الملخص
تُعدّ مقولة الواجب من القراءات الهامة التي تخضع للدراسة والتقييم في علمي الفقه والأصول. يطرح علم الأصول آراء متنوعة حول معاني الأحكام ومكانتها وشروطها وأقسام الواجب في باب العبادات والمعاملات. إن التقسيمات المتعددة للواجب هي مجموعات فرعية من مبحث الأوامر. ومن صنوف هذه التقسيمات ما يتعلق بالأصالة والتبعية في عالم الثبوت والإثبات، وهو التقسيم إلى واجب أصلي وتبعي. يعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي، ويتخذ من آراء الآخوند الخراساني في كفاية الأصول أساساً له، ليتعمق في دراسة مكانة الواجب الأصلي والتبعي في علم الأصول، ويناقش آراء نفر من الأصوليين. يرى صاحب الفصول أن هذا التقسيم يلحظ مقام الإثبات والدلالة. ووفقاً لبيانه، يمكن تصور النفسية والغيرية في كل من الواجب الأصلي والواجب التبعي. أما الآخوند الخراساني فيعتقد أن هذا التقسيم مرتبط بمقام الثبوت. وبناءً على مبنى الآخوند، يكون الواجب النفسي دائماً واجباً أصلياً؛ لأنه دائماً ما يكون مراداً ومطلوباً للمولى بشكل مستقل، أما الواجب الغيري فيمكن أن يكون، بحسب هذا القول، واجباً أصلياً أو تبعياً.
مقدمة
قُسّمت الأحكام الشرعية في علم الأصول إلى قسمين: الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية. الأحكام التكليفية هي الأوامر والتعليمات الصادرة عن الشارع فيما يتعلق بأفعال الناس وسلوكهم، من أمر ونهي وإجازة ورخصة. يقول المحقق النراقي: الأحكام الشرعية خمسة أنواع: الإيجاب، ويعني الطلب الحتمي للفعل؛ والندب، ويعني الطلب غير الحتمي للفعل؛ والتحريم، ويعني الطلب الحتمي لترك الفعل؛ والكراهة، وتعني الطلب غير الحتمي لترك الفعل؛ والإباحة، وتعني تساوي طرفي الفعل والترك والحكم بتساوي الطرفين (النراقي، 1417، 370).1
«كل واجب يمر بمراحل حتى يصل إلى مرحلة الفعلية والتنجز:
المرحلة الأولى: تتعلق بخطوره وتصوره في نفس المولى؛ أي أن المولى يلتفت إلى ذلك الفعل ويتوجه إليه ويتصوره بجميع خصوصياته في ذهنه ويلاحظه.
المرحلة الثانية: مرحلة التصديق بالفائدة؛ أي أن المولى يصل إلى نتيجة أن هذا الفعل فيه مصلحة ملزمة ونافع لعباده.
المرحلة الثالثة: نشوء الشوق والميل القلبي لذلك الفعل.
المرحلة الرابعة: نشوء الشوق المؤكد أو الإرادة النفسانية والطلب القلبي لذلك الفعل.
المرحلة الخامسة: إذا لم تكن هناك موانع، تأتي مسألة الجعل والتشريع والأمر بذلك الفعل.
المرحلة السادسة: إذا حصل للمكلف العلم والطاعة، تصل إلى مرحلة الفعلية والتنجز.
من المراحل المذكورة، تتعلق المراحل الأربع الأولى بمقام الثبوت والواقع ونفس الأمر. المرحلة الأساسية هي المرحلة الرابعة (مرحلة الإرادة والطلب النفساني)، والمرحلتان الأخيرتان تتعلقان بمقام الإثبات والدلالة» (محمدي، 1389، ج1، ص549).
وقد عرّف العلامة الحيدري الواجب بقوله: «الواجب هو ما أوجب الله فعله على المكلفين ولم يجز تركه؛ مثل الصوم والصلاة» (الحيدري، 1412، 83). وقد لاحظ صاحب الفصول هذا التقسيم بلحاظ مقام الإثبات والدلالة.
يذكر المرحوم الآخوند في تتمة بحث الأوامر ومبحث مقدمة الواجب أن الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب أصلي وتبعي، ويوضح ذلك (الآخوند، 1409، 122).
وقد أورد الفيروزآبادي إشكالاً على الآخوند بأنه كان من اللازم أن يذكر هذا التقسيم في الأمر الثالث المتعلق بتقسيمات الواجب من قبيل المطلق والمشروط والمعلق والمنجز والنفسي والغيري، لا في هذا الأمر الرابع. وكأن الآخوند قد نسي هناك ذكر هذا التقسيم للواجب وأورده هنا (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص390). وفي حقائق الأصول وحواشي المشكيني تمت الإشارة إلى هذه المسألة أيضاً. (الطباطبائي الحكيم، 1372، ج1، ص288؛ المشكيني، 1413، ج1، ص503) وقد بيّن آية الله الخوئي هذا المطلب بنحو ما (الخوئي، 1430، ج44، ص275) وفي ذيل التقسيم قال: ذكر الآخوند في بحث مقدمة الواجب أربعة أمور:
الأول: بيان أن مقدمة الواجب من المسائل العقلية الأصولية.
الثاني: قسم مقدمة الواجب من جهة إلى شرعية وعقلية وعادية، ومن جهة أخرى إلى مقدمة داخلية وخارجية، ومقدمة متقدمة ومتأخرة ومقارنة.
الثالث: قسم الواجب مرة إلى واجب مشروط ومطلق، ومرة أخرى إلى منجز ومعلق.
الرابع: بيان الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدماته، وتعرض لما هو من مقدمات الواجب، وفي النهاية ذكر الأمر الرابع وهو تقسيم الواجب إلى واجب أصلي وتبعي. كان من المناسب إدراج هذا التقسيم في الأمر الثالث حيث كان موضع بيان أقسام الواجب. وكأنه حدثت غفلة من الآخوند أثناء التأليف، أو وقع خطأ في الطبع، وإلا فلا يوجد سبب لذكر هذا التقسيم هنا، ونحن تبعاً لصاحب الكفاية نذكر هذه المسألة، ولكن ذكرها هنا لا أثر له ولا فائدة. (الخوئي، 1430، ج44، ص275)
السابقات البحثية
ظاهراً، لم يتم إنجاز عمل مستقل وخاص في هذا المجال في أصول الفقه. وقد تم بحث هذا المبحث في كتب الأصول المختلفة وأكثر المطالب مكررة.
