الملخص
يشتمل كتاب أصول الكافي على باب بعنوان «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَالْكُفْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَة»، ويضم ست روايات. وكما يتضح من عنوان الباب، فإن موضوعه يدل على أن الإيمان يمنع من ضرر الأعمال السيئة، وأن الكفر يمنع من نفع (قبول) الأعمال الحسنة. وعلى الرغم من تأييد الجملة الثانية بآيات من القرآن، إلا أن الجملة الأولى تتعارض مع آيات قرآنية. وهذا التعارض هو ما دفع كاتبي هذا البحث إلى إعداد دراسة تتناول روايات هذا الباب على الصعيدين السندي والمفهومي، سعيًا لرفع هذا التعارض. وبناءً على نتائج هذا البحث، فإن روايتين فقط من الروايات الست في هذا الباب ترتبطان ارتباطًا مباشرًا بعنوانه، إحداهما موثقة والأخرى ضعيفة. ومن جهة أخرى، يبدو أن ظاهر هذه الروايات يتعارض مع القرآن والسنة والعقل، والاعتقاد بصحة مضامينها قد يدفع مجتمع المؤمنين نحو الفساد والتجرؤ على المعاصي، ولهذا السبب لا يمكن الجمع بينها وبين الأدلة المعارضة. إن فكرة «لا يضر مع الإيمان سيئة» لها جذور في عقائد فرقة المرجئة التي تعرضت للذم واللعن مرارًا من قبل النبي (ص) وأهل بيته (ع). ويحتمل أن يكون أتباع هذه الفرقة قد نسبوا هذا القول إلى الأئمة (ع) لإضفاء الشرعية على كلامهم.
١. طرح المسألة
في كتاب الكافي، يوجد باب بعنوان «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَ الْكُفْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَة»، جمع فيه الكليني ست روايات. يُفهم من عنوان الباب أن الأعمال السيئة لا تضر الإنسان مع وجود الإيمان، وأن الأعمال الصالحة لا تنفعه مع وجود الكفر (انظر: الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣). وعلى الرغم من أن آيات من القرآن، مثل: «وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِه» (التوبة: ٥٤)، تؤيد صحة الجملة الثانية، فإن صحة وتوافق الجملة الأولى من عنوان الباب مع القرآن محل إشكال. فالاعتقاد بصحة الجملة الأولى قد يؤدي إلى التجرؤ في المجتمع الشيعي ويوفر أسباب انتشار الأعمال السيئة. ويتجلى هذا الإشكال أكثر عندما نجد آيات من القرآن مثل «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه» (الزلزلة: ٨) تخبرنا بشكل مطلق أن جميع الناس يتأذون من أعمالهم السيئة والمنكرة. نظرًا للتعارض المذكور، تم إعداد هذا البحث لتحليل هذه الروايات مفهوميًا وسنديًا، لاتخاذ خطوة نحو رفع هذا التعارض، والإجابة على هذا السؤال: هل الإيمان يمنع المؤمن من ضرر أعماله السيئة؟
كان محمد صالح المازندراني ومحمد باقر المجلسي أول من شرح أحاديث باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَ الْكُفْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَة» من كتاب «الإيمان والكفر» في شروحهما على الكافي؛ ولكن منهجهما في الشرح كان تفسيريًا وتوضيحيًا، لا تحليليًا ونقديًا؛ بمعنى أنهما كانا بصدد شرح الألفاظ والعبارات الصعبة، والتحليل الصرفي والنحوي، وتبيين مفهوم جمل الحديث، وشرح المعنى الكلي للحديث، وربما رفع سوء الفهم الموجود. وقد تناول المجلسي في مرآة العقول أحيانًا تحليلًا سنديًا مختصرًا للأحاديث؛ لكنه لم يقدم استدلالًا أو إسنادًا لتضعيف أو تصحيح الأحاديث (انظر: المازندراني، ١٣٨٢ق، ١٠: ٢٠٠-٢١٠؛ المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٦-٤٠٥). في الأقسام التالية، سنتناول آراء هذين العلمين حول الروايات محل البحث.
قام عبد العلي پاكزاد وزملاؤه في مقالة بعنوان «الإيمان وارتكاب الكبائر» بدراسة الروايات محل البحث. المسألة التي تناولها هي أن روايتين من باب «أنّ الإيمان لا يضر معه سيّئة» تتعارضان مع الآيات والروايات التي تعتبر الذنب مانعًا من سعادة الإنسان. هيكل مقالته هو محاولة لرفع هذه التعارضات والجمع بينها (انظر: پاكزاد وآخرون، ١٣٩٨ش). مقالته وهذا البحث، على الرغم من تشابه الموضوع، لهما منهج ونتيجة مختلفان تمامًا، وهو ما سيتم تناوله في سياق هذا البحث.
كما تناولت مقالات أخرى العلاقة بين الإيمان والعمل (انظر: كريمي، ١٣٩٦ش؛ مفتاح، ١٣٨٨ش؛ شهسوار، ١٣٨٢ش؛ مهربخش، ١٣٩٣ش)؛ ولكن موضوع بحث هذا المقال، الذي يتناول منشأ رسوخ ونتائج هذا الفكر، لا يمكن استخلاصه من هذا النوع من المقالات، وهذا الأمر يضفي حداثة على الموضوع. كل هذه المقالات ترويجية وموضوعية؛ حيث تقتصر على دراسة موضوع واحد في أحاديث النبي (ص)، وعلي (ع)، والإمام الصادق (ع)؛ دون أن يكون لها منهج تحليلي أو نقدي؛ بينما يتخذ هذا البحث منهجًا نقديًا، وهو مسألة محورية، ويسعى إلى تقديم إجابة مناسبة ومقنعة لتعارض الروايات محل البحث مع بعض آيات القرآن وروايات أخرى.
يعتمد البحث الحالي في تحليل وتقييم أحاديث هذا الباب من الكافي على منهج نقدي. في هذا البحث، تم التطرق إلى الدراسة والنقد المفهومي للأحاديث، وتحليل المحتوى، ودراسة مدى توافق هذه الروايات مع عنوان الباب، وتحليل سندي مستدل وموثق. مقالة پاكزاد وزملائه مشابهة لهذه المقالة؛ ولكن البحث الحالي يتميز عن البحوث السابقة في نتيجة التحقيق. فبناءً على نتائج هذا البحث، فإن معظم هذه الأحاديث ضعيفة سندًا ومتنًا، وأن هذا الحديث له جذور في عقائد المرجئة، ويُظن أنه قد تم جعله من قبل أتباع تلك الفرقة. هذه النقطة لم تُذكر في أي بحث سابق.
٢. تحليل الروايات ودراستها
أورد الكليني في كتاب الكافي، تحت باب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَ الْكُفْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَة» روايات تُشرح على النحو التالي:
١-٢. الرواية الأولى
الرواية الأولى في الباب محل البحث هي: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) هَلْ لِأَحَدٍ عَلَى مَا عَمِلَ ثَوَابٌ عَلَى اللَّهِ مُوجَبٌ إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا»؛ روى علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن يعقوب بن شعيب أنه قال: عرضت على الإمام جعفر الصادق (ع): «هل لأحد على ما عمل ثوابٌ واجبٌ على الله غير المؤمنين؟»، فقال: «لا» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣).1
١-١-٢. الدراسة السندية
الراوي الأول الذي ورد اسمه في سند هذا الحديث هو علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، وهو من رواة الحديث المشهورين. تصفه كتب الرجال والتراجم بأنه موثوق ومعتمد. قال عنه النجاشي، وتبعه العلامة الحلي: «ثِقَةٌ في الحَديثِ ثَبَت مُعتَمَدٌ صَحيحُ المَذهَبِ» (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٢٦٠؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٠٠). وتتفق سائر كتب الرجال والتراجم على وثاقة علي بن إبراهيم (انظر: القمي، ١٣٦٨ش، ٣: ٨٤؛ الجعفري، ١٤٢٨ق، ٣٠٣).
