الملخص
من أهم مباحث الإمامة مسألة «علم الإمام» التي كانت دائمًا محط نقاش بين المتكلمين الإسلاميين. ويُعد «المفضل بن عمر» من الرواة المشهورين الذين نقلوا في كتاب الكافي روايات حول علم الإمام، ومن بين رواياته، تبدو روايتان متعارضتين للوهلة الأولى. فالرواية “…إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَحْدُثُ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ…” تتحدث صراحة عن زيادة علم الإمام الذي يأتيه عن طريق الملائكة بـ«التحديث». أما الرواية “…وَنَحْنُ نُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ بِالْعَرَبِيَّةِ…” فتدل على سعة علم الإمام بجميع اللغات والألسن. وقد اقترح علماء الحديث حلولًا لرفع التعارض بين الروايات، مثل التساقط، والتوقف، والجمع بين الروايات. وقد اختار كاتب هذا البحث، من خلال دراسة وتحليل نص الروايتين المذكورتين بمنهج وصفي-تحليلي واستنادًا إلى القاعدة المعروفة «الجَمْعُ مَهمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنَ الطَّرْحِ»، الحل الثالث، أي الجمع بين الروايتين. وقد توصلت الدراسة إلى أن الاختلاف بين هاتين الروايتين هو اختلاف بدوي وظاهري. فبالتأمل في موضوع كل من الروايتين، يتضح أن علم الأئمة (ع) ليس ذاتيًا، بل هو علمٌ مُستفاد وموهوب يُمنح لهم من قِبل الله تعالى بواسطة الملائكة بشكل مستمر في مواقف خاصة، بصورة علم إجمالي وتفصيلي.
١. طرح المسألة
يُعدّ علم الإمام من المسائل والمباحث الأساسية في الفكر الشيعي التي كانت دائمًا محط نقاش بين المتكلمين الإسلاميين؛ ففي المعتقدات الشيعية، يُعتبر علم الإمام إحدى الخصائص الرئيسية للإمام، والتي تؤثر في تحقق سائر شروط الإمامة. يعتقد المتكلمون الشيعة أن الأئمة المعصومين (ع) بعد وفاة النبي الأكرم (ص) تولوا مسؤولية المرجعية العلمية والولاية الظاهرية (مجموعة من المؤلفين، ١٣٨١ش، ٢٣٤)، وأن وجود مثل هذا العلم للأئمة (ع) قد ثبت بالعقل والنقل، ولا شك فيه.
توجد روايات وأحاديث كثيرة من المعصومين (ع) حول محور علم الأئمة في المصادر الشيعية؛ وفي حال ثبوت اعتبار أحوال رواة هذه الأحاديث والروايات، فإن قسمًا كبيرًا من الأحاديث يكتسب الحجية ويُعدّ معتبرًا. وفي خضم هؤلاء الرواة، يوجد رواةٌ يُلاحظ اختلاف بين علماء الرجال في وصفهم الرجالي، ويمكن إدراج المفضل بن عمر في هذه الفئة. فقد اتهمه بعض العلماء مثل ابن الغضائري والنجاشي بنسبٍ مثل الخطابية، والمفوضة، وفاسد المذهب، ومضطرب الرواية، وذمّوه، وفي المقابل، اعتبره علماء مثل الشيخ المفيد، والشيخ الصدوق، والشيخ الكليني، وآية الله الخوئي، من الفقهاء الصالحين والموثوقين. ومن الواضح أن إثبات وثاقته أو عدمها سيساعدنا في تحديد اعتبار الأحاديث والروايات التي رواها حول علم الإمام.
المفضل بن عمر هو من رواة الإمام الصادق (ع) وتلامذته، وقد نقل روايتين حول زيادة علم الأئمة في أصول الكافي عن الإمام الصادق (ع). ومن بين روايتيه، إحداهما صحيحة والأخرى مختلف فيها. الرواية الصحيحة التي تتحدث عن محدودية علم الإمام وزيادته التدريجية، يقول فيها الإمام الصادق (ع): «إِنَّ سُلَيْمَانَ وَرِثَ دَاوُدَ وَإِنَّ مُحَمَّداً وَرِثَ سُلَيْمَانَ وَإِنَّا وَرِثْنَا مُحَمَّداً وَإِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَتِبْيَانَ مَا فِي الْأَلْوَاحِ قَالَ قُلْتُ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعِلْمُ قَالَ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْعِلْمَ إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَحْدُثُ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٢٤-٢٢٥).
وهي تتعارض مع الرواية التي تتحدث عن سعة علم الإمام وإتقانه لمختلف اللغات والألسن، حيث يقول الإمام الصادق (ع): «وَ نَحْنُ نُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ بِالْعَرَبِيةِ فَتَوَهَّمْنَا أَنَّهُ بِالسُّرْيانِيةِ ثُمَّ بَكَى فَبَكينَا لِبُكائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا الْغُلَامُ فَأَذِنَ لَنَا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَتَيْنَاكَ نُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَيْكَ فَسَمِعْنَاكَ تَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ بِالْعَرَبِيةِ فَتَوَهَّمْنَا أَنَّهُ بِالسُّرْيانِيةِ ثُمَّ بَكيتَ فَبَكينا لِبُكاءِك …» (نفس المصدر، ٣٣٠). إن التعارض بين الروايات من أهم مباحث علم الحديث ومن المسائل الأساسية والفعالة في دراسات الحديث، والإلمام الكامل به ضروري لكل باحث في الحديث؛ وهو من المسائل المهمة التي شغلت المحدثين والمتكلمين. اختار الشهيد الثاني والمامقاني من بين حلول رفع التعارض وعدم الانسجام بين الروايات، أفضلية الأعلمية والأوثقية للرواة (الشهيد الثاني، ١٤٢١ق، ٣٣؛ المامقاني، ١٤٢٣ق، ١: ٥٩)، بينما اختار ابن البراج والعلامة الحلي الشهرة الروائية بمعنى اشتهار الرواية بين الرواة (ابن البراج، ١٤٠٦ق، ٢: ٧؛ الحلي، ١٣٨١ش، ١: ٣٣).
فيما يتعلق بالرواية الأولى للمفضل بن عمر، كُتبت مقالتان علميتان وبحثيتان؛ إحداهما لمحمد تقي شاكر ورضا برنجكار بعنوان «حقيقة التحديث وعلاقته بالنبوة»، في فصلية “آينه معرفت”، سنة ١٣٩٢ش، والمقالة الثانية لمحمد هادي عنايتي راد بعنوان «فاطمة الزهراء (س) محدثة الله»، في الموقع التخصصي لمعارف أهل البيت، العتبة الرضوية المقدسة. أما بخصوص الرواية الثانية، فقد كتب محمد مشكي مقالة بعنوان «سعة علم الإمام من منظور الكليني والصفار»؛ سنة ١٣٨٩ش، وكتاب بعنوان «دراسة مصادر وسعة علم الإمام في الآيات والروايات»؛ للسيد رحمت الله موسوي مقدم، طُبع سنة ١٣٩٣ش. ولكن حتى الآن، لم يُجرَ بحث متكامل لرفع التعارض بين الروايتين المذكورتين. وبناءً على ذلك، يعتزم كاتب هذا البحث استخدام المنهج الوصفي-التحليلي لرفع التعارض بين الروايتين، والإجابة على هذين السؤالين من خلال دراسة وتحليل نصوص الروايات: كيف هو اعتبار الروايتين المذكورتين من حيث المتن؟ وفي حال ثبوت التعارض بينهما، ما هي الحلول المقترحة؟
٢. التعريف بشخصية «المفضل بن عمر» ومكانته الروائية
قبل الدخول في صلب الموضوع، نبدأ بالتعريف بالمفضل بن عمر ومكانته الروائية.
