المستخلص
«قياس الأولوية» قاعدة اجتهادية لها تطبيقات كثيرة في الفقه، ويُستنبط منها الكثير من الأحكام. ونظرًا لأن هذه المسألة لها جذور في علم الأصول، فقد حاولنا في هذا البحث، من خلال تقديم تعريف دقيق لقياس الأولوية ودراسة مسار تطوره عند العلماء، أن نثبت حجيته بالدليل من خلال دراسة أقوال الفقهاء، وأن نبين مناط حجيته، ليتضح أن قياس الأولوية يُعد من الأدلة اللفظية، وهو خارج موضوعًا عن «القياس الذي أجمع على بطلانه». ثم، استلهامًا من روايتين عن الإمام الصادق (ع) – واللتين لهما دور أساسي في توجيه المقال – يتم إثبات أنه ليس كل قياس أولوية يمكن أن يكون معتبرًا، وأن استخدام هذا النوع من القياس يتطلب تدقيقًا في الموضوع. في هذا البحث، تم الاهتمام بعبارات القدماء والمتأخرين من الشيعة لتتضح مكانة قياس الأولوية عندهم بوضوح. ومن بين أهداف هذا المقال تمييز قياس الأولوية المعتبر عن غيره وتحديد مناط أكثر دقة في خصوص حجيته. منهج البحث هو التحليل المفهومي والقضوي والمنظومي.
مقدمة
إن قياس الأولوية، الذي تم تناوله في علم الأصول بصورة نظرية، يُعدّ في كثير من الموارد مرشدًا للفقهاء إلى الأحكام الشرعية. وتطبيقاته الواسعة في الفقه تجعل دراسة اعتباره أكثر ضرورة. فقهاء الشيعة، رغم إجماعهم على عدم اعتبار القياس، إلا أنهم يعتبرون هذا القياس حجة ومعتبرًا. لذا، يجب ضمن تعريفه الدقيق بيان وجه تميزه عن القياس الباطل. توجد روايات يبدو فيها، من وجهة نظر نقدية، نوع من التعارض بينها وبين حجية قياس الأولوية. ولهذا السبب، يجب النظر في العلاقة بين هذه الروايات وقياس الأولوية. فهل التفت فقهاء الشيعة إلى هذه الروايات؟ وما هو مدى اعتبار هذا القياس عند الشيعة؟ وأي نوع من الأولوية يمكن الدفاع عن حجيته؟ وبأي دليل يكون قياس الأولوية حجة؟ من روايتي الإمام الصادق (ع) – رواية دية قطع أصابع المرأة ورواية مناظرة الإمام (ع) مع أبي حنيفة – يُستخرج ضابط لحجية قياس الأولوية. والمطلب الآخر هو: هل يلزم القطع في حجية قياس الأولوية أم يكفي الظن أيضًا؟ هدف البحث هو تحديد ضابط لحجية قياس الأولوية، وتوضيح المفهوم الصحيح لقياس الأولوية المعتبر. بالنظر إلى دور العرف في حجيته، تمت الإشارة إلى العرف اللفظي وحدود اعتباره، لكي يدرك القارئ بنظرة صحيحة أن قياس الأولوية المعتبر قريب جدًا من القياس المنهي عنه والباطل، وأن التمييز بينهما قد يكون صعبًا للغاية أحيانًا، لدرجة أنه أدى إلى الخلط في آثار البعض.
القياس الباطل
القياس الذي أجمعت الشيعة على بطلانه ودلت روايات متعددة على حرمته، هو نفسه قياس المساواة (قياس مستنبط العلة)، الذي يُستنبط فيه من قضية الأصل مناطٌ يوجد في قضية أخرى بشكل مساوٍ للأصل، ثم بسبب وجود المناط المشترك في كليهما، يسري حكم الأصل إلى الفرع أيضًا. سبب بطلان قياس المساواة هو أن عقل الإنسان قاصر عن إدراك مناط الحكم الموجود في قضية الأصل (على نحو قطعي). وإذا كان قياس الأولوية أيضًا بسبب استنباط الجامع من قضية الأصل يؤدي إلى سراية الحكم، فهو باطل كقياس المساواة.
ماهية قياس الأولوية
قال بعضهم: في القياس، كلما كان الجامع أو العلة في الفرع أقوى منه في الأصل، يُسمى قياس الفرع على الأصل «قياس الأولوية»، أو «القياس بالطريق الأولى»، أو «فحوى الخطاب»، أو «مفهوم الموافقة» (ولائي، 1387: 278). وبعبارة أخرى، قياس الأولوية هو أن يوجد حكم لمناط ما في قضية، ويوجد ذلك المناط بنحو أشد في قضية أخرى (الفرع)، بحيث إن وجود المناط بنحو أقوى في القضية الثانية يوجب ثبوت حكم القضية الأولى للقضية الثانية. التعريف المذكور أعلاه يعتبر علة انتقال الحكم من الأصل إلى الفرع وجود علة مشتركة أو جامع؛ أي أنه يعتبره حجة من باب كونه قياسًا. وذهب آخرون إلى أنه حكم من الشارع المقدس ثبت لمرتبة أدنى ونحن نريد أن نثبت الحكم نفسه للمراتب المتوسطة والعالية بالأولوية القطعية (محمدي، بلا تا: 3/ 32). بناءً على هذا التعريف، يكون قياس الأولوية حجة في صورة كون أولويته قطعية لا ظنية؛ أي أن العرف يدرك حكم المراتب العالية بأولوية قطعية. وقال العلامة الحكيم: قياس الأولوية هو ما يكون الجامع المقتضي للحكم اقتضاؤه في قضية الفرع أقوى منه في الأصل (حكيم، بلا تا: 302). ويكتب السبحاني التبريزي: قياس الأولوية هو أن يكون الفرع، مثل ضرب الوالدين، أولى بالحكم بالنسبة للأصل، مثل التأفيف للوالدين، في نظر العرف؛ لأن قياس الأولوية دلالة عرفية، وكل من يسمع الآية يدرك ذلك (سبحاني تبريزي، 1383: 243). بناءً على هذا التعريف، تكون الأولوية الموجودة في القضية مرشدًا للوصول إلى حكم الفرع، والمعيار لتشخيص الأولوية والحاكم عليها هو العرف، ويجب أن تكون الدلالة العرفية بحيث ينتقل كل من يرى ذلك الخطاب إلى الأولوية. ويكتب صاحب الجواهر: المعهود من اصطلاح العلماء في تعريف الفحوى هو أن الفحوى هو مفهوم الموافقة، وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى والأقوى؛ أي أن الحكم في غير المذكور في العبارة أولى بالنسبة للحكم في المذكور؛ وذلك باعتبار معنى مناسب مقصود من الحكم، وذلك المعنى المناسب كالإكرام في المنع من قول «أف» للوالدين، أي أن هذا الإكرام يمنع بطريق أولى من الضرب والشتم للوالدين (النجفي، 1362: 8/ 280). في تعريف صاحب الجواهر، دليل تسري الحكم من الأدنى إلى الأعلى هو وجود معنى يناسب «الأدنى والأعلى»، والمقصود من الشارع من صدور الحكم هو ذلك المعنى، الذي يوجد بنحو أضعف في قضية الأدنى؛ ولأنه يتحقق بنحو أقوى في قضية الفرع والأعلى، فإنه يوجب سراية الحكم. الظاهر أنه، كأكثر الأصوليين، في مقام التعريف، يرى أن علة ثبوت الحكم في قياس الأولوية هي نفس جهة القياس وسراية علة الحكم من الأصل إلى الفرع؛ في حين أنه ظاهراً في مقام بيان وجه الحجية، لا يعتبر قياس الأولوية حجة من هذه الجهة، بل يعتبره معتبرًا من باب الظهور اللفظي. وكتب آخر: قياس الأولوية هو ما يُستنبط مما وراء المنطوق، ويكون موافقًا للمنطوق من حيث الإثبات والنفي (محقق داماد، 1362: 1/ 77). يُستفاد من ظاهر هذا الكلام أن قياس الأولوية حجة من جهة ظهور اللفظ؛ أي أن اللفظ نفسه يدل على قضية الفرع أيضًا، بدلالة مفهومية لا منطوقية. يمكن تقسيم هذه التعاريف إلى ثلاث فئات: 1. أكثر الأصوليين، ضمن التعريف، يشيرون أيضًا إلى مناط حجيته. ظاهر تعريفهم يوحي بأن قياس الأولوية حجة وموجب لسراية الحكم بسبب جامع وعلة مشتركة تُستنبط وتوجد في الأصل بنحو أقوى. وبعبارة أخرى: يعتبرون حجية قياس الأولوية من باب كونه قياسًا. وبالطبع، هذا المبنى ليس صحيحًا. أكثر الأصوليين الذين تعريفهم من هذا القسم يقعون في نوع من الازدواجية والتناقض؛ لأنهم في مقام التعريف، يتحدثون عن المناط المشترك وعلة الحكم ويجعلونه – على الظاهر – موجبًا لسراية الحكم، ولكن في مقام البحث عن مناط الحجية، يعتبرون القياس حجة من باب الظهور اللفظي. 2. عدد قليل منهم اعتبروا مناط «حجية قياس الأولوية» هو الظهور والدلالة اللفظية. 3. بعض التعاريف مطلقة أيضًا وقابلة للحمل على كلا المناطين. يمكن توجيه أكثر تعاريف الفئة الأولى بأن مرادهم أيضًا هو نفس الظهور اللفظي. ولكن علة ظهور مثل هذا المعنى في الكلام هي وجود جامع ومناط أقوى أدى إلى هذا الظهور، وبهذا التوجيه يمكن إيجاد التوافق بين جميع التعاريف، بحيث يكون المقصود هو نفس الظهور اللفظي. وما يؤيد هذا المطلب هو أن أكثر العلماء في مقام البحث عن مناط الحجية، يعتبرونه حجة من باب الظهور اللفظي. النقطة النهائية هي أنه في بعض التعاريف، ورد الحديث عن القطع بالأولوية، واعتُبر لازمًا في تحقق قياس الأولوية المعتبر. في النهاية، لتقديم تعريف جامع ومانع لقياس الأولوية يمكن القول: اللفظ، بالإضافة إلى ثبوت الحكم في منطوقه، يدل بالطريق الأولى على ثبوت الحكم في موضوع آخر، وهذه الدلالة تكون دلالة التزامية بيّنة، ويفهمها العرف من اللفظ، سواء وُجد قطع بالأولوية أم ظن.
1. أقوال في «حجية قياس الأولوية»
يمكن القول إن الإمامية وأهل السنة – باستثناء الأخباريين والظاهرية – متفقون على حجية قياس الأولوية – بشروط خاصة. وفي النهاية، لا يعتبره البعض قياسًا، بل يعتبرونه حجة من باب الظهور اللفظي (البدري، 1428: 236).
1-1. دليل المانعين
يقول الجزائري – من علماء الأخبار – : المجتهدون اعتبروا قياس الأولوية وقياس منصوص العلة حجة، وجعلوهما مناطًا لكثير من الأحكام؛ حتى إنهم في بعض الموارد قدّموهما على الخبر الذي سنده ليس صحيحًا بالاصطلاح الجديد، لكن الأخباريين نفوا حجيتهما، وقالوا إن الاستدلال بقياس الأولوية ومنصوص العلة نشأ من أهل السنة. ويقول في بيان رأيه: الحق هنا مع الأخباريين؛ لأن الأخبار مستفيضة بأن هذين ساقطان عن الاعتبار رأسًا، وقياس الأولوية ومنصوص العلة ليس لهما صلاحية تأسيس وبيان الأحكام؛ كهذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس، فلم يزدهم القياس من الحق إلا بعدًا». هذه الرواية بإطلاقها تشمل كل قياس، وتخصيصها بقياس المساواة يحتاج إلى دليل (الجزائري، بلا تا: 45).
1-2. دراسة كلام الجزائري
في استدلاله للدفاع عن الأخباريين، يوجد إشكالان: ألف. نحن لا ننكر عدم حجية القياس [1]؛ بل نقول إن القياس الباطل هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد واستنباط العلة، ولا يشمل سائر الأقسام. ونتيجة لذلك، فإن قياس الأولوية الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال – وهو من نوع الدلالة البيّنة اللفظية – لا يندرج تحته. ب. ما يقتضيه التحقيق (كما هو رأي أكثر القدماء والمتأخرين أيضًا) هو أن نقول إن «حجية قياس الأولوية» أصلًا ليست من باب كونه قياسًا وأخذ قدر مشترك؛ بل من باب العمل بالظواهر. بناءً على هذا، فهو خارج موضوعًا وتخصصًا عن عمومات النهي عن العمل بالقياس، ولا يمكن خدش حجية قياس الأولوية من هذه الجهة.
