرضا بالعزاء (الجرداتي، 1412ق، 3: 307؛ الكاندهلوي، 1420ق، 4: 288). في كلتا الحالتين، تم تقييد نص الحديث بشرط خاص.

وذهب آخرون، بمنهج كلامي، إلى ربط الروايات الناهية بالوقت الذي يتجاوز فيه النائح حدود الصبر المعتادة، ويعترض بغضب على القدر الإلهي. على سبيل المثال، اعتبر الدهلوي البكاء على الميت والحزن على فقده أمراً طبيعياً وعلامة على رقة المشاعر ومقتضى سلامة المزاج. واستناداً إلى رواية «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»، اعتبر النهي عن البكاء مقترناً بأفعال مثل شق الجيوب ولطم الخدود، مما يمثل عودة إلى الأخلاق الجاهلية (الدهلوي، 1426ق، 2: 58). وقد حظي هذا التحليل بقبول بعض علماء الشيعة وأهل السنة (انظر: النجفي، 1362ش، 4: 367؛ الحلي، 1407ق، 1: 342؛ النجفي، 1362ش، 4: 365؛ الزحيلي، 1409ق، 2: 544).

5-4. التوسل بالتأويل: العذاب بمعنى الألم الروحي

اعتبر السيوطي في «شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور»، وابن جرير الطبري وابن تيمية، أن روايات النهي عن البكاء على الميت صحيحة، مع فارق أنهم فسروا العذاب بأنه ألم روحي للمتوفى (السيوطي، 1417ق، 291). ومستندهم حديث بنت مخرمة التي كانت تبكي على وفاة ابنها، فقال لها النبي (ص): «أما يشق عليكم أن تحسنوا إلى صاحبكم في الدنيا، فإذا مات استرجعتم؟ والذي نفس محمد بيده، لو بكيتم ليتألم، فلا تعذبوا موتاكم» (الطبراني، 1404ق، 25: 8). وفي رواية أخرى، ورد أن المتوفى يبكي لتألم أهله: «فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صُوَيْحِبُهُ» (المزي، 1406ق، 35: 279). وقد اعتبر ابن حجر العسقلاني هذا الحديث حسن الإسناد (ابن حجر، بي تا، 3: 123). ويؤيد بعضهم هذا القول بروايات تفيد بأن أعمال الأقارب تُعرض على المتوفين؛ وعليه، فإن هذا البكاء يسبب لهم الحزن (الشوكاني، 1973م، 4: 158)؛ ولكن المؤلف في نهاية المطاف لا يقبل بأي تقييد أو تأويل ويحمله على معناه الظاهري، انظر نفس المصدر، 4: 159-161).

في ختام هذا القسم، يجب الإشارة إلى محاولة عدد من الفقهاء الذين سعوا إلى إدخال مقاصد البكاء في الحكم؛ أي إذا كان البكاء بمعنى عدم الرضا بقضاء الله، فهو حرام، أما إذا كان من باب المحبة أو بسبب الصعوبات التي تواجه المرء بعد الموت، فهو مباح (شافعي صغير، 1413ق، 3: 16).

5. المقاربة التاريخية الحضارية للروايات

كما مر، فإن الخلافات حول جواز البكاء على الميت أو منعه كثيرة جداً؛ وهذا القدر من الخلاف يثير الدهشة حتى بين الذين عاشوا في صدر الإسلام وعاصروا النبي (ص). وقد تبين لاحقاً أن علماء القرون التالية حاولوا، كلٌ بوسائله المختلفة، إيجاد حل للخروج من هذا المأزق؛ وهي حلول لم يحظَ أي منها بقبول عام ولم يقنع الآخرين. ويظهر من التحليلات أنهم كانوا منشغلين بإعادة إنتاج نموذج فوق زماني ومكاني للقضايا، وسعوا لتحقيق أهداف أخلاقية؛ ونتيجة لذلك، كانت هذه الحلول غير تاريخية من حيث منشئها وغايتها، بينما يبدو أن ما يساعد في حل هذه الرواية والخروج من المأزق هو اعتبار عنصري الزمان والظروف الثقافية لصدور الروايات. وفيما يلي، نشير إلى فرضيات تستند إلى هذه المقاربة.