الراوي الثاني هو محمد بن عيسى، الذي أورد الكليني اسمه الكامل في سند بعض روايات الكافي على هذا النحو: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن …» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٤٢). شخصية محمد بن عيسى بن عبيد محل خلاف بين علماء الرجال؛ فالبعض يعدّه ثقة وإماميًا صحيح المذهب (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٣٤؛ الكشي، ١٣٤٨ش، ٥٣٨؛ الحلي، ١٣٨٣ش، ٥٠٩)؛ أما الشيخ الطوسي فيعدّه في فهرسته ورجاله ضعيفًا وغاليًا (انظر: الطوسي، بي تا، ٤٠٢؛ الطوسي، ١٣٨١ق، ٣٩١، ٤٤٨). كما أن العلامة الحلي اعتبر قوله مقبولًا (انظر: الحلي، ١٤١١ق، ١٤٢).
الراوي التالي هو يونس بن عبد الرحمن، الذي حكم الرجاليون بوثاقته وصحة مذهبه، وعدّه البعض من أصحاب الإجماع (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٤٤٧؛ الطوسي، ١٣٨١ق، ٣٤٦، ٣٦٨؛ الكشي، ١٣٤٨ش، ٥٩٠-٥٩١؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٨٤).
الراوي التالي هو يعقوب بن شعيب، الذي ذكر الكليني اسمه الكامل في رواية أخرى من الكافي على هذا النحو: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَرَّارٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبِ الْمِيثَمِي قَال …» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٤: ٤٤٤). تذكره كتب الرجال باسم يعقوب بن شعيب الميثمي، بكنية يعقوب بن شعيب بن ميثم (انظر: الخوئي، ١٤١٣ق، ٢٠: ١٤١)، وقد وثقه النجاشي والحلي (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٤٥٠؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٨٦) وسائر كتب الرجال أيضًا أوردت اسمه؛ ولكنها لم تذكر وصفًا له (انظر: الطوسي، ١٣٨١ش، ١٤٩؛ البرقي، ١٣٨٣ش، ٢٩)، ولم يرد ذكرٌ لصحة مذهبه. مع أن المجلسي الثاني عدّ هذا الحديث في كتاب مرآة العقول حديثًا صحيحًا (المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٥)، فإنه بالنظر إلى الخلاف حول شخصية محمد بن عيسى، وتقديم الجرح على التعديل في نظر كاتبي هذا البحث، يُقيَّم سند هذا الحديث بأنه حديث ضعيف.
٢-١-٢. دراسة المفهوم والمحتوى
بناءً على متن هذه الرواية، فإن المؤمنين هم وحدهم الذين يستحقون ثواب حسناتهم من الله. وبحسب الدراسة التي أجريت في هذا البحث، فإن هذه الرواية، على الرغم من عدم ثبوت قوة سندها، تؤيدها آيات من القرآن من حيث المضمون. ففي آيات عديدة من القرآن، وعد الله المؤمنين وأعمالهم بالجزاء، ومنها: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» (المائدة: ٩)، «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهار» (التوبة: ٧٢)، «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظيما» (الفتح: ٢٩)، وآيات أخرى عديدة تحمل هذا المضمون.
كما صرحت آيات من القرآن بأن الله لا يخلف وعده، ومنها: «إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْميعاد» (الرعد: ٣١)، «وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَه» (الحج: ٢٧)، «لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَه» (الروم: ٦)، وآيات أخرى وردت في هذا السياق. وبناءً على وعد الله هذا، ومع الأخذ في الاعتبار العدل الإلهي، تم التعبير عن ذلك بالوجوب. ويوضح المجلسي الثاني في شرحه لهذا الحديث أن العامل الذي يوجب ثواب المؤمنين على الله هو الوعد الذي قطعه الله للمؤمنين، وبغض النظر عن هذا الوعد، ينتفي الوجوب أيضًا (انظر: المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٥).
في متن هذه الرواية، يوجد حصر أيضًا؛ أي أن المؤمنين فقط هم الذين يجب ثوابهم على الله، وهذا الوجوب في جزاء الحسنات منفي عن غير المؤمنين؛ بينما في الآيات المذكورة من القرآن حول جزاء حسنات المؤمنين، لا يوجد مثل هذا الحصر؛ فالآيات المذكورة لها جانب إيجابي فقط فيما يتعلق بجزاء حسنات المؤمنين، ولم يُطرح جانب سلبي بشأن غير المؤمنين. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحصر لا يتعارض مع آيات القرآن؛ لأن في بعض الآيات حديث عن حبط أعمال الكافرين (انظر: البقرة: ٢١٧؛ آل عمران: ٢٢؛ المائدة: ٥؛ الأنعام: ٨٨) وكذلك عدم قبول حسنات الكافرين (انظر: آل عمران: ٩٠؛ التوبة: ٥٤).
هناك بعض الناس ليسوا مؤمنين ولا كافرين؛ وقد ذكرهم الله في القرآن باسم المستضعفين دينيًا، وأعطاهم الأمل في رحمته ومغفرته لعدم امتلاكهم العقل أو العيش في مجتمع فاسد وأسباب أخرى منعتهم من الوصول إلى طريق الحق والحقيقة؛ ولكنه لم يعدهم بالجزاء (انظر: النساء: ٩٦-٩٨؛ نقي زاده وعبداللهي عابد، ١٣٩٩ش).
في دراسة ارتباط مفهوم هذا الحديث بعنوان الباب الذي ورد فيه، تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بعنوان الباب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَالْكُفْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَة». يُفهم من عنوان الباب أنه مع وجود الإيمان، لا تضر الأعمال السيئة الإنسان، والأعمال الحسنة للبشر لا تُقبل بسبب كفرهم؛ لكن مضمون الرواية يدور حول وجوب جزاء حسنات المؤمنين على الله، وحصرية هذا الوجوب بالمؤمنين. ويمكن تبرير إيراد الكليني لهذه الرواية في هذا الباب بأن عبارة «لا ينفع مع الكفر سيئة» في عنوان الباب تتوافق مع فقرة من هذه الرواية تقول: «ليس واجبًا على الله أن يجزي على أعمال أحد سوى المؤمنين»؛ أي أنه ليس واجبًا على الله أن يجزي على حسنات الكافرين؛ وبالتالي، فإن حسنات الكافرين لا تفيدهم.
٢-٢. الرواية الثانية
الرواية الثانية في الباب هي: «عَنْهُ (محمد بن عيسى) عَنْ يُونُسَ عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ (ع) قَدْ تَحَرَّمْتُ بِصُحْبَتِكَ فَأَوْصِنِي قَالَ لَهُ الْزَمْ مَا لَا يَضُرُّكَ مَعَهُ شَيْءٌ كَمَا لَا يَنْفَعُكَ مَعَ غَيْرِهِ شَيْءٌ»؛ عنه، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن الإمام جعفر الصادق (ع) قال: قال موسى للخضر (ع): لقد حُرِمت صحبتك، فأوصني. قال له: الزم ما لا يضرك معه شيء، كما لا ينفعك مع غيره شيء (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣). وقد ذكر ورام بن أبي فراس هذه الرواية بشكل مرسل أيضًا (انظر: المالكي الأشتري، ١٤١٠ق، ٢: ١٦١).