4-3. أدلة المؤيدين للحجية
يقول الشهيد الثاني: «مفهوم الموافقة حجة عند جميع العلماء؛ لأن الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق» (الشهيد الثاني، بلا تا: 108). ويكتب العلامة الحلي: «أجمع العلماء على حجية قياس الأولوية، خلافًا لداود الظاهري [2] … دليل حجيته أن اللفظ يدل على ذلك المفهوم، دلالة ظاهرة بل قطعية» (الحلي، 1415: 2/ 518). وهو ضمن نقله الاتفاق على حجيته، يعتبر دليل الحجية هو الظهور اللفظي. بناءً على العبارات المتقدمة، يوجد إجماع على حجية قياس الأولوية، وذلك لأن اللفظ بالإضافة إلى دلالته المنطوقية له دلالة مفهومية أيضًا، ومفهوم الموافقة والقياس الأولى يُفهمان من نفس اللفظ وظهوره، و«الظهور» من الظنون المعتبرة. بالنظر إلى تصريح أفراد مثل العلامة الحلي، فإن حجية قياس الأولوية مورد اتفاق، وفقط الظاهرية والأخباريون لا يقبلونها ويعتبرونها نشأت من أهل السنة. هؤلاء لم يلتفتوا إلى الفرق الجوهري بين قياس الأولوية والقياس الباطل. ربما لفظ «القياس» في «قياس الأولوية» هو الذي أوقعهم في هذا الخطأ.
مناط وملاك «حجية قياس الأولوية»
كما قيل، في حجية قياس الأولوية – باستثناء الظاهرية والأخباريين – لا يوجد خلاف، ولكن الخلاف في أن حجيته هل هي بسبب كونه قياسًا وسراية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر لوجود علة مشتركة، أم بسبب الدلالة المفهومية للفظ وظهوره في بيان حكم الموضوع الآخر؟
1. الحجية بناءً على الظهور اللفظي
أكثر الأصوليين الشيعة يعتبرون حجيته من باب الظهور اللفظي [3]، ولهذا السبب، يخرجون «قياس الأولوية» موضوعًا عن «القياس الذي أُجمع على بطلانه». وبعقيدة الأصوليين، دليل أن عمومات النهي عن القياس لا تشمل «قياس الأولوية» هو أن «حجية قياس الأولوية» أصلًا ليست من باب كونه قياسًا، بل هي نوع من الظهور اللفظي والدلالة الالتزامية. يقول العلامة الحلي: القائلون بـ«حجية قياس الأولوية» اختلفوا في أن «قياس الأولوية» هل هو حجة من باب القياس أم من باب فحوى اللفظ. والحق هو القول الثاني؛ لعدة أدلة: ألف. العرب وضعوا هذه الألفاظ لإفادة المبالغة في تأكيد ثبوت الحكم بالنسبة للمحل المسكوت عنه، وهذه الطريقة أفصح من التصريح بالحكم؛ مثلاً قوله «فلا تقل لهما أف»، يدل بشدة وصراحة أكبر على حرمة الضرب من أن يقول صراحة «لا تضربا الأب والأم». ب. في القياس الباطل، لا يُشترط أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع أشد من المعنى المناسب في الأصل؛ بينما شرط قياس الأولوية هو أشدية المناط. نتيجة لذلك، يخرج قياس الأولوية موضوعًا عن «القياس المنهي عنه». [4] ج. إجماعًا في القياس المنهي، يمتنع أن يكون الأصل مندرجًا تحت الفرع وجزءًا منه؛ ولكن هذا النوع من الاستدلال في قياس الأولوية ممكن أن يكون الأصل فيه جزءًا من الفرع؛ مثلًا عندما يُنهى عن «إعطاء حبة»، فإنه يدل بالطريق الأولى على حرمة إعطاء دينار وأكثر. وبالنتيجة، يختلف عن القياس الباطل إجماعًا. د. كل من يخالف القياس، يثبت حجية قياس الأولوية (باستثناء داود الظاهري)؛ بينما لو كان قياسًا منهيًا عنه، لوقع فيه خلاف أيضًا (العلامة الحلي، بلا تا: 2/ 519). يكتب الموسوي القزويني: بالتأمل نجد أن الأصح هو أن حجية قياس الأولوية من باب دلالة اللفظ؛ لأن الالتزام البيّن (ولو بالمعنى الأعم) من قبيل دلالة اللفظ، ونجد أن الانتقال إلى حكم الفرع ليس بسبب حركة ذهنية – نحو الجامع وأن الجامع في قضية الأصل علة الحكم وهو في قضية الفرع أقوى -؛ بل بواسطة الانتقال من الملزوم إلى اللازم بسبب ملازمة كُشفت بالأولوية في نظر العرف والعقل؛ وذلك بسبب ضابط موجود في الأذهان السليمة: «من يبغض الأدنى، يبغض الأعلى ومن يحب الأدنى يحب الأعلى»، ومعنى دلالة اللفظ هو هذا (الموسوي القزويني، بلا تا: 4/ 246). صاحب تحريرات في الأصول، مصطفى الخميني، في بحث جامع نسبيًا في ما نحن فيه يقول: عند الإمامية لا إشكال في بطلان القياس والاستحسان نصًا وفتوى؛ أما مفهوم الموافقة إذا كان مستفادًا من المنطوق، بأن يكون الكلام قد جيء به لإفادة ذلك المفهوم، فلا شبهة في حجيته؛ مثلاً في «فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ»، المدلول المطابقي أحيانًا ليس هو المقصود بالأصالة، وعندما لا يكون المدلول المطابقي مقصودنا ويفهمه العرف أيضًا ويشعر به وينسبه إليه، يكون المفهوم حجة أيضًا؛ أما ما اشتهر من إلغاء الخصوصية بالنسبة لما هو مدلول مطابق للكلام، فإذا وجد العرف أيضًا أن الموضوع المذكور هو من باب المثال في القضية، فهو حجة أيضًا؛ كقصة إسماعيل «يشهد أن لا إله إلا الله». العرف في هذا الجزء من كلام الإمام الصادق (ع) [5] لا يرى موضوعية لكلمة إسماعيل ويعتبرها من باب المثال فقط؛ وفي غير هذه الصورة، قد يحدث خلط أحيانًا بين إلغاء الخصوصية المتعارف بين الشيعة وبين القياس المشهور عند أهل السنة، وفي الواقع هو نفس القياس ولكن مع تغيير العنوان والاسم يوجد، فيجب استخراج الحكم الخاص بكل مثال. الآن إذا حصل لنا أولوية قطعية، فهو المطلوب وهو حجة – وإن كنا نناقش في حجية القطع نفسه وننكر الحجية الذاتية للقطع وبيّنا أن القطع، كسائر الأمارات، يحتاج إلى إمضاء الشارع – وإذا لم يكن قطعيًا فليس بحجة ويدخل ضمن مجموعة القياس الباطل… بالجملة، التمسك بإلغاء الخصوصية أو فهم العرف أو الأولوية القطعية، كلها قريبة من القياس المنهي عنه بأصل الشرع، وعند استخدام هذه الطريقة يجب التدقيق كثيرًا (الخميني، 1418: 5/ 191 – 193). يبدو أن بيانه خالٍ من النقص ظاهراً ويمكن أن يمثل هدف هذا التحقيق. يكتب العلامة المظفر: دليل حجية قياس الأولوية هو أنه يُفهم من ظاهر اللفظ. أساسًا، قياس الأولوية – وإن كان شبيهًا بالقياس المنهي عنه – ليس قياسًا حقيقيًا ومنهيًا عنه، حتى نقول إن قياس الأولوية خارج حكمًا وتخصيصًا عن عمومات النهي عن القياس (المظفر، بلا تا: 3 و 4/ 162 – 164). دليل حجية قياس الأولوية هو أن مفهوم الموافقة أحيانًا يُفهم من ظاهر الكلام وبـ«الدلالة اللفظية الالتزامية»؛ مثلاً إذا أذن شخص لآخر بالسكن في بيته، فهذا الإذن يدل بطريق أولى على جواز استخدام رفوف المنزل أيضًا. إذن يجب أن يُفهم حكم قضية الفرع من فحوى الخطاب، وإذا تم هذا الأمر، يجد الكلام بواسطة فحوى الخطاب ظهورًا يثبت الحكم في قضية الفرع – التي لها علة الحكم بطريق أولى -. إذن هو حجة من باب الظواهر. بناءً على هذا، مجرد الأولوية في المناط لا يمكن أن يكون معيارًا للحجية. كالنهي الذي ورد عن هذا النوع من الأقيسة في رواية أبان عن الإمام الصادق (ع) [6].
