المستخلص
يعدّ بحث دراسة المقاصد الفقهية أحد مباحث استنباط الأحكام، فمن خلال معرفة مقاصد الشريعة الكلية والعامة يمكن استخراج الفروع الفقهية أو ترجيحها في حالات تعارض الأدلة، أو رفع التعارض، أو تفسير النصوص وتأويلها، ومعرفة الأمور التي ليس لها نص خاص، وتقليل الأحكام التعبدية، وإيجاد التوازن والاعتدال في الأحكام، والحيلولة دون اضطرابها. لقد كان فقهاء العامة روادًا في هذا المنهج، ولكنهم لم يؤسسوه على أدلة متينة واعتبروه أمرًا قطعيًا. وقد أدرك المتأخرون من أهل السنة هذا النقص، فذكروا أدلة لهذا المنهج، كالتمسك بآيات من القرآن الكريم لإثبات مقاصد حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض، أو مقصد التيسير والعدالة، وبعض المقاصد الجزئية الأخرى، وهو ما ترد عليه انتقادات سنبينها في هذا المقال.
مقدمة
يتم استنباط الأحكام الشرعية لدى الشيعة وأهل السنة بطرق متنوعة. فأهل السنة، بالإضافة إلى المصدرين الأساسيين، الكتاب والسنة النبوية، يستفيدون من مصادر أخرى تختلف باختلاف مذاهبهم الفقهية، مثل قول الصحابي، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، وفتح الذرائع، والعرف.
وقد أولوا اهتمامًا قديمًا بأهداف الشارع؛ فعلى سبيل المثال، يرى الغزالي أن الهدف الأساسي للشريعة هو حفظ خمسة أمور، هي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، وفي ضوء هذه الأمور يجب حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات حسب الأهمية. وقد استمر هذا التوجه إلى أن قام الشاطبي في كتابه “الموافقات” بإدخال مقاصد الشريعة في عملية الاستنباط بشكل منهجي. وبعد قرون من الركود، وبتوصية من الشيخ محمد عبده، تم إحياء أفكار الشاطبي، وقام مفكرون مثل ابن عاشور في العصر الحديث بتطويرها وتوسيعها، حتى أُلّفَت مئات الكتب والرسائل العلمية حولها اليوم، وهي في الواقع تؤثر على جميع مصادر الاستنباط وتؤدي إلى نتائج جديدة.
لم يبحث علماء المقاصد كثيرًا عن أدلة نظريتهم، وربما اعتبروها قطعية؛ ورغم ذلك، يمكن من خلال تتبع آثارهم العثور على أدلة لها، وهي خلافًا لادعائهم ليست بديهية تمامًا وتَرِدُ عليها مناقشات. إن أهم دليل لفقه مقاصد الشريعة هو الاستدلال ببعض آيات القرآن الكريم. في هذا المقال، وضمن بيان الاستفادة المقاصدية من الآيات ودليلية ذلك، تم بيان عدة انتقادات عليها.
دراسة المصطلحات
۱. المقاصد
هذه الكلمة في اللغة مشتقة من جذر «قَصَدَ» بمعنى الاستقامة في الطريق [1]، والهدف، والغاية [2]، والحكم والأسرار، والمطلوب والمراد، والعدل والوسطية [3]، وطلب أمر والتماسه [4]، والسير والارتحال، والإدراك والانتباه [5].
وفي الاصطلاح، يبدو أن المتقدمين اكتفوا بوضوحها ولم يتطرقوا إلى تعريف هذه الكلمة بشكل مباشر، إلا أن استنباطاتهم الضمنية تشير إلى تعريفها. وفيما يلي نوضح التعريفات المختلفة لها: أبو حامد الغزالي، في معرض تعريفه للمصلحة التي هي إحدى المكونات الأساسية للمقاصد، يوضح معنى المقاصد أيضًا، فيقول: المصلحة في الأصل عبارة عن جلب منفعة ودفع مضرة، وهذا ليس محل بحثنا هنا؛ لأن جلب المنفعة ودفع المضرة هما مقاصد وأهداف الناس؛ بل مرادنا بالمصلحة هو المحافظة على مقاصد الشارع، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فكل ما يعرض هذه المصالح للخطر فهو مفسدة، ودفعه مصلحة [6].
ويورد محمد الطاهر بن عاشور في بيان معنى وتعريف مقاصد الشريعة قوله إن مقاصد الشريعة هي: المعاني والحكم التي لاحظها الشارع في جميع أحكام الشريعة أو معظمها [7]. وفي هذا التعريف لوحظت نقطتان: ۱. المعاني والحكم هي المقاصد؛ ۲. يجب أن تكون ملحوظة في جميع الأحكام أو معظمها. بناءً على ذلك، إذا لوحظت في جزء يسير فقط، فلا مكان لها في هذا التعريف.
ويكتب بعض معاصري العامة في تعريفها: «المراد بمقاصد الشريعة، الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها» [8].
هذا التعريف أبلغ من التعريف السابق، فهو يوضح أن كل حكم من الشارع يتبع غاية وسرًا من أسرار الشريعة. المراد بـ «الغاية» في هذا التعريف هو المقصد العام من التشريع، والذي لا يعدو في نظر المعرِّف كونه عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش السلمي بين الناس فيها، واستمرار صلاح الأرض بصلاح خلفاء الله على الأرض، واهتمام الناس بوظيفة العدل والاستقامة وصلاح الفرد والعمل وإصلاح الأرض واستخراج بركاتها وتدبير المنافع العامة [9]. ومراده بـ «الأسرار» أيضًا الحكم الجزئية التي قصدها الله في مختلف الأحكام، وهذه الحكم الجزئية، حسب الظاهر، لها استعمال بين الأصوليين والفقهاء، ويعبر عنها بالعلل والمعاني [10].