١-٢-٢. الدراسة السندية
كما مر في الدراسة السندية للرواية الأولى، فإن شخصية محمد بن عيسى محل خلاف بين علماء الرجال، والشخصية الثانية، يونس بن عبد الرحمن، موثق في كتب الرجال (انظر: الرواية الأولى)؛ ولكن وجود عبارة «عن بعض أصحابه» في سند الرواية، وفي آخر السند، يجعل سندها مرسلاً وضعيفًا؛ كما أن المجلسي الثاني اعتبر هذه الرواية مرسلة (انظر: المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٦).
٢-٢-٢. دراسة المفهوم والمحتوى
في هذه الرواية، يوصي الإمام الصادق (ع) الخضر (ع) لموسى (ع) بشيء لا يضر الإنسان بوجوده، وبدونه لا ينتفع الإنسان بشيء؛ ولكن لم يتضح في هذه الرواية ما هو ذلك الشيء الملزم؟ قد يكون المقصود بالخضر (ع) الإيمان، أو التقوى، أو العقل، أو الله، أو شيء آخر، إلزام الإنسان بأي منها يحفظه من الأذى. وقد ظن البعض أن ذلك الشيء هو الإيمان؛ كما اعتبره السيد جواد المصطفوي في ترجمته وشرحه للحديث إيمانًا (انظر: المصطفوي، بي تا، ٤: ٢٠٦)، وفسر المجلسي الثاني ومحمد صالح المازندراني هذا الحديث بأن المراد من الإلزام هو الإلزام بالإيمان، والمراد من الشيء الأول هو الذنوب، والمراد من الشيء الثاني هو الأعمال الصالحة (انظر: المازندراني، ١٣٨٢ق، ١٠: ٢٠٠؛ المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٦). ومع ذلك، سيكون معنى الحديث: «لا تتخلَّ عن الإيمان؛ فبوجوده لن تضرك ذنوبك، وبدونه لن تنفعك أعمالك الصالحة».
من وجهة نظر كاتبي هذا البحث، فإن ادعاءهما يفتقر إلى دليل قوي وكافٍ، وهو في حدود الظن والتخمين. ولعل إيراد الكليني لهذه الرواية في هذا الباب يرجع إلى أن الكليني أيضًا كان له رأي المازندراني والمجلسي، واعتبر الموضوع الملزم به هو الإيمان، والشيء الأول والثاني هما السيئات والحسنات؛ ولكن لا الكليني ولا المجلسي والمازندراني قدموا أي دليل على هذه الفرضية، ويبدو أنهم أخطأوا؛ لأن مقصود الخضر (ع) في هذه الرواية ليس واضحًا. بناءً على ذلك، فإن متن هذه الرواية فيه إبهام، وهذا الإبهام يشكك في توافق هذه الرواية مع عنوان الباب. وفي هذه الفرضية أيضًا، حيث يكون مقصود الخضر (ع) من الملزم به والشيء الأول والثاني في المتن هو ما ظنه الكليني والمجلسي والمازندراني، فإن مضمون عبارة «الزم ما لا يَضُرُّ مَعَه شَيْءٌ» في الرواية يفيد معنى أنه مع وجود الإيمان، لا تضر الأعمال السيئة الإنسان؛ بينما هذا المضمون يتعارض مع آيات من القرآن، وهو ما سنتناوله في القسم التالي. وبناءً على ما قيل، فإن هذه الرواية ضعيفة من حيث السند والمتن، وفيها إشكال من حيث التوافق مع عنوان الباب في كتاب الكافي.
٣-٢. الرواية الثالثة
الرواية الثالثة في الباب هي: «عَنْهُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلٌ وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ عَمَلٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: «وَ مَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُون»؛ عنه، عن يونس، عن ابن بكير، عن أبي أمية – يعني يوسف بن ثابت – أنه قال: سمعت الإمام جعفر الصادق (ع) يقول: «لا يضر مع الإيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل. ألا ترى أن الله تعالى قال: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله، وماتوا وهم كافرون» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣).
وقد أورد أحمد بن محمد بن خالد البرقي هذه الرواية قبل الكليني في كتاب المحاسن (انظر: البرقي، ١٣٧١ش، ١: ١١٦).
١-٣-٢. الدراسة السندية
الضمير (ه) في بداية سند هذه الرواية يعود إلى محمد بن عيسى الذي شخصيته محل خلاف (انظر: ٢-١-١). ويونس أيضًا، بحسب رأي الرجاليين، شخص موثوق ومعتمد. الراوي التالي، عبد الله بن بكير بن أعين الشيباني، يصفه الطوسي في فهرسته بأنه ثقة وفطحي (انظر: الطوسي، بي تا، ٣٠٤)؛ ولكن رجال الكشي يعرفونه بأنه فقيه موثوق ومن أصحاب الإجماع (انظر: الكشي، ١٣٤٨ش، ٣٧٥). الراوي الأخير، يوسف بن ثابت بن أبي سعدة، ورد اسمه في معظم كتب الرجال (انظر: البرقي، ١٣٨٣ش، ٢٩؛ الطوسي، بي تا، ٥١٠؛ الطوسي، ١٣٨١ق، ٣٢٣)؛ ولكن وصفه ورد فقط في كتب النجاشي والحلي اللذين وثقاه (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٤٥٢؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٨٤).
اعتبر المجلسي هذه الرواية في مرآة العقول حديثًا موثقًا كالصحيح، وقدمها على أنها ذات اعتبار نهائي (انظر: المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٦)؛ ولكن كاتبي هذا البحث، بسبب الخلاف حول قوة أو ضعف شخصية محمد بن عيسى رجاليًا، وتقديم الجرح على التعديل، يقيمون سند هذا الحديث بأنه ضعيف.
٢-٣-٢. دراسة المفهوم والمحتوى
تتكون هذه الرواية من جملتين خبريتين واستدلال قرآني. الجملتان الخبريتان هما أنه مع وجود الإيمان، لا يضر أي عمل، وفي حالة الكفر، لا يفيد أي عمل. واستنادها إلى آية تصف الكفر بأنه مانع من قبول الأعمال الصالحة. هذا المضمون، وهو أن الكفر مانع من قبول الأعمال الصالحة، يتوافق مع آيات من القرآن الكريم؛ على سبيل المثال، في الآية ٥٤ من سورة التوبة ورد: «وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِه» وقد استُشهد بهذه الآية في الرواية؛ ولكن هذه الآية تؤيد فقط الجملة الثانية من الرواية «وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ عَمَلٌ»، ولا علاقة لها بالجملة الأولى «لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَل». فكرة أن أي عمل لا يضر مع وجود الإيمان لا تبررها الآية المذكورة؛ بل هناك آيات وروايات عديدة تصرح بالآثار السيئة للذنب على الجميع. فالإيمان لا يمنع ضرر ارتكاب الذنب والمعصية الإلهية فحسب؛ بل يتأثر الإيمان نفسه بارتكاب الذنب، ويسهل طريق نفوذ الشيطان إلى الإنسان: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا …» (آل عمران: ١٥٥). قد يؤدي ارتكاب الذنب أحيانًا إلى أضرار أكبر وأخطر؛ حتى أنه يسبب دخول النفاق في القلب: «فَأَعْقَبَهُمْ نفاقاً في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُون» (التوبة: ٧٧)، بل قد يدفع الإنسان إلى تكذيب الله وفقدان الإيمان: «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَ كَانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُن» (الروم: ١٠) (انظر: حسيني خامنهاي، ١٣٩٥ش). وقد تناول محمد مهدي فجري، في عملين بعنوان «الذنب وبعض آثاره ١ و ٢»، بعض الآثار السيئة لارتكاب الذنب من منظور القرآن والأحاديث (انظر: فجري، ١٣٨٧ش؛ همو، ١٣٨٨ش)، ونمتنع عن دراستها لضيق المجال.