1-5. التصدي للتباهي في العزاء والدفن

يبدو أنه يمكن اعتبار النهي عن البكاء على الميت موقفاً تصادمياً مع ثقافة سكان الحجاز قبل الإسلام، والبحث عن الأدلة هناك. لذلك، من الضروري لفهم أفضل لظروف صدور هذه الروايات، استكشاف وفهم خصائص ومكونات العصر الجاهلي. من المعلوم أن التفاخر كان من العادات السلوكية للعرب الجاهليين؛ وقد امتد هذا التباهي إلى كثرة العدد، حتى وصل إلى إحصاء الموتى: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ» (التكاثر: 2؛ لمعرفة شأن النزول، انظر: الواحدي، 1383ش، 490). كما كانت طقوس الذكرى في أيام الحج تقام لإحياء ذكرى الأموات والتفاخر بهم (الزحيلي، 1411ق، 2: 214).

كثرة مصطلحات العزاء والدفن عند العرب تدل بحد ذاتها على تفاخرهم وإسرافهم؛ على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى ما يلي: أ- «النعي»: إعلان الوفاة بصوت عالٍ (انظر: ابن منظور، 1414ق، 15: 334). ب- «الولولة»: العويل المستمر (انظر: ابن الأثير، بي تا، 5: 226). ج- «المعاقرة»: ذبح الإبل ونثر دمها على القبر للتفاخر ونيل رضا الأرواح والأصنام (انظر: جواد علي، 1422ق، 9، 74). د- «حبس البلايا»: دفن ناقة في حفرة بجانب القبر بقصد أن يركبها المتوفى يوم القيامة (انظر: النويري، 1424ق، 3: 116).

ومن الوسائل الجاهلية الأخرى للتنافس من خلال الموتى، كمية ونوعية العزاء. على سبيل المثال، عند موت أصحاب الجاه والمال، كانت تُدعى النساء النائحات ليندبن بنحيب خاص وقصائد مليئة بالكذب والخداع، ويقمن عزاءً مصطنعاً ومزيفاً (جواد علي، 1422ق، 9: 152). حتى أن العرب الجاهليين كانوا يوصون أهلهم قبل موتهم بالنياحة والرثاء، ليُذكروا بالخير وتُروى محاسنهم إلى جانب البكاء؛ وهو أمر كانوا يعتبرونه علامة على التعظيم والاحترام (نفس المصدر، 18: 154). وبناءً على رواية، أوصى عبد المطلب بناته قبل وفاته قائلاً: «ابكين عليّ قبل موتي لأسمع ما ستقولنه بعدي»؛ فاستجابت كل واحدة من بناته، ورثت أباها وبكت (ابن هشام، بي تا، 1: 169). ويتجلى هذا المعتقد في الشعر الجاهلي أيضاً؛ على سبيل المثال، في معلقة طرفة بن العبد: «فإن مت فانعيني بما أنا أهله / وشقي علي الجيب يا أم معبد».3 (انظر: الشيباني، 1422ق، 38). والجدير بالذكر أن العزاء كان يتم في شكلين: قصير الأمد وطويل الأمد. في النوع الأول، كان الرجال ينوحون لمدة ثلاثة أيام والنساء لمدة سبعة أيام، وفي النوع الثاني، كان يستمر لمدة عام كامل؛ حتى أن المعزين كانوا يقيمون في خيام منصوبة على القبر ويستقبلون الزوار (Goldziher, 1889, 257). ومن الفلكلور العربي الآخر إشعال النار لتبقى النساء النائحات مشغولات بعملهن ليلاً ونهاراً. يتضح من وصية أبي موسى الأشعري لأبنائه: «لا تجعلوا على قبري بناءً ولا توقدوا ناراً» (ابن سعد، 1410ق، 4: 86)، أن هذه الثقافات الفرعية استمرت في العصر الإسلامي، مما استدعى التنبيه إلى تركها. وقد سُجلت وصايا مماثلة عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعمران بن حصين (ابن عبد البر، 2000م، 3: 24).4