ويكتب أحمد الريسوني أيضًا في تعريف المقاصد: «مقاصد الشريعة هي الأهداف التي وضعت الشريعة لتحقيق مصالح العباد» [11].
بالتأمل في التعريفات المذكورة، يترسخ الرأي القائل بأن تعريفات المقاصد تعود إلى جلب المصلحة والمنفعة ودفع المفسدة، وهو ما يُعد في تعريفات أهل السنة أحد الضرورات الأساسية لآلية الإجابة على الأسئلة، خاصة المستجدة منها والمسائل الحديثة [12].
۲. الشريعة
«الشريعة» في اللغة تعني العتبة والمدخل، وكذلك مورد الماء والمكان الذي يُشرب منه الماء بلا حبل. يقول الفراهيدي في بيان معناها: «الشَّرِيعة والمَشْرَعَة: موضع على شاطئ البحر أو في البحر يهيأ لشرب الدواب» [13].
وفي الاصطلاح، تُطلق «الشريعة» على مجموعة المسائل الدينية – من عقائد وأخلاق وأحكام – من حيث إنها سبب حياة وطهارة لمن يسلكها ويتخذ سلوكًا منسجمًا معها، أي ما وضعه الشارع المقدس لعباده ليعملوا به كمجموعة واحدة [14]. والمراد بـ «الشريعة» في الآية ۱۸ من سورة الجاثية هو هذا المعنى: «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ» (الجاثية: ۱۸).
ويقول القرضاوي في تعريف الشريعة: «الشريعة هي أحكام الله ورسوله الواضحة؛ ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بشكل واضح. هذه هي الشريعة، الشريعة تعني الوحي، تعني أحكام الوحي» [15].
وقد أورد بعض الفقهاء الشيعة المعاصرين، بدقة في المعنى اللغوي وإعادة تحديد العلاقة بين اللغة والاصطلاح، في تبيين المعنى الاصطلاحي للشريعة ما يلي: المعنى اللغوي للشريعة هو ذلك المنحدر اللطيف الذي يسمى “ممرًا” ويوصل الظمآن إلى الماء، ومعناها الاصطلاحي هو الطريق المناسب للوصول إلى ماء الحياة الإنسانية… الفروع الجزئية هي سبيل للوصول إلى الأصول والأهداف الكلية، ويمكن في كل عصر بالطريق الخاص الذي يقدمه الأنبياء أن نصل إلى ينبوع الحياة ذاك [16].
بناءً على ذلك، الشريعة هي مجموعة القوانين والأوامر التي تنزل في كل عصر من الله تعالى على الأنبياء، وهي السبل التي ترشد الإنسان إلى حقيقة الأوامر الإلهية.
۳. الفقه
الفقه في اللغة يعني العلم والفهم. وهذا التعريف معروف عند أهل اللغة [17]. وفي هذه الآية أيضًا استُخدم الفقه بهذا المعنى: «قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ» (هود: ۹۱).
وقد أورد البعض في بيان دقيق لمعنى الفقه: «الفقه حقيقةً: الشق والفتح، والفقيه: العالم الذي يشق الأحكام ويفتش عن حقائقها، ويفتح ما استغلق منها» [18]. وفي القرآن الكريم أيضًا، في وصف الكفار وذمهم يقول تعالى: «فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا» (النساء: ۷۸)؛ لأنهم كانوا يفهمون كثيرًا من الأمور ولم تكن لديهم مشكلة في ذلك، بل كانوا لا يفهمون ولا يعملون في فهم الأمور الإلهية وحقيقة عالم الوجود. بالطبع، هذا المعنى يختلف اختلافًا دقيقًا عن معنى اللغويين الذين عرّفوا الفقه بأنه مطلق الفهم؛ لأن الفقه في المعنى الأخير يشمل المعنى المصحوب بالتأمل والتعمق، حيث يكون هناك احتمال للخفاء، ولن يكون فهمًا مطلقًا.
في اصطلاح الفقهاء المتقدمين، قُدّم تعريف واسع للفقه، وكانوا يرون أن علم الفقه يعني العلم بكل ما جاء من عند الله دينًا، سواء كان أصول دين أو تعاليم أخلاقية أو أعمالًا جسدية ومعرفة بالنفس وعلومًا قرآنية. فالفقه إذًا يعني «فهم جميع أحكام الدين، سواء كانت إيمانًا وعقيدة وعملًا» [19].
وفي الاستعمالات المتأخرة، خُصص بـ «الأحكام الشرعية الظاهرية» [20]. الحكم الظاهري هو في مقابل الحكم الواقعي، ومقصود فقهاء الشيعة من كلمة «الظاهري» هو التأكيد على طبيعة «الظنية» وغير القطعية للأحكام الشرعية [21]. ولهذا السبب بالذات يُعرّف «الاجتهاد» بأنه «بذل غاية الجهد لتحصيل الظن بالحكم الشرعي» [22].
على أي حال، الفقه في التعريف المشهور هو «استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية (الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل)» [23]، والفقه هو دليل المسلم في شؤون حياته المختلفة. وبهذا، تكون «أفعال المكلفين» هي الموضوع العام للفقه، والأحكام الخمسة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، والإباحة، وكذلك الصحة والبطلان، تشكل مسائل هذا العلم.
العلاقة بين معنى الفقه والشريعة: بناءً على الاصطلاح الخاص الذي يعتبر الفقه هو الجزء العملي من الدين، فإن الفقه والشريعة يختلفان، سواء كان المقصود بالفقه علم الفقه أو مجموعة الأحكام المدونة التي استنبطها الفقيه. الفقه من مقولة العلم والكشف، والشريعة من مقولة الواقع والمنكشف. الفقه هو نتيجة الفهم العميق والمنهجي للشريعة. وبعبارة أخرى: الشريعة لها جانب ثبوتي وواقعي ونفس أمري في قسم الفروع العملية، والفقه يشير إلى جانبها الإثباتي. ورغم أن الفقيه قد يصيب الواقع أحيانًا وقد يخطئ أحيانًا.