المفضل بن عمر من الرواة البارزين الذين نقلوا روايات عديدة عن الأئمة المعصومين (ع)، خاصة عن الإمام الصادق (ع)، وهو من خواص تلامذته (الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٢٤٥). اسم هذا الشخص «مفضل» ووالده «عمر» وكنيته «أبو عبد الله» أو «أبو محمد» (نفس المصدر: ٤: ٤٨٢). وقد ذكره الشيخ الطوسي في كتاب رجاله باسم «مفضل الجعفي» ومن أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم (ع) (الطوسي، ١٣٨٢ش، ٣١٤).
ولد في أواخر القرن الأول في الكوفة، وتوفي في أواخر القرن الثاني عن عمر يناهز ٨٠ عامًا (الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٢٤٥). وخلال حياته، اهتم بتأليف كتب مثل «كتاب الإيمان والإسلام»، «كتاب يوم وليلة»، «كتاب الفكر المعروف بتوحيد المفضل»، «كتاب علل الشرائع»، «وصية المفضل»، و«كتاب في بدء الخلق والحث على الاعتبار» (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٤١٦). المفضل بن عمر الجعفي، راوي الحديث، نُقل عنه ١٦٠ رواية في كتب الحديث (الخوئي، ١٩٨٣م، ١٨: ٢٩٢).
فيما يتعلق بالمفضل بن عمر، أبدى علماء الرجال آراء متباينة بين «التوثيق» و«التضعيف». فقد اتهمه علماء مثل النجاشي وابن الغضائري بنسب باطلة مثل الغلو، والتفويض، واضطراب الرواية، وفساد المذهب وغيرها (النجاشي، ١٣٩٤ش، ١: ٤١٦؛ ابن الغضائري، ١٣٨٠ش، ٧٨). واعتبروا رواية الكشي من أسباب تضعيفه لدى النجاشي وابن الغضائري (الكشي، ١٤٠٤ق، ٢: ٦١٢). ويرى آية الله الخوئي أن هذه النسب الباطلة التي كتبها كثير من العلماء عن المفضل بن عمر، تستند فقط إلى حديث رواه الكشي في كتابه بأن «المفضل كان يترك صلاة الصبح أو أن أصحابه كانوا يشربون الخمر»، متخذين من ذلك سندًا ونسبوا إليه هذه التهم، بينما ذكر آية الله الخوئي في كتابه معجم الرجال أن الكشي لم يأتِ بدليل أو شاهد معتبر على هذا القول (الخوئي، ١٩٨٣م، ١: ٣٢٩).
في المقابل، اعتبر محمد بن يعقوب الكليني، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، وآية الله الخوئي، المفضل بن عمر من العلماء الصالحين والموثوقين، وبرّؤوه من التهم الباطلة والمنكرة (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٣١٠؛ الصدوق، ١٤١٣ق، ١: ٣١؛ المفيد، ١٤١٤ق، ٢: ٢٠٨؛ الخوئي، ١٩٨٣م، ١٨: ٢٩٤). بالإضافة إلى هؤلاء العلماء، رد المرحوم المامقاني في كتاب تنقيح المقال نسبة الخطابية والتفويض وبعض العقائد الباطلة إلى المفضل بسبب الأخبار المستفيضة وشخصيته الرفيعة والاحترام الذي كان يكنه له الإمام الصادق والإمام الباقر (ع) (المامقاني، ١٤٢٣ق، ٣: ٢٣٨).
كتب الكليني في أصول الكافي: كان للمفضل بن عمر مكانة عظيمة عند الأئمة المعصومين (ع) ويُعد من خواص أصحابهم. في عصر الإمام الصادق والإمام الكاظم (ع)، كان وكيلهم بين أهل الكوفة، كما كلفه الإمام الصادق (ع) بمهمة إصلاح ذات البين بين الناس ورفع الخلافات بينهم بالأموال التي وضعها تحت تصرفه أو أذن له بأخذها من الناس (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٢٠٩).
أهم دليل على عظمة هذه الشخصية الإسلامية الفريدة هو الروايات الكثيرة التي وردت في فضله ومنزلته عن الأئمة المعصومين (ع) أنفسهم.
ينقل الشيخ المفيد بسند صحيح عن عبد الله بن فضل الهاشمي أنه قال: كنت عند الإمام الصادق (ع) فدخل المفضل بن عمر. فلما نظر إليه الإمام تبسم ثم قال: إليّ يا مفضل، فوالله إني لأحبك وأحب من يحبك. يا مفضل، لو أن جميع أصحابي عرفوا ما تعرف، ما اختلف اثنان منهم (المفيد، ١٤١٤ق، ٢: ٢١٥ و٤١٦؛ الخوئي، ١٩٨٣م، ١٩: ٣٢٨). هذا الحديث يدل على محبة الإمام للمفضل بن عمر ومكانته الرفيعة عنده (ع).
بناءً على دراسة شخصية المفضل بن عمر، يمكن القول إنه كان يتمتع بمكانة رفيعة عند الإمام الصادق (ع) وأصحابه، وقد وثّقه كثير من كبار علماء الشيعة كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي. كما أن دراسة متن وسند الروايات الصحيحة التي نُقلت في مدحه، وضعف سند ومتن الروايات التي وردت في ذمه، توضح بجلاء مدى عناية الأئمة المعصومين (ع) به، وأنه كان يتمتع بمكانة علمية رفيعة.
٣. دراسة وتحليل نصوص الروايات
لطالما كانت دراسة نصوص الروايات شاغل الباحثين في الحديث والمتكلمين، إلا أنه كان هناك دائمًا خلاف في تقديم واعتبار دراسة متن الحديث على سنده. كان هناك تيار سني تقليدي وكلاسيكي يولي اهتمامًا أكبر لسند الحديث، ويعتبر السند هو جوهر الحديث. فإذا لم يكن سند الحديث مقبولًا، لم يكونوا ليتطرقوا إلى دراسة متنه (سلمان نجاد، هادي گرامي، ١٣٩٧ش، ٨٦). بالطبع، كان التيار الحديثي الشيعي منذ القدم يقبل دراسة ونقد المتن كمنهج أساسي في عملية تحليل أصالة الروايات. وقد قبلت الأبحاث الحديثية لدى علماء الحديث دراسة وتحليل السند والمتن جنبًا إلى جنب. لذلك، في هذا البحث، سيتم التطرق إلى دراسة وتحليل متن روايتي المفضل بن عمر اللتين تتناولان «زيادة علم الأئمة» و«علم الإمام بجميع اللغات والألسن».