تناول فاضل اللنكراني، محمد جواد (1382) في موقعه الشخصي مقدمة الواجب الأصلي والتبعي في مقال بعنوان «الأصل العملي في مقدمة الواجب».
وقد تناول كلام المحقق الخراساني وإشكاله على صاحب الفصول وكلام المحقق الإصفهاني. وفي هذا التحقيق، تناول رأي الآخوند في الواجب الأصلي من حيث هل له وجود في المسألة الأصلية أم لا، ورأى أن المرحوم الآخوند قال إنه يجب البحث في جهتين: الأولى وجود الأصل في المسألة الأصولية، والثانية جريان الأصل في المسألة الفقهية. وكانت النتيجة أنه في هذه المسألة من ناحية المسألة الأصولية ليس لدينا أصل، ومن ناحية المسألة الفقهية، تجري أصالة البراءة، لا البراءة العقلية ولا الشرعية، ولكن الاستصحاب يجري.
عليان راد، إلهام، (1390) في رسالتها الجامعية تحت عنوان «دراسة تقسيمات الواجب وآثارها في الفقه الإمامي» تناولت مسألة الواجب وتقسيماته، معتقدة أن كل تقسيم هو نتاج ملاحظة أمر من زاوية ما، وهو يعرّف المحقق على بعض الاصطلاحات ويوصل إليه المقصد بشكل أفضل. من بين التقسيمات والمباحث ذات الأهمية الكبيرة، توجد بعض الأقسام مثل تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي، والتي لا يرتب عليها العلماء أي أثر، ويكتفون ببيان المباحث المفهومية والنظرية حولها ومقتضى الأصل في كونها تبعية أو أصلية.
في هذا البحث، نتخذ من رأي الآخوند الخراساني أساساً، ونبين النقد والإشكالات التي أوردها الأصوليون البارزون مثل صاحب الفصول على آراء الآخوند، ونتابع الدراسة التحليلية والتطبيقية للواجب الأصلي والتبعي.
موطن تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي
البحث الأصلي في تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي هو بلحاظ مقام الإثبات والثبوت، وقبل أن يصبح الواجب متعلق الخطاب ويقع دليلاً عليه ويصدر خطاب من المولى بشأنه، يُقسّم إلى قسمين أصلي وتبعي، أو أنه باعتبار مقام الإثبات والدلالة وبعد صدور الخطاب ودلالة الدليل على وجوب أمر ما يطرح هذا التقسيم.
1. يعتقد صاحب الفصول وصاحب القوانين أن هذا التقسيم مرتبط بمقام الدلالة والإثبات (الحائري الإصفهاني، 1404، ج1، ص82؛ المحقق القمي، 1378، ج1، ص141).
2. يعتقد المرحوم الآخوند والشيخ الأنصاري أن هذا التقسيم مرتبط بالواقع ومقام الثبوت (الآخوند، 1404، ص122؛ الشيخ الأنصاري، 1416، ص246). وذهب بعض الفقهاء الآخرين إلى هذا الرأي (المشكيني، 1413، ج1، ص503؛ الخميني، 1382، ج1، ص217؛ الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص391؛ الحسيني الشيرازي، ج1، ص171).
تعريف الواجب الأصلي والتبعي
عُرضت ثلاثة تعاريف للواجب الأصلي والتبعي، ولكل منها نتيجة مختلفة:
1. بناءً على المبنى الأول، مقام الإثبات
رأي المحقق القمي: الواجب الأصلي هو ما يكون إفادته وتفهيمه من الخطاب والكلام مراداً ومقصوداً للمتكلم؛ أي أن المتكلم من أول ما يتكلم، يكون قصده تفهيم وإيصال هذا الواجب بعينه؛ بحيث إن العرف وأهل الاطلاع الذين يسمعون الكلام يحكمون فوراً بأن مراد المتكلم هو الأمر الفلاني (المحقق القمي، 1378، ج1، ص212).
وقد بيّن في القوانين أن الميزان في معرفة الأصلي من التبعي هو الدلالة؛ أي إذا كانت الدلالة مطابقة على الوجوب، فهو أصلي، وإن كانت دلالته التزامية، فهو تبعي. وبناءً على ذلك، الوضوء واجب غيري وأصلي؛ لأنه في آية الوضوء ورد خطاب مستقل به: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ».
أما أقل الحمل الذي هو ستة أشهر، فليس واجباً أصلياً، بل هو تبعي؛ لأنه يُفهم من ضم آيتين معاً وبالدلالة الالتزامية. في إحدى الآيات نقرأ: {وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (البقرة، آية 233) التي تبين أن الأم ترضع ولدها لمدة عامين، وفي آية أخرى نقرأ: {وَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف، آية 15) أي أن مدة الحمل والرضاعة ثلاثون شهراً. عندما نطرح عامين من ثلاثين شهراً، يتبقى ستة أشهر هي أقل مدة الحمل.
عادةً، في الكنايات حيث يُذكر الملزوم ويُراد اللازم، يفهم المخاطب أن المقصود للمتكلم هو إفادة اللازم. وفي المجازات، خلافاً للحقيقة، يؤتى بقرينة، فيفهم السامع أن المقصود بالإفهام. المدلول التضمني والمدلول الالتزامي للفظ الذي يكون لزومه بالمعنى الأخص، يكون أيضاً من هذا القبيل ومقصوداً بالإفهام؛ لذلك عندما يقول المولى: «إن جاءك زيد فأكرمه»، فإن قضاء العرف هو أن «إن لم يجئك فلا تكرمه»، ويُلقون هذا على عاتق المتكلم ويقولون: كلامك وجملتك الشرطية ظاهرة في هذا المفهوم. إذن، هذه أيضاً مقصودة بالإفهام. (محمدي، 1389، ج1، ص549).
كذلك قسم من الدلالات التي ليست بمنطوق صريح ولا مفهوم، بل هي منطوق غير صريح وتسمى دلالة سياقية، مثل دلالة الاقتضاء والتنبيه، هي أيضاً من هذا الباب، ومعناها مقصود للمتكلم وبدونه، يُخدش في صحة الكلام أو صدقه. جميع الموارد المذكورة، طبقاً للتعريف المذكور، تدخل في الواجب الأصلي (محمدي، 1389، ج1، ص549).