2. رواية أبان
يقول أبان بن تغلب: قلت لأبي عبد الله (ع): ما تقول في رجل قطع إصبعًا من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثًا؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعًا؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله! يقطع ثلاثًا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعًا فيكون عليه عشرون؟! إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلًا يا أبان، هذا حكم رسول الله (ص)، إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان، إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين (الكليني، 1369: 7/ 299). المرحوم المظفر في توضيح الرواية يكتب: هنا لم تُفهم الأولوية من نفس خطاب الشارع حتى نفهم من فحواه أن الحكم يسري إلى مورد آخر. من ظهور الخطابات التي وردت في الرواية لا يمكن استنتاج أن دية قطع أربعة أصابع تكون أكثر بطريق أولى، وشيء كهذا لا يُفهم من اللفظ وظهوره؛ بل إن أبان ابتُلي بالقياس المجرد والصرف عن ظهور اللفظ، وكان مستنده فقط الأولوية الموجودة في قطع أربعة أصابع. لقد اعتمد فقط على عقله؛ بينما العقل وحده عاجز في كثير من الموارد عن إدراك أحكام الله (محمدي، بلا تا: 2/ 320). النتيجة هي أن مناط حجية قياس الأولوية ليس هو العلة المشتركة بين الأصل والفرع؛ لأن مجرد الأولوية في المناط لا يمكن أن يكون سببًا للاطمئنان بالحكم الشرعي، وهو ظن لا دليل على اعتباره. بناءً على هذا، إذا كان قياس الأولوية معتبرًا، فذلك بسبب ظهور لفظه، والكلام، كما يدل على المنطوق، يدل على المفهوم الموافق (الذي هو أسمى من سائر المفاهيم ورئيس المفاهيم) بدلالة مثل الدلالة الصريحة، بل أبلغ وأوضح من التصريح بالحكم، وجميع عقلاء العالم يستندون ويحتجون بالمفهوم الذي يُفهم بوضوح من اللفظ. المعيار في باب الظواهر هو فهم العرف. بناءً على هذا، كل مجتهد هو نفسه عالم بالعرف، يستظهر من الكلام بطريقة قد تختلف عن استظهار شخص آخر. كما أنه في باب الصحيح والأعم، تقول جماعة إن ألفاظ العبادات والمعاملات وُضعت للصحيح: «للتبادر ولصحة السلب»، وبعضهم يقول إنها وُضعت للأعم: «للتبادر ولعدم صحة السلب» (نفس المصدر: 2/ 320). هذا يوضح أن الاستنباطات من الفهم العرفي متفاوتة؛ لأن الأدلة التي استندت إليها كلتا المجموعتين مبنية على الفهم العرفي، وإحدى مشكلات بناء الأدلة على العرف هي هذه، أن الأعراف متعددة وفي بعض الأزمان تكون الاستنباطات من العرف الواحد متعددة أيضًا. ويقول آخر في هذا الصدد: لهذا السبب قيل: الفقيه متهم في فهمه بالنسبة للعرف وإن كان هو نفسه من أهل العرف؛ لأنه في الفهم العرفي توجد احتمالات كثيرة ووافرة، والاستعمالات المخالفة للفظ واحد رائجة أيضًا، وبالنسبة للفقيه، توجد تعارضات من جهة الأدلة العقلية والنقلية مع العرف (ميرزاي قمي، بلا تا: 14).
المعنى الاصطلاحي للعرف
العرف هو استمرار سلوك جماعي أو خاص لأفراد مجتمع، على فعل أو ترك شيء يعتبرون اتباعه لازمًا على أنفسهم؛ سواء كان قولًا أو فعلًا (واسعي، 1387: 23).
العرف اللفظي واعتباره
علماء الأصول، وجهوا جل اهتمامهم في بحث حجية العرف نحو العرف العملي، ولكن مع ظهور شبهات جديدة في باب العرف اللفظي، يتطلب هذا البحث اهتمامًا أكبر. في اعتبار العرف اللفظي، لا يوجد خلاف؛ فهذا العرف نوعًا ما كيفية للدليل اللفظي، ولا يرتبط كثيرًا بالعرف العملي الذي يُبحث فيه ضمن مصادر الفقه. في اعتبار العرف اللفظي، لا يوجد محل للبحث، ولكن ما هو محل البحث وموضع زلل الكثيرين هو أن العرف اللفظي بأي شروط وإلى أي حدود له اعتبار، وفي أي موارد يمكننا مراجعة العرف لفهم معنى لفظ ما (نفس المصدر: 51 – 54).