كان ذبح القرابين في المقبرة لاستقبال المشاركين جزءاً آخر من ثقافة ما قبل الإسلام؛ وذلك باعتقاد أنهم يقضون وقتاً أطول بجانب الميت، وبالتالي يأنس الميت بقبره أكثر (انظر: جواد علي، 1422ق، 9: 156). ويمكن ملاحظة بقايا هذا المعتقد حتى في العصر الإسلامي؛ على سبيل المثال، عمرو بن العاص، رغم أنه أوصى بعدم إشعال النار أو حضور النائحات على قبره، لم يستطع أن يغض الطرف عن قيام أقاربه بذبح شاة وتقسيم لحمها بين المشاركين؛ والسبب الذي ذكره عمرو هو: «حتى أستأنس بكم في هذه المدة» (مسلم، 1412ق، 1: 112).

في ضوء الأدلة السابقة، أشير في بعض التحليلات إلى أن منع البكاء كان يهدف إلى التصدي للتباهي؛ ومنهم الحكيم الترمذي الذي اعتقد أن من يبكي رياءً، أو يجمع الناس للتظاهر والتفاخر، وحتى الطعام الذي يقدمه له أهداف مماثلة، فهو ممنوع بسبب تشبهه بالجاهلية (الترمذي، 1406ق، 88). وعليه، ليس من المستبعد أن يكون النحيب والبكاء، إلى جانب أفعال مذمومة أخرى، يشكلان بنية للعزاء كان من الضروري تفكيك عناصرها واحداً تلو الآخر.

2-5. التصدي للتقمص والإيمان بالأرواح الهائمة

تحليل آخر يمكن أن يفتح آفاقاً للفهم من خلال الاهتمام بتاريخ العرب هو مسألة التقمص. يوضح ذلك أن معظم عرب الجاهلية كانوا يعتبرون الاعتقاد بالبعث خرافة، وكانوا يندهشون من كلام النبي (ص) عن يوم القيامة (للمثال، انظر: الأنعام: 29؛ الجاثية: 24). وتشير الأدلة التاريخية إلى الأمر نفسه (انظر: عمر فروخ، 1984م، 127؛ جواد علي، 1422م، 11: 127). ومع ذلك، كان بعض سكان الحجاز يعتقدون أن الروح تبقى بعد الموت وتنتقل فقط من جسد إلى آخر؛ خاصة وأن الروح بعد دفن الجسد تتحول إلى طائر يشبه البوم يسمى «الهامة»، ويحوم باستمرار حول القبر في حالة من الوحشة، ويصدر أصواتاً. وإذا قُتل شخص، كانوا يعتقدون أن النواح يبلغ ذروته وأن هامته تطلب الانتقام باستمرار بنداء «اسقوني اسقوني» (الشهرستاني، 1364ق، 2: 246؛ الآلوسي، 1992م، 2: 311).