١-٣. الرواية الدالة على زيادة علم الأئمة
«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيِي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِنَّ سُلَيْمَانَ وَرِثَ دَاوُدَ وَإِنَّ مُحَمَّداً وَرِثَ سُلَيْمَانَ وَإِنَّا وَرِثْنَا مُحَمَّداً وَ إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَتِبْيَانَ مَا فِي الْأَلْوَاحِ قَالَ قُلْتُ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعِلْمُ قَالَ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْعِلْمَ إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَحْدُثُ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٢٤-٢٢٥). يقول المفضل بن عمر: قال الإمام الصادق (ع): إن سليمان ورث داود (ع)، وإن محمدًا (ص) ورث سليمان (ع)، وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وشرح ما في الألواح (المقصود الألواح التي نزلت على موسى (ع)). قال: قلت: إن هذا لهو العلم. قال: ليس هذا هو العلم النهائي، إن العلم الكامل هو الذي يحدث يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة.
١-١-٣. دراسة وتحليل الرواية
هذه الرواية التي نقلها المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (ع) تحمل دلالة واضحة على قابلية علم الأئمة المعصومين (ع) للزيادة. ومن أجل فهم الرواية فهمًا صحيحًا ودقيقًا، تعد دراسة مضمونها أمرًا ضروريًا ومفيدًا ولا غنى عنه. لذلك، من المناسب في هذه الرواية أن نوضح أولًا معنى ومفهوم كلمة «التحديث» حتى نتمكن من الوصول إلى المفهوم الحقيقي للحديث. «التحديث» كلمة عربية وهي مصدر من مادة «حدث» بمعنى كلمه وأخبره أو تحدث معه وتحاور (جر، ١٣٧٥ش، ١: ٥٣٣). ويعرف الراغب الأصفهاني في المفردات «المحدَّث» بأنه «من يُلقى في قلبه شيء من عالم الغيب» (الراغب، ١٤١٢ق، ٢٢٣). كما يعرف ابن الأثير «المحدَّث» بأنه من يُلهم، والملهم هو من يُلقى في نفسه شيء. وهذا الإلهام نوع خاص من العلم يمنحه الله تعالى لعباده الخواص (ابن الأثير الجزري، ١٣٦٧ش، ١: ٣٥٠). وفسر الطريحي التحديث بأنه الكلام مع الملائكة، والمحدَّث هو من تحدثه الملائكة (الطريحي، ١٤١٦ق، ٢: ٢٤٥). أما العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، فيفسر التحديث بأنه سماع صوت الملك بالقلب والأذن الباطنة (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ٣: ٢٢٠).
ويضيف العلامة: في التحديث، يسمع المحدَّث صوت الملك ولكنه لا يراه، وهذا السماع ليس بالأذن الظاهرة بل بالأذن الباطنة والقلب (نفس المصدر). ومن الروايات نفسها يمكن استنباط هذا المعنى. يمكن القول إن هذه الخاصية، بسبب التكلم مع الملك والاتصال بعالم الغيب، لها طبيعة شبيهة بالوحي ولكنها لا تحمل أي جانب تشريعي. ومن الناحية العقلية والنقلية، فإن اتصال الإنسان بالملائكة ممكن، وقد حدث في الأمم السابقة أيضًا، مثل نزول الوحي على أم موسى (ع)، وحواريي عيسى (ع)، ومريم (ع) (آل عمران: ٤٢-٤٣ و٤٥؛ المائدة: ١١١؛ القصص: ٧).
في مصادر أهل السنة والشيعة، ذُكر أفراد بوصفهم «محدَّثين». فقد أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما أن الذين تحدثوا مع الملائكة بعد النبي (ص) وميزوا الحق من الباطل هم محدَّثون (البخاري، ١٤٠١ق، ٥: ٧٨؛ مسلم، د.ت، ٧: ١١٧). ويعرّف العلامة الأميني في كتاب الغدير «المحدَّث» بأنه «من تحدثه الملائكة دون أن يكون نبيًا، أو يرى الملك، أو يُخلق في قلبه علوم عن طريق الإلهام والمكاشفة من الله تعالى، أو تظهر في قلبه حقائق تخفى على غيره. ومن منظور الشيعة، فإن عليًا (ع) وأبناءه محدَّثون» (الأميني، ١٤١٦ق، ٥: ٦٧). كما يكتب الكليني استنادًا إلى قول المعصومين (ع) أن «كل إمام من أهل بيتنا محدَّث» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ١٣)، لدرجة أن الكليني خصص في أصول الكافي بابًا بعنوان «الأئمة محدثون» وأورد فيه أحاديث كثيرة (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٧٠).
وغير الكليني، خصص آخرون مثل العلامة المجلسي في بحار الأنوار بابًا مماثلًا (المجلسي، ١٤٠٤ق، ٢٦: ٦٦)، كما خصص الصفار في بصائر الدرجات بابين لهذه المسألة وذكر ٢١ رواية بألفاظ وأسانيد مختلفة (الصفار، ١٤٠٤ق، ١: ٣١٩-٣٢٤)، بالإضافة إلى ما نُقل في كتب التفسير والرواية والتاريخ الأخرى من أن الأئمة الأطهار (ع) محدَّثون. وهذه الروايات أكثر من أن تُحصى هنا.
٢-١-٣. روايات مؤيدة للتحديث لأوصياء النبي (ص)
١- روى الكليني في أصول الكافي عن الإمام الرضا (ع) أن أوصياء النبي (ص) يتكلمون مع الملائكة: «أَنَّ أَوْصِياءَ مُحَمَّدٍ (ص) مُحَدَّثُونَ»، «الْأَئِمَّةُ عُلَمَاءُ صَادِقُونَ مُفَهَّمُونَ مُحَدَّثُونَ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٧١؛ الطوسي، ١٤١٤ق، ٢٤٥).
٢- روى الكليني والصفار كلاهما عن الإمام الباقر (ع) أن الأئمة الاثني عشر (ع) يتكلمون مع الملائكة: «الاثْنَا عَشَرَ الْإِمَامَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ص) كُلُّهُمْ مُحَدَّثٌ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ (ع) رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ عَلِيٌّ (ع) هُمَا الْوَالِدَانِ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٧١؛ الصفار، ١٤٠٤ق، ١: ٣٢٠). الأئمة الاثنا عشر من آل محمد (ص) كلهم محدثون، وهم من أبناء رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع)، والنبي (ص) وعلي (ع) هما والداهم.
٣- أورد ابن طاووس في كتاب إقبال الأعمال والعلامة المجلسي في بحار الأنوار في كون السيدة فاطمة الزهراء (س) محدثة في زيارتها: «السَّلامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا التَّقِيَّةُ النَّقِيَّةُ السَّلامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمُحَدَّثَةُ الْعَلِيمَةُ» (ابن طاووس، ١٤١٦ق، ٣: ١٦٣؛ المجلسي، ١٤٠٤ق، ٩٧: ١٩٩). السلام عليك أيتها التقية النقية، السلام عليك أيتها المحدثة العليمة.
٤- ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إِنَّما سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ (س) مُحَدَّثَةً لِأَنَّ الْمَلائِكَةَ كَانَتْ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ فَتُنَادِيهَا كَمَا تُنَادِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَتَقُولُ: يَا فَاطِمَةُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا فَاطِمَةُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، فَتُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهَا» (الصدوق، ١٤٢٥ق، ٢: ٢١٦؛ الطبري، ١٤١٣ق، ٥٦). قال الإمام الصادق (ع): إنما سُميت فاطمة الزهراء (س) «محدثة» لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم (س)، وتقول: يا فاطمة، إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا فاطمة، اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين، فكانت تحدثهم ويحدثونها.