بناءً على ذلك، فإن هذه الرواية ضعيفة من حيث السند، وجزء منها يتعارض مع آيات من القرآن الكريم؛ ولكن موضوعها ومضمونها يتوافقان مع عنوان الباب.
٤-٢. الرواية الرابعة
الرواية الرابعة التي أوردها الكليني في الباب المذكور هي: «مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي سَعْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) [ قَالَ] قَالَ: الْإِيمَانُ لَا يَضُرُّ مَعَهُ عَمَلٌ وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ عَمَلٌ»؛ روى محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن أبي أمية يوسف بن ثابت بن أبي سعدة، عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: مع الإيمان، لا يضر عمل، وكذلك مع الكفر، لا ينفع عمل (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣).
وقد أورد العياشي هذه الرواية قبل الكليني في كتاب تفسيره وفي ذيل آية «و ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه» (التوبة: ٥٤) (انظر: العياشي، ١٣٨٠ق، ٢: ١٨٩).
١-٤-٢. الدراسة الرجالية
الراوي الأول هو محمد بن يحيى. في كتاب سليم بن قيس الهلالي، يوجد قسم بعنوان «أسماء أجلة الرواة» ورد فيه أسماء رواة هذا الكتاب. يذكر محقق الكتاب شخصًا باسم محمد بن يحيى العطار الأشعري القمي ويعده من مشايخ الكليني والصدوق، ويوثقه (انظر: الهلالي، ١٤٠٤ق، ١: ١٣٣). كما أن الشيخ الطوسي عدّه من مشايخ الكليني، لكنه لم يقدم وصفًا له (انظر: الطوسي، ١٣٨١ق، ٤٣٩). وقد وثقه النجاشي والحلي (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٥٣؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٥٧).
الراوي الثاني هو أحمد بن محمد بن عيسى، ويتضح من قائمة مشايخ الكليني في الكافي أن اسمه الكامل هو «أبو جعفر، أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص بن السائب بن مالك بن عامر؛ الأشعري، القمي» (انظر: ابن شهر آشوب، ١٣٨٠ق، ١٤). وبحسب الخوئي، فإن أحد مشايخه في الحديث هو محمد بن يحيى العطار (انظر: الخوئي، ١٤١٣ق، ٣: ٨٥)، وهو صادق في هذا الصدد. وقد وثقت كتب الرجال أحمد بن محمد بن عيسى وصححت مذهبه (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٨٣؛ الكشي، ١٣٤٨ش، ٥٩٦؛ الطوسي، بي تا، ٦١؛ الطوسي، ١٣٨١ق، ٣٥١؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٤)، وعده البعض من أصحاب الإمام الرضا (ع) والإمام الجواد (ع) (انظر: الخوئي، ١٤١٣ق، ٣: ٨٥؛ جمع من المؤلفين، ١٤٢٨ق، ٣: ٢٨١).
الراوي التالي هو ابن فضال، واسمه الكامل الحسن بن علي بن فضال. وثقه الشيخ الطوسي ووصفه بأنه فطحي (انظر: الطوسي، ١٣٨١ق، ٣٥٤؛ الطوسي، بي تا، ٤٧). ووثقه آخرون دون تأكيد مذهبه (انظر: ابن شهر آشوب، ١٣٨٠ق، ٣٣؛ الحلي، ١٤١١ق، ٣٨). وذكر النجاشي والكشي أقوالًا عنه في كتب الرجال تتعارض فيما بينها؛ فبعض الأقوال تدل على كونه موثقًا وصحيح المذهب، وبعضها يدل على وثاقته وكونه فطحيًا (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ١٢٠؛ الكشي، ١٣٤٨ش، ٣٤٨).
الراوي التالي هو ثعلبة، وقد ذكر الكليني اسمه الكامل في حديث آخر من الكافي هكذا: «… عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَمَّنْ حَدَّثَه …» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٦٠)، ووصفته كتب الرجال بأنه ثقة إمامي صحيح المذهب (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ١١٨؛ الكشي، ١٣٤٨ش، ٤١٢؛ ابن داود، ١٤١١ق، ٣٠).
الراوي التالي هو أبو أمية يوسف بن ثابت بن أبي سعدة. بحسب النجاشي، له كتاب يرويه عنه ثعلبة بن ميمون، وبحسب العلامة الحلي، يروي يوسف بن ثابت عن الإمام الصادق (ع). وثقه النجاشي والحلي؛ ولكن لم يرد ذكر لمذهبه (انظر: النجاشي، ١٤٠٧ق، ٤٥٢؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٨٤). وفي سائر الكتب، على الرغم من وجود اسمه، لم يرد مدح أو ذم له (انظر: الطوسي، ١٣٨١ق، ٣٢٤).
اعتبر المجلسي الثاني هذا الحديث مجهولًا (انظر: المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٧)، ولكن بالدراسة الرجالية التي أجريت، تم التوصل إلى أن رواة هذه الرواية موثقون وإماميون؛ باستثناء ابن فضال ويوسف بن ثابت اللذين إماميتهما محل شك. بناءً على ذلك، فإن الرواية المذكورة هي رواية موثقة.
٢-٤-٢. دراسة المفهوم والمحتوى
على الرغم من كون سند هذه الرواية موثقًا، فإنها من حيث المفهوم والمحتوى تشبه الرواية السابقة؛ مع اختلاف طفيف في تقديم وتأخير العبارات، والآية التي ذكرت في الرواية السابقة غير موجودة في هذه الرواية. يحتوي هذا الحديث أيضًا، مثل الرواية السابقة، على جملتين خبريتين، الأولى تفيد بأنه مع وجود الإيمان لا يضر أي عمل الإنسان، والثانية بأنه مع وجود الكفر لا يُقبل أي عمل من الإنسان. في تحليل محتوى هذا الحديث، نكتفي بالدراسة المفهومية للرواية السابقة.
بناءً على ذلك، فإن هذه الرواية لها سند موثق؛ ولكن متنها ومضمونها يسقطان من الاعتبار عند عرضهما على الكتاب. كما أن مضمونها متوافق مع عنوان الباب الذي وردت فيه.
٥-٢. الرواية الخامسة
أورد الكليني الرواية الخامسة في الباب على هذا النحو: «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَارِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (ع) حَدِيثٌ رُوِيَ لَنَا أَنَّكَ قُلْتَ: «إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ»، فَقَالَ [ع]: «قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ»، قَالَ: «قُلتَ: «وَ إِن زَنَوا أَو سَرَقوا أو شَرِبوا الخمر ؟!»، فَقالَ [ع] لى: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا اليه راجِعونَ، وَاللهِ ما اَنصفونا أَنْ نَكُونَ أُخِذْنَا بِالْعَمَلِ وَوُضِعَ عَنْهُمْ؛ إِنَّمَا قُلْتُ: «إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ»؛ روى أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عمن ذكره، عن عبيد بن زرارة، عن محمد بن مارد أنه قال: عرضت على الإمام الصادق (ع): «رُوي لنا حديث أنك قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت»، فقال (ع): «لقد قلت ذلك». قال: «قلت: وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر؟!»، فقال (ع) لي: «إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نؤاخذ بالعمل ويوضع عنهم؛ إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره فإنه يقبل منك» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣).