ما يهمنا في بحثنا هو أن الروح المنتقلة إلى الهامة مطلعة على ما يحدث بعد موتها (المسعودي، 1426ق، 1: 132). على سبيل المثال، أوصى صلت بن أمية أبناءه في شعره قائلاً: «هَامِي تُخْبِرُنِي بِمَا تَسْتَشْعِرُوا فَتَجَنَّبُوا الشَّنْعَاءَ وَالْمَكْرُوهَا».5 (المسعودي، 1409ق، 2: 133). والآن، بالنظر إلى الأدلة من القسم السابق حول وصية الأفراد بالبكاء، يبدو أن الأهل كانوا يبكون بكاءً شديداً لترضى عنهم الروح الهائمة ولا تؤذيهم. هذا المعتقد، أي البكاء الشديد على الموتى للحماية من أذى الأرواح، كان شائعاً في المجتمعات البدائية (انظر: رضي، 1385ش، 1: 184). إذن، في بيئة كان فيها التقمص معتقداً حياً بين الناس وكان البكاء يمكن أن يؤدي هذه الوظيفة، تم منعه. ولكن بعد ترسيخ مبادئ الآخرة في أذهان المسلمين ونسيان التقمص، لم يعد هناك مبرر للتصدي للبكاء على الميت. وما يخرج هذا التصدي من كونه مجرد مواجهة نفسية ويقربه من كونه قضية عقدية وفكرية، هو أنه كان يُنهى أيضاً عن سماع النياحة: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ» (أبوداود، 1420ق، 3: 1366). ورغم كل هذه المعارضة، لا يزال الإيمان بالهامة، مع بعض التغييرات، قائماً حتى في العصر الحاضر؛ فبين أهالي الحبشة، لا يزال هذا الاعتقاد قائماً باسم «جان»، ويُحتمل أنه تسرب من شبه الجزيرة إلى الحبشة والمناطق المحيطة بها (عبد المجيد عابدين، بي تا، 241-242). فإذا كانت هذه الفكرة لا تزال رائجة في العصر الحديث، ففي صدر الإسلام، حيث كانت العودة إلى الجاهلية دائماً من هواجس الشريعة (انظر: آل عمران: 144)،6 كانت ضرورة مواجهة جميع مكوناتها، بما في ذلك البكاء، أمراً واجباً.

يمكن ملاحظة هذا المنهج التصادمي في ممارسات جاهلية أخرى مرتبطة بالعزاء؛ منها «النعي»، الذي كان نوعاً من الإعلان العام للمشاركة في تشييع الجنازة، وقد عورض فقط بسبب تشابهه مع ممارسات ما قبل الإسلام (ابن قدامة، 1388ق، 2: 425)، وكان عدد من الصحابة، ومنهم ابن مسعود وتلاميذه، يعتقدون أنه من المستحب ألا يُخبر أحد بتشييع الجنازة (نفس المصدر)، لكن المتأخرين، بسبب نسيان الممارسات الجاهلية، اعتبروه خالياً من الإشكال (الألباني، 1406ق، 1: 32).7

مثال آخر هو منع زيارة القبور في صدر الإسلام وجوازها في السنوات التالية: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» (ابن ماجه، 1418ق، 3: 95). لزيارة القبور فوائد أخلاقية ودينية دائماً، لكن مصلحة عليا، وهي دفع خطر العودة إلى العادات الجاهلية، كانت سبباً في منعها. ولكن بمجرد زوال هذا الخطر، حل محل المنع الرخصة بل الاستحباب. وقد أشير في التحليلات بدقة إلى أن النهي عن زيارة القبور كان بسبب قربها من الجاهلية وبهدف القضاء عليها، وعندما استقرت أسس الإسلام في المجتمع، أصبحت زيارة القبور مباحة (الترمذي، بي تا، 1: 124؛ الشربيني، 1418ق، 1: 542).

3-5. ارتباط العزاء بالظروف السياسية لسياق صدور الحديث

يمكن أن يكون للنهي عن العزاء، بالإضافة إلى الحالات المذكورة، بعد سياسي واجتماعي. بناءً على التقارير التاريخية، كانت إحدى مواضع منع البكاء مرتبطة بمعركة أحد (شوال سنة 3هـ / 625م) (ابن هشام، بي تا، 2: 99). وبناءً على تقرير البلاذري، بعد عودة النبي (ص) من المعركة وسماعه صوت نواح الأنصار على شهدائهم،8 قال: «عمي حمزة لا بواكي له»؛ فجمع سعد بن معاذ نساءً من قبيلة الأوس أمام منزل النبي (ص) ليبكين على حمزة. وفي هذه الأثناء، أثنى النبي (ص) على مواساتهم ودعا لهم (البلاذري، 1417ق، 4: 289). وبناءً على رواية عائشة، استمرت هذه المواساة حتى وقت متأخر من الليل، وفي اليوم التالي نُهي عن البكاء على الميت: «لا يبكين على هالك بعد اليوم» (ابن ماجه، 1418ق، 1: 507)؛ وهو منع كان شديداً جداً: «فَنَهَى عَنِ الْبُكَاءِ كَأَشَدِّ مَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ» (ابن سعد، 1410ق، 3: 13). استمرار البحث يتطلب فهم وضع تلك الفترة الزمنية:

أ- قبل معركة أحد، انسحب عبد الله بن أبي، الذي كان يؤمن بالدفاع عن المدينة ويرى الخروج منها خطأً، مع 300 رجل من الجيش؛ وذلك لأن النبي (ص) ترك رأيه وأخذ برأي الشباب. لا شك أن هذا الانقسام ترك أثراً نفسياً سيئاً.