الواجب الأصلي بناءً على المعنى المذكور، يكون أحياناً واجباً نفسياً وُجب لمصلحة في ذاته، مثل وجوب الصلاة المستفاد مباشرة من أمر «أقيموا الصلاة» وهو مقصود بالإفادة والمصلحة الملزمة في ذات الصلاة. وأحياناً يكون واجباً غيرياً وُجب لمصلحة في غيره؛ مثل أن يقول المولى لعبده: قم الآن والبس ثيابك، اركب السيارة واذهب إلى المتجر، خذ الأمانة الفلانية وأوصلها إلى فلان، وأعطها لفلان ثم عد. هنا الغرض الأصلي هو رد الأمانة إلى صاحبها، ولكن جميع الأعمال المقدماتية ذُكرت واحدة تلو الأخرى وتم تفهيم كل منها بخطاب. من هذا الجانب، هذه المقدمات واجبات أصلية، ولكن بما أن المصلحة ليست فيها ذاتها وهي مقدمات، فإن اسمها واجب أصلي غيري.
الواجب التبعي بالمعنى المذكور، يكون أحياناً واجباً نفسياً وأحياناً غيرياً. الواجب النفسي مثل وجوب الإفطار الذي مصلحته في ذاته وليس مقدمة لشيء. الواجب الغيري مثل وجوب المقدمة الذي يُعلم تبعاً للأمر بذي المقدمة. إذن، هذا التقسيم هو بلحاظ مقام الإثبات والدلالة. وبناءً على ذلك، فإن تعريف الواجب الأصلي والتبعي قابل للانقسام إلى نفسي وغيري، وكل من الواجب النفسي والغيري قابل للاتصاف بالأصلية والتبعية.
ثمرة هذا الضابطتين، حسب اعتقاد المحقق القمي، تظهر في المدلولات الالتزامية اللفظية التي تكون واجبة أصلية ومقصودة بالإفادة والتفهيم للمتكلم. الواجب التبعي عند صاحب الفصول يكون وجوبه بخطاب مستقل ويستلزم خطاباً آخر (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص391).
برأي المحقق القمي، الملاك في كون الواجب أصلياً هو أن تكون إفادته وتفهيمه من الخطاب والكلام مراداً ومقصوداً للمتكلم. والملاك في كون الواجب تبعياً هو أن لا تكون إفادته وتفهيمه من الخطاب والكلام مراداً ومقصوداً للمتكلم، بل يُستفاد تبعاً للجملة؛ مثل دلالة الآيتين على أقل الحمل.
رأي صاحب «الفصول» (المحقق الإصفهاني):
يعرّف صاحب الفصول، بناءً على مبناه الخاص، الواجب الأصلي والتبعي على النحو التالي:
الواجب الأصلي: هو الواجب الذي استفدنا وجوبه عن طريق دليل وخطاب مستقل. بالطبع، لا ينبغي أن يُتصور أن مرادنا من الخطاب هو خصوص الدليل اللفظي، بل مقصودنا من الخطاب هو الدليل؛ سواء كان هذا الدليل المستقل دليلاً لفظياً، مثل ظاهر الكتاب والسنة، أو دليلاً لبياً، مثل الإجماع وغيره (المحقق الإصفهاني، 1404، 498-499؛ المشكيني، 1413، ج1، ص503).
«فالواجب الأصلي، هو واجب يُستفاد وجوبه من اللفظ بقصد المتكلم ويشمل الدلالة الالتزامية، ولا يشمل الدليل غير اللفظي، بخلاف الواجب التبعي الذي يكون وجوبه تابعاً لخطاب آخر. بالنظر إلى هذين التعريفين، تكون النسبة بينهما عموماً وخصوصاً من وجه» (المشكيني، 1413، ج1، ص503).
الواجب الأصلي على قسمين: أحياناً يكون واجباً أصلياً نفسياً؛ مثل «أقيموا الصلاة» و«كون على السطح» حيث يُستفاد وجوب الصلاة والكون على السطح كل منهما من خطاب على حدة، والمصلحة في ذات هذا العمل. وأحياناً يكون واجباً أصلياً غيرياً؛ مثل «اغسلوا وجوهكم» و«انصب السلم» حيث إن وجوب الوضوء ونصب السلم كل منهما بخطاب مستقل، ولم يستفد أي منهما من أمر ذي المقدمة، ولكن وجوبهما غيري؛ أي لمصلحة في الصلاة والكون على السطح، فهما قد وجبا (محمدي، 1389، ج1، ص551).
حسب اعتقاد صاحب الفصول وبعض المعاصرين، إنما الواجب الأصلي هو واجب استفيد وجوبه من اللفظ وكان قصد المتكلم هو ما يبينه ظاهر الكلام، والواجب التبعي بخلاف ذلك؛ أي أنه ليس واضحاً ومحدداً، وقد فسروه بالواجب الأصلي والتبعي. وبمعنى آخر يقولون: الواجب الأصلي وجوبه من خطاب الجملة بشكل مستقل؛ أي لا يحتاج إلى خطاب آخر لفهمه. إذا كان وجوبه تابعاً لوجوب خطاب آخر، فهو واجب تبعي، وهو خلاف الواجب الأصلي؛ كما هو الحال في المفاهيم (مفهوم الشرط والوصف و…). والنتيجة هي أن الملاك في الواجب الأصلي والتبعي هو فهمه بواسطة خطاب مستقل وخطاب غير مستقل؛ حيث يؤخذ الواجب الأصلي من خطاب مستقل ولا يحتاج إلى خطاب آخر تابع له. عندما يُقال «ادخل السوق واشتر اللحم»، لا يُستفاد من خطاب مستقل أنه واجب تبعي. على فرض وجوبه، فإنه وجوب نفسي تابع لوجوب آخر وخطاب آخر؛ كما يُفهم من مفهوم الجملة؛ مثلاً عندما نقول: «إذا فسق العالم فلا يجب إكرامه»، مفهومه هو أنه «إذا عدل العالم يجب إكرامه».
الواجب التبعي، وجوبه تابع لخطاب آخر. وهو واجب لم نستفد وجوبه من دليل مستقل. الواجب التبعي له شعبتان أيضاً: أحياناً يكون واجباً نفسياً؛ مثل وجوب الإفطار عند وجوب القصر، وأحياناً يكون واجباً غيرياً؛ مثل وجوب المقدمة تبعاً للأمر بذي المقدمة.
نظراً لأن صاحب الفصول يرى التقسيم بلحاظ مقام الدلالة، فمن منظور مقام الدلالة، يكون المفهوم كاللازم للمنطوق. والنتيجة هي أن وجوب الإكرام، مع كونه وجوباً نفسياً، له وجوب تبعي في مقام الدلالة أيضاً. طبقاً لهذه الضابطة، يتضح تماماً أن تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي هو بلحاظ مقام الإثبات والدلالة ولا علاقة له بمقام الثبوت والواقع. وكل من الواجب الأصلي والتبعي قابل للتقسيم إلى واجب نفسي وغيري.