دراسة تعارض الروايتين مع حجية قياس الأولوية
1. رواية أبان
في هذه الرواية توجد نقطة مهمة: كل شروط اعتبار العرف اللفظي موجودة في أولوية هذه الرواية؛ أي عندما تكون دية قطع ثلاثة أصابع ثلاثين بعيرًا، فبالطريق الأولى لن تكون دية قطع أربعة أصابع أقل من ثلاثين بعيرًا؛ لأن عدد الأصابع زاد وهذه الأولوية يفهمها الجميع ويوجد شيوع يبعث على الاطمئنان. من ناحية أخرى، هذا الشيوع العرفي واضح وليس من باب التسامح بأي وجه. وبقول المرحوم المظفر «قاعدة عقلية حسابية» وذهن الإنسان المحاسب، يفهم هذه الأولوية والشروط الأخرى موجودة أيضًا. كما أنه لا توجد قرينة على إرادة المجاز في الكلام، والفهم العرفي في ذلك الزمان لم يكن ليصل إلى استنباط غير هذا. أفضل شاهد هو استنباط أبان نفسه الذي حذره الإمام. ومع ذلك، اعتبر الإمام استنباط الأولوية من خلال الفهم العرفي من موارد القياس المنهي عنه، واعتبره سببًا في هلاك الدين. هذه الرواية، بصراحة، تظهر أنه حتى الأولوية التي يفهمها العقل والعرف من ألفاظ الروايات، لا يمكن أن تكون سببًا للخروج من مجموعة القياس الباطل. بناءً على هذا، لحجية الأولوية في آية (لا تقل…) يجب البحث عن دليل آخر غير فهم العرف وظهور اللفظ؛ إلا أن نقول إنه في الرواية المذكورة، الظهور اللفظي والعرف اللفظي، أو على الأقل أحد شروطهما، غير موجود، فإذا ثبتت هذه المسألة، يُحل الإشكال الموجود في الرواية، كما أن المرحوم المظفر في حل هذا الإشكال سلك هذا الطريق، وعدد من الكبار، يضربون رواية أبان مثالًا للمورد الذي لا تُفهم فيه الأولوية من الخطاب وليس له ظهور لفظي. يقول المرحوم المظفر: هنا لا تُفهم الأولوية من نفس الخطاب؛ لأنه لم يكن هناك خطاب يدل على هذا بمفهوم الموافقة، ولكن أبان حسب مع نفسه أنه على القاعدة، ترتفع الدية بنسبة عدد الأصابع المقطوعة. قال مع نفسه: قطع إصبع واحد عشرة جمال، إصبعان عشرون، ثلاثة ثلاثون. إذن إذا قُطعت أربعة أصابع يجب أن تكون ديتها أربعين جملًا … غافلًا عن أن الحكم الشرعي غير هذا، ويوجد بحث تنصيف دية المرأة أيضًا (محمدي، بلا تا: 3/ 324 – 325). يبدو أن استدلال العلامة المظفر فيه إشكال: أولًا: قوله: «أصلًا لا يوجد خطاب يدل على هذا بمفهوم الموافقة» لا يبدو صحيحًا؛ لأن الخطابات الثلاثة التي كانت حول مقدار دية إصبع واثنين وثلاثة؛ خاصة الخطاب الثالث بمثابة خطاب نستنبط منه استنباطات عرفية. ثانيًا: لا ندعي أبدًا أن استنباط العرف من الخطاب المذكور (بطريق الأولوية) هو أنه يجب إعطاء أربعين جملًا دية لقطع أربعة أصابع. ادعاؤنا هو: العرف من تلك الخطابات يستنبط أنه بطريق أولى، دية قطع أربعة أصابع ليست أقل من دية ثلاثة أصابع (قضية سالبة)، وهذا يختلف عن الادعاء بأن استنباط العرف هو أن حكم قطع أربعة أصابع هو أربعين جملًا (قضية موجبة). بناءً على هذا، إذا كان من المقرر أن ننظر إلى فهم العرف وظهور اللفظ ونجعله معيارًا للخروج من القياس المنهي عنه، فيجب أن نعتبر استنباط أبان موضوعًا خارجًا عن القياس؛ لأن العرف بطريق الأولوية يفهم بوضوح أنه عندما يكون حكم قطع ثلاثة أصابع ثلاثين جملًا، فحتماً حكم قطع أربعة أصابع ليس أقل من ثلاثين جملًا. بينما الإمام (ع) يعتبر هذا المورد أيضًا من زمرة القياس الباطل [8]. كلام صاحب «ضوابط الأصول» شاهد على قولنا. وهو بعد نقل الرواية يقول: قد يُتوهم أن دلالة الأولوية في الرواية قد تكون ظنية، ولهذا السبب نهى المعصوم (ع) عنها. وهذا الوهم يُدفع بأنه من المسلم به عند كل ذي عقل أن الأولوية في الرواية أولوية قطعية؛ لأنه بعد أن كانت دية قطع ثلاثة أصابع ثلاثين جملًا، يحصل للإنسان اليقين بأن دية قطع أربعة أصابع ليست أقل من ثلاثين جملًا. يشهد على قطعيتها عند أبان، تعجبه واستيحاشه بعد كلام الإمام (الموسوي القزويني، بلا تا: 349). قال بعضهم: هذه الرواية صريحة في أن قياس الأولوية ليس بحجة، واعتباره في الأحكام الشرعية سبب في هلاك الدين (الجزائري، بلا تا: 45). صاحب قواعد الأصول يقول: ما يُستفاد من هذه الرواية وأمثالها هو أنه بالدقة في المطالب العقلية التي يصل إليها الإنسان في الأحكام المتوقفة على السماع من الشارع، لا يمكن الوثوق بها (المدني التبريزي، بلا تا: 110). بناءً على هذا، المستفاد من الرواية المذكورة هو أن هذا القسم من الأولوية الذي يُفهم حتى من ظاهر اللفظ ليس حجة ويُعتبر قياسًا باطلًا. صاحب محجة العلماء يكتب: أبان، كان قاطعًا بفساد الحكم، وكان يظن في نفسه أن من يقول بالحكم المذكور شيطان، ودليل استناده في قطعه هو قياس الأولوية القطعي، وعندما أبدى تعجبه من حكم الإمام، أجاب حضرته: الأولوية وإن كانت قطعية، فهي قياس أيضًا، والقياس سبب في هلاك الدين، وهذا القطع حصل لأبان (التهراني النجفي، 1320: 2/ 35). هذه الأولوية للجميع، مستفادة من اللفظ وقطعية، أو على الأقل للعرف الغالب هكذا، إلا أننا بناءً على الرواية نقول: هذه الأولوية القطعية هي أيضًا قياس باطل. إذن، الأولوية الظنية أو القطعية لا تحل المشكلة.