٤. المصلحة المرسلة
المصلحة لغةً تعني جلب منفعة أو دفع ضرر. وفي الاصطلاح أيضًا، تعني المحافظة على مقاصد الشارع [24].
من أهم مقاصد الشارع والشريعة: حفظ دين الإنسان ونفسه وعقله ونسله وماله. كل ما يؤدي إلى حفظ هذه المقاصد فهو مصلحة، وكل ما يؤدي إلى ضياعها فهو مفسدة.
أما المرسلة، ففي اللغة تعني غير المقيدة [25]؛ لأن الإرسال ضد التقييد، وفي معناها الاصطلاحي خلاف؛ فيقول البعض: معنى المرسلة هو أن هذه المصلحة لم تقم على أي نص شرعي؛ أي لم يقم أي دليل شرعي على اعتبارها، والعقل وحده هو الذي يميز هذه المصلحة [26]. وبناءً على هذا الرأي، المصلحة المرسلة هي ما يراه العقل ضروريًا لحفظ مقاصد الشرع.
وقال آخرون: الإرسال يعني أنه لم يقم نص خاص على اعتبارها، بل الأصول والقواعد الكلية شاهدة على اعتبارها [27]. إذن، المصالح المرسلة هي مصالح يرى العقل لزومها بناءً على الأصول والقواعد الشرعية الكلية لحفظ مقاصد الشرع، ولا يوجد نص خاص على اعتبارها.
من وجهة نظر بعض مذاهب أهل السنة، وعلى رأسها المذهب المالكي، تعد «المصلحة» أحد مصادر الاستنباط والاجتهاد. وقد ذكروها كأحد المصادر الشرعية عند فقدان النص المعين [28]. وبناءً على ذلك، يحق للفقيه عند فقدان النص في مسألة ما، أن يبحث عن المصلحة ويصدر حكمها وفقًا لرأيه. وبحسب نظرية علماء أهل السنة، تنقسم «المصلحة» إلى ثلاثة أنواع: أ. المصالح المعتبرة: وهي المصالح التي صرح الشارع باعتبارها؛ مثل تصريح الشارع بحد شرب الخمر لحفظ العقل. ب. المصالح غير المعتبرة: وهي المصالح التي صرح الشارع بإلغائها؛ مثل المصلحة المتصورة في الربا التي صرح الشارع بإلغائها. ج. المصالح المرسلة: في الاصطلاح، هي المصالح التي لم يصرح الشارع المقدس بإلغائها أو اعتبارها. المصلحة المرسلة هي مصلحة لم يرد دليل خاص على وجوب رعايتها أو حرمتها من الشارع [29].
«المصالح المرسلة» بدورها تنقسم من حيث الأهمية إلى ثلاثة أنواع: ۱. المصالح الضرورية: وهي المصالح التي يؤدي عدم الاهتمام بها إلى اختلال النظام وهرج ومرج. ۲. المصالح الحاجية: وهي المصالح التي وإن كان عدم مراعاتها لا يؤدي إلى اختلال النظام، إلا أن التغاضي عنها يؤدي إلى تحمل نوع من المشقة، ووجودها لازم [30]. ۳. المصالح التحسينية: وهي المصالح التي لا يؤدي عدم مراعاتها إلى اختلال النظام الإسلامي ولا إلى مشقة وحرج؛ بل شُرعت فقط لحفظ مكارم الأخلاق والآداب الحسنة؛ مثل القناعة في أمور الحياة [31].
يرى بعض فقهاء العامة أن المصالح، خاصة في باب المعاملات، توجب تخصيص نصوص القرآن والسنة النبوية [32]. وذهب بعض فقهاء أهل السنة الآخرين في مجال المصالح المرسلة إلى حد القول بأن الحاكم الإسلامي، بناءً على العمل بالمصالح المرسلة، يمكنه قتل ثلث الأمة لإصلاح الثلثين الآخرين [33]. إذن، من وجهة نظر أهل السنة، تُعد المصالح المرسلة من مصادر استنباط أحكام الشريعة؛ وإن كانت تُستخدم أيضًا في الأحكام الحكومية. ونتيجة لذلك، فإن الحكم المبني على المصالح المرسلة هو نوع من التشريع وسن القوانين الذي يُعمل به من قبل جميع الفقهاء وفي جميع الأحكام (الأولية والثانوية) ويُعد جزءًا من الأحكام الثابتة. سيأتي شرح وتفصيل هذا الموضوع في الفصول القادمة.
الأدلة القرآنية لفقه مقاصد الشريعة
لا شك أن بحث أدلة إثبات أي نظرية يحتل أسمى مكانة في أي فرضية علمية، لدرجة أنه إذا قصّرت نظرية في بيان أدلتها، فإنها ستبقى في حدود الفرضية ولن تحظى بمكانة راسخة؛ وإن بدت لأصحابها بديهية وواضحة، ونظرية مقاصد الشريعة ليست مستثناة من هذا الأمر.
بالطبع، قلما تطرق علماء الأصول من العامة إلى بيان دليل مستقل لإثبات هذه النظرية، وغالبًا ما اعتبروا حجيتها قطعية ومسلمة، ولكن يمكن من خلال كلماتهم استخلاص بعض الأدلة.
لا شك أن القرآن الكريم هو المصدر الأساسي للشريعة الإسلامية، ومن الضروري جدًا الرجوع إليه في تشخيص مقاصد الشريعة وحجيتها؛ لأن عدم الرجوع إلى القرآن يضيع الكثير من المقاصد الجزئية والكلية.