٥- نُقل عن إسماعيل بن بشار أنه قال: قال علي بن جعفر الحضرمي قبل ثلاثين سنة في مصر، حكى عن سليمان أنه قال: قال محمد بن أبي بكر: إن مريم لم تكن نبية ولكنها كانت محدثة، وكذلك أم موسى بن عمران كانت محدثة ولم تكن نبية، وسارة زوجة إبراهيم رأت الملائكة عيانًا (بعينيها) وبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ولم تكن نبية، وكذلك فاطمة بنت رسول الله لم تكن نبية ولكنها كانت محدثة (الصدوق، ١٤٢٥ق، ١: ١٨٢).
٦- أثبت الصفار في بصائر الدرجات التحديث في أوصياء النبي (ص) بناءً على هذه الرواية، وعرّفهم جميعًا بأنهم محدثون. يقول سليم بن قيس: سمعت عليًا (ع) يقول: «أنا وأوصيائي من ولدي كلنا مهديون ومحدثون». قلت: يا أمير المؤمنين! من هم؟ قال: الحسن والحسين (ع)، ثم ابني علي بن الحسين (ع) وكان حينها رضيعًا، ثم ثمانية من بعده واحدًا تلو الآخر، هم الذين أقسم الله بهم.
في الآية: «قسم بالأب وقسم بالابن»، فالوالد هو رسول الله والابن هم هؤلاء الأوصياء. قلت: يا أمير المؤمنين! هل يجتمع إمامان في زمان واحد؟ قال: لا، إلا أن يكون أحدهما صامتًا لا يتكلم حتى يفارق الأول الدنيا. يقول سليم الشامي إنه سأل محمد بن أبي بكر: هل كان علي محدثًا؟ قال: نعم. قلت: هل تتكلم الملائكة مع غير الأنبياء؟ قال: ألم تقرأ هذه الآية: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ»؟ قلت: إذن كان أمير المؤمنين (ع) محدثًا؟ قال: نعم، وفاطمة الزهراء (س) كانت محدثة ولم تكن نبية (الصفار، ١٤٠٤ق، ١: ٣٧٢).
٧- نقل الصفار في بصائر الدرجات عن الإمام الباقر (ع): «أن أوصياء علي محدثون»، أي أن أوصياء علي (ع) محدثون وتُفهم إليهم الأمور (١٤٠٤ق، ٧: ٤٢١). كما ورد عن الصفار في بصائر الدرجات أن محمد بن عمران يقول: سمعت الإمام الصادق (ع) يقول: «نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ مُحَدَّثاً…»؛ أي «نحن اثنا عشر محدثًا…» (نفس المصدر، ١: ٣١٩).
إضافة إلى الروايات المذكورة في كتاب «الأصول الستة عشر»، يذكر النبي (ص) في رواية تحديث أحد عشر من أبنائه (مجموعة من العلماء، ١٤٢٣ق، ١٣٩). كما أورد الصفار في بصائر الدرجات أن عليًا (ع) صرح بمسألة تحديثه وتحديث الأوصياء من أبنائه (١٤٠٤ق، ١: ٣٧٢). كذلك طرح الإمام الباقر (ع) هذا المقام لجميع الأوصياء من أبنائه (نفس المصدر، ٤٥٣).
بناءً على هذه الروايات والكثير غيرها مما لا يمكن ذكره في هذا البحث، يمكن القول إن جميع أوصياء النبي (ص) كانوا يتمتعون بمقام التحديث، وكانوا بحاجة إلى هذا المقام لأداء واجبات الإمامة وتلقي العلوم الملكوتية.
يمكن توضيح ما سبق في المحاور التالية:
١- تعابير مثل «محدثون» و«مفهمون» التي وردت في حق الأئمة المعصومين (ع) تعني أنهم يتلقون العلوم والمعارف المختلفة عن طريق التحديث.
٢- كان النبي (ص) يتلقى العلوم والمعارف المختلفة عن طريق الوحي ويرى ملك الوحي، أما الأئمة (ع) فلم يكونوا يرون ملك الوحي وإنما كانوا يتلقون العلوم والمعارف عن طريق الملك فقط.
٣- التحديث مقام يمكن للمعصومين من خلاله الاتصال بعالم الملكوت وتلقي العلوم والمعلومات اللازمة.
٤- المحدث هو من تتنزل عليه الملائكة الإلهية دون أن تُرى، وتلقي عليه الأخبار والعلوم الغيبية في باطنه أو أذنه، وأحيانًا بالطريقتين (الأذن والقلب).
٥- في كل من المصادر الشيعية والسنية، المحدثون هم الذين يتصلون بالملائكة ويميزون الحق من الباطل بهذه الطريقة.
٦- الإمام علي (ع) وجميع الأوصياء من بعده كلهم محدثون.
مما سبق، يمكن القول إن استخدام قيد «يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ» يدل على نوع من الاستمرارية. يروي الكليني في أصول الكافي رواية عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (ع) يقول فيها: «حقيقة العلم عندنا هي أن نكون متصلين باستمرار بمصدر العلم الإلهي. هذا العلم هو العلم الحادث الذي توصله الملائكة إلينا من الله». وقال الإمام الصادق (ع): «إن الله أكرم من أن يوجب طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحًا ومساءً». ويكتب الكليني هنا أن هدف الإمام ليس فقط وصول أخبار السماء في هذين الوقتين، بل هدفه نوع من الاستمرارية العرفية التي تصل بها الحقائق إلى الإمام (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٤٠١).
لا يمكننا القول إنه باتصال علم الإمام بالعلم الإلهي يصبح غير محدود ويعلم كل شيء، بل هناك بعض العلوم التي تختص بالله وحده ولا يعلمها غيره؛ مثل علم وقت القيامة. وقد أشار الله في سورة لقمان الآية ٣٤ إلى ذلك وقال: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ…». يمكن القول إن منشأ علوم الأئمة (ع) ليس اكتسابيًا بل هو من نفس منشأ علم النبي الأكرم (ص)، ولكنه ليس مطلقًا. وخلافًا للنبي الأكرم (ص)، لا يصدق عليهم نزول ملك الوحي، بل كانوا يعلمون الأمور عن طريق التحديث. من ناحية أخرى، علم الغيب الذاتي المطلق خاص بالله. لذلك، يعتقد الشيعة أنه لا ينبغي اعتبار علم الأئمة (ع) مطلقًا، بل هو علم مستفاد من النبي الأكرم (ص) والإمام الذي قبله، ونتيجة لتعليم إلهي (فقهي زاده، عماري اله ياري، ١٣٩٤ش، ٢: ٦٧).
٢-٣. الرواية الدالة على علم الإمام بجميع اللغات والألسن
«عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَيْنَا بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَنَحْنُ نُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَتَوَهَّمْنَا أَنَّهُ بِالسُّرْيانِيةِ ثُمَّ بَكَى فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا الْغُلَامُ فَأَذِنَ لَنَا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَتَيْنَاكَ نُرِيدُ الْإِذْنَ عَلَيْكَ فَسَمِعْنَاكَ تَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَيْسَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَتَوَهَّمْنَا أَنَّهُ بِالسُّرْيانِيةِ ثُمَّ بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا لِبُكَائِكِ…» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٣٣٠). يقول المفضل بن عمر: «أتينا دار الإمام الصادق (ع) ونحن نريد أن نستأذن بالدخول، فسمعناه من وراء الباب يتكلم بكلام ليس بالعربية، فظنناه سريانيًا. ثم بكى فبكينا لبكائه. ثم خرج الغلام فأذن لنا بالدخول فتشرفنا بحضرته. فقلت: أصلحك الله، أتينا نستأذن بالدخول فسمعناك تتكلم بكلام ليس بالعربية فظنناه سريانيًا، ثم بكيت فبكينا لبكائك…».