١-٥-٢. الدراسة السندية
رأى المجلسي في مرآة العقول بضعف وإرسال هذا الحديث (انظر: المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٧). يتفق كاتبا هذا البحث معه في هذا الأمر؛ لأن سند هذه الرواية، بسبب وجود عبارة «عمن ذكره»، مرسل، ويمكن الحكم بضعف سند الحديث دون دراسة أسماء بقية الرواة في السند.
٢-٥-٢. دراسة المفهوم والمحتوى
بناءً على هذه الرواية، صرح الإمام الصادق (ع) بأنه مع وجود المعرفة، افعل ما شئت، ثم فسر هذه الجملة بأن من عرف الحق، إذا فعل خيرًا قليلًا أو كثيرًا، يُقبل منه. هذه الرواية توضح إلى حد كبير تكليف الروايتين الثالثة والرابعة اللتين تفيدان بأن الذنب مع وجود الإيمان لا يضر؛ لأن الإمام (ع) يتبرأ من قول مثل هذا الكلام، ويعتبر قائلي هذا الكلام غير منصفين، ويقول: نحن قلنا إنه مع وجود المعرفة، تُقبل منك أعمال الخير القليلة والكثيرة.
من وجهة نظر كاتبي هذا البحث، فإن مجموعة الرواية لها مفهوم صحيح؛ ولكن متن الجزء الأول من هذه الرواية الذي نُسب إلى الإمام (ع)، مثله مثل سنده، يعاني من الضعف؛ لأن الأئمة الأطهار (ع) لم يضعوا أنفسهم أبدًا في موضع تهمة بقول أو فعل. من المستبعد أن يكون الإمام الصادق (ع) قد نطق بجملة مبهمة مثل «إِذا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْت»؛ لأن أهل البيت (ع) هم أساطين الفصاحة والبلاغة، وشأن عصمتهم يمنعهم من قول مثل هذه العبارة دون تفسيرها؛ لذا، من الممكن أن يكون هذا الحديث جزءًا من كلام الإمام (ع) تم تقطيعه. وجود كلمة «قُلتُ» في جملة: «إِنَّمَا قُلْتُ: «إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ»»، يؤكد وقوع التقطيع، ويظهر أن الإمام (ع) كان قد قال هذا الحديث سابقًا بشكل كامل ومع الشرح؛ لا أنه قال تلك الجملة أولًا ثم فسرها لاحقًا.
بناءً على ذلك، فإن الجزء الأول من هذه الرواية مرسل من حيث السند، ومقطوع من حيث المتن؛ ولكن مجموعة الرواية التي تتضمن أيضًا إجابة وتوضيحًا تكميليًا من الإمام (ع)، معتبرة ومتوافقة مع القرآن من حيث المتن. كما أن هذه الرواية فيها إشكال من حيث ارتباطها بعنوان الباب؛ لأنه لا يوجد في هذه الرواية حديث عن الإيمان والكفر، ولا عن النفع والضرر، ليرتبط بعنوان «لا يضر مع الإيمان …».
٦-٢. الرواية السادسة
يُختتم الباب المذكور من الكافي بهذه الرواية: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) كَثِيراً مَا يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ دِينَكُمْ دِينَكُمْ فَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ فِي غَيْرِهِ وَ السَّيِّئَةُ فِيهِ تُغْفَرُ وَ الْحَسَنَةُ فِي غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ»؛ روى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن ريان بن صلت، مرفوعًا إلى الإمام الصادق (ع) قال: كان أمير المؤمنين (ع) يقول كثيرًا في خطبته: «أيها الناس، دينكم دينكم، فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، والسيئة فيه تُغفر، والحسنة في غيره لا تُقبل» (الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٦٣).
١-٦-٢. الدراسة السندية
أقر الكليني في نقل هذا الحديث، بذكر عبارة «رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (ع)»، بكون السند مرفوعًا، وبهذا يكون سنده مرفوعًا وضعيفًا بشكل واضح. وباستثناء الكليني، يوافق المجلسي أيضًا على كون هذه الرواية مرفوعة وضعيفة السند (انظر: المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٨).
٢-٦-٢. دراسة المفهوم والمحتوى
يختلف هذا الحديث من حيث المضمون عن الأحاديث السابقة. الموضوع المحوري لهذا الحديث هو تشجيع الناس على الالتزام بالدين. يتكون هذا الحديث من جملة أمرية وجملتين خبريتين. الجملة الأمرية تأمر الناس بالالتزام بالدين، والجملة الخبرية الأولى تخبر بمغفرة ذنوب المتدينين، والثانية تبين حقيقة عدم قبول أعمال غير المتدينين. محتوى هذا الحديث لا يتعارض مع آيات القرآن؛ لأنه في آيات عديدة من القرآن، يبشر الله المؤمنين بمغفرته، ومغفرة ذنوب الإنسان المؤمن أمر بديهي. كما أنه بناءً على ما سبق، فإن أعمال الكافرين غير مقبولة عند الله من منظور القرآن.
تطبيق هذه الرواية على مضامين القرآن يكون صحيحًا إذا أخذنا عبارة «في غيره» بمعنى الكفر؛ أي أننا نفترض أن نقيض كلمة «دين» في هذه الرواية هو «كفر». بناءً على ذلك، فإن هذه الرواية لها سند ضعيف، وبسبب الإبهام في كلمة «غيره»، فإن متنها مضطرب ومبهم. كما أن لها ارتباطًا ضعيفًا بعنوان الباب.