في رأي الشاطبي، نصوص الشارع هي إحدى طرق معرفة مقاصد الشريعة، بل أهمها [34]. وهو يقول أيضًا: الأدلة الشرعية هي أقرب طريق لإفهام مقاصد الشارع من أي شيء آخر [35].
ويكتب ابن القيم في هذا الشأن: «لو أن [المقاصد] وردت في مائة أو مائتي موضع في القرآن والسنة، لكنا قد تعرضنا لبيانها، ولكن الآيات التي تبين علل الأحكام تزيد على ألف موضع» [36].
وقد حاول بعض علماء العامة إيجاد الضروريات الخمس في بعض الآيات [37]؛ مثل الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (الممتحنة: ۱۲).
في هذه الآية، جُمعت كل الضروريات. «أن لا يشركن بالله» إشارة إلى حفظ الدين، و«لا يسرقن» في حفظ المال، و«لا يزنين» في حفظ العرض والنسب والنسل، و«لا يقتلن أولادهن» في حفظ النفس، وهي تشمل أربعة من الأمور الخمسة، أما الأمر الخامس وهو حفظ العقل، وإن لم يُذكر صراحةً، فهو جزء من حفظ النفس.
ويرى الريسوني أن من الواضح أن البيعة تكون على الأمور الكلية والمهمة، لا على كل حكم. ومن هنا يتضح أن هذه هي كليات الإسلام، والبيعة ليست خاصة بالنساء، بل الرجال أيضًا كان لهم بيعة مماثلة في ليلة العقبة من قبل [38].
إضافة إلى ذلك، وردت آيات عديدة في معانٍ معينة ومحددة تدل على اهتمام الشارع بها. وبالطبع، هذه الدلالات قد بُيّنت بطرق مختلفة؛ مثل الأمر بشيء والنهي عن ضده، ومدح فاعله وذم تاركه، وبيان الثواب المتنوع الذي يناله فاعله. ولتوضيح ما ذكرناه، نورد مثالين:
المثال الأول: مقصد التيسير والبعد عن الحرج
بالنظر إلى آيات القرآن الكريم المختلفة، نصل إلى نتيجة مفادها أن أحد المقاصد المهمة عند الله تعالى هو مقصد التيسير والبعد عن الحرج، وهذا المقصد قد بُيّن تارة بشكل عام وتارة ضمن نماذج خاصة.
مقصد التيسير وتسهيل الأمور له من الأهمية ما جعله يتكرر مرارًا في الكتاب والسنة، لدرجة أن الفقيه يصل في اعتباره إلى اليقين والقطع، مثل آية: «مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ» (المائدة: ٦)، وآية: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج: ۷۸)، وآية: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (البقرة: ۱۸۵)، و«لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» (البقرة: ۲۸٦)، التي تعرف أحكام الشريعة الإسلامية بأنها سهلة، وبهذه الصفة فضّل الله تبارك وتعالى هذه الأمة على الأمم السابقة، ورفع عن كاهلها الأثقال والأعمال الشديدة، «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ» (الأعراف: ۱۸۵). المراد بالإصر الثقل، والمراد بالأغلال الأعمال الشاقة جدًا؛ مثل قتل النفس لمن قصد التوبة.
وفي بعض الحالات الخاصة أيضًا، بُيّنت أحكام تناسب نفي الحرج ومقصد التيسير؛ مثل آية: «لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ» (التوبة: ۹۱)، أو آية: «لِّكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا» (الأحزاب: ۳۷). إذن، ظاهر التيسير ورفع الحرج هو مشروعية الرخصة والتخفيف للمكلفين في الحالات التي يواجهون فيها مشقة في السفر أو المرض أو الحرب.
ويرى علماء السنة أن هذه التخفيفات الشرعية تنقسم إلى سبعة أقسام: ۱. تخفيف الإبدال: مثل تبديل الوضوء والغسل بالتيمم في حالات خاصة. ۲. تخفيف التنقيص: مثل صلاة المسافر التي تُصلى ركعتين بدلًا من أربع. ۳. تخفيف الإسقاط: مثل رفع تكليف صلاة الجمعة والحج والعمرة والجهاد عمن له عذر. ٤. تخفيف التقديم: مثل دفع الزكاة قبل حلول الحول ودفع الكفارة قبل حنث اليمين والنذر. ٥. تقديم التأخير: مثل تأخير صيام رمضان للمريض والمسافر. ٦. تقديم الترخيص: مثل جواز صلاة من تطهر بحجر وبقي شيء من الغائط. ۷. تخفيف التغيير: مثل تغيير نظام الصلاة في صلاة الخوف [39].
المثال الثاني: مقصد العدالة
في آيات كثيرة، جُعلت رعاية العدالة هدف جميع الرسالات السماوية؛ مثل: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (الحديد: ۲۵)؛ و«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» (النحل: ۹۰).
العدالة التي يشير إليها القرآن الكريم تشمل أنواع العدالة؛ ففي بعض الموارد، حظيت العدالة في السلوك مع النفس بالاهتمام، حيث يقول تعالى: «وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (الطلاق: ۱)، أو العدالة مع الله: «لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (لقمان: ۱۳)، ورعاية العدالة دون اعتبار للقرابة والنسب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» (النساء: ۱۳۵)، أو العدالة في القول: «وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ» (الأنعام: ۱۵۲)، وفي الشهادة: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ» (الطلاق: ۲)، وفي الحكم: «وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (النساء: ۵۸)، وفي الحياة الأسرية: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا» (النساء: ۳)، وحتى في التعامل مع الأعداء: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الممتحنة: ۸). حتى في زمن الحرب، يوصى بالعدالة: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (البقرة: ۱۹۰).