١-٢-٣. دراسة وتحليل الرواية
كما هو واضح، فإن ظاهر الرواية المذكورة والمفردات المستخدمة فيها تشير إلى أن نطاق علم الأئمة المعصومين (ع) كان واسعًا، وأنهم كانوا يتقنون جميع لغات وألسن الأقوام المختلفة. وهذا الإتقان للغات هو من أعظم نعم الله على الأئمة المعصومين (ع). يقول الله تعالى: «الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» (الرحمن: ١-٤). وفي جواب لمن سأل عن «عَلَّمَهُ الْبَيَانَ»، قال الإمام الرضا (ع): هو علي بن أبي طالب (ع). لقد علمه الله بيان كل ما يحتاجه الإنسان (الصفار، ١٤٠٤ق: ٥٧).
لفهم الروايات، يجب أن يكون لدينا فهم صحيح لمفرداتها. ومن طرق فهم الألفاظ دراسة المعاني. فمن الأفضل أن نعرّف أولًا معنى ومفهوم «اللسان»، ثم ننتقل إلى دراسة وتحليل الرواية.
«اللسان» من الكلمات القرآنية، وجمعها «ألسنة» و«لسانات» على التذكير، و«ألسن» على التأنيث، بمعنى اللغة واللغة (جر، ١٣٧٥ش، ٢: ١٧٦٨). يقول الجوهري: «اللسان» هو عضو الكلام، أي عضو من أعضاء جسم الإنسان يتكلم به، وأحيانًا يُكنى بـ«اللسان» عن الكلمة؛ أي يُقال «اللسان» ويُراد به الكلمة. في هذه الحالة، يكون معنى «اللسان» هو الكلمة (الجوهري، ١٣٧٦ش، ٦: ٢١٩٦). وفي المفردات، «اللسان» بمعنى اللغة والعضو المحدد والمعين وقوته (الراغب، ١٤١٢ق، ٧٤٠). كما يذكر الصفار في بصائر الدرجات أن «اللغة» (بمعنى الكلام) هي نوع من جسر التواصل ونقل الأفكار والرغبات بين الناس (١٤٠٤ق، ٣٣٣).
بناءً على رواية المفضل بن عمر وروايات أخرى وردت في المصادر الشيعية، فإن إحدى خصائص النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) هي علمهم وإحاطتهم بجميع اللغات والألسن. وهذا أمر بديهي، فلا يمكن لأحد غير النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) أن يمتلك مثل هذا العلم، وقد أُعطي لهم هذا العلم الإلهي. وهذا يعني أنهم متصلون بالمصدر الأصلي للعلم، وهو الله تعالى، ويتلقون علومهم منه مباشرة (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٨٥).
يروي الكليني في هذا المجال في أصول الكافي رواية عن الإمام الكاظم (ع) أن أبا بصير جاء إلى الإمام الكاظم (ع) وسأل عن علامات الإمام. فأجاب الإمام أبا بصير: إذا كان لشخص هذه الخصائص فهو إمام: ١- أن يكون لديه علم الإمامة. ٢- أن يجيب على كل ما يُسأل عنه. ٣- أن يخبر عن المستقبل. ٤- أن يستطيع التحدث مع أهل العالم بكل لغة، ويستطيع أهل كل لغة التحدث معه دون مترجم (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٨٥).
يروي الكليني في أصول الكافي أن الأئمة المعصومين (ع) كانوا يتحدثون بكل لغة. قال الإمام الصادق (ع) لأحد خدمه الذي لم يكن يستطيع التحدث بالعربية: قل ما شئت بأي لغة، فأنا أفهم (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٨٢).
يصرح الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات بأن الأئمة يعلمون جميع اللغات والألسن. «أقول إن مثل هذا الشيء، أي العلم بجميع اللغات والألسن، ليس بممتنع ولا بواجب من وجهة نظر العقل والقياس. وقد وصلتنا روايات عمن وجب علينا تصديق أقوالهم، بأن الأئمة المعصومين (ع) كانوا يعلمون هذه الأمور. فإذا ثبتت صحتها، وجب اليقين بها» (المفيد، ١٤١٤ق، ٢: ٦٧).
يمكن تلخيص ما سبق في المحاور التالية:
١- قبول مبدأ علم الأئمة بجميع اللغات والألسن.
٢- لكي يتمكن الأئمة من أداء مسؤولياتهم بشكل صحيح، يجب أن يكونوا عالمين بجميع اللغات والألسن.
٣- من خصائص الإمام العلم بجميع اللغات والألسن.
٤- علم الإمام بجميع اللغات والألسن هو علم إفاضي، وهم متصلون بمصدر العلم الإلهي.
٥- في حال ثبوت مثل هذه الروايات، فإن نتيجتها هي القطع بوجود مثل هذا العلم للأئمة (ع).
٢-٢-٣. الآراء المختلفة حول علم الإمام بجميع اللغات والألسن
الرأي الأول: يرى أن معرفة العلوم المذكورة ضرورية للإمام، ويعتقد أن الإمام يجب أن يكون عالمًا بجميع اللغات والألسن. فإذا لم يكن الإمام عالمًا بهذه العلوم، فإن الناس الذين يعلمونها لن يتبعوه. إذن، وجود مثل هذا العلم ضروري للإمام. يمكن إدراج العديد من المشايخ والمحدثين مثل الكليني والصدوق في هذه الفئة (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٣٨٥؛ الصدوق، ١٤١٣ق، ٢: ٢٢٨). كما يذكر الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات أن الإمام يعلم جميع اللغات والألسن (المفيد، ١٤١٤ق، ٢: ٧٧). ولا يرى الشيخ المفيد أن علم الإمام بجميع اللغات والألسن مستحيل أو محال، وهذا يعني أنه يجب اعتباره في مستوى الممكنات الواقعة في عالم الوجود.
الرأي الثاني: معرفة العلوم المذكورة ليست واجبة عقلاً على الإمام، ولكنها ليست ممتنعة أيضًا. يعتقد البعض، ومنهم علم الهدى والشيخ الطوسي، أن هناك روايات متعددة في هذا المجال. فإذا كان لدى شخص يقين بالروايات، يمكنه إثبات هذه العلوم للأئمة المعصومين (ع) (علم الهدى، ١٤١٠ق، ٢: ٣٠؛ الطوسي، ١٣٨٢ش، ١: ٢٥٢).
٣-٢-٣. روايات مؤيدة للرأي الأول
١- يعتقد المشايخ والمحدثون مثل الشيخ الكليني والشيخ الصدوق، بناءً على الروايات المتعددة والمستفيضة على الأقل، أن الأئمة (ع) يتقنون جميع اللغات والألسن. هناك رواية تفيد بأن الإمام يعلم جميع اللغات والألسن. يروي الشيخ الحر العاملي في كتاب «إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات» عن الإمام الباقر (ع) أن الإمام قال: «بِمَ يُعْرَفُ الْإِمَامُ؟ قَالَ: بِخِصَالٍ… وَيُكَلِّمَ النَّاسَ بِكُلِّ لِسَانٍ وَلُغَةٍ» (الحر العاملي، ١٤٢٥ق، ٥: ٣٤٥). سئل الإمام الباقر (ع) بماذا يُعرف الإمام؟ قال: بعدة خصال… منها أنه يكلم الناس بجميع لهجاتهم ولغاتهم.