الجدول التالي يلخص هذه الدراسة:
الرواية الأولى
نص الرواية: «هَلْ لِأَحَدٍ عَلَى مَا عَمِلَ ثَوَابٌ عَلَى اللَّهِ مُوجَبٌ إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا»
تقييم السند: ضعيف
تقييم المتن: متوافق مع القرآن
الارتباط بعنوان الباب: ضعيف
الرواية الثانية
نص الرواية: «قَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ (ع) قَدْ تَحَرَّمْتُ بِصُحْبَتِكَ فَأَوْصِنِي قَالَ لَهُ الْزَمْ مَا لَا يَضُرُّكَ مَعَهُ شَيْءٌ كَمَا لَا يَنْفَعُكَ مَعَ غَيْرِهِ شَيْء»
تقييم السند: ضعيف
تقييم المتن: ضعيف وفيه إبهام
الارتباط بعنوان الباب: ضعيف
الرواية الثالثة
نص الرواية: «لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلٌ وَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ عَمَلٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ – وَ مَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ»
تقييم السند: ضعيف
تقييم المتن: ضعيف ومتعارض مع القرآن
الارتباط بعنوان الباب: قوي
الرواية الرابعة
نص الرواية: «الْإِيمَانُ لَا يَضُرُّ مَعَهُ عَمَلٌ وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ عَمَلٌ»
تقييم السند: موثق
تقييم المتن: ضعيف ومتعارض مع القرآن
الارتباط بعنوان الباب: قوي
الرواية الخامسة
نص الرواية: «إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ»، فَقَالَ [ع]: «قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ»، قَالَ: «قُلْتَ: «وَإِن زَنَوا أَو سَرَقُوا أو شَرِبُوا الخمر ؟!»، فَقالَ [ع] لى: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ، وَالله ما انصفونا أَنْ نَكُونَ أُخِذْنَا بِالْعَمَلِ وَوُضِعَ عَنْهُمْ إِنَّمَا قُلْتُ: «إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ»
تقييم السند: ضعيف
تقييم المتن: بدون إشكال
الارتباط بعنوان الباب: ضعيف
الرواية السادسة
نص الرواية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ دِينَكُمْ دِينَكُمْ فَإِنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ فِي غَيْرِهِ وَ السَّيِّئَةُ فِيهِ تُغْفَرُ وَ الْحَسَنَةُ فِي غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ»
تقييم السند: ضعيف
تقييم المتن: ضعيف وفيه إبهام
الارتباط بعنوان الباب: ضعيف
٣. عرض عبارة «لا يضر مع الإيمان سيئة» على الأدلة
من بين الروايات المدروسة، توجد ثلاث روايات موثقة وثلاث روايات ضعيفة. يُفهم من عنوان الباب أن الذنب لا يضر الإنسان المؤمن، وأن العمل الصالح لا يفيد الكافر؛ ولكن بما أن هذا البحث يركز على دراسة الجزء الأول من عنوان الباب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ»، فإننا نتناول نقد ودراسة هذا الجزء من الحديث. في هذا السياق، فإن الروايات الوحيدة التي تتوافق تمامًا مع هذا المطلب وتدل عليه صراحة هي الروايتان الثانية والثالثة، وهما على التوالي ضعيفة وموثقة. وعلى الرغم من أن مفهوم الرواية الأولى يمكن أيضًا، بتبرير تم ذكره، أن يتماشى مع عنوان الباب. وقد اعتبر پاكزاد وزملاؤه في بحثهم بقية الروايات غريبة عن عنوان الباب (انظر: پاكزاد وزملاؤه، ١٣٩٨ش).
الروايتان المذكورتان، بالإضافة إلى ضعف السند، تعانيان من إشكالات في المحتوى، نشير إلى بعضها:
١-٣. التعارض مع القرآن
كما مر، فإن قبول العمل من منظور القرآن الكريم له شروط، منها التقوى (انظر: المائدة: ٢٧). كما أن بعض الأعمال تزيل الإيمان وتستبدله بالكفر (انظر: آل عمران: ١٠٠). بناءً على ذلك، فإن الروايات المذكورة، في النظرة الأولى، تتعارض مع القرآن الكريم.
٢-٣. التعارض مع السنة
يتعارض المطلب قيد الدراسة مع كثير من الأحاديث أيضًا. يعدّ علي (ع) في نهج البلاغة بعض العوامل المخلة بالإيمان كالتالي: «وشقيُّ امرئٍ غَرَّتْهُ نَفْسُهُ وَخَدَعَتْهُ هَوَاهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ. جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ، الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَفَا مِهْوَاةٍ وَهَوَانٍ. وَلَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» (الشريف الرضي، ١٣٨٦ش، الخطبة ٨٥).
في ثلاثة أحاديث مسندة عن الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع)، يُعرّف الحسد بأنه عامل هلاك الإيمان وآفته (انظر: الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٣٠٦-٣٠٧). وفي كلام علي (ع)، يعتبر الحسد والتملق من منافيات الإيمان (انظر: ابن شعبة الحراني، ١٤٠٤ق، ١: ٢٠٧). وفي حديث عن الإمام الصادق (ع)، يحرم الذنب الإنسان من صلاة الليل (انظر: البرقي، ١٣٧١ش، ١: ١١٦). وفي رواية أخرى عن النبي (ص)، يُعرّف الذنب بأنه من عوامل موت القلب (انظر: الصدوق، ١٤١٦ق، ١: ٢٢٨).
في كتاب ثواب الأعمال، توجد روايات كثيرة تذكر الأضرار الدنيوية والمعنوية للذنوب. على سبيل المثال، في حديث عن الإمام الصادق (ع)، يُعرّف الذنب بأنه عامل قطع الرزق (انظر: الصدوق، ١٣٦٤ش، ١: ٢٤٢). وفي حديث عن علي (ع)، يُعرّف الذنب بأنه مبطل للأعمال (انظر: الطوسي، ١٣٦٥ش، ٣: ٨١). وفي حديث عن النبي (ص)، يُعرّف الكذب بأنه عامل متعارض مع الإيمان (انظر: ابن حنبل، ١٤١٦ق، ١: ١٩٨). وبناءً على حديث آخر عن النبي (ص)، فإن الكذب عامل هداية إلى الذنب والفجور (انظر: الدارمي، ١٤٢١ق، ٣: ١٧٨٤؛ البخاري، ١٤١٠ق، ٩: ٢٤٩)، وعلاوة على ذلك، يهدي الفجور إلى نار جهنم (انظر: القشيري النيسابوري، ١٤١٢ق، ٤: ٢٠١٣). وفي رواية مشابهة عن النبي (ص)، يُعرّف الكذب والفجور بأنهما عاملان للدخول في النار (انظر: ابن ماجه، ١٤١٨ق، ٥: ٣٦٨). وقد أشار پاكزاد في بحثه إلى روايات أخرى أيضًا (پاكزاد، ١٣٩٨ش).
إن مصادر الروايات عند الفريقين مليئة بمثل هذه الأحاديث التي تبين الآثار السيئة للذنب، ولا تقيم أي استثناء للمؤمنين. بناءً على ذلك، فإن روايات الباب قيد الدراسة من كتاب الكافي تتعارض مع السنة المتواترة أيضًا. وقد ذُكر سابقًا أن كتابات أخرى في مجال الآثار السيئة للذنب في الروايات والآيات قد تم تحريرها (انظر: فجري، ١٣٨٧ش؛ همو، ١٣٨٨ش).
٣-٣. التعارض مع العقل والمسلّمات
لقد بشر الله المؤمنين التوابين النادمين على الذنب برحمته ومغفرته في آيات عديدة من القرآن؛ ولكن القول بأن أي عمل سيء لا يضر المؤمنين فيه إشكال، ومن المستبعد أن تصدر مثل هذه الجملة بشكل مطلق عن الأئمة (ع)؛ لأن الاعتقاد بصحة هذه الجملة يزيل قبح الذنب من قلوب المجتمع المسلم ويدفعهم نحو التجرؤ على المعاصي.
من جهة أخرى، بحسب تصريح القرآن الكريم، فإن أعمال الإنسان هي التي تحدد شخصيته في الدنيا ومصيره في الآخرة؛ وبالتالي، فإن فكرة أن الإنسان بمجرد إيمانه يصبح مصونًا من آثار أعماله السيئة والذنوب، تتعارض مع مقتضى العدل الإلهي. وكما هو الحال في القرآن الكريم، توجد آيات تحكي عن كفر فئة من المؤمنين بعد إيمانهم، منها: «فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُون» (آل عمران: ١٠٦)، «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِم» (آل عمران: ٨٦)، و«لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمين» (التوبة: ٦٦). إن مصيرهم هو نار جهنم، فالإيمان ليس دليلًا على الحصانة من آثار الذنوب.