من هنا، تدل آيات القرآن الكريم على أن رعاية العدالة مقصد أساسي في الشريعة الإسلامية، حتى أنها تنهانا عن ظلم الحيوانات.
يقول ابن القيم في هذا الصدد: «الشريعة كلها عدل ورحمة ومصلحة، وكل مسألة خرجت من العدل إلى الظلم، أو من الرحمة إلى ضدها، أو من المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة؛ وإن أُدخلت فيها ببعض التأويلات» [40].
ويستنتج ابن تيمية أيضًا من وحدة الدين والأصول الاعتقادية والأوامر العملية لجميع الأنبياء أن مقاصد جميع الشرائع واحدة، وهي نفس الأوامر التي أُشير إليها في آيات القرآن الكريم؛ مثل الآيتين ۱۵۱ و ۱۵۲ من سورة الأنعام، والآيتين ۲۹ و ۳۲ من سورة الأعراف، والآيات من ۲۳ إلى ۳۹ من سورة الإسراء، والآية ۱۰۸ من سورة يوسف [41].
وكما أن العلماء القدامى من أهل السنة اعتبروا دلالة آيات كثيرة على مقاصد الشريعة أمرًا مسلمًا به، فإن معاصريهم أيضًا قد قدموا آيات عديدة تبين مقاصد الشريعة؛ فمثلًا، في بعض الآيات، نزل القرآن بهدف هداية الناس وإصلاحهم وتزكيتهم؛ مثل آية: «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (الإسراء: ۹)، أو آية: «ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ» (البقرة: ۲). وفي بعض الآيات الأخرى وردت علل لبعض الأحكام الشرعية الفرعية؛ مثل: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: ۱۸۳). فبناءً على هذه الآية، هدف الصوم هو تزكية النفس وتربيتها. مقصد الصوم عند ابن عاشور يعود إلى مجالين: أحدهما روحي ونفسي، والآخر جسدي [42].
خلاصة القول في باب مقصد تشريع الصوم في رأي ابن عاشور هي أن الله تعالى وحده هو المحيط بحقيقته علمًا كليًا، ولذلك، في مقام إجازة الإفطار لبعض أصحاب الأعذار الصغيرة، قال: «وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة: ۱۸٤).
وفيما يتعلق بمقصد البعد وحرمة الاقتراب من النساء في أيام الحيض، يقول تعالى: بما أن النساء في هذه الفترة يتعرضن للإزعاج والأذى، فإن معاشرتهن غير جائزة: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ» [43].
وبالنظر إلى آية: «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (البقرة: ۱۷۳)، حُرمت بعض الموارد المعينة. علة حرمة أكل الميتة هي أن الحيوان غالبًا لا يموت إلا بسبب أمراض ضارة ومعدية. ولهذا السبب شُرعت التذكية؛ لأن الحيوان المذكى غالبًا ما يكون قد مات بلا مرض، وإراقة الدم داخل بدن الحيوان تنقي اللحم من الأمراض [44].
علة حرمة الدم هي أن الاعتقاد بشربه يجعل طبع الإنسان خشنًا، وهذا ينافي مقاصد الشريعة (النمو وتربية مكارم الأخلاق). وعلة تحريم لحم الخنزير هي أكله الكثير من القذارات، مما يؤدي إلى ظهور ديدان في لحمه لا يهضمها المعدة، وإذا وصلت هذه الدودة إلى آكلها قتلته [45].
حكمة تحريم الحيوان المخنوق هي أن الموت بسبب حبس النفس يفسد الدم؛ لأن الغازات السوداء الموجودة فيه تنحبس. ولهذا، فإن هذا النوع من اللحوم يضر بآكله [46].
وبالنظر إلى آية: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا» (النساء: ۳)، يمكن الإشارة في مبحث تعدد الزوجات وشروطه إلى مسائل كمقاصد شرعية في إباحة تعدد الزوجات، مثل: وسيلة لزيادة عدد أفراد الأمة الإسلامية، ووسيلة لرعاية النساء اللاتي يزيد عددهن في كل أمة على الرجال، ووسيلة لتحريم الزنا الذي يدمر النظام الأخلاقي والقرابة والأسرة [47]، وإباحة عدم تعدد الأزواج للنساء لأن المرأة هي مستقر الأجيال ويجب الحفاظ عليها [48].
النتيجة هي أن علماء أصول الفقه من أهل السنة، بالنظر إلى آيات كثيرة من القرآن، قد استنبطوا أهمية مقاصد الشريعة في أول وأهم مصدر للتشريع الإسلامي، ونبهوا إلى الاهتمام بالمقاصد في الفقه. بالطبع، يطرح هذا السؤال: كيف يمكن إقامة ارتباط بين الآيات المشيرة إلى المقاصد في مقام الاستنباط الفقهي، وهو ما يمكن أن يكون أساسًا لنقد جوهري لهذا الدليل.
قبل الدخول في نقد الأدلة واحدًا تلو الآخر، يتبادر إلى الذهن أنه بناءً على نظرية مقاصد الشريعة التي تُستخدم فيها النصوص القرآنية والروائية كمستند للاستنباط، أو يُستعان بها في جرح وتعديل سائر الأحكام والأدلة، وتُستخدم كقاعدة فقهية؛ يظهر هذا الإشكال: رغم أن النصوص المبينة للمقاصد توضح مقاصد الشارع الكلية، لا يمكن وضع المقاصد في مكانة القانون والدليل الدال عليه في مصاف أسانيد وأدلة الاجتهاد، والتطرق إلى تفريع الفروع واستنباط الأحكام.