تقديم حل بشأن الرواية الشريفة
رغم أن هذه الرواية تتضمن ضوابط حجية قياس الأولوية، إلا أنها في الوقت نفسه قد نهت عنه. بناءً على هذا، يوجد طريقان: الأول: مثل الأخباريين، نضع حجية قياس الأولوية جانبًا رأسًا ونعتبره من زمرة القياس الباطل. في هذه الحالة، لا تتعارض الرواية مع هذا القول، بل ظاهراً تؤيده. إذا اخترنا هذا الطريق، يجب أن نقول في أمثال آية «فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٌّ»: إن هذا الخطاب لا يدل على الحرمة الشرعية للشتم أو الضرب، ولحرمتهما يجب البحث عن دليل آخر؛ مثلاً نذهب من طريق مقدمة الواجب، وبناءً على قول من لا يعتبر مقدمة الواجب واجبة، نقول: كما أن مقدمة الواجب هناك لم تكن واجبة شرعًا (وإن كان يجب فعلها عقلًا)، نقول هنا أيضًا: ترك الضرب والشتم ليس واجبًا شرعًا. ولكن من ينظر بإنصاف إلى الآية يدرك أن المقصود من الآية هو ألا تقل لأبيك وأمك حتى «أف»، فما بالك بما هو أسوأ. إذن، في هذه الآية وأمثالها توجد أولوية قطعًا وتدل على حرمة الشتم والضرب أيضًا. بالإضافة إلى أن احتمال عدم حجية قياس الأولوية خلاف مشهور علماء الإمامية. الثاني: لا نضع حجية قياس الأولوية جانبًا، ولكن نقدم معيارًا وضابطًا جديدًا لحجية قياس الأولوية يشمل أمثال هذه الآية، ولكن ذلك الضابط لا يكون موجودًا في رواية أبان، وفي هذه الحالة تُحل مشكلة الرواية مع قياس الأولوية أيضًا. الطريق الثاني أقرب إلى الحقيقة في نظرنا. ولكن عندما لا يتوافق الضابط المشهور لحجية قياس الأولوية مع رواية أبان، فما هو الضابط الجامع والمانع الذي يخرج أمثال هذه الرواية؟ إذا درسنا ذلك الضابط المشهور بدقة أكبر، يمكننا الوصول إلى المقصود، ولا خيار لنا سوى الحفاظ على الضابط المشهور؛ لأن معياره وضابطه كان أنه حيثما وجد ظهور لفظي وفهم عرفي في الأولوية، ونفس الخطاب دل على الأولوية، فإن قياس الأولوية ذلك حجة، وإلا فلن يكون حجة. ومن ناحية أخرى، بالتتبع في الموارد والمصاديق المتعددة للأولوية، يتضح أن الفرق بينها يكمن في كيفية دلالة اللفظ ووضوحها. بناءً على هذا، فإن ظهور اللفظ له دخل قطعًا في حجيته.
المختار في مناط حجية قياس الأولوية
إذا كانت دلالة الخطاب في قضية الأصل على الأولوية من نوع الدلالة الالتزامية البيّنة، ونفس الخطاب، بدون الحاجة إلى استدلال، دل على الأولوية في موضوع آخر، فهذا النوع من الأولوية حجة؛ مثل «لا تقل لهما أف»؛ لأن نفس خطاب الآية بدلالة بيّنة يدل على أن «أف» (أصغر إهانة) غير جائزة؛ إذن سائر صور عدم الاحترام وضرب وشتم الأب والأم بالطريق الأولى لن تكون جائزة. وإذا كانت دلالة الخطاب على الأولوية من نوع الدلالة غير البيّنة وتحتاج إلى استدلال وتشكيل مقدمات، فإن مثل هذه الأولوية تقع في مجموعة القياس المنهي عنه وتكون باطلة؛ مثل رواية أبان التي وردت في خطاب «دية قطع ثلاثة أصابع ثلاثين بعيرًا»؛ لأنه لا يمكن فهم من نفس الخطاب أن «دية قطع أربعة أصابع أقل من ثلاثين بعيرًا»؛ بل تحتاج إلى استدلال مساعد وذهن محاسب… بناءً على هذا، عندما يدخل الاستدلال في الأمر، بالنظر إلى أن الذهن قاصر عن إدراك مناطات الأحكام، تسقط تلك الأولوية عن الحجية وتبقى تحت عمومات النهي عن القياس. الجدير بالذكر أن كون الدلالة بيّنة يُشخص بواسطة العرف ومن ظهور اللفظ. كلام المرحوم النائيني شاهد على هذا القول: «المفهوم، مدلول التزامي بوجه بيّن بالمعنى الأخص أو أن يكون مدلولًا التزاميًا لزومه بيّن مطلق، وإن كان بيّنًا بالمعنى الأعم» (النائيني، بلا تا: 1/ 477). المراد من اللازم البيّن بالمعنى الأخص هو أن تصور الملزوم يوجب تصور اللازم، بدون الحاجة إلى ضم شيء آخر؛ مثل تصور النار الذي يوجب الانتقال إلى تصور الحرارة. أما في اللازم البيّن بالمعنى الأعم، فإن مجرد تصور اللازم والملزوم لا يكفي، بل يجب تصور اللازم والملزوم والنسبة بينهما أيضًا حتى يحصل الجزم بالملازمة؛ مثلًا «الاثنان نصف الأربعة». ولكن كلاهما لا يحتاج إلى استدلال. في محل البحث، يعتقد المرحوم النائيني أن نفس تصور المدلول المطابقي للكلام كافٍ لتصور المدلول الالتزامي.
2. رواية المناظرة
الرواية الثانية التي يجب دراستها من حيث التعارض أو عدمه مع حجية قياس الأولوية هي «رواية المناظرة»؛ وهي رواية أثبت فيها الإمام الصادق (ع) بطلان القياس لأبي حنيفة بالرجوع إلى عدة موارد فقهية. خاطب الإمام أبا حنيفة: «القتل أشد أم الزنا؟» قال أبو حنيفة: القتل. قال الإمام: «فلم جعل الله في القتل شاهدين وفي الزنا أربعة؟» ثم قال: «يا أبا حنيفة، الصلاة أفضل أم الصوم؟» قال أبو حنيفة: الصلاة. قال: «فعلى قياس قولك يجب على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصوم، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة، فأحكام الدين لا تقاس…» (الشيخ المفيد، 1379: 189). علماء الأصول نقلوا هذه الرواية في ذيل بحث بطلان القياس، ولكن هذه الرواية تدل على بطلان قياس الأولوية أيضًا؛ لأنه في جميع الأمثلة التي يوردها الإمام لإبطال القياس يوجد نوع من الأولوية، ولكن تلك الأولوية لم تستطع أن تنجي ذلك القياس من البطلان. من سيرة بعض الأصوليين نجد أنهم إذا واجهوا أولوية مثل الأولوية المذكورة في الرواية، اعتبروها حجة واستنتجوا منها حكمًا شرعيًا، بينما لا فرق بين تلك الموارد والموارد المذكورة في الرواية. توجيه الرواية: في الأمثلة التي وردت في هذه الرواية، لا توجد دلالة لفظية بيّنة. أي أن اللفظ لا ظهور له في بيان حكم الفرع؛ فكون «عدد الشهود في الزنا أربعة»، ليس له دلالة لفظية والتزامية، وظهور في أن «إذن عدد الشهود لإثبات القتل أيضًا أقل من أربعة». بعبارة أوضح: لا يثبت مثل هذا الحكم بدلالة بيّنة، بل لإثباته يحتاج إلى استدلال ويخرج من حدود الظهور اللفظي والدلالة الواضحة والبيّنة، ولهذا السبب، لم يعتبره الإمام الصادق (ع) حجة. والله العالم. يجب على المجتهد أن يميز بين قسمي الأولوية المعتبر والباطل، وهو ما يقتضي دقة بالغة. المطلب الآخر هو أنه باتفاق علماء الإمامية، قياس الأولوية المعتبر أو هو نفسه مفهوم الموافقة، يمكنه أن يخصص قضية عامة – يُستفاد منها من منطوق الكلام – ويُقدّم عليها. وقد صرح بذلك كبار مثل ابن الشهيد الثاني (ابن الشهيد الثاني، بلا تا: 193)، والشيخ الأنصاري (الأنصاري، بلا تا: 212)، والآخوند الخراساني (الآخوند الخراساني، 1409: 411).