ب- انتهت معركة أحد بهزيمة المسلمين رغم انتصارهم في البداية. في هذه الغزوة، قُتل حوالي 70 مسلماً وجُرح مثلهم. حتى أن حياة النبي (ص) كانت في خطر شديد وأصيب بأذى جسدي بالغ. لكن استشهاد حمزة سيد الشهداء كان له وقع كبير على المسلمين. أدت الهزيمة إلى وصول عدد من المسلمين إلى حافة الكفر والشك الكامل في عقائدهم.

ج- في هذه الظروف، بدأ يهود المدينة بالطعن؛ من اتهامهم بالسعي وراء السلطة إلى إثارة شبهة أنه لا يوجد نبي يُجرح ويُصاب بأذى كهذا. كما سعى المنافقون إلى التخريب وتشجيع الآخرين على التخلي عن الإسلام (الواقدي، 1409ق، 1: 317).

د- في هذه الظروف الحرجة، وصل خبر إلى النبي (ص) بأن أبا سفيان لا ينوي العودة إلى مكة ويستعد لهجوم آخر (نفس المصدر: 327)؛ وكان هذا الاحتمال جدياً لدرجة أن النبي (ص) خرج من المدينة مع مجموعة من المجاهدين لإظهار قوته العسكرية، فيما عُرف بغزوة حمراء الأسد (ابن هشام، بي تا، 2: 121).

تُظهر الأدلة السابقة أن أزمة عظيمة كانت تتشكل، وفي أي لحظة كان من الممكن أن ينهار المجتمع الإسلامي الناشئ؛ وقد وصف ابن هشام تلك الظروف بأنها «بلاء، ومصيبة، وتمحيص» (نفس المصدر: 105). نزول 60 آية من سورة آل عمران في هذا الشأن (نفس المصدر: 106) كان بهدف شرح الظروف وتقوية معنويات المسلمين؛ ربما لا توجد حادثة أخرى نزل فيها كل هذا العدد من الآيات. لذلك، تمت مواجهة كل ما من شأنه أن يفاقم هذه الأزمة حتى تلتئم معنويات المسلمين المصابة. والآن، يبدو أن منع البكاء والعزاء مرتبط بتلك الظروف الحساسة. وما يعزز هذا الاحتمال هو الإشارة إلى بدء طعن اليهود والمنافقين مباشرة بعد مراسم العزاء والنحيب على الشهداء: «وَأَخَذَ الْمُنَافِقُونَ عِنْدَ بُكَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَكْرِ وَالتَّفْرِيقِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَتَحْزِينِ الْمُؤْمِنِينَ» (البيهقي، 1405ق، 3: 216؛ ابن كثير، 1407ق، 4: 48). ولكن في السنوات التالية، مع تزايد قوة الإسلام، لم يعد هناك مبرر لمنع البكاء والعزاء، وبالتالي نُسخ المنع.

هناك قضيتان من فترة خلافة أمير المؤمنين (ع) تؤيدان أيضاً ارتباط النهي عن البكاء بالظروف السياسية والاجتماعية. الأولى، عند عودته من معركة صفين، وعند سماعه أصوات النساء اللاتي كن يبكين على القتلى، قال (ع): «أَغَلَبَكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ؟ أَلَا تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا الرَّنِينِ؟» (السيد الرضي، 1416ق، 532). يبدو أن الإمام لم ير البكاء في خضم الحرب أمراً صائباً، واعتبر هذا السلوك مضراً بالوضع العسكري. يمكن أن تشير كلمة «تغلبكم أو يغلبكم» في هذا الحديث إلى هذا الأمر؛ كما أشار ابن ميثم البحراني إلى أن سبب نهي الإمام هو إضعاف الروح القتالية (ابن ميثم البحراني، 1404ق، 5: 403). كما يشير الهاشمي الخوئي، استناداً إلى هذا الكلام، إلى أن هذا النوع من البكاء، بالإضافة إلى أنه يجر سخرية العدو، ولأنه مقترن بالجزع وعدم الصبر والشكوى، فهو لا يتناسب مع طلب الشهادة (الهاشمي الخوئي، 1400ق، 21: 410).