نقد الدليل القرآني
كما ذُكر، نصوص الشارع هي إحدى طرق معرفة مقاصد الشريعة، بل أهمها [49]، والأدلة الشرعية هي أقرب طريق لإفهام مقاصد الشارع من أي شيء آخر [50]. وكان بعض علماء فقه المقاصد يعتقدون أيضًا أن أكثر من ألف آية وردت في علة الأحكام [51]، واستخدموا الضروريات الخمس ومقاصد مثل التيسير والعدالة والعفو والصفح والابتعاد عن الجاهلين والرجوع إلى العرف وبعض المقاصد الجزئية الأخرى من آيات قرآنية متعددة، والتي سنتناول نقدها في هذا المجال:
النقد الأول: انعدام الدلالة
دلالة كثير من الآيات على مطلوبهم ضعيفة، ولا ترشد إلى أي من الدلالات المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية على مدعاهم؛ مثل الآية ۱۲ من سورة الممتحنة التي ادعي فيها أن جميع الضروريات قد جُمعت فيها. وذلك بأن «أن لا يشركن بالله» إشارة إلى حفظ الدين؛ و«لا يسرقن» في حفظ المال؛ و«لا يزنين» في حفظ العرض والنسب والنسل؛ و«لا يقتلن أولادهن» في حفظ النفس. أما الأمر الخامس (حفظ العقل) فهو أيضًا جزء من حفظ النفس. لا شك أن هذه الأمور ذات أهمية بالغة وقد طُرحت في بيعة النساء مع نبي الإسلام، وهذا القدر لا شك فيه، ولكن لا يمكن القبول بأن هذه الأمور هي أهم الأمور في الإسلام. والشاهد على ذلك الآيات الكثيرة الموجودة في مجالات متنوعة مثل الآيات الاعتقادية كالنبوة والمعاد والآيات التي تبين فروع الدين؛ مثل الصلاة والصوم والحج.
من ناحية أخرى، حتى لو كانت هذه الآية تبين أهم أوامر الإسلام، فإنها لا تزال بعيدة عن مدعى المقاصديين؛ فكيف يمكن الاستفادة من مجرد «لا يقتلن أولادهن» لوجوب حفظ النفس، أو بالنظر إلى «لا يسرقن» في موضع لا توجد فيه رواية خاصة أو عامة، استنتاج وجوب حفظ المال!! في حين أن هذا من باب تعدية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، وبما أن الموضوع بالنسبة للحكم بمنزلة العلة للمعلول، وكل حكم تابع لموضوعه، فلا يمكن القيام بمثل هذه الاستخدامات الاحتمالية والتخمينية وإصدار أحكام ظنية.
نموذج آخر هو الاستفادة من بعض الآيات لمقصد التيسير (التسهيل)؛ مثل آية: «مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» (المائدة: ٦)، و«وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج: ۷۸).
الإشكال هو أن التيسير غير نفي الحرج، وهما شيئان منفصلان؛ وإن كانا قد يبدوان متماثلين في النظرة الأولى؛ لأن الحرج يعني الضيق والمشقة [52]، ونفي الحرج يعني نفي الضيق والمشقة والصعوبة، ومفاد قاعدة لا حرج هو رفع الأحكام الصعبة والمشقة التي لا تطاق، وهو ما يُستفاد من الروايات أيضًا. ولكن هذا غير التسهيل في الدين؛ لأن كثيرًا من التكاليف الدينية ليست سهلة في حد ذاتها، مثل الصلاة في كل الظروف والصوم خاصة في الأيام الطويلة والمناطق الحارة والجهاد مع الأعداء مع قلة الإمكانيات و…
من ناحية أخرى، هذه الآيات كما يظهر من ظاهرها هي في مقام نفي التكليف، لا إثبات التكليف. ومن هنا لا يمكن الاستفادة منها في استنباط الأحكام والجعل الشرعي المستقل.
النقد الثاني: غياب الضابط
نقد آخر يرد على جميع النماذج المذكورة هو عدم وجود ضابط للاستنباطات الفقهية؛ مثل العدالة التي، بالنظر إلى بعض الآيات مثل: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» (النحل: ۹۰)؛ عُرّفت كمقصد. ورغم أنه لا شك أن جميع قوانين الله عادلة، إلا أن كيفيتها تُبين بمجموع الشريعة، ولا يمكن النظر إلى مقصد العدالة كمستند فقهي يُقارن ببعض المسائل الفقهية الأوضح؛ فمثلًا في مورد الصوم، الآية الكريمة توجبه وتبين كيفيته، وبواسطة السنة أيضًا تُبين شروطه وحدوده بشكل كامل؛ أما مقصد مثل العدالة كيف يتحقق، وأين موارده، وما هي شروطه وموانعه بشكل كلي، وهو ما يجب على الشارع بيانه، والذي يتم ببيان الفروع العبادية والأحكام الفردية والاجتماعية، ولم يُترك تطبيقه الخارجي للمكلفين، وكيف يمكن طرح بعض الحدود الشرعية التي جعلها الشارع ووردت روايات كثيرة في إثباتها جانبًا بحجة عدم عدالتها؟
قد نقول إن القرآن الكريم يشير أحيانًا إلى مقاصد كلية تخرج أيضًا عن محل البحث؛ مثل حفظ الدين بواسطة الجهاد، والذي هو نفسه محل تأمل؛ لأنه قد يكون للجهاد مقاصد أخرى عند الشارع المقدس – مثل الامتحان والابتلاء وتمييز الخبيث من الطيب – وقد لا يكون حفظ الدين في بعض الموارد متوقفًا عليه، مثل الجهاد مع المشركين في جزيرة نائية عن المجتمع البشري.