يقول الخوئي: على أي حال، الواجب لا ينحصر في هذين القسمين، بل يوجد قسم ثالث، وهو واجب يكون مقصوده بالتفهيم من الخطاب ليس أصالة ولا تبعاً، كما هو الواجب المدلول عليه بدليل لبي من قبيل الإجماع ونحوه. هذا عندما يكون لدينا علم بالأصلية والتبعية (الخوئي، 1430، ج44، ص276).
بناءً على جميع التفاسير، لا شك أن الواجب الغيري ينقسم إلى قسمين أصلي وتبعي، وهو المقصود بالإفهام للمتكلم. يجوز عدم تقسيمه بحيث يُستفاد من خطاب مستقل وليس مستفاداً من خطاب مستقل، بل يكون تابعاً لخطاب آخر. كذلك يجوز أن يكون متعلق إرادة مستقلة بسبب التوجه والالتفات إليه. ويجوز أيضاً ألا تتعلق به إرادة مستقلة، بل تكون إرادة إجمالية تبعية فقط بسبب إرادة غير مستقلة إليه وعدم الالتفات إليه بشكل واضح. وفي صحة انقسام الواجب النفسي إلى أصلي وتبعي لا يوجد إشكال، بحسب تفسير صاحب الفصول، سواء كان مستفاداً من خطاب مستقل أو غير مستفاد من خطاب مستقل، بل يكون تابعاً لخطاب آخر. (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص393 – 394؛ المشكيني، 1413، ج1، ص503؛ الحسيني الشيرازي، 1406، ج2، ص173).
بناءً على هذا المعنى، ينقسم كل من الواجب النفسي والغيري إلى أصلي وتبعي. فتتحول الأقسام إلى سبعة أقسام. القسم الأول والثاني الواجب النفسي الأصلي في مقام الثبوت والإثبات. القسم الثالث والرابع الواجب الغيري الأصلي في مقام الثبوت والإثبات. القسم الخامس والسادس الواجب الغيري التبعي في مقام الثبوت والإثبات. القسم السابع الواجب النفسي التبعي في مقام الإثبات، وفي النهاية القسم الثامن، أي الواجب النفسي التبعي في مقام الثبوت (الحسيني الشيرازي، 1406، ج2، ص171).
تفاوت وثمرة الضابطتين المذكورتين
أولاً: منظور المحقق القمي والمشهور من الكلام أو الخطاب هو خصوص الدليل اللفظي. لفظ الخطاب والمخاطبة له ظهور في هذا المعنى. إذن، ذلك القسم من الواجبات الذي يثبت بدليل لبي (إجماع وعقل) لا يشمله، ولكن مقصود صاحب الفصول من الخطاب، حسب تصريحه، هو مطلق الدليل؛ سواء كان لفظياً أم لبياً.
ثانياً: في مثل المفاهيم (مفهوم الشرط، والوصف، والغاية، والحصر، و…) تظهر الثمرة بوضوح، حيث إنها طبقاً لتعريف الميرزا القمي من المداليل الأصلية للكلام وواجب أصلي؛ لأنها مقصودة بالإفهام. أما طبقاً لتعريف الفصول، فهذه مداليل تبعية وتدخل في الواجب التبعي؛ لأنها لم تُفهم بخطاب مستقل (محمدي، 1389، ج1، ص552).
2. بناءً على المبنى الثاني: مقام الثبوت
رأي الآخوند الخراساني:
بناءً على رأي الآخوند، ضابطة هذا التقسيم هي مقام الثبوت، لا مقام الإثبات، وقبل أن يكون الواجب مفاد الدليل ويصدر خطاب من المولى بشأنه، يُطرح هذا التقسيم، وذلك لأن:
أ) الشيء قد يكون أحياناً متعلقاً للإرادة النفسانية والطلب الباطني والقلبي بشكل مستقل، وهو في الواقع مطلوب ومراد المولى من عبده، بسبب الالتفات والانتباه التفصيلي إليه بكل ما له من خصائص، مثل أن يكون الملاك والمناط لوجوبه ذا مصلحة ملزمة، ونتيجة لذلك يطلبه (الآخوند، 1409، ص122).
سواء كان طلباً نفسياً؛ أي أن يكون متعلقاً للإرادة والطلب بشكل مستقل والمولى يريد ذات ذلك العمل، والمصلحة أيضاً في ذات ذلك العمل؛ مثل الصلاة والصوم. أو كان طلباً غيرياً؛ أي أنه على الرغم من أن المولى قد التفت إليه التفاتاً تفصيلياً وطلبه، وصار ذات ذلك العمل متعلقاً للإرادة، إلا أن المصلحة ليست في ذات ذلك العمل، بل في عمل آخر، وهذا الذي لوحظ وأمر به كان للوصول إلى واجب آخر؛ مثل قطع المسافة.
ب) وأحياناً يكون ذلك الشيء متعلقاً للإرادة تبعاً لإرادة شيء آخر؛ أي أن إرادة وطلباً قلبياً مستقلاً لم يتوجه إليه، وهو تابع تماماً لإرادة شيء آخر. وهذا العمل أيضاً أصبح متعلقاً للإرادة؛ أي أن العقل، بالملازمة، يُلزم المولى بأنه إذا أراد ذا المقدمة، فإن لازم ذلك أن يريد المقدمة أيضاً؛ على الرغم من أن المولى نفسه لم يلتفت إلى المقدمة. بسبب أن إرادة ذلك الشيء ملازمة لإرادة غيره، دون أن يلتفت إلى غيره بحيث يكون هو الآخر في متعلق إرادته، لا بلحاظ الأصالة والتبعية في عالم الإثبات والدلالة (الآخوند، 1409، ص122).
وقد ذكر صاحب التقريرات معنى آخر للواجب الأصلي والتبعي: الواجب الأصلي هو ما تعلقت به الإرادة مستقلة من جهة الالتفات إليه وصار موجباً للطلب والدعوة إليه، والواجب التبعي هو ما لم تتعلق به إرادة مستقلة والتفات وتوجه، وإنما تعلقت به إرادة إجمالية تبعاً لإرادة غيره، كما يترشح على الواجبات الغيرية. منشأ الخطاب المستقل الذي تتعلق به الإرادة المستقلة ليس موجوداً. (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص391) ضابطة تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي، بملاحظة عالم الثبوت، لا عالم الإثبات (وهو القول المشهور)؛ لأن الشيء المطلوب، في مقام الدلالة والإثبات، كما هو في مقام الثبوت، يكون أحياناً مقصوداً بالإفادة؛ بأن يكون سياق الكلام لإفادته، فتكون دلالة الكلام على الطلب استقلالية، وأحياناً لا يكون قصد الإفادة للطلب بشكل مستقل، وإنما هذا الأمر لازم للخطاب ومستفاد من لحن الخطاب، على الرغم من أن المولى لم يقصده استقلالاً؛ كما في دلالة الإشارة التي يكون المدلول فيها غير مقصود بالخطاب؛ مثل دلالة الآيتين {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} و {الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ} بضم إحداهما إلى الأخرى يفيد أن أقل الحمل ستة أشهر (الآخوند، 1409، ص122).