الرواية الثانية تتعلق برسالة الإمام علي (ع) إلى قاضي الأهواز، رفاعة بن شداد، التي دعاه فيها إلى منع البكاء على الموتى في المناطق الخاضعة لنفوذه (انظر: القاضي نعمان، 1385ق، 1: 227). هذه القضية المنفردة لا تحمل أي تفسير آخر، ولم يتحدث عنها المحدثون. لكن العلم بأن رسالتين أخريين إلى رفاعة كانتا تتعلقان بمواضيع اجتماعية مثل «الاحتكار» و«الخيانة في الأمانة» (نفس المصدر، 2: 36 و 531)، وخاصة أن مجموعة في الأهواز كانت قد ثارت في ذلك الوقت (الطبري، 1387ق، 5: 122)، يقربنا من الهدف السياسي والاجتماعي لهذا الأمر. بعبارة أخرى، بما أن العزاء كان يمكن أن يؤثر سلباً على الروح المعنوية العامة للمجتمع ويجعلهم أكثر ضعفاً وهشاشة أمام دسائس معاوية، فقد أُعلن عن منعه.

6. الخاتمة

1- يقع البكاء على الموتى في التراث الروائي بين طرفي المنع والجواز؛ ففي بعض الروايات، حُذّر منه بشدة، ولم يقتصر الأمر على ذكر عذاب الأهل، بل اعتُبر البكاء سبباً لعذاب المتوفى، وعُدّت النياحة من أفعال الجاهلية. ولكن على الجانب الآخر، سُجلت شواهد على جوازه، معظمها من السنة النبوية في البكاء على الأقارب والأصحاب.

2- كان تعامل المسلمين عبر التاريخ مع هذا التعارض على شكلين رئيسيين؛ فمنهم من تمسك بظاهر روايات النهي، ولم يجز أي شكل من أشكال العزاء على الموتى. أما آخرون، فقد لجأوا إلى أسس علم الحديث مثل «تقديم سبب صدور خاص»، و«الالتفات إلى القلب وتغيير موضع الجمل»، و«حمل الرواية على شروط خاصة»، و«تأويل الكلمات»، مما أدى إلى تقويض الفهم الكلي للأحاديث.

3- باتباع منهج تاريخي فعال يأخذ في الاعتبار منطق التطور، سُعي إلى الرجوع إلى الخطاب والظروف الزمانية لصدور الروايات لفهم أفضل لها، حيث تم فهم البكاء على الميت في السياق الديني والسياسي والاجتماعي لصدر الإسلام.

4- يمكن أن يكون للبكاء والعزاء، بوصفه دالاً، مدلولات مختلفة. عندما يكون للبكاء وظيفة عاطفية ويبكي الأفراد لا شعورياً على وفاة أقاربهم، فإننا نواجه أمراً «شخصياً» يُعتبر طبيعياً. ولكن عندما يكتسب العزاء بعداً «هوياتياً وقبلياً» ويُستخدم للتفاخر والتكاثر، فإنه يُحارب بشدة؛ بعبارة أخرى، مُنع البكاء في العزاء المصطنع والتمثيلي. في هذه الفئة من الروايات، التي يظهر فيها مصطلح «نوحه» أو «نياحه» بشكل أكبر، يبدو أن هناك محاربة لطقوس معينة، وليس لتحريك العواطف والأحاسيس الموجودة على الصعيد العالمي.