النقد الثالث: حول الاستنباطات المختلفة للمقاصديين
أحد انتقادات الاستدلال بالآيات هو الاستنباطات المتنوعة للعلماء المقاصديين من آيات القرآن؛ فمثلًا، بناءً على قاعدة «دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة» المستفادة من آية: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا» (البقرة: ۲۱۹). بيان القاعدة هو أنه كلما تعارضت مصلحة مع مفسدة، كان دفع المفسدة غالبًا أولى من جلب المصلحة. أصل هذه القاعدة من هذه الآية، حيث لا شك أن للخمر مصالح تجارية، ولكن مفسدتها (زوال العقل وتعريض السلامة للخطر وإيجاد الحقد والعداوة بين الناس) أكبر وأعظم من منافعها، أو القمار الذي له منافع، فإن ضرره (أكل أموال الناس بالباطل والدمار المادي للمقامرين والإهانة للأسرة والمجتمع) أكبر.
وقد منع الشيخ محمد عبده بعض الزيجات الجديدة التي تؤدي إلى خلاف بين الزوجات والأبناء والأسر [53].
بالطبع، لا يقبل علال الفاسي رأي الشيخ محمد عبده، ويعتقد أن بحث تعدد الزوجات من موارد قاعدة أخرى، وهي أن الضرر الشخصي دائمًا مقدم على الضرر النوعي، وفي بحث تعدد الزوجات مع رعاية العدالة، يجب مراعاة نفع المجتمع [54].
ويرى ابن عاشور أنه بالنظر إلى الآية الثالثة من سورة النساء وشروطها، يمكن الإشارة إلى مقاصد شرعية في إباحة تعدد الزوجات، مثل: وسيلة لزيادة عدد أفراد الأمة الإسلامية، ووسيلة لرعاية النساء اللاتي يزيد عددهن في كل أمة على الرجال، ووسيلة لتحريم الزنا الذي يدمر النظام الأخلاقي والقرابة والأسرة [55]. يعتقد ابن عاشور أن تجويز التعدد حتى أربع نساء، وهو ما بحث فيه كثير من المفكرين ولم يصلوا إلى نتيجة مقبولة، يعود إلى نسبة عدد النساء إلى الرجال في غالب الظروف ومعدلها [56].
النقد الرابع
في المقاصد الجزئية، كما ذُكر، تم تعليل كثير من آيات القرآن والأحكام الفرعية مضمون الآيات؛ مثل كون القرآن هداية للمتقين (الإسراء: ۹)، أو كون الصوم مقصدًا عباديًا (البقرة: ۱۸۳) يعود إلى مقصد حفظ الروح والنفس والجسد [57]، أو مقصد البعد وحرمة الاقتراب من النساء في أيام الحيض بسبب تعرضهن للإزعاج والأذى [58]، وكذلك بالنظر إلى الآية ۱۷۳ من سورة البقرة، فإن علة حرمة أكل الميتة هي أمراضها الضارة والمعدية، وعلة تشريع التذكية هي أن الحيوان المذكى غالبًا ما يموت بلا مرض، وإراقة الدم داخل بدن الحيوان تنقي اللحم من الأمراض [59]. علة حرمة الدم هي أن الاعتقاد بشربه يجعل طبع الإنسان خشنًا، وهذا ينافي مقاصد الشريعة التي هي النمو وتربية مكارم الأخلاق. وعلة تحريم لحم الخنزير هي أكله الكثير من القذارات، مما يؤدي إلى ظهور ديدان في لحمه لا يهضمها المعدة، وإذا وصلت هذه الدودة إلى آكله قتلته [60].
على أي حال، النقد الكلي لجميع هذه الموارد هو أن كون القرآن هاديًا، وكون الصوم مقصدًا، وحرمة الاقتراب من النساء في أيام الحيض، وحرمة الميتة وأكل الدم ولحم الخنزير و… قد وردت بكثرة في النصوص القرآنية والروائية، وليست شيئًا يحتاج إلى كشف وجهد جديد، وهي من ضروريات العقيدة وبعض الفقه لدى المسلمين. بالإضافة إلى ذلك، آيات القرآن الكريم ليست موضحة لجميع هذه المقاصد، ويمكن القول إن فقه المقاصد في هذا المجال قد وقع في فخ التعليل الظني بل الوهمي؛ لأن بعض هذه الموارد يمكن أن تُذكر كحكمة لبعض الأحكام، ولكنها ليست علة يدور الحكم مدارها، وقد تكون هناك علل أخرى خفية علينا ولا يعلمها إلا الشارع الحكيم. ومن هنا، يبدو أن المنهج المقاصدي يعمل بشكل قريب جدًا أو منطبق على منهج القياس، في حين أن كبار فقه المقاصد يسعون إلى منهج جديد وليس القياس الذي له مكانته في فقه وأصول أهل السنة منذ القدم.
النتيجة
اتضح في هذا المقال أن الدليل القرآني لفقه المقاصد ليس بديهيًا تمامًا، وأن هذا المنهج يحتاج إلى إقامة براهين محكمة ومنضبطة. ولذلك، من المناسب أن يقوم الباحثون الأجلاء بأبحاث جديدة في هذا المجال ويبينوا حدوده وثغوره؛ لأنه في الحوزة العلمية الشيعية تم إنجاز عمل قليل، في حين أن الكثير من النظريات الفقهية وشبه الفقهية، خاصة في المسائل الجديدة، قد بُنيت عليه وعلى شبهاته.
الهوامش
1. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم، نشر هجرت، 1410هـ.
2. الفيومي، أحمد بن محمد المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، قم، منشورات دار الرضى، د.ت.
3. ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان، 1367ش.
4. ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان، 1367ش.
5. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم، نشر هجرت، 1410هـ.
6. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، بيروت، دار الكتب العلمية، 1406هـ.
7. ابن عاشور، محمد طاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.
8. الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1991م.
9. الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1991م.
10. الريسوني، أحمد، أهداف الدين از ديدگاه شاطبي، ترجمة سيد حسن إسلامي، سيد محمدعلي أبهري، قم، مركز مطالعات إسلامي، 1376ش.