٢- يروي الكليني في أصول الكافي عن الإمام الحسن (ع) حول علم الأئمة بجميع اللغات قوله (ع): «إِنَّ لِلَّهِ مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ عَلَيْهِمَا سُورٌ مِنْ حَدِيدٍ… أَلْفَ أَلْفِ لُغَةٍ يَتَكَلَّمُ كُلُّ لُغَةٍ بِخِلَافِ لُغَةِ صَاحِبِهَا وَأَنَا أَعْرِفُ جَمِيعَ اللُّغَاتِ…» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٤٦٢). قال الإمام الحسن (ع): «لله مدينتان إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، حولهما سور من حديد، وفيها ألف ألف لغة، يتكلم أهل كل لغة بلغة تختلف عن لغة الآخرين، وأنا أعرف جميع تلك اللغات…».
٣- يروي الصدوق في كتاب عيون الأخبار أن الأئمة (ع) كانوا عالمين بجميع لغات البشر ويتكلمون بها. «كُنْتُ أَتَغَدَّى مَعَ أَبِي الْحَسَنِ (ع) فَيَدْعُو بَعْضَ غِلْمَانِهِ بِالصَّقْلَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَرُبَّمَا بَعَثْتُ غُلَامِي هَذَا بِشَيْءٍ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ فَيُعَلِّمُهُ وَرُبَّمَا كَانَ يَنْغَلِقُ الْكَلَامُ عَلَى غُلَامِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ فَيَفْتَحُ هُوَ عَلَى غُلَامِهِ» (الصدوق، ١٣٧٢ش، ٢: ٢٢٨). كنت أتغدى مع الرضا (ع)، فكان أحيانًا يدعو بعض غلمانه باللغة الصقلبية والفارسية، وربما كنت أرسل غلامي إليه في أمر ما، فيكلمه بالفارسية ويعلمه، وأحيانًا كان الكلام الأعجمي يستغلق على غلامي، فيوضحه له الإمام (ع).
يمكن تلخيص ما سبق في المحاور التالية:
١- اللغة من أعظم نعم الله ومن لطائف وعجائب صنعه.
٢- لا شك أن الله لا يولي قيادة الناس وهدايتهم لأفراد جهلة أو ذوي علم محدود، أو بعبارة أخرى، لا يجعل الله حجة على مجتمع لا يعرف لغتهم.
٣- لم يستخدم الأئمة المعصومون (ع) قط كلمة «لا أعلم» في مواجهة أسئلة الناس، بل كانوا دائمًا مستعدين للإجابة على جميع أنواع الأسئلة.
٤- لا يوجد مانع عقلي لوجود مثل هذه العلوم لدى الأئمة المعصومين (ع)، ونحن الشيعة نقبل بوجود مثل هذه العلوم لأصحاب المقامات المقدسة.
٥- من الحقائق التاريخية التي لا يمكن إنكارها أن الأئمة المعصومين (ع) كانوا على اتصال بأمم وأقوام مختلفة، وكانوا يناظرونهم دينيًا وعلميًا ويتحدثون معهم بلغاتهم.
لذلك، يمكن القول إنه بما أن ولاية الأئمة (ع) لا تقتصر على الناطقين بالعربية وتشمل كل زمان ومكان، فمن الضروري أن يكون الإمام قادرًا على التواصل مع سائر الأمم والأعراق (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٤٦٢؛ الصفار، ١٤٠٤ق، ٣٣٣). وقد نُقل عن الإمام الحسن المجتبى (ع) قوله: «أنا أعلم بجميع لغات الشرق والغرب» أو «كل كتاب أنزله الله موجود عند الأئمة ويعرفونه بأي لغة كانت»، وهذا يؤكد أن الأئمة (ع) يعلمون جميع اللغات والألسن (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٢٧).
٤. وجوه الجمع بين الروايتين
بناءً على روايات متعددة، فإن نطاق علم الأئمة المعصومين (ع) واسع وإتقانهم لجميع اللغات والألسن ليس محالًا أو مستحيلًا. وهذا يعني أنه يجب اعتباره في مستوى الممكنات. كما يمكن اعتبار قول من يرون علم الإمام محدودًا ومتزايدًا ناتجًا عن عدم وجود نظرة شاملة لمجموع الروايات. لحل مشكلة تعارض الروايتين، اقترح علماء أصول الفقه طرقًا مثل الرجوع إلى المرجحات السندية أو الدلالية، وفي حال تساوي الروايتين، اقتُرح التساقط والجمع بينهما (حسيني نيا، ١٣٩٧ش، ١: ٩٧). وللجمع بين الروايتين المذكورتين ورفع التعارض بينهما، طُرحت ثلاثة حلول.
١-٤. التمييز بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي
بناءً على ذلك، إذا لم يتم التمييز بين العلم الإجمالي والتفصيلي، فإن علم الإمام سيصبح محدودًا بناءً على الرواية الأولى. يفصل البحراني بين العلم الإجمالي والتفصيلي ويوضح أن المقصود بالعلم التفصيلي هو العلم بكل شيء مع ثبوته، أي العلم بكل شيء مع تشخيص أجزائه دون أي إبهام. والمقصود بالعلم الإجمالي هو العلم باتحاد عدة جوانب مع الشك في أي جانب منها هو الواقع (البحراني، ١٤٢٨ق، ٢: ٣٣٢-٣٣٥).
يمكن القول إن العلم التفصيلي هو علم بالأشياء المتعددة ولكنها منفصلة عن بعضها. أما العلم الإجمالي فهو العلم بجميع الأشياء ككل واحد، وفي هذا العلم لا تكون الأشياء متمايزة عن بعضها. والمثال المعروف الذي يُضرب في هذا الصدد هو عندما يُسأل الإنسان أسئلة متعددة، فإنه يجد إجابة جميعها حاضرة لديه ويدرك أنه يعرف إجابتها ولكن بصورة إجمالية. هذا هو العلم الإجمالي. ولكن عندما يبدأ في الإجابة على كل سؤال بالتفصيل، يصبح علمه تفصيليًا. يرى العلامة المجلسي في بحار الأنوار أن زيادة علم الإمام تتعلق بالتفاصيل والجزئيات والشروط وخصائص الأمور، وليس بالعلم بالكليات أو العلم الإجمالي بها (المجلسي، ١٤٠٤ق، ٢٦: ٨٩).
لتأييد هذا المطلب، وردت عدة روايات في أصول الكافي وغيرها من الكتب المتقدمة. يروي الكليني أن رجلًا جاء إلى الإمام محمد التقي (ع) وسأله عن ليلة القدر ونزول الملائكة على الأوصياء، وهل كان النبي (ص) لا يعلم بالأمر الذي ينزل به الملائكة على الأوصياء؟ فقال الإمام (ع): «إنه لما عُرج برسول الله (ص)، لم يهبط حتى علمه الله (جل ذكره) علم ما كان وما سيكون، وكان كثير من ذلك العلم جملًا ومجملًا يأتي تفسيره في ليلة القدر، وكان علي (ع) مثل النبي، يعلم الجمل وتفسيرها يأتي في ليالي القدر» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٥١).