تحليل دور «الأولوية» و«القطع» في قياس الأولوية
1. دور «الأولوية»
صاحب نهاية الأصول كتب في هذا الخصوص: مفهوم الموافقة ليس إلا إلغاء الخصوصية والحكم بعدم دخالة الخصوصية في الكلام؛ سواء كانت هناك أولوية (مثل النهي عن قول أف الذي يُستفاد منه حرمة الضرب) أو لم تكن هناك أولوية أصلًا (مثلما سُئل الإمام عن حكم رجل شاك… وهنا أيضًا، العرف يلغي خصوصية كونه رجلًا ويقول إن هذا الحكم للنساء أيضًا مع أنه لا توجد أولوية في ثبوت الحكم للنساء). بناءً على هذا، مفهوم الموافقة لا يختص بالمكان الذي يكون فيه الفرع أولى من الأصل؛ وإن كانت كلمات بعض العلماء توهم هذا المطلب… التحقيق هو أن الأولوية ليس لها دور (البروجردي، بلا تا: 295). ما يقوله صاحب نهاية الأصول صحيح، وهذه النقطة الأساسية قد غُفل عنها، وهي أنه عندما يكون مناط الحجية – بناءً على القول الأصح – هو الظهور اللفظي والدلالة الالتزامية، فلا فرق في وجود أولوية أم لا، ومجرد أولوية الفرع بالنسبة للأصل ليس لها دور في ذاتها في ثبوت الحكم. وإذا كان للأولوية دور، فهو أنها ترشد إلى إلغاء الخصوصية التي يفهمها العرف. إذن ليس لها دور استقلالي، ومناط الحجية شيء آخر، وبناءً عليه، إذا أدرك العرف من طريق آخر إلغاء الخصوصية ووصل من قضية الأصل إلى الفرع – بواسطة دلالة التزامية بيّنة -، فسيكون حجة أيضًا، وإن لم تكن هناك أولوية في الأمر. إذا كان لدى شخص تصور صحيح عن هذا المطلب، فسيصدقه. ربما يمكن توجيه كلمات من يرون لزوم الأولوية هكذا: مناط الحجية عندهم هو نفسه الدلالة الالتزامية اللفظية، ولكن دليل إيرادهم الحديث عن الأولوية هو أن الأولوية من أهم طرق فهم إلغاء الخصوصية.
2. دور «القطع»
أكثر القدماء والمتأخرين اعتبروا وجود القطع لازمًا في حجية قياس الأولوية. السلطان العلماء نقل كلام العلامة الشيرازي بأن «فحوى الكلام هو ما يُفهم من اللفظ بصورة قطعية» وقبله (سلطان العلماء، بلا تا: 334). وكتب بعضهم: «لا شك في عدم اعتبار الأولوية الظنية؛ لأنها قطعًا من زمرة القياس الباطل. وإذا حصل اطمئنان (ظن قريب من اليقين) بالنسبة للأولوية، فهل يمكن الاعتماد عليه؟ الجواب هو أن متعلق حكم العقل هو الأولوية القطعية فقط، ولكن الاطمئنان في مقام الحجية يقوم مقام القطع. بناءً على هذا، ليس ببعيد أن الأولوية التي حصلت بالاطمئنان تقوم مقام الأولوية التي حصلت بالقطع وتكون حجة أيضًا» (النجفي، 1422: 183). العبارة المذكورة أعلاه تصرح بأنه في حجية قياس الأولوية، القطع لازم ومجرد الظن لا يكفي. في الإجابة على سؤال هل القطع لازم في قياس الأولوية؟ يجب القول: ما هو قصدكم من اعتبار القطع هنا؟ إذا كان القصد هو أن كل واحد من عقلاء العالم يجب أن يفهم الأولوية المذكورة والانتقال من الأصل إلى الفرع ويصدقه، فهي نظرية صحيحة؛ لأننا قلنا إن شرط حجية قياس الأولوية هو أن يفهمه جميع العقلاء بدلالة التزامية بيّنة وبدون الحاجة إلى استدلال؛ ولكن كون جميع عقلاء العالم يفهمون شيئًا لا يمكن أن يكون تفسيرًا للقطع؛ لأن القطع يعني «اليقين مئة بالمئة»، بينما فهم عقلاء العالم يمكن أن يكون من باب الظن المعتبر. أما إذا كان القصد هو أن هذا الانتقال العرفي إلى حكم الفرع يجب أن يكون على نحو قطعي وجازم، ويجب أن يحصل اليقين بحكم الفرع، فهو أيضًا فيه إشكال؛ لأننا عندما اعتبرنا قياس الأولوية حجة من باب الظهور اللفظي، فلا يلزم القطع في حجيته؛ بل يكفي الظن أيضًا؛ لأن الظن الموجود في باب الظواهر، بتصريح جميع الأصوليين، حجة. أساسًا، الظهور في الكلام يتحقق عندما يكون لدينا ظن بدلالته، وإذا حصل لنا يقين بالدلالة، فلا يُقال لذلك الكلام «ظاهر» بل يُقال له «نص» أو «صريح». بناءً على هذا، الظن المعتبر يكفي. من ناحية أخرى، أكثر الأصوليين يرون لزوم القطع، ولم يأتِ أحد منهم بحديث أن الكلام ظاهر والظن في الظواهر كافٍ. ربما أصل عدم الالتفات إلى هذا المطلب واشتراط القطع في قياس الأولوية هو أنه إذا اختلف مناط الحجية، تختلف كيفية الحجية أيضًا؛ أي إذا اعتبرنا قياس الأولوية حجة من باب كونه قياسًا، فيجب أن يحصل لنا قطع بأن الحكم في الفرع هو نفسه؛ لأن القانون الأصلي في الظن هو النهي عن العمل به، إلا أن يكون هناك دليل خاص، وهنا لا يوجد دليل كهذا؛ بل لدينا دليل عام على عدم حجية القياس؛ ولكن إذا اعتبرناه من باب الظواهر، فالظن يكفي. بناءً على هذا، ربما سر لزوم اليقين في قياس الأولوية هو عدم الالتفات إلى مناط حجيته، والعلماء نظروا إليه بذهنية القياس واعتبروا القطع لازمًا. بناءً على هذا، يمكن القول: الفرق بين قياس الأولوية والقياس المنهي عنه هو مناط الحجية؛ مناط الحجية في القياس الباطل هو وجود جامع وعلة للحكم في الأصل والفرع لم تكن مورد قبول الشارع؛ ولكن ملاك الحجية في قياس الأولوية ليس الانتقال بواسطة علة الحكم، بل هو الظهور اللفظي والدلالة الالتزامية البيّنة التي أوجبت اعتباره. عند أهل البيت (ع)، قياس المساواة ومستنبط العلة فاقد للاعتبار؛ لأن استنباط العلة ظني واستحساني، والظن بنص القرآن لا يوصلنا إلى الحقيقة، إلا إذا كان هناك دليل قطعي على اعتباره. بناءً على هذا «السنة إذا قيست محق الدين».