11. الريسوني، أحمد، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، بيروت، مؤسسة الجامعة للدراسات، 1412هـ.
12. القاسمي، محمد علي، خوانساري، احمد، نقد وبررسي فقه مقاصدي از نظرگاه اهل سنت، قم، مركز فقهي ائمه اطهار، 1395ش.
13. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم، نشر هجرت، 1410هـ؛ صاحب بن عباد، كافي الكفاة، اسماعيل بن عباد، المحيط في اللغة، بيروت، عالم الكتاب، الطبعة الأولى، 1414هـ.
14. الحميري، نشوان بن سعيد، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1420هـ.
15. الفيرحي، داود، فقه وسياست در ايران معاصر، تهران، نشر ني، 1391ش.
16. الجوادي الآملي، عبدالله، شريعت در آينه معرفت، د.م، مركز نشر فرهنگي رجاء، 1372ش.
17. الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية، بيروت، دار العلم للملايين، 1410هـ؛ الحميري، نشوان بن سعيد، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1420هـ؛ الفيومي، أحمد بن محمد المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، قم، منشورات دار الرضى، د.ت.
18. الزمخشري، أبو القاسم، محمود بن عمر، الفائق في غريب الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ.
19. الكركي، علي بن حسين العاملي، جامع المقاصد، قم، مؤسسة آل البيت، 1407هـ.
20. المازندراني، مولى محمد صالح، شرح أصول الكافي، تحقيق وتعليق ميرزا أبو الحسن الشعراني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1421هـ.
21. الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، الاجتهاد والتقليد، قم، دار الهادي، 1410هـ.
22. الأنصاري، مرتضى بن أمين، كتاب المكاسب، قم، كنگره شيخ انصاري، 1415هـ.
23. الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي، تقريرات فياض، محمد إسحاق، محاضرات في أصول الفقه، قم، دار الهادي للمطبوعات، 1417هـ.
24. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، بيروت، دار الكتب العلمية، 1406هـ.
25. إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، القاهرة، دار الدعوة، د.ت.
26. الحكيم، السيد محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، قم، دار الفقه للطباعة والنشر، 1431هـ.
27. الحكيم، السيد محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، قم، دار الفقه للطباعة والنشر، 1431هـ.
28. خلاف، عبد الوهاب، مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، القاهرة، د.ت.
29. المرعشي، محمد حسن، مصلحت وپايههاي آن، مجله حقوقي وقضائي، تهران، دادگستري، العدد 6، 1371ش.
30. عمر بن صالح، مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام، الأردن، دار النفائس، 1423هـ.
31. العميد الزنجاني، عباس علي، قواعد فقه سياسي (مصلحت)، تهران، انتشارات أمير كبير، 1384ش.
32. علم الهدى، عبد الجواد، الدليل والحجة، قم، دبیرخانه کنگره شیخ انصاری، 1373ش.
33. ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، قم، انتشارات كتابخانه آيت الله مرعشي نجفي، 1404هـ.
34. الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن لخمى غرناطي، الموافقات، بيروت، دار المعرفة، 1395هـ.
35. الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن لخمى غرناطي، الموافقات، بيروت، دار المعرفة، 1395هـ.
36. ابن قيم الجوزية، عمر بن أبي بكر، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ.
37. الريسوني، أحمد، محاضرات في المقاصد الشريعة، رباط، دار الأمان، 1430هـ.
38. الريسوني، أحمد، محاضرات في المقاصد الشريعة، رباط، دار الأمان، 1430هـ.
39. ابن عبد السلام، سلمى الدمشقي، أبو محمد عز الدين بن عبد العزيز، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، بيروت، دار المعارف، 1428هـ؛ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية، بيروت، دار الكتب العلمية، 1403هـ.
40. ابن قيم الجوزية، عمر بن أبي بكر، إعلام الموقعين عن رب العالمين، بيروت، دار الجيل، 1973م.
41. القاسمي، محمد علي، خوانساري، احمد، نقد وبررسي فقه مقاصدي از نظرگاه اهل سنت، قم، مركز فقهي ائمه اطهار، 1395ش.
42. الحسني، إسماعيل، مقاصد شريعت از نگاه ابن عاشور، ترجمة مهدي مهريزي، تهران، مؤسسه انديشه إسلامي، 1383ش.
43. الخادمي، نور الدين بن مختار، المقاصد الشرعية: تعريفها، أمثلتها، حجيتها، رياض، دار إشبيليا، للنشر والتوزيع، 1423هـ.
44. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
45. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
46. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
47. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
48. ابن عاشور، محمد طاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.
49. الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن لخمى غرناطي، الموافقات، بيروت، دار المعرفة، 1395هـ.
50. الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن لخمى غرناطي، الموافقات، بيروت، دار المعرفة، 1395هـ.
51. ابن قيم الجوزية، عمر بن أبي بكر، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ.
52. الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، تحقيق سيد أحمد حسيني، تهران، مكتبة النشر الثقافة الإسلامية، 1408هـ.
53. رشيد رضا، نداء للجنس اللطيف، بيروت، المكتب الإسلامي، 1404هـ.
54. الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1991م.
55. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
56. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
57. الحسني، إسماعيل، مقاصد شريعت از نگاه ابن عاشور، ترجمة مهدي مهريزي، تهران، مؤسسه انديشه إسلامي، 1383ش.
58. الخادمي، نور الدين بن مختار، المقاصد الشرعية: تعريفها، أمثلتها، حجيتها، رياض، دار إشبيليا، للنشر والتوزيع، 1423هـ.
59. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.
60. ابن عاشور، محمد طاهر، التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون، 1997م.