في رواية، ينقل علي السائي عن الإمام الكاظم (ع) أن الإمام يقول: «علمنا على ثلاثة أوجه: ماضٍ وغابر وحادث. أما الماضي فتفسير، وأما الغابر فموقوف، وأما الحادث فقذف في القلوب، ونقر في الأسماع، وهو أفضل علمنا». أي علمنا على ثلاثة أنواع: علم بالماضي، وعلم بالمستقبل، وعلم بالحادث. علم الماضي تفسير، وعلم المستقبل موقوف، وعلم الحادث إلقاء في القلوب وهمس في الآذان، وهو أفضل علومنا (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٦٤).
يقول علي بن يقطين: قلت للإمام موسى (ع): هل علمكم أيها العلماء بالسماع أم بالإلهام؟ فقال: يكون سماعًا، ويكون إلهامًا، ويكونان معًا (المفيد، ١٤١٤ق، ٢: ٢٨٦). والروايات التي تذكر أن كل العلوم في القرآن هي دليل على إجمالية هذه العلوم؛ لأننا نعلم أن كل العلوم لم ترد في ظاهر القرآن؛ بل بناءً على روايات أهل البيت (ع) هي في باطن القرآن الذي يحتاج إلى تفسير وتأويل (نفس المصدر: ٢: ٢٥٧)، والتفسير والتأويل يتعلقان بأمور إجمالية لا تفصيلية.
لذلك، يمكن الاستنتاج إجمالًا أنه على الرغم من أن جزءًا من علوم الأئمة (ع) كان تفصيليًا وجزئيًا بشكل قاطع ويقيني، إلا أن جزءًا آخر من علومهم كان إجماليًا وكليًا يحتاج إلى استنباط أو تطبيق على المصاديق والموارد الجزئية.
ما سبق يوضح أن الملائكة الإلهية وضعت جميع العلوم، بما في ذلك علم الماضي والحال والمستقبل وغيرها، تحت تصرف النبي (ص) وخلفائه بصورة مجملة. وما يحدث ويتعلق بالجزئيات يُحدَّث به الإمام عن طريق الملائكة، وقد بيّن الإمام الكاظم (ع) أن هذا العلم هو أفضل العلوم.
٢-٤. التمييز بين العلم بالذات والعلم المستفاد (العلم الموهوب)
بناءً على ذلك، إذا لم يتم التمييز بين العلم بالذات والعلم المستفاد، فإن علم الإمام سيصبح محدودًا بناءً على الرواية الأولى. يروي المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (ع): «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَافَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) الْعَرْشَ وَوَافَى الْأَئِمَّةُ (ع) وَوَافَيْتُ مَعَهُمْ فَمَا أَرْجِعُ إِلَّا بِعِلْمٍ مُسْتَفَادٍ وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَنَفِدَ مَا عِنْدِي» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٥٤). أي: إذا كانت ليلة الجمعة، يصعد رسول الله (ص) إلى العرش ويصعد الأئمة (ع) وأصعد معهم، فلا أرجع إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندي. العلم المستفاد هو مقابل العلم بالذات، أي العلم الذي يُستفاد أو يُكتسب من شخص ما. ورد في الرواية أن علم الله ليس مستفادًا. يقول علي (ع) في نهج البلاغة: «عَالِمٌ بِلَا اكْتِسَابٍ وَلَا ازْدِيَادٍ وَلَا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ». يُستفاد من هذا القول لعلي (ع) أن علم الأئمة ليس بالذات، بل يتلقون علمهم من الله (المازندراني، ١٣٨٢ق، ٦: ٣١). وفسر العلامة المجلسي العلم المستفاد بأنه علم جديد (المجلسي، ١٤٠٤ق، ٣: ١٠٥).
لذلك، فإن معنى العلم المستفاد في كلام علي (ع) يتعلق بعلم الإمام الذي يحصل عليه من الله كعلم جديد. الإمام، عن طريق الموهبة الإلهية، وليس غيرها، مطلع على كل شيء ويعرف كل شيء، وكل ما يشاء، بإذن الله، يعلمه بأدنى التفاتة. في رواية عن الإمام الرضا (ع) ورد: «إذا اختار الله عبدًا للإمامة، منحه علمًا إلهيًا لا يعجز بعده عن الإجابة على أي سؤال، ويجيب على جميع الأسئلة بصواب» (الصدوق، ١٣٧٢ش، ٤٧٣). وهناك عشرات الروايات الأخرى التي تدل على أن العلم اللدني والموهوب هو من العلوم الباطنية، والله يمنحه لمن يشاء بوساطة أو بدون وساطة (نفس المصدر، ٤١٣).
من خلال الجمع بين هذه النتائج، نستنتج أن علم الأئمة بحقائق الوجود ينبع من العلم الإلهي. لذلك، فإن التصريحات العلمية للأئمة هي بإذن الله، وفي الحالات التي تكون فيها لهداية الناس أو لمصالح أخرى، يطلبون ذلك العلم من الله. اكتساب هذه العلوم ليس اكتسابيًا بل هو موهبة من ذات الله الخالق.
٣-٤. التمييز بين المقام النوراني والمقام العنصري للإمام
بناءً على ذلك، للإمام مقامان: مقام النورانية ومقام العنصرية. يروي الكليني في أصول الكافي رواية عن الإمام الصادق (ع) توضح مقام الإمام النوراني. يقول الإمام الصادق (ع): قال الله تعالى: «يا محمد، إني خلقتك وعليًا نورًا، أي روحًا بلا جسد، قبل أن أخلق سمائي وأرضي وعرشي وبحري. فكنت توحدني وتمجدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت تلك الواحدة تمجدني وتقدسني وتهللني. ثم قسمتها قسمين، وقسمت كل قسم قسمين، فصارت أربعة أرواح: محمد واحد، وعلي واحد، والحسن والحسين اثنان. ثم خلق الله فاطمة من نور ابتدأه روحًا بلا جسد، ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٤٤٠). هذه الرواية تدل على الخلق النوراني للنبي (ص) وأهل بيته، وبناءً عليها، فإن نور أهل بيت النبي (ص) خُلق قبل خلق جميع الموجودات، والموجودات الأخرى وُجدت بفضل نور أهل البيت، أي أن الموجودات خُلقت من نورهم (نفس المصدر؛ الصدوق، ١٣٧٢ش، ١: ٢٦٣).
كتب العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: «للإمام مقامان: مقام عنصري يمتلك علمًا عاديًا، فإذا توجه إلى مقامه النوراني علم كل شيء. لذلك، الرواية التي تشير إلى محدودية علم الإمام تشير إلى مقام علمه العادي، والرواية التي تدل على سعة علمه تشير إلى مقامه النوراني» (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ١٨: ١٩١).
من مجموع الروايات، يتضح أن الأئمة (ع) بالإضافة إلى مقامهم العنصري، لديهم مقام نوراني وملكي، وبه وُجدت الموجودات، وهم واسطة الفيض الإلهي للموجودات. الوجود العنصري للإمام يتبع شروط وأحكام العالم العنصري، أما وجوده النوراني فلا يتبع شروط وأحكام العالم العنصري.
بناءً على هذا، يمكن القول إن رواية زيادة علم الإمام تشير إلى المقام العنصري للإمام، ورواية سعة علمه بجميع اللغات والألسن تشير إلى مقامه النوراني. ونتيجة لذلك، لا يوجد تعارض بين الروايتين.