في أصول المظفر، الواجب الأصلي هو ما يكون المقصود من الكلام بشكل مستقل أن يفيد وجوبه؛ مثل وجوب الصلاة والوضوء المستفاد من «أقيموا الصلاة» و«فاغسلوا وجوهكم». والواجب التبعي هو ما لم يكن من قصد الكلام إفادة وجوبه، بل هو وجوب مستفاد من توابع ما هو مقصود بالإفادة؛ مثل وجوب الذهاب إلى السوق الذي يُفهم من أمر المولى بشراء اللحم من السوق، حيث إن الذهاب إلى السوق واجب في حال لزوم شراء اللحم منه، ولكن هذا الوجوب لم يُقصد من الكلام، بل مراد المولى منه هو مجرد وجوب شراء اللحم من السوق. وكما في كل دلالة التزامية يكون اللزوم فيها من قبيل اللزوم البين بالمعنى الأخص، يكون الحكم كذلك (المظفر، 1386، ص90).
هنا، الاختلاف بين الواجب الأصلي والتبعي من ثلاث جهات: الاختلاف بسبب تفاوت خصوصية الإرادة، بحيث تنشأ من إرادة أخرى. ثانياً، بسبب اختلاف خصوصية الشيء بحيث يكون مراداً ملحوظاً تفصيلياً أم لا. ثالثاً، بسبب اختلاف خصوصية الدلالة من حيث كون المدلول أصالة أو تبعاً، وفي هذا المبنى يأخذ الآخوند بالمعنى الثاني. ويبدو أن هذا المعنى قد لوحظ في التقريرات (الطباطبائي، 1382، ج1، ص288).
3. تفاوت المبنيين: الثبوت والإثبات
بناءً على مبنى الآخوند، الواجب النفسي دائماً واجب أصلي؛ لأن الواجب النفسي دائماً ما يكون مراداً ومطلوباً للمولى بشكل مستقل، والواجب الغيري يمكن أن يكون، حسب هذا القول، واجباً أصلياً أو تبعياً؛ أي أن المولى أحياناً يولي الواجب الغيري اهتماماً تفصيلياً ويريده إرادة مستقلة، وأحياناً لا يفعل ذلك. أما حسب القول الأول، فيمكن لكل من الواجب النفسي والغيري أن يكون أصلياً أو تبعياً؛ لأن المتكلم في مقام إفادة الوجوب في مقام الإثبات والدلالة يمكنه أن يفيد كلاً منهما بصورتين، على نحو الأصالة وعلى نحو التبعية.
«التفسير بناءً على مقام الثبوت والواقع، ينقسم إلى أصلي وتبعي حسب تعلق الإرادة النفسانية المستقلة به أو عدم تعلق الإرادة المستقلة به. وبناءً على مقام الإثبات والدلالة، باعتبار أن الواجب مقصود للمتكلم من اللفظ أو غير مقصود، أو باعتبار أن المفهوم من الخطاب مستقل أو غير مستقل، لا يُستفاد الواجب من اللفظ، بل من دليل لبي مثل العقل والإجماع ونحوهما، وعلى هذا الأساس ينقسم إلى واجب أصلي وتبعي (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص391 – 392).
ورد في المحاضرات أنه بناءً على تقسيم مقام الثبوت، ظاهراً لا يجري هذا التقسيم في الواجب النفسي، فليس من المعقول أن يكون متعلق الإرادة بلحاظ إرادة تبعية وارتكازية، فالتقسيم خاص بالواجب الغيري (الخوئي، 1430، ج2، ص276).
دليل الآخوند على إثبات مقام الثبوت
في عناية الأصول، أُشكل على تقسيم الآخوند بأنه من الأولى ترك هذا التقسيم من الأساس، فضلاً عن أنه لا فائدة فيه. وهذا التقسيم منفصل عن سائر تقسيمات الواجب؛ من حيث إن المعنى فيه ليس محدوداً ومنضبطاً، لأن حدود سائر التقسيمات، مثل المطلق والمشروط، والنفسي والغيري ونحوها، معينة ومحددة ومتفق عليها. وفي بيان الحد الجامع له يقع اختلاف بحيث لا يكون مانعاً ولا جامعاً، وفي هذا المقام الأصل ليس محدوداً ومعيناً، وكل شخص يفسره برأيه ونظره، فمثلاً الأصلي والتبعي في اصطلاح هذا، غير الأصلي والتبعي في اصطلاح ذاك، والأصلي والتبعي عند ذاك، غير الأصلي والتبعي عند ثالث وغيره، ومع كل هذا لا يبقى في حدوده نقض وإبرام من المناقشات، ولا مجال للتحشية عليه، كما هو غير خفي (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص392).
دليل المرحوم الآخوند على أن تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي مرتبط بمقام الثبوت هو أننا لو أردنا أن نجعل التقسيم بحسب مقام الدلالة والإثبات، لزم من ذلك أن الواجب الذي لم يكن بعد مفاد دليل، لا يكون أصلياً ولا تبعياً؛ لأن مقام الدلالة فرع الدليل، وقبل أن يُطرح دليل بخصوص الواجب، لا يمكن أن تُطرح الأصالة والتبعية. أما إذا ربطنا الأصالة والتبعية بمقام الثبوت وقبل مرحلة الدلالة والإثبات، ففي تلك المرحلة نفسها، يكون عنوان الأصالة والتبعية محفوظاً؛ على الرغم من أنه لم يقم دليل على ذلك الواجب بعد. من الواضح أنه قبل مجيء الدلالة والإثبات، تكون مسألة الأصالة والتبعية محفوظة للواجب.