٤. دراسة أقوال المحققين حول توجيه التعارض
كما مر، فإن الروايتين قيد البحث تتعارضان مع عدد من آيات القرآن وروايات أخرى. وقد قدم المحققون في مقام توجيه هذا التعارض أقوالًا منها:
١-٤. الإيمان بمعنى ولاية الأئمة
سعى البعض، بعد ذكر ونقد عدة آراء أخرى في رفع هذه التعارضات، إلى حل هذا التعارض بافتراض عدم استقراره، وعن طريق تفسير مفاهيم الروايتين قيد البحث، والجمع بينها وبين الأدلة المتعارضة معها. وفي هذا السياق، استندوا إلى روايتين كدليل للجمع بين الروايات والأدلة المتعارضة. يعتقد هؤلاء أن المقصود بالإيمان في عبارة «لا يضر مع الإيمان سيئة» ليس المعنى اللغوي والاصطلاحي؛ بل هو بمعنى ولاية الأئمة الأطهار (انظر: پاكزاد وزملاؤه، ١٣٩٨ش، النتيجة)، ويذكرون الأدلة التالية:
١-١-٤. الدليل الأول ونقده
الشاهد الأول لپاكزاد هو رواية من أمالي الطوسي يعتقد أنها ناظرة إلى الروايات قيد البحث. نصها: «عمار الساباطي يقول: قلت للإمام الصادق (ع): أبو أمية يوسف بن ثابت نقل لي عنك أنك قلت: مع الإيمان لا يضر عمل، ومع الكفر لا ينفع عمل. فقال: لم يسألني أبو أمية عن معنى كلامي؛ قصدي من هذا القول هو أن من عرف مقام الإمام من آل محمد (ع) وأحبه ثم عمل ما شاء من الخير يُقبل منه ويُجزى عليه أضعافًا مضاعفة، وينتفع بالعمل الصالح بالمعرفة، هذا هو قصدي. وهكذا؛ فإن الله لا يقبل أعمال الناس إذا كانوا محبين وموالين لإمام جائر لم يعينه الله». قال عبد الله بن أبي يعفور: «ألم يقل الله في هذه الآية: «من جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» (النمل: ٨٩)، فكيف لا ينتفع من يحب أئمة الجور من عمل صالح يقوم به؟». فقال الإمام الصادق (ع): «هل تعلم ما المقصود بالحسنة في الآية؟ يعني معرفة الإمام وطاعته. قال الله في هذه الآية: «وأما الذين عملوا السيئات، فيُكبون في النار على وجوههم، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟!» (النمل: ٩٠). والمقصود بالسيئة إنكار الإمام الذي عينه الله. ثم قال الإمام الصادق (ع): «من دخل المحشر يوم القيامة بولاية إمام جائر، فلا علاقة له بالله، وهو منكر لحقنا وولايتنا آل البيت. يلقيه الله في نار جهنم» (الطوسي، ١٤١٤ق، ٤١٧).
يمكن تقسيم هذا الحديث إلى قسمين: في القسم الأول، يُسأل الإمام (ع) عن «عدم ضرر العمل بشرط الإيمان» و«عدم نفع العمل في حال الكفر». وفي القسم الثاني، يجيب الإمام (ع) في تفسيره بأن المقصود هو أنه بولاية الأئمة، تُقبل الأعمال الصالحة من الإنسان، وولاية أئمة الجور تمنع قبول أعمال الإنسان. القسم الثاني في مقام تفسير القسم الأول؛ ولكنه لم يفسره؛ لأنه لم يرد حديث عن «عدم ضرر العمل مع وجود الإيمان»، ولم يكن أي من كلام الإمام (ع) ناظرًا إليه. كلام الإمام (ع) في القسمين الأول والثاني من الحديث، على الرغم من تشابه المضمون، موضوعان منفصلان. القسم الأول من الحديث يتعلق بالإيمان والكفر، حيث يجعل الإيمان مانعًا من ضرر الذنب والكفر مانعًا من قبول العمل الصالح. والقسم الثاني من الحديث يتعلق بولاية أئمة الكفر أو أئمة الهدى، حيث إن ولاية أئمة الكفر تمنع قبول العمل، وولاية الأئمة الأطهار (ع) تساعد على قبول أعمال الخير. بناءً على ذلك، يوجد اضطراب في متن الحديث. كما لا يوجد دليل على حمل الإيمان على معنى ولاية الأئمة (ع).
٢-١-٤. الدليل الثاني ونقده
الشاهد الثاني لپاكزاد في الجمع بين الروايات قيد البحث والأدلة المتعارضة هو الرواية الخامسة من الباب قيد البحث في هذا المقال، والتي سبقت الإشارة إليها. هذا الحديث هو حديث مرسل، وقد سبق نقد محتواه في الأقسام السابقة. خلاصة هذه الرواية هي أنه بعد معرفة [الحق]، تُقبل أعمال الخير القليلة أو الكثيرة من الإنسان؛ ولكن في هذه الرواية، لم يرد ذكر صريح للإيمان. وهذه المسألة، وهي أن أعمال الخير القليلة أو الكثيرة تُقبل من الإنسان، لا علاقة لها بعدم ضرر الأعمال السيئة مع وجود الإيمان، وهو ما صرح به پاكزاد نفسه. هذا التصريح، مع الاعتقاد بجمع الروايتين قيد البحث مع الأدلة المتعارضة، يتعارض، ومن ثم، يُلاحظ تعارض في كلام الكاتب. كما أن پاكزاد يعتبر الروايتين المذكورتين مبيِّنتين لـ «لا يضر مع الإيمان سيئة»؛ بناءً على ذلك، في الحديث الأول، يُعبَّر عن الإيمان بولاية الأئمة (ع)، وفي الحديث الثاني، يُعبَّر عنه بالمعرفة (انظر: پاكزاد وزملاؤه، ١٣٩٨ش، ٥٠)، وكلا المعنيين خلاف الظاهر، ولا يوجد دليل كافٍ على حمل الإيمان على هذين المعنيين.
٢-٤. حمل الضرر على معنى الخلود في النار
يرى البعض لرفع التعارض بين الروايتين قيد الدراسة والأدلة المتعارضة أن المقصود بالضرر في عبارة «لا يضر مع الإيمان عمل» هو الخلود في النار. ويؤيد المجلسي الثاني ومحمد صالح المازندراني هذا الرأي (انظر: المازندراني، ١٣٨٣ق، ١٠: ٢٠٠؛ المجلسي، ١٤٠٤ق، ١١: ٣٩٦). وقد أورد العلامة الطباطبائي في توجيه هذا النوع من الروايات: «الإيمان ما دام باقيًا ولم يذهب، لا يضره ذنب؛ أي أن أي ذنب لا يوقع الإنسان في خلود النار ما دام مؤمنًا، وما دام الكفر باقيًا، لا ينفعه عمل صالح» (الطباطبائي، ١٣٦٣ش، ٩: ٤٩٩).
١-٢-٤. نقد التوجيه
على الرغم من أن هذا التوجيه يرفع التعارض، فإن رفع التعارض يكون ذا قيمة عندما يتم بمنطقية؛ بينما أتباع هذا الرأي لم يقدموا دليلًا لتوجيههم. وقد انتقد پاكزاد هذا التوجيه أيضًا (انظر: پاكزاد: ١٣٩٨ش، ٤٤).
٣-٤. عدم الضرر الأساسي للأعمال غير الصالحة مع وجود أصل الإيمان
يوجه البعض هذا التعارض بأن أعمال المؤمن غير اللائقة تحدث في حالة غفلة وما شابهها؛ ولكنها ليست ملكة للمؤمن، والإيمان يدفعه نحو التوبة وينقذه من الضرر. يقول آية الله جوادي آملي: «جوهر العمل وروحه الحية والدائمة هو نية العامل. في حالة الحفاظ على الإيمان، فإن العمل غير الصالح الذي يصدر يكون حتمًا في حالة غفلة وما شابهها؛ أو يُختم بالتوبة والإنابة» (جوادي آملي، ١٣٩٣ش، ٣٤: ٢٥١).