إذا اعتبرنا زيادة علم الإمام مرتبطة بعلمه العادي أو وجوده العنصري، فلن تُحل المشكلة، ويجب استخدام وجوه أخرى. ولكن في الأصل، هذا المطلب، وهو أن رواية زيادة علم الإمام مرتبطة بعلمه في مقامه العنصري، هو افتراض جميع الأقوال أو الوجوه الأخرى. أما الوجوه الأخرى المذكورة، فهي مقبولة من حيث القواعد العقلية في المحاورة واللغة، كما أن بعضها مؤيد بالروايات.
٥. الخلاصة والاستنتاج
من مجموع المباحث السابقة، تم التوصل إلى النقاط التالية:
١- بالتأمل في الرواية الدالة على «زيادة علم الأئمة»، يمكن القول إن علم الإمام، بالنظر إلى قيد «يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ»، مستمر دائمًا عن طريق الملائكة الإلهية، ويوصل الإمام بالحقائق لحظة بلحظة. والإمام أيضًا في المواقف الخاصة يطلع على تلك الحقائق تفصيلاً في عالم الظاهر؛ وهذا هو معنى زيادة علم الإمام، وقد بيّن الأئمة (ع) أن هذا العلم هو أفضل العلوم.
٢- بالتأمل في الرواية الدالة على «علم الإمام بجميع اللغات والألسن»، يمكن تصور نطاق عظيم من العلم والمعرفة للأئمة المعصومين (ع). من بين النطاقات المذكورة في الرواية علم الإمام بجميع اللغات والألسن، ومن الضروري أن يكون الإمام محيطًا بجميع اللغات المختلفة ليتبعه الناس.
٣- وجوه الجمع بين الروايتين هي مقاربة جديدة توضح أولاً كيفية رفع التعارض بينهما، وثانيًا، تُعد فهمًا دقيقًا وأسمى للروايات. كما أظهر الفهم الدقيق للروايتين المذكورتين للمفضل بن عمر حول علم الإمام أن علم الإمام ليس ذاتيًا، بل هو علم مستفاد وموهوب من الله، يُوضع تحت تصرف الإمام بصورة إجمالية وتفصيلية بواسطة الملائكة، ولا يختص بجانب معين من الإمام.
الوصول إلى البيانات
البيانات التي تم إنتاجها في هذا البحث معروضة في متن المقالة.
تضارب مصالح المؤلفين
يعلن مؤلفو هذه المقالة أنه لا يوجد أي تضارب في المصالح فيما يتعلق بكتابة هذه المقالة أو نشرها.
المصادر
- القرآن الكريم، ترجمة: محمد مهدي فولادوند، طهران، دفتر مطالعات تاریخ و معارف اسلامی، ١٤١٨ق.
- ابن الأثير، مبارك بن محمد، النهاية، قم، اسماعیلیان، ١٣٦٧ش.
- ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال، تحقيق: جواد قيومي اصفهاني، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ١٤١٦ق.
- ابن الغضائري، أحمد بن حسين، رجال ابن غضائري، قم، دارالحديث، ١٣٨٠ش.
- الأميني، عبدالحسين أمين، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، قم، الغدير، ١٤١٦ق.
- البحراني، محمدصنقور علي، المعجم الأصولي، قم، منشورات الطيار، ١٤٢٨ق.
- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بي جا، دارالفكر، ١٤٠١ق.
- جر، خليل، فرهنگ لاروس، ترجمة: سيد حبيب طبييان، طهران، أميركبير، ١٣٧٥ش.
- جمعي من نویسندگان، زير نظر دكتر يزدي مطلق، امامت پژوهي، مشهد، دانشگاه علوم اسلامي رضوي، ١٣٨١ش.
- الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، تاج اللغة وصحاح اللغة، بيروت، دارالعلم للملايين، ١٣٧٦ق.
- الحائري، محمد بن إسماعيل، منتهى المقال في أحوال الرجال، قم، دارالحديث، ١٤١٦ق.
- الحر العاملي، محمد بن حسن، اثبات الهداة، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٢٥ق.
- الحسيني نيا، سيدمحمدرضا، «تحليل سندي ومتني دو روايت «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ» و«يا دَهرُ أُفٍّ لَكَ» وحل تعارض آن دو»، مطالعات فهم حديث ٥، ٩ (١٣٩٧ش): ٨٥-١٠٥.
- الحلي، حسن بن يوسف، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، مشهد، آستان قدس رضوي، ١٣٨١ش.
- الخوئي، سيدأبوالقاسم، معجم رجال الحديث، نجف، مدينة العلم، ١٩٨٣م.
- الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، دمشق، دارالعلم، ١٤١٢ق.
- سلمان نژاد، مرتضى؛ هادي گرامي، محمد، رويكردهاي نوين در حديث پژوهي شيعه، طهران، دانشگاه امام صادق، ١٣٩٧ش.
- الشهيد الثاني، زين الدين، البداية في علم الدراية، تحقيق: سيد محمدرضا حسيني جلالي، قم، محلاتي، ١٤٢١ق.
- الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع والأحكام، قم، مكتبة الحيدري، ١٤٢٥ق.
- الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا (ع)، طهران، صدوق، ١٣٧٢ش.
- الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم، جامعة مدرسين، ١٤١٣ق.
- الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات، قم، كتابخانه آيةالله مرعشي نجفي، ١٤٠٤ق.
- الطباطبائي، محمدحسين، الميزان، قم، اسماعیلیان، ١٤١٧ق.
- الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، قم، بعثت، ١٤١٣ق.
- الطريحي، فخرالدين، مجمع البحرين، طهران، مرتضوي، ١٤١٦ق.
- الطوسي، محمد بن حسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، ١٤١٤ق.
- الطوسي، محمد بن حسن، رجال الطوسي، قم، نشر إسلامي، ١٣٨٢ش.
- عدة من العلماء، الأصول الستة عشر، تحقيق: ضياء الدين محمودي ونعم تالله جليلي، قم، دارالحديث الثقافية، ١٤٢٣ق.
- علم الهدي، سيدمرتضى، جمل العلم والعمل وشرح جمل العلم، مشهد، آستان قدس رضوي، ١٤١٠ق.
- فقهي زاده، عبدالهادي وزهر اعمارى اله ياري، «تحليل انتقادي مواجهه يحيى محمد با مساله امامت در «مشكله الحديث»»، مطالعات فهم حديث ١، ٢(١٣٩٤ش): ٥٥-٧٣.
- الكشي، محمد بن عمر، اختيار معرفة الرجال، مشهد، دانشگاه مشهد، ١٤٠٤ق.
- الكليني، محمد بن يعقوب، أصول كافي، طهران، دارالكتب الإسلامية، ١٤٠٧ق.
- المازندراني، محمد صالح بن أحمد، شرح الكافي الأصول والروضة، طهران، دارالكتب الإسلامية، ١٣٨٢ق.
- المامقاني، عبدالله، تنقيح المقال في علم الرجال، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ١٤٢٣ق.
- المجلسي، محمدباقر، بحارالأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٤٠٤ق.
- مسلم النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، بيروت، دارالفكر، بي تا.
- المفيد، محمد، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، بيروت، دارالمفيد، ١٤١٤ق.
- النجاشي، أحمد بن علي، رجال، قم، إسلامي، ١٣٩٤ش.