يقول بعض الأصوليين في تأييد كلام المرحوم الآخوند: عندما نقارن ذا المقدمة بالمقدمة من حيث الوجوب ومن حيث الوجود، نرى أن ذا المقدمة له عليتان بالنسبة للمقدمة: إحداهما علة غائية والأخرى علة فاعلية. العلة الغائية لوجوب المقدمة هي ذو المقدمة؛ فكوننا نعتبر وجوب المقدمة وجوباً غيرياً هو بناءً على هذا المبدأ، فإن إيجاب «نصب السلم» هو لتحقيق ذي المقدمة، أي «الكون على السطح». إذن، ذو المقدمة هو العلة الغائية لوجوب المقدمة، وإلا ففي ذات المقدمة بقطع النظر عن هذه الغاية، لا تقتضي أي جهة وعلة للوجوب. ومن جهة أخرى، وجود ذي المقدمة أو الإرادة المتعلقة بذي المقدمة توجب ترشح الإرادة إلى المقدمة؛ أي في مقام القيام بعمل له مقدمة، يكون وجود المقدمة ناشئاً عن الإرادة المتعلقة بذات المقدمة، والإرادة المتعلقة بالمقدمة ناشئة عن الإرادة المتعلقة بذي المقدمة. فالإرادة المتعلقة بذي المقدمة هي المبدأ لتحقق أو العلة الفاعلية للإرادة المتعلقة بالمقدمة، وهي العلة الفاعلية لنفس المقدمة ووجود المقدمة. ونتيجة لذلك، فإن الإرادة المتعلقة بذي المقدمة هي العلة الفاعلية لوجود المقدمة (المحقق الإصفهاني، 1381، ج1، ص409؛ فاضل اللنكراني، 1381، ص502؛ الخميني، 1416، ص217).
ثم يقول المرحوم الإصفهاني: تقسيم الواجب إلى نفسي وغيري يُطرح فيما يتعلق بالعلة الغائية، حيث إن وجوب ذي المقدمة هو لذات ذي المقدمة، ولكن وجوب المقدمة لتحقق ووجود ذي المقدمة في الجانب الفاعلي وتعلق الإرادة له أصالة، أما المقدمة فلها تبعية في الجانب الفاعلي؛ لأن الإرادة المتعلقة بالمقدمة معلولة للإرادة المتعلقة بذي المقدمة ومترشحة منها. إذن، الأصالة والتبعية تُطرحان بخصوص الإرادتين، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يكون لها ارتباط بمقام الإثبات والدلالة، بل هي مرتبطة بنفس مقام الثبوت وقبل مرحلة اللفظ ودلالة الدليل (المحقق الإصفهاني، 1381، ص408 – 409).
وقد أضاف فاضل اللنكراني في توضيح كلام المحقق الإصفهاني هذه النقطة، وهي أنه في النفسية والغيرية، بما أن المسألة تتعلق بوجوب المقدمة والوجوب عبارة عن بعث وتحريك اعتباري، فإن ذلك التقسيم يجد ارتباطاً بمقام الإثبات (فاضل اللنكراني، 1381، ص503).
حكم الشك في الأصلية والتبعية
إذا كان أصل وجوب الشيء محرزاً لدينا، ولكن ترددنا في كونه واجباً أصلياً أو تبعياً، فما هو السبيل لتشخيص المسألة؟ هنا للمسألة حالتان:
1. قوام الأمر الواجب التبعي بأمر عدمي
كلما كان الواجب التبعي هو ما لم تتعلق به إرادة مستقلة؛ فإذا شككنا في واجب أنه أصلي أم تبعي، ففي هذه الحالة بمساعدة أصالة عدم تعلق الإرادة الاستقلالية به، يثبت أنه تبعي. يمكننا من خلال الاستصحاب إثبات تبعية الواجب؛ لأن الواجب التبعي له مفهوم عدمي، وفي حال فُرض له أثر شرعي مثله مثل سائر الموضوعات التي قوامها بأمور عدمية، تترتب عليه آثار الواجب التبعي. أي أنه مركب من جزأين: وجودي وعدمي؛ مثل الماء المشكوك في كريته، حيث يجري أصل عدم الكرية و… (الآخوند، 1409، ص123).
«عند الشك بين الواجب الأصلي والواجب التبعي، بمساعدة أصالة عدم تعلق الإرادة الاستقلالية به يثبت أنه تبعي. كون الواجب التبعي موافقاً للأصل على هذا الأمر العدمي. يمكننا من خلال الاستصحاب إثبات تبعية الواجب، وتترتب عليه آثار الواجب التبعي إذا فُرض له أثر شرعي. فأصل الوجوب ثابت بالوجدان، والتبعية ثابتة بالأصل، مثل سائر الموضوعات التي قوامها بأمور عدمية، حيث يكون جزء منها ثابتاً بالوجدان والجزء الآخر بالأصل. مثلاً، إذا قلنا «الماء غير الكر إذا لاقى نجاسة ينجس»، ثم شككنا في ماء لاقى نجاسة هل هو قليل أم كثير، فنحكم بنجاسة الماء، وذلك لأن الماء الملاقي للنجاسة ثابت بالوجدان، وقلته ثابتة بأصل عدم الكرية» (الحسيني الشيرازي، 1406، ج2، ص178). ويؤيد الفيروزآبادي أيضاً رأي الآخوند (الحسيني الفيروزآبادي، 1487، ص394).
وقد أورد المحقق الإصفهاني إشكالاً على المرحوم الآخوند بأننا بنفس هذا الاستصحاب نثبت أصالة الواجب؛ لأن الخصوصية العدمية تتعلق بالواجب الأصلي. أما في الواجب التبعي فتطرح خصوصية وجودية؛ لأن الواجب التبعي هو واجب تكون الإرادة المتعلقة به مترشحة من إرادة أخرى ومعلولة ومترتبة عليها. الترشح والمعلولية والترتب من الأمور الوجودية، أما الواجب الذي تكون الإرادة المتعلقة به غير مترشحة من غيرها، وغير معلولة ومترتبة على إرادة غيرها، وقوام الواجب الأصلي بعدم الترشح وعدم المعلولية وعدم الترتب، فهو من الأمور العدمية. في هذه الحالة، إذا كان وجوب شيء معلوماً لنا، ولكننا لا نعلم هل إرادته مترشحة من إرادة غيره ومعلولة لإرادة غيره ومترتبة على إرادة غيره أم لا، فإن استصحاب عدم الترشح وعدم المعلولية وعدم الترتب يقتضي أصالة الواجب (الغروي الإصفهاني، 1414، ج1، ص409).