١-٣-٤. نقد التوجيه
إن مسألة أن الله تعالى يغفر ذنوب الإنسان إذا تاب هي صحيحة تمامًا وتؤيدها آيات عديدة من القرآن (انظر: الرواية السادسة). ولكن هذا الافتراض بأن ذنب المؤمن يؤدي حتمًا إلى التوبة، أولًا لم يثبت؛ وثانيًا، في عبارة «الإيمان لا يضر معه سيئة»، فإن عبارة «سيئة» مطلقة وليست مقيدة بالتوبة. كما أن للإيمان درجات مختلفة؛ قد يكون الأفراد الذين وصلوا إلى درجات عليا من الإيمان، تؤدي ذنوبهم حتمًا إلى التوبة؛ ولكن في عنوان الباب، وردت عبارة «الإيمان» بشكل مطلق وتشمل جميع المؤمنين؛ فلا يمكن اتباع هذا الرأي في رفع التعارض الموجود؛ إلا إذا افترضنا أن المقصود بالإيمان هو الإيمان الكامل.
٥. وجهة نظر البحث الحالي
إن تعارض الروايات مع روايات أخرى ومع آيات القرآن يكون أحيانًا ظاهريًا، ومع فهم أفضل لمضامينها، يزول سراب التعارض. إن السعي لحل التعارضات التي تظهر أحيانًا في النصوص الدينية أمر مرغوب فيه جدًا ومفيد. عند مواجهة هذه التعارضات، من الأفضل بذل كل جهد ممكن لرفعها؛ ولكن أحيانًا تكون التعارضات عميقة وحقيقية، ورفعها يبدو بعيدًا؛ ومن ثم، فإن المحاولات التي تُبذل لرفعها تكون ضعيفة، والأدلة المقدمة لرفع التعارض لا تعدو كونها ترقيعًا غير مناسب. إن السعي لرفع التعارض يكون مثمرًا عندما يكون التعارض من النوع غير المستقر. عندما يتعارض حديث مطلق مع عدد كبير من الروايات ومع آيات من القرآن، ويوجد له سند موثق واحد فقط، فمن الأفضل الحكم بضعفه وصرف النظر عن الجمع بينه وبين الأدلة المتعارضة. قد يكون هذا الضعف ناتجًا عن خطأ الراوي، أو الناسخ، وغير ذلك؛ أو قد يكون من صنع جماعة ودوافع مثل إضفاء الشرعية على عقائد الجماعة أو بقصد تشويه صورة الأئمة.
بناءً على دراسة البحث الحالي، فإن عبارة «أنّ الإيمان لا يضر مع سيئة» يمكن أن يكون لها جذور في عقيدة فرقة تسمى المرجئة. المرجئة من المدارس الكلامية في صدر الإسلام. كانوا يعتقدون أن نفس الإيمان كافٍ، ومع وجود الإيمان، فإن أكبر الكبائر لا تضر بإيمان الإنسان. من وجهة نظرهم، الإيمان أمر لساني، والإنسان يصبح مؤمنًا بقول الشهادتين. كان شعارهم «الإيمانُ لا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَ الكُفْرُ لَا يَنفَعُ مَعَهُ حَسَنَةٌ»، وهو مشابه لعنوان الباب (انظر: الرازي، ١٤١٣ق، ٧٦؛ الآمدي، ١٤٢٣ق، ٥: ٨٤؛ المجلسي، ١٤٠٤ق، ٢٧: ٧٠؛ ٦٥: ٢٩٧؛ الشهرستاني، ١٤٠٤ق، ١: ١٦٢). وقد اتخذ النبي (ص) والأئمة الأطهار (ع) مواقف حادة وحاسمة ضد المرجئة. وفي حديث، لعن النبي (ص) المرجئة (انظر: البغدادي، ١٩٧٧م، ١: ١٩٠). كما أن الإمام الصادق (ع) في أحاديث عديدة لعن المرجئة ووصفهم بأنهم أعداء الشيعة، ونهى عن مجالستهم (انظر: الكليني، ١٤٠٧ق، ٢: ٤٠٩)، وفي موضع آخر، حذر شيعته من أن يكونوا حذرين في تربية أبنائهم في مواجهة عقائد المرجئة (انظر: نفس المصدر، ٦: ٤٧).
مع هذا، من المستبعد أن يلعن المعصومون (ع) المرجئة ويحاربون عقائدهم المنحرفة، وفي المقابل، يؤيدون عقائدهم. ونظرًا لهذه الحقيقة، من المحتمل أن تكون هذه الروايات قد وُضعت على يد أتباع المرجئة ونُسبت إلى الأئمة. إن عدم صحة السند، وقلة العدد، والتعارض مع القرآن والسنة والعقل، يقوي هذا الاحتمال. فبينما قبول انحراف هذه العقيدة من جانب المرجئة أمر سهل جدًا؛ إلا أن نسبتها إلى الأئمة الأطهار (ع) أدى إلى تردد المحققين ودفعهم إلى توجيهها بطرق مختلفة.
٦. خاتمة واستنتاج
النتائج التي توصل إليها هذا البحث هي كالتالي:
١- في كتاب الكافي، يوجد باب جمع فيه الكليني ست روايات. يُفهم من عنوان الباب «أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ سَيِّئَةٌ وَ الْكُفْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حَسَنَة» أن الأعمال السيئة لا تضر الإنسان مع وجود الإيمان، وأن الأعمال الصالحة لا تنفعه مع وجود الكفر. وعلى الرغم من أن آيات من القرآن، مثل: «وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِه» (التوبة: ٥٤)، تؤيد صحة الجملة الثانية من عنوان الباب؛ فإن صحة وتوافق الجملة الأولى من عنوان الباب مع القرآن تبدو غير صحيحة؛ لأن بعض آيات القرآن تشير إلى أن المؤمنين يتأذون أيضًا من أعمالهم السيئة والمنكرة.
٢- روايتان فقط من الروايات الست الموجودة في هذا الباب ترتبطان ارتباطًا مباشرًا وكاملًا بعنوانه، إحداهما موثقة والأخرى ضعيفة.
٣- من جهة أخرى، يتعارض ظاهر هذه الروايات مع القرآن والسنة والعقل، والاعتقاد بصحة مفاهيمها يمكن أن يدفع مجتمع المؤمنين نحو الفساد والتجرؤ على المعاصي.
٤- على الرغم من تقديم تبريرات كثيرة من قبل الباحثين السابقين لهذه الروايات، وكما أظهرت الدراسة، فإن التبريرات المقدمة قابلة للنقد وغير مقبولة.
٥- فكرة «لا يضر مع الإيمان سيئة» لها جذور في عقائد جماعة باسم المرجئة، التي تعرضت مرارًا للذم واللعن من قبل النبي (ص) وأهل البيت (ع)؛ لذلك، يُظن أن أتباع هذه الفرقة، لإضفاء الشرعية على كلامهم، نسبوا هذا القول إلى الأئمة؛ لأنه من المستبعد أن يذم أهل البيت (ع) المرجئة في أحاديث، ولكن في أحاديث أخرى ينقلون كلام مذهبهم.
الهوامش
1. في الترجمة الفارسية للروايات محل البحث، تم الاستفادة من كتاب تحفة الأولياء (ترجمة أصول الكافي) (الأردكاني، ١٣٨٨ش).