النتيجة
قياس الأولوية – خاصة من منظور الإمامية – معتبر، ومناط حجيته هو الظهور اللفظي؛ أي أنه حجة من باب «الظواهر»، لا من جهة «كونه قياسًا». إذن، هو خارج موضوعًا عن مجموعة القياس الباطل. المتقدمون والمتأخرون – باستثناء الأخباريين والظاهريين – أذعنوا بحجيته. دراسة الروايات المذكورة تظهر أن هذا الظهور والدلالة اللفظية يجب أن يكونا من نوع الدلالة الالتزامية البيّنة؛ أي أن العرف يصل من الأصل إلى الفرع بدون أي اجتهاد واستدلال، وإلا فإن ذلك القياس لن يكون حجة وسيُدرج في زمرة القياس الباطل؛ لأن الأولوية ليس لها دور استقلالي ولا يمكنها إخراج القياس من كونه قياسًا. إذن مناط الحجية شيء آخر. في حجية قياس الأولوية، حتى وجود الأولوية ليس شرطًا، والمهم هو ظهور اللفظ. خلافًا لرأي أكثر الأصوليين، في حجية قياس الأولوية، القطع ليس لازمًا والظن المعتبر يكفي في هذا المجال. بالنظر إلى مجموع المطالب المذكورة، يمكن القول: قياس الأولوية المعتبر قريب جدًا من القياس المنهي عنه والباطل، وتمييزهما يحتاج إلى دقة بالغة وتبحر في هذا العلم.
المصادر والمراجع
الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1409هـ.
ابن شهيد الثاني، حسن بن زيد الدين، معالم الأصول، قم، نشر قدس، بلا تا.
البدري، تحسين؛ معجم مفردات أصول الفقه المقارن، طهران، المشرق للثقافة والنشر، 1428هـ.
الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، مطارح الأنظار، قم، مجمع الفكر الإسلامي، بلا تا.
البروجردي، حسين، نهاية الأصول، طهران، نشر تفكر، بلا تا.
التهراني النجفي، هادي، محجة العلماء، طهران، 1320.
الجزائري، نعمة الله، منبع الحياة وحجية قول المجتهد من الأموات، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية، بلا تا.
الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة في الفقه المقارن، الطبعة الثانية، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، بلا تا.
الحلي (العلامة الحلي)، حسن بن يوسف، نهاية الوصول إلى علم الأصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، بلا تا.
الخميني، مصطفى، تحريرات في الأصول، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1418هـ.
السبحاني التبريزي، جعفر، رسائل أصولية، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، 1383.
سلطان العلماء، حسين، حاشية السلطان على معالم الدين، قم، مكتبة داوري، بلا تا.
الشهيد الثاني، زين الدين، تمهيد القواعد، قم، دفتر تبليغات إسلامي، بلا تا.
الشيخ المفيد، محمد بن نعمان، الاختصاص، طهران، مكتبة الصدوق، 1379هـ.
الصدر، سيد محمد باقر، البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة من حلقات علم الأصول، الشارح: إياد منصوري، قم، نشر حسنين، 1427هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، مكتبة علمية إسلامية، 1369.
لجنة تأليف القواعد الفقهية والأصولية التابعة لمجمع فقه أهل البيت (ع)، قواعد أصول الفقه على مذهب الإمامية، قم، نشر المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، بلا تا.
المحقق الداماد، مصطفى، مباحثي از أصول فقه، طهران، مركز نشر علوم إسلامي، 1362.
المحمدي، علي، شرح أصول الفقه، قم، دار الفكر، الطبعة العاشرة، بلا تا.
المدني التبريزي، يوسف، قواعد الأصول، قم، نشر دفتر معظم له، بلا تا.
المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، نشر إسماعيليان، بلا تا.
الموسوي القزويني، إبراهيم، ضوابط الأصول، قم، المؤلف، بلا تا.
الموسوي القزويني، علي، تعليقة على معالم الأصول، قم، دفتر انتشارات إسلامي، بلا تا.
الميرزاي القمي، أبو القاسم، قوانين الأصول، طهران، مكتبة العلمية الإسلامية، الطبعة الثانية، بلا تا.
النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم، جامعة مدرسين حوزه علميه قم، بلا تا.
النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1362هـ.
الواسعي، محمد، جايگاه عرف در فقه، طهران، كانون انديشه جوان، الطبعة الثانية، 1387.
الولائي، عيسى، فرهنگ تشريحي اصطلاحات أصول، طهران، نشر ني، الطبعة السادسة، 1387.
الهوامش
[1] وقطعًا كان العلماء على علم بكل هذه الروايات المشهورة والمستفيضة في النهي عن القياس.
[2] هو من الظاهرية الذين يتمسكون بظاهر الكتاب والسنة فقط، وفي الموضع الذي لا يوجد فيه دليل يرجعون إلى الإباحة الأصلية.
[3] الظهور اللفظي معتبر عند علماء الإمامية.
[4] بالطبع، هذا الدليل للعلامة الحلي محل تأمل؛ لأنه بناءً على رأي الأكثر والعلامة نفسه، عندما يكون مناط الحجية هو الظهور اللفظي وإلغاء الخصوصية من المنطوق، ويفهم العرف هذا الإلغاء للخصوصية بأي طريق كان – ولو لم تكن هناك أولوية – فإن مفهوم الموافقة سيكون حجة؛ مثلما يبين المعصوم (ع) حكم رجل شك، والعرف يلغي خصوصية كونه رجلًا ويسري الحكم إلى المرأة أيضًا، بدون وجود أولوية في الأمر.
[5] شروط اعتبار العرف اللفظي: الشيوع المطمئن، الدقة، عدم احتفاف الكلام بقرائن داخلية على إرادة المجاز أو قرائن خارجية ومقارنة.
[6] هذا الإبهام في كلام المرحوم المظفر و… يحتاج إلى مزيد من البحث، ربما تمكن دراسة أعمق لهذه الرواية من وضع «حجية قياس الأولوية» تحت المجهر بشكل أكبر، أو على الأقل تغيير مناط حجيتها من الظهور اللفظي إلى شيء آخر.