ويُشكل فاضل اللنكراني على المرحوم الآخوند والمحقق الإصفهاني بأن مثل هذا الاستصحاب لا يجري أصلاً، ودليله هو نفس الخلاف الذي بيننا وبين المرحوم الآخوند في مسألة قرشية المرأة. فالمرحوم الآخوند وجماعة أخرى يجرون استصحاب عدم قرشية المرأة ويقولون: «هنا لدينا قضية سالبة محصلة، والسالبة المحصلة تصدق مع انتفاء الموضوع ومع انتفاء المحمول. قضية «زيد ليس بقائم» تصدق إذا كان زيد موجوداً ولكنه غير متصف بالقيام، وتصدق أيضاً إذا لم يكن زيد موجوداً أصلاً ليتصف بالقيام. المرأة، عندما لم تكن موجودة ولم تنعقد نطفتها بعد، كانت القضية السالبة المحصلة تصدق بانتفاء الموضوع. والآن وقد ولدت وشككنا في قرشيتها وعدمها، نستصحب نفس تلك القضية السالبة المحصلة المتيقنة ونثبت عدم قرشيتها» (فاضل اللنكراني، 1381، ص508 – 509). وذلك لأن في الاستصحاب يجب أن تكون القضية المتيقنة والقضية المشكوكة واحدة، وإذا كانت هناك مغايرة، فلا يمكن أن يجري. وهنا القضية السالبة المتيقنة مغايرة للقضية السالبة المشكوكة. القضية السالبة المتيقنة كانت سالبة بانتفاء الموضوع، ولكن القضية السالبة المشكوكة سالبة مع وجود الموضوع وبانتفاء المحمول. مجرد كونهما كلتيهما قضيتين سالبتين محصلتين لا يكفي في وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة» (فاضل اللنكراني، 1381، ص509).
وفيما نحن فيه الأمر كذلك. يقول المرحوم الآخوند: «الواجب التبعي هو واجب لم تتعلق به إرادة مستقلة، وهذه حالة سابقة عدمية له». ونحن نقول: أي حالة سابقة عدمية؟ عندما لم يكن الواجب موجوداً، لم تكن هناك إرادة أصلاً لكي تكون مستقلة أو غير مستقلة. أما الآن، مع فرض تعلق الإرادة، فإنكم تشكون، وتعلمون أن الإرادة قد تعلقت، ولكن تشكون في استقلالها وعدم استقلالها. هنا لا يمكنكم استصحاب الحالة السابقة العدمية بانتفاء الموضوع وإثبات تبعية الواجب» (فاضل اللنكراني، 1381، ص509).
2. قوام الواجب التبعي بأمر وجودي
«إذا كان للواجب التبعي أمر وجودي فقط، ولم يكن قوامه بأمر عدمي، على الرغم من أن الأمر العدمي لازم للأمر الوجودي المذكور؛ أي إذا قيل في تعريف الواجب التبعي إن إرادة خاصة غيرية قد تعلقت به، ففي هذه الحالة عند الشك في الأصلية أو التبعية، لا يمكن بالأصل المذكور (استصحاب عدم تعلق الإرادة المستقلة) إثبات التبعية؛ لأن عدم تعلق الإرادة المستقلة ليس له أثر شرعي مباشر، إلا بناءً على اعتبار الأصل المثبت؛ أي أن نقول: أصل عدم تعلق الإرادة المستقلة، إذن يجب أن يكون متعلق الإرادة تبعياً، ولكن هذا الأصل (الأصل المثبت) ليس حجة في الشرعيات؛ كما هو واضح» (الآخوند، 1409، ص122).
قال الحسيني الشيرازي في حاشيته على الكفاية: إذا كان الواجب التبعي أمراً وجودياً، فإنه يقابل الأصل، وهو أن الواجب التبعي نوع من الإرادة وقوامه ليس بأمر عدمي، على الرغم من أن هذا الوجود الخاص، أي الأمر العدمي الأصلي، لازمه. ومع أصل عدم تعلق الإرادة المستقلة، فإن كلاً من الواجب الأصلي والتبعي في هذه الحالة خلاف الأصل، فلا يمكن بأصل استصحاب عدم تعلق الإرادة المستقلة إثبات التبعية، فكل من الواجب الأصلي والتبعي خلاف الأصل، فلا يمكن بأصل استصحاب عدم كل من الأصلي والتبعي إثبات وجود الآخر؛ إلا بناءً على اعتبار الأصل المثبت؛ أي أن نقول: أصل عدم تعلق الإرادة المستقلة، لازمه أن يكون متعلق الإرادة تبعياً؛ كما هو واضح (الحسيني الشيرازي، 1406، ج2، ص178).
إذا قلنا إن الواجب التبعي أمر وجودي، بمعنى أن إرادة إجمالية تتعلق به تبعاً لإرادة غير إجمالية. فأصل عدم تعلق الإرادة المستقلة وعدم ثبوت تعلق الإرادة الإجمالية به تبعاً لإرادة غير إجمالية، يؤدي إلى أنه واجب تبعي؛ إلا بناءً على فرض حجية الأصل المثبت (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص394).
3. مراد «فافهم» من وجهة نظر الأصوليين
في هذا القسم، قيد الواجب التبعي بأمر وجودي، وفي نفس الوقت قوام ذلك الأمر الوجودي بنفس الأمر العدمي.
يعتقد الفيروزآبادي أن مراد الآخوند من «فافهم» في العبارة هو أنه ظاهراً استصحاب عدم تعلق الإرادة المستقلة بعد العلم الإجمالي بتعلق الإرادة به محال، أو أن الإرادة المستقلة أو الإرادة غير المستقلة بشكل منفصل مشكلة. سواء كان الواجب التبعي عبارة عما لم تتعلق به إرادة مستقلة، أو عبارة عما تعلقت به إرادة إجمالية تبعية، تبعاً لإرادة غير مستقلة. غاية ما في الأمر أن الأصل في الأولى معارض مع نفسه، وبناءً على القول الثاني فهو معارض وأصل مثبت (الحسيني الفيروزآبادي، 1387، ج1، ص395).
«فافهم» إشارة إلى أنه على فرض حجية الأصل المثبت، فإنه في ما نحن فيه مبتلى بالمعارض وليس بحجة؛ لأنه كما أن أصل عدم تعلق الإرادة المستقلة، كذلك أصل عدم تعلق الإرادة غير المستقلة، ولازم الأول تعلق الإرادة غير المستقلة، ولازم الثاني تعلق الإرادة المستقلة، فيتعارضان ويتساقطان. فلا تصل النوبة إلى استخدام الاستصحاب» (محمدي، 1387، ج1، ص557).