5- الفرضية التالية بُنيت على مقدمة أن النبي (ص) لم يكن يعارض أسس الفكر الجاهلي فحسب، بل كان يحارب أيضاً العادات والطقوس التي يمكن أن تمثل المعتقدات ما قبل الإسلام. وبما أن العزاء الجاهلي كان مصحوباً بمعتقدات مثل التقمص، فقد كان البكاء يُعتبر نوعاً من الهروب من أذى الأرواح الهائمة. ولهذا السبب بالتحديد، استمر منع البكاء طالما كان هذا الفعل يمثل إعادة إنتاج للمعتقدات الجاهلية، ومع انتفاء إمكانية العودة إلى تلك المعتقدات، لم يعد هناك مبرر للقلق والمنع، وصدر الجواز. ومؤيد هذا التحليل هو أن مؤيدي النهي عن البكاء على الميت مثل عمر بن الخطاب هم من كبار الصحابة، ومن ناحية أخرى، فإن المعارضين مثل عبد الله بن عباس وعائشة يُصنفون عموماً ضمن صغار الصحابة. ويبدو أن كبار الصحابة الذين واجهوا نهي النبي (ص) في البداية، تصوروا أن هذا النهي قائم بقوته ولم ينسخه شيء؛ كما أن الروايات لم تكن مصحوبة بقيد، لذا آمنوا بكليتها. ولهذا السبب، أصر كبار الصحابة على تنفيذه حتى باستخدام القوة، لكن صغار الصحابة، الذين ربما لم يكونوا قد ولدوا أو كانوا أطفالاً عند صدور روايات النهي، لم يسمعوا أي منع من النبي (ص) وكانوا مستمعين لروايات الجواز فقط.

6- يعود منع البكاء على الميت إلى نهاية غزوة أحد؛ عندما تعرض المسلمون لهزيمة قاسية، وكانوا تحت ضغط نفسي، خاصة من قبل المنافقين واليهود. في تلك الأثناء، منع النبي (ص) النحيب والبكاء لتحسين معنويات المسلمين المتضررة. ولكن في السنوات التالية، مع تزايد قوة المسلمين، لم يعد هناك مبرر لمنع البكاء، وبالتالي نُسخ الحكم السابق. كما أن شاهدين من سيرة الإمام علي (ع) يظهران بدقة الوظيفة السياسية والاجتماعية للنهي عن العزاء.

الهوامش

1. Passage Rituals.

2. توصل المستشرق المعاصر يونبل (Juynboll) في كتابه (Muslim Traditions) بعد دراسة سلسلة أسانيد روايات النياحة والنوح، إلى أن هذين المصطلحين لم يكن لهما استخدام في لغة محدثي مكة والمدينة، وأن المحدثين الذين استقروا في العراق وإيران هم من استخدموهما. وقد ربط منع البكاء والنحيب ببداية الإسلام، واعتبر أن أصل بعض المصطلحات مثل النوح والنياحة يعود إلى العراق (joynboll, 1983, 96-108).

3. إذا مت، فانعيني بما يليق بشأني ومكانتي؛ وشقي الجيب يا أم معبد.

4. يعتبر ابن عبد البر أن إشعال النار هو من تأثيرات الثقافة اليهودية والنصرانية (نفس المصدر). ومن غير المعروف لماذا فسر بعض العلماء المتأخرين هذا النهي باحتمال الفأل السيئ (النووي، بي تا، 5: 281؛ الأنصاري، 1418ق، 1: 165).

5. هامتي تخبرني بأموركم، فتجنبوا القبيح والسيئ.

6. يشبه أمير المؤمنين (ع) المسلمين الجدد بالمسك الذي يفسده أدنى فساد (ابن أبي الحديد، 1404ق، 1: 308).

7. للاطلاع على القول بالاستحباب عند أهل السنة، انظر: الشوكاني، 1408ق، 63؛ النووي، 1414ق، 168.

8. من المثير للاهتمام أن الواقدي (ت 207 هـ) يروي أن عادة البكاء على حمزة قبل العزاء على الموتى الآخرين استمرت حتى عصره (الواقدي، 1409ق، 1: 317).

Scroll to Top