«فافهم» قد يكون إشارة إلى أن أصل عدم الملازم للواجب التبعي، فكلاهما ملازم للآخر، والقائلون بالأصل المثبت لا يقولون به إلا لترتب الأثر اللازم، لا ترتب أثر الملازم. فذلك الواجب التبعي لا يتحقق بأصل العدم، ولو بناءً على القول بالأصل المثبت، حيث إن أمر عدم ترتب الأثر الشرعي على الواجب التبعي سهل (الحسيني الشيرازي، 1406، ج2، ص178).
النتيجة
تفاوت نظر الأصوليين في تقسيم الواجب إلى واجب أصلي وتبعي يرجع إلى لحاظ مقام الإثبات والثبوت. صاحب الفصول يرى هذا التقسيم بلحاظ مقام الإثبات والدلالة. وبناءً على هذا، يعتبر الواجب الأصلي هو الواجب الذي يُستفاد وجوبه استقلالاً من الدليل؛ سواء كان ذلك الدليل لفظياً أو غير لفظي. والواجب التبعي هو الواجب الذي لا يُستفاد وجوبه استقلالاً من الدليل نفسه. طبقاً لهذا البيان، يمكن تصور النفسية والغيرية في كل من الواجب الأصلي والواجب التبعي؛ أي لدينا واجب أصلي نفسي وواجب أصلي غيري وواجب تبعي نفسي وواجب تبعي غيري.
يعتقد الآخوند أن هذا التقسيم لا علاقة له بالدليل ومقام الدلالة والإثبات، بل هو مرتبط بمقام الثبوت؛ أي أن تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي مرتبط بمقام الإثبات وليس الثبوت، حيث يمكننا بحسب تلك المرحلة تقسيم الواجب إلى هذين القسمين؛ وهي مرحلة إرادة المولى وتوجهه والتفاته، قبل أن يبينه بأي شكل في قالب دليل. بناءً على هذا، الواجب الأصلي هو الواجب الذي يكون هو نفسه محل توجه ونظر والتفات المولى، وقد أمر به للجهة المطلوبة التي اقتضت ذلك، ولزوم إتيانه من قبل العبد هو محط نظره. نظرة الآخوند في تعريف الواجب الأصلي والتبعي متوجهة إلى مرحلة قبل مقام الدلالة. متوجهة إلى مرحلة قبل الدليل والخطاب والبيان. مرحلة تؤدي إلى توجه والتفات المولى. الواجب نوعان من حيث التوجه: مباشر وبدون واسطة، وهو الواجب الأصلي. وبواسطة، وهو الواجب التبعي. بناءً على مبنى الآخوند، الواجب النفسي دائماً واجب أصلي؛ لأن الواجب النفسي دائماً ما يكون مراداً ومطلوباً للمولى بشكل مستقل، والواجب الغيري يمكن أن يكون، حسب هذا القول، أصلياً أو تبعياً؛ أي أن المولى أحياناً يولي الواجب الغيري اهتماماً تفصيلياً ويريده إرادة مستقلة، وأحياناً لا يفعل ذلك. أما حسب القول الأول، فيمكن لكل من الواجب النفسي والغيري أن يكون أصلياً أو تبعياً؛ لأن المتكلم في مقام إفادة الوجوب في مقام الإثبات والدلالة يمكنه أن يفيد كلاً منهما بصورتين، على نحو الأصالة وعلى نحو التبعية. بناءً على مبنى المحقق القمي، المراد من الكلام أو الخطاب هو خصوص الدليل اللفظي. لفظ الخطاب والمخاطبة له ظهور في هذا المعنى. إذن، ذلك القسم من الواجبات الذي يثبت بدليل لبي (إجماع وعقل) لا يشمله. مقصود المحقق الإصفهاني من الخطاب، حسب تصريحه، هو مطلق الدليل؛ سواء كان لفظياً أم لبياً.
الهوامش
1. النراقي، 1417، 370. (المؤلفة: الدكتورة طيبة بلوردي، عضو الهيئة العلمية بجامعة آزاد الإسلامية، فرع سيرجان، t_balvardi90@yahoo.com.)
المصادر
1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1419 هـ.
2. الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1416 هـ.
3. الحائري الإصفهاني، محمد حسين، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، قم، دار إحياء العلوم الإسلامية، 1404 هـ.
4. الحسيني الشيرازي، محمد، الوصول إلى الكفاية الأصول، قم، دار الإيمان، 1406 هـ.
5. الحسيني الفيروزآبادي، مرتضى، عناية الأصول في شرح كفاية الأصول، الطبعة الأولى، قم، توزيع انتشارات فيروزآبادي، 1387 هـ.ش.
6. الحيدري، علي نقي، أصول الاستنباط، شوراي مديريت حوزه علميه قم، 1412 هـ.
7. الخميني، روح الله، تهذيب الأصول، قم، اسماعيليان، 1382 هـ.ش.
8. الخوئي، أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، الطبعة الرابعة، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1430 هـ.
9. الطباطبائي الحكيم، محسن، حقائق الأصول تعليقه على كفاية، النجف، المطبعة العلمية، 1372 هـ.
10. فاضل لنكراني، محمد، أصول فقه شيعة، الطبعة الأولى، قم، ناشر مركز فقهي أئمه اطهار (ع)، 1381 هـ.ش.
11. فيض، عليرضا، مبادئ فقه وأصول مشتمل بر بخشي از مسائل آن دو علم، طهران، الطبعة التاسعة، انتشارات دانشگاه طهران، 1378 هـ.ش.
12. قلي پور كيلاني، مسلم، تدوين نموداري كفاية الأصول، الطبعة السادسة، قم، انتشارات قدس، 1390 هـ.ش.
13. المازندراني، ملا صالح، حاشية معالم الدين، كتابفروشي داوري، [بي تا].
14. المحقق القمي، ميرزا أبو القاسم، قوانين الأصول، كتابفروشي علميه اسلاميه، 1378 هـ.ش.
15. محمدي، علي، شرح كفاية الأصول، الطبعة الأولى، قم، دفتر تبليغات إسلامي، 1389 هـ.ش.
16. المشكيني الأردبيلي، أبو الحسن، حواشي المحقق المشكيني على الكفاية، انتشارات لقمان، 1413 هـ.
17. المظفر، محمد رضا، أصول فقه، الطبعة الثانية، النجف، دار النعمان، 1386 هـ.ش.
18. ملكي إصفهاني، محمود، أصول فقه شيعة، درسهاي خارج اصول حضرت آيت الله العظمى فاضل لنكراني، الطبعة الأولى، قم، ناشر مركز فقهي ائمه اطهار (ع)، 1381 هـ.ش.
19. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام ومهمات مسائل الحلال والحرام، الطبعة الأولى، قم، انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه.