الملخص
لقد حكم بعض المفسرين بنشأة الآيات المستثناة استنادًا إلى عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ». بينما نشأت الآيات المستثناة على مر تاريخ التفسير نتيجة الخلط بين معايير المكي والمدني، أو لأسباب نزول مختلقة، أو لتطبيقات لاحقة فُسِّرت على أنها أسباب نزول، أو لتفسيرات خاطئة لبعض آيات القرآن الكريم. يعتمد المفسرون في تحديد الآيات والسور المكية والمدنية على أربعة معايير: الزمان، والمكان، والموضوع، والخطاب. فإذا كان المعيار هو الزمان، تُعتبر الآيات المتعلقة باليهود مكية حتى لو نزلت في مكة، وإذا كان المعيار هو الخطاب والموضوع، فإن هذه الآيات نفسها تُعتبر مدنية، مثل الآية 20 من سورة الأنعام. ومن أهم مواطن الضعف في الرواية المذكورة: تفرد الراوي، وإرسال السند، وضعف رواتها وكونهم متروكي الحديث. كما أن وجود روايات عن أئمة الشيعة (ع) بشأن نزول البسملة في بداية السور واختصاص جميع الآيات الواقعة بين بسملتين بسورة واحدة، يعد من الأدلة الأخرى على بطلان العبارة المذكورة. في هذا البحث، تم نقد أحد أسس وأسباب نشأة الآيات المستثناة بأسلوب وصفي-تحليلي، وكمثال على ذلك، تم نقد ودراسة الآيات المستثناة في سورة المزمل.
١. طرح المسألة
يعد البحث حول كيفية نزول الآيات وترتيبها في السورة من المباحث المهمة في حقل علوم القرآن. ورغم أن علماء علوم القرآن غالبًا ما يعتقدون بترتيب توقيفي للآيات في السور، إلا أن كيفية نزول الآيات تُعتبر المقدمة والأساس الرئيسي لكون الترتيب توقيفيًا أو اجتهاديًا. بعبارة أخرى، إذا كانت الآيات قد نزلت بشكل متوالٍ، فلا يبقى مجال للاجتهاد، وسيكون ترتيب الآيات في السور توقيفيًا قطعًا، لأن الآيات النازلة تتوالى حسب ترتيب النزول. وبالتالي، يحدث الاجتهاد عندما تنزل الآيات بشكل متفرق ويكون لرأي الصحابة ونظرهم دور في ترتيبها. ورغم وجود النبي (ص) بين الأمة، لم يكن هناك مجال للاجتهاد. بالإضافة إلى ذلك، فإن كون ترتيب الآيات والسور توقيفيًا بالنظم الحالي يمكن أن يحمل رسائل خاصة للمخاطبين، بينما لا يمكن لترتيب اجتهادي للآيات والسور أن يحمل مثل هذه الرسائل.
على أي حال، هناك فريق يؤمن بنزول السور بشكل متصل، وذلك بقبولهم لفكرة النزول المتصل للآيات (معرفت، ١٤١٥هـ، ١: ٢٧٦-٢٧٨؛ نکونام، ١٣٨٠ش، ٨٦-٩٦؛ بهجت بور، ١٣٩٢ش، ١٩٩-٢٠٢؛ جوان آراسته، ١٣٨٠ش، ١٤٩-١٥١). وهناك فريق آخر يصر على نزول السور بشكل متفرق. وفي خضم ذلك، وعلى أساس الاعتقاد بنزول السور بشكل متفرق، ظهرت في مجال علوم القرآن ظاهرة باسم الآيات المستثناة؛ وقد استند أنصار هذه الفكرة لتأييد رأيهم إلى رواية «ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» واتباعًا لها إلى عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» (طالقاني، ١٣٦١ش، ٧٥؛ عطار، ١٤١٥هـ، ١١٥؛ أبو شهبة، ١٤٢٣هـ، ١: ٣١٦؛ جديع، ١٤٢٧هـ، ٦٣-٦٤؛ عبد خليفة، ١٤٢٧هـ، ٣٧-٣٨).
على مر تاريخ تفسير القرآن الكريم، أصبحت هاتان الروايتان أساسًا لظهور ظاهرة الآيات المستثناة بين الباحثين في القرآن. تشير العبارة المذكورة إلى أن نزول بعض السور بدأ في مكة ثم اكتمل في المدينة. وقد نقل ابن ضريس هذا القول لأول مرة في فضائل القرآن. إن الآيات المستثناة لا تستند إلى أي سند روائي صحيح، وقد نشأت نتيجة الخلط بين معايير المكي والمدني، وأسباب النزول المختلقة، والتطبيقات اللاحقة التي فُسِّرت على أنها شأن نزول، والتفسير الخاطئ لبعض عبارات القرآن الكريم، وقد تزايدت هذه الظاهرة على مر تاريخ التفسير.
فيما يتعلق بخلفية البحث، تجدر الإشارة إلى أن رواية «ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» قد نُقدت من قبل زهراء كلباسي وأمير أحمد نجاد في مجلة الدراسات الحديثية في عدد ربيع وصيف ١٣٩٦ وأُسقطت من درجة الاعتبار. وفي مجال نقد ونفي الآيات المستثناة، كُتبت مقالات أيضًا، وفي مجال إثبات النزول المتصل للسور، أُنجز مقال بقلم محمد خامه گر في مجلة البحوث القرآنية. وقد تناول خامه گر في مقاله «نظرة على كيفية نزول سور القرآن الكريم» بيان أدلة وأسس النزول المتصل للسور ورد أدلة النزول المتفرق. ومن بين الباحثين الآخرين الذين كتبوا بشكل خاص حول كيفية نزول سورة معينة بشكل متصل أو متفرق، يمكن الإشارة إلى مقال بعنوان «دراسة كيفية نزول سورة العلق بشكل متصل أو متفرق» بقلم محمد علي حيدري مزرعة آخوند، ومنيرة سادات مدني، وإلهام حمادي في مجلة دراسات القرآن والحديث. على الرغم من أن مؤلفي المقال كانوا يهدفون إلى بيان النزول المتصل لسورة العلق، إلا أنه من خلال نقدهم لعبارتي «ضَعُوا هَذِهِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» و «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» يتضح من فحوى كلامهم أنهم يوافقون على النزول المتصل لجميع سور القرآن الكريم. ولكن في مجال نقد ودراسة عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» لم يُجرَ بحث مستقل حتى الآن.
السؤال الرئيسي للبحث يستند إلى هذا المبدأ: ما هي درجة اعتبار عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ»؟ وفي أي قرن، ومن قبل من، تم إدراج هذه العبارة في كتب علوم القرآن؟
يركز البحث الحالي على كيفية النزول وترتيب الآيات في السور، مع التركيز فقط على رواية «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…»، ومن خلال تقييمها، يتم فحص دلالة الرواية المذكورة على نشأة الآيات المستثناة بمساعدة قواعد فقه الحديث. تم إجراء البحث بأسلوب وصفي تحليلي باستخدام المصادر المكتبية والبرمجية. وفيما يلي، سيتم بيان تواتر عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» في المصادر الدينية ودراسة اعتبارها:
٢. تواتر عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» في المصادر
هذه العبارة، التي تُعد أحد أسس نشأة آيات القرآن المستثناة، قد نُقلت في مصادر أهل السنة والشيعة. وفيما يلي، سيتم تناول كل منها:
١-٢. مصادر أهل السنة
لم يُعثر على أثر لعبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» في القرون الإسلامية الأولى ولا حتى في زمن الصحابة والتابعين. ذُكرت لأول مرة من قبل ابن ضريس في «فضائل القرآن». وُلد في عام ٢٠٠ هـ وتوفي في عام ٢٩٤ هـ، مما يعني أن هذه العبارة نُقلت في القرن الثالث الهجري ولم ترد في المصادر التي سبقته، ثم أُدرجت في كتب علوم القرآن. ورد في فضائل القرآن: «أَخْبَرَنَا أحمد، قثنا محمد قَالَ: أَنبا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي قَالَ: قالَ عـمـر بـن هارون: قَتَنَا عثمان بن عطاء، عَن أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا نَزَلَ مِنَ القُرآنِ بِمَكةَ وَ مَا أَنزَلَ مِنهُ بِالمَدينةِ الأولُ فَالأولُ، فكانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكةَ كَتِبَتْ مَكيةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ» (ابن ضريس، ١٤٠٨هـ، ٣٣).
بعده، نقل الحاكم الحسكاني (٤٩٠) في القرن الخامس الهجري في «شواهد التنزيل» نفس الحديث عن عطاء الخراساني: «أَخْبَرُونَا عَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِي [قَالَ:] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَافَى بْنِ أَبِي حَنْظَلَةَ أَمْلَاهُ بِصَيدَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي أَياسِ حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِي قَالَ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكةَ كتِبَتْ مَكيةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ، وَ كانَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ الْأَنْفَالَ…» (الحسكاني، ١٤١١هـ، ٢: ٤١٤).
بعده، ذكر السخاوي في القرن السابع نقلاً عن عطاء بن أبي مسلم الحديث المذكور: «قالَ عَطاء بنُ أَبِي مُسلِم، وَكَانُوا إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكةَ كتِبَتْ مَكيةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» (السخاوي، بي تا، ١: ١٠٩). كما نقل السيوطي، من علماء أهل السنة المشهورين في القرن التاسع، كلام ابن ضريس في كتابه الإتقان (السيوطي، ١٤٢١هـ، ١: ٥٩). ونقل الشوكاني أيضًا كلام ابن ضريس في فتح القدير بنفس المفهوم الموجود في كلام ابن ضريس (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ٥: ٣١٨). وكذلك في الموسوعة القرآنية (الآبياري، ١٤٠٥هـ، ٢: ٨)، ومنهج الفرقان (سلامة، ٢٠٠٢م، ١: ٨٦)، والمدخل لدراسة (أبو شهبة، ١٤٢٣هـ، ٢٢٣)، ومحاضرات في علوم القرآن (غانم قدوري، ١٤٢٣هـ، ٨١)، ومباحث في علوم القرآن (صبحي صالح، ١٣٧٢ش، ١٧٩) من علماء العصر الحاضر، نُقل نفس كلام ابن ضريس.
وقد اجتهد الزرقاني في مناهل العرفان بناءً على الرواية المنقولة عن ابن ضريس، وقال في وجه تسمية السور بالمكية والمدنية: إن السور تُسمى كذلك بسبب غلبة الآيات المكية أو المدنية، أو اتباعًا لفاتحة السورة. بمعنى آخر، إذا كانت غالبية آيات سورة ما مكية، فإنه يعتبر السورة مكية، وإذا كانت الغلبة للآيات المدنية، فإنه يعتبرها مدنية. وكذلك، يتبع فاتحة السورة، فإذا نزلت الآيات الأولى من سورة في مكة، فإنه يعتبرها مكية، وإذا نزلت في المدينة، فإنه يعتبرها مدنية (الزرقاني، بي تا، ١: ١٩٢).
٢-٢. مصادر الشيعة
في أوساط الشيعة، نقل هذا القول قليل. حتى قبل الطبرسي في القرن السادس، لم يكن هناك أثر لهذا القول بين الشيعة، حتى أورده الطبرسي، وهو من كبار علماء الشيعة، في كتابه مجمع البيان، ناقلاً الحديث المذكور عن ابن عباس: «وَ قَدْ رَوَاهُ الْأُسْتَاذُ أَحْمَدُ الزَّاهِدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْإِيضَاحِ وَ زَادَ فِيهِ وَ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكةَ كَتِبَتْ بِمَكةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» (الطبرسي، ١٣٧٢ش، ١٠: ٦١٣). قوله هو بنفس سلسلة السند المذكورة في كتاب ابن ضريس. وقد نقل المرحوم المجلسي أيضًا في كتابه بحار الأنوار (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ٣٥: ٢٥٦) والملا فتح الله الكاشاني في تفسيره للقرآن نفس الحديث عن ابن عباس (الكاشاني، ١٣٣٦ش، ١٠: ١٠١). ونقل المير محمد الزرندي والعلامة الطباطبائي من العلماء المعاصرين قول السيوطي نقلاً عن ابن ضريس: «روى السيوطي في الإتقان عن فضائل القرآن لابن الضريس بسند ذكره عن ابن عباس قال: كانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكةَ كَتِبَتْ بِمَكةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ» (المير محمد الزرندي، ١٤٢٠هـ، ٢٩٧؛ الطباطبائي، ١٤٢٣هـ، ٦٦).
بناءً على ذلك، يمكن الاستنتاج أن الأصل الأساسي لهذا القول يعود إلى أقوال ابن ضريس في القرن الثالث الهجري. والآن، سيتم نقد ودراسة عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» لتوضيح اعتبارها:
٣. نقد ودراسة عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…»
الرواية المذكورة قابلة للنقد من جوانب مختلفة. فيما يلي، سيتم تناول نقد ودراسة عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» تحت عنوانين: النقد السندي والنقد المتني:
١-٣. النقد السندي
بسبب إرسال السند، والتفرد، ووجود ناقلين ضعفاء في سلسلة السند، فإن العبارة المذكورة لا تتمتع بالاعتبار. فيما يلي، سيتم تفصيل كل منها:
١-١-٣. إرسال السند
وفقًا لتعريف الحديث عند الشيعة، لا تندرج العبارات المذكورة ضمن الحديث، لأن قول وفعل وتقرير النبي (ص) والمعصومين (ع) هو ما يُعد حديثًا. وإذا نقل ابن عباس وعطاء بن أبي مسلم الخراساني عن النبي (ص) والمعصوم، فإن كلامهما يندرج ضمن الأحاديث المرسلة. وإرسال السند من أسباب ضعف الحديث. عندما ينقل شخص رواية دون أن يكون قد أدرك المعصوم، تسمى تلك الرواية مرسلة (الجباعي العاملي، ١٤١٣هـ، ١٣٦؛ المامقاني، ١٤١١هـ، ١: ٣٤٠). المقصود بالإدراك هو لقاء المعصوم والراوي في الحديث. لذلك، من الممكن أن ينقل صحابي حديثًا عن النبي (ص) وفي نفس الوقت يكون حديثه مرسلاً؛ أي أنه ينقله عن طريق صحابي آخر عن النبي (ص) (الرباني، ١٣٨٠ش، ١٧٦). يقول المحقق المددي في حاشية الرعاية: رواية ابن عباس عن النبي (ص) هي كذلك؛ لأن كل ما رواه عن النبي (ص) كان عن طريق علي (ع) وسائر الصحابة (الجباعي العاملي، ١٤١٣هـ، ١٣٦).
السبب في قولنا إن ابن عباس في هذه الحالة بالذات لا يمكنه أن ينقل حديثًا عن النبي (ص) هو أنه وُلد قبل ثلاث سنوات من الهجرة في شعب أبي طالب (البلاذري، ١٤١٧هـ، ٤: ٢٧؛ ابن الأثير، ١٤٠٩هـ، ٣: ١٨٦-١٨٧). لذلك، لم يكن شاهدًا على نزول الوحي في السنوات الأولى من البعثة، ونظرًا لصغر سنه في السنوات الثلاث الأخيرة من الإقامة في مكة، لا يمكنه أن يكون ناقلاً للحديث. فلا يمكن الاستناد إلى قوله. بالإضافة إلى ذلك، فإن بروز شخصية ابن عباس لا يلعب دورًا في قبول مرسلاته، لأنه وفقًا لأصح الأقوال عند الأصوليين والمحدثين، فإن الحديث المرسل ليس حجة مطلقًا؛ سواء كان هذا الإرسال من صحابي أو غير صحابي؛ سواء سقط راوٍ واحد أو أكثر؛ سواء كان مرسله شخصية بارزة أم لا (الجباعي العاملي، ١٤١٣هـ، ١٣٧). من جهة أخرى، لا يعتبر السيد محمد العاملي والعلامة الأردبيلي وآية الله الخوئي المرسلات حجة مطلقًا، حتى المرسلات المنقولة عن ابن أبي عمير وأصحاب الإجماع (الموسوي العاملي، ١٤١٣هـ، ٢: ٩٣؛ الأردبيلي، ١٤١٤هـ، ٨: ٢٢٤؛ الخوئي، بي تا، ١: ٦٣).
لم يقتصر الأمر على نقل ابن عباس للحديث المذكور بشكل مرسل، بل إن عطاء بن أبي مسلم الخراساني أيضًا روى عن ابن عباس بشكل مرسل، لأنه بحسب قول آية الله معرفت، كان يسكن دمشق ولم يلتقِ بأي من الصحابة سوى أنس بن مالك، ورواياته عن الصحابة، خاصة ابن عباس، مرسلة (معرفت، ١٤١٥هـ، ١: ٤١٧). وهو لم يروِ عن ابن عباس فقط، بل عن المغيرة بن شعبة أيضًا بشكل مرسل، وكان ابنه عثمان، وشعبة، والأوزاعي وآخرون يروون عنه (الزركشي، ١٤١٠هـ، ٢: ٢٩٥).
٢-١-٣. التفرد والاضطراب في النقل
على الرغم من ذكر الحديث المذكور في المصادر العامة والخاصة، إلا أنه بقليل من التأمل يمكن إدراك أن جميعها إما أعادت سرد كلام ابن ضريس أو نقلته عن الأستاذ أحمد. بعبارة أخرى، يمكن القول إن هذا الحديث نُقل لأول مرة من قبل ابن ضريس ثم وجد طريقه إلى مصادر أخرى. لذلك، على الرغم من وجود هذا الحديث في مصادر مختلفة – عامة وخاصة – فإنه لا يمتلك أسانيد متعددة.
تجدر الإشارة إلى أن الطريق الذي اتبعه الحاكم الحسكاني في نقل الحديث يختلف عن طريق ابن ضريس والأستاذ أحمد في بعض الطبقات. لذلك، يمكن القول إن الحديث، في مجمله، نُقل بثلاث طرق.
من خلال تتبع هذه الطرق الثلاث، يمكن فهم أنه على الرغم من أن الحلقات الأولى من الرواة تتكون من أفراد مختلفين، إلا أن المصادر الثلاثة تشترك في ثلاث حلقات أخيرة. حيث روى عطاء دائمًا عن أبيه عن ابن عباس. وبما أن بعض الأفراد يعتبرون وجود حلقة مشتركة في أسانيد الرواية علامة على وضع الحديث (آقائي، ١٣٩١ش، ٦٠)، فإن وجود ثلاث حلقات مشتركة في أسانيد الرواية المذكورة يمكن اعتباره علامة على ضعفها الكبير. من ناحية أخرى، بما أن آخر شخص في الحلقة في كل من الروايات الثلاث هو ابن عباس، فإن الرواية تُعتبر منفردة، وبسبب التفرد في النقل تُصنف ضمن الأحاديث الضعيفة (صبحي صالح، ١٣٧٢ش، ١٧٠).
بناءً على ذلك، بالنظر إلى التفرد في النقل، ووجود حلقة مشتركة تتكون من ثلاثة رواة، والاضطراب في السند – حيث يكون آخر شخص في حلقة الحديث أحيانًا ابن عباس وأحيانًا عطاء الخراساني – وعدم وجود أسانيد وطرق أخرى للحديث في هذا الموضوع الهام، يمكن طرح احتمال وضع الحديث، وبالتالي، بسبب الضعف المتعدد والجم في صحة الحديث، يُشكك فيه.
٣-١-٣. ضعف الرواة
الرواة الموجودون في سلسلة السند ليسوا معتبرين؛ عثمان بن عطاء الخراساني، المشهور بعطاء بن أبي مسلم المحدث، أصله من العراق ووُلد في بلخ عام ٨٨ هـ، ولقب بالخراساني لإقامته في خراسان، وتوفي عام ١٥٥ هـ. يعتبره مكي بن إبراهيم البلخي قدريًا (ابن حجر، ١٤١٥هـ، ١: ٣٩٢). يُقال عنه إنه لم يكن يتمتع بذاكرة قوية ولا يمكن الاعتماد على ذاكرته (الذهبي، ١٤٠٥هـ، ٦: ١٤٠). وقد روى عن أبي الدرداء، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة بشكل مرسل. يعتقد الدارقطني أنه على الرغم من روايته عن ابن عباس، فإنه لم يلتق به، وبالتالي فهو متهم بالتدليس في هذا الشأن (المزي، ١٤٠٨هـ، ٢٠: ١٠٧؛ ابن حجر، ١٤١٥هـ، ١: ٣٩٢). كما وصفه الدارقطني بأنه ضعيف الحديث. وقال عنه ابن حبان وأبو حاتم الرازي إنه لا يجوز الاحتجاج برواية عثمان بن عطاء. واعتبره ابن جنيد متروك الحديث (الدارقطني، ١٤١٧هـ، ١١: ٤٥). ونقل ابن عدي الجرجاني عن عمرو بن علي قوله إن عثمان بن عطاء الخراساني منكر الحديث. كما نقل عن ابن حماد قوله إن سعدي قال عن عثمان بن عطاء إنه ليس قويًا في الحديث (ابن عدي، ١٤٢٠هـ، ٥: ٤٥).
وقد ضعّفه مسلم ويحيى بن معين، ووصفه عمرو بن علي بأنه منكر الحديث. وبحسب قول مرة، فهو متروك الحديث. ووصفه الجوزجاني بأنه غير قوي في الحديث، والنسائي بأنه غير ثقة. وقال ابن خزيمة: لا أحتج بحديث عثمان بن عطاء. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولكن لا يُحتج به. وضعّفه الساجي والبرقي وابن حبان أيضًا. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي عثمان بن عطاء عن أبيه أحاديث موضوعة (كلانتري أرسنجاني، ١٣٨٤ش، ١٤٩). وينقل الترمذي عن البخاري قوله إن معظم أحاديثه مقلوبة. ووضعه البخاري والعقيلي أيضًا في عداد الضعفاء (الذهبي، ١٤٠٥هـ، ٦: ١٤٠). الراوي الآخر في سلسلة السند، عطاء بن أبي مسلم، والد عثمان، أصله من البصرة ولكنه اشتهر بالخراساني لإقامته في خراسان. قيل عنه إنه كان ضعيف الذاكرة، ولهذا السبب اختلفوا في توثيقه (أيوب، ١٤٢٥هـ، ١٤٢). بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن أبا حاتم وثّقه (معرفت، ١٤١٥هـ، ١: ٤١٧). ونقل السيوطي عن التهذيب قوله إنه كان كثير الخطأ وأهل الإرسال والتدليس (السيوطي، ١٤٢١هـ، ٢: ٥٠٥).
٢-٣. النقد المتني
عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» من الناحية المتنية أيضًا لا اعتبار لها. هذه العبارة تتعارض مع القرآن، ومع الرواية المنقولة عن الإمام المعصوم (ع)، وكذلك مع رواية أخرى منقولة عن ابن عباس – راوي الحديث المذكور. فيما يلي، سيتم بيان وتفصيل كل منها:
١-٢-٣. المخالفة للقرآن
في البداية، سيتم بحث المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة ‘سورة’، ثم سيتم الاستدلال على مخالفة عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ…» للقرآن.
المعنى اللغوي (سورة): قال ابن منظور إن كلمة ‘سورة’ تطلق على المباني الجميلة الشاهقة، كما تطلق على الأجزاء المختلفة من مبنى كبير. ولهذا السبب، سُميت أجزاء القرآن المختلفة التي فُصلت بـ«بسم الله» عن بعضها البعض، سورة (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ٤: ٣٨٧). وقد أخذها البعض بمعنى بقايا الطعام والشراب في الإناء. وبما أن السورة جزء وقطعة من القرآن كله، فقد لُقبت بهذا الاسم (أبو الفتوح الرازي، ١٤٠٨هـ، ١: ١٥). وقيل أيضًا إنها بمعنى السور والجدار المحيط بالمدينة، وبما أن السورة تحيط بالآيات وتجمعها في مجموعة مستقلة، فقد سُميت بهذا الاسم (الزركشي، ١٤١٠هـ، ١: ٣٦١). كما وردت بمعنى المقام والمنزلة الرفيعة، كما عبر النابغة الذبياني: بما أن الوحي الإلهي حتى في صورة سورة قصيرة له مقام ومنزلة رفيعة، فقد زُين بهذا الاسم (العاصمي، ١٩٧٢م، ٢٨٤).
قال السيوطي: السورة مأخوذة من ‘تسوّر’ في آية «وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ» (ص: ٢١) بمعنى التصاعد والتركيب. وبسبب وضع سور القرآن فوق بعضها البعض، سُميت بهذا الاسم (السيوطي، ١٤٢١هـ، ١: ١٩١). السورة مأخوذة من ‘سوار’ وهو بمعنى السوار. وبما أن سور القرآن كالأسورة تحيط بالآيات، فقد سُميت بهذا الاسم (نفس المصدر).
المعنى الاصطلاحي (سورة): تطلق على جزء من آيات القرآن له بداية ونهاية، أو جزء من الآيات يقع بين بسملتين (نفس المصدر: ١٩٢). تجدر الإشارة إلى أن التعريف الثاني للسورة يواجه إشكالات، منها أن سورة الأنفال والتوبة لا تقع بين «بسم الله»، وآخر سورة في القرآن لا تقع بين «بسم الله»، و«بسم الله» الموجودة في سورة النمل لا يشملها هذا التعريف (حجتي، ١٣٨١ش، ٨٤).
أول وأقوى دليل على نزول سور القرآن بشكل متصل هو وجود آيات فيها كلمة «سورة»، وطلب المؤمنين والمخالفين من النبي (ص) نزول القرآن لتلبية احتياجاتهم وأهدافهم بلفظ «سورة»، مثل: «وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ» (محمد: ٢٠). في هذه الآية، يطلب المؤمنون من النبي (ص) وربهم نزول حكم القتال، ويطلبون من الله أن ينزل السورة لا الآية. «سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (النور: ١)، «وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ» (التوبة: ٨٦)، «وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» (التوبة: ١٢٤)، «وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ» (التوبة: ١٢٧).
من الآيات المذكورة، يمكن استنتاج أن نزول القرآن الكريم يكون في قالب سورة وليس آية (خامه گر، ١٣٩٦ش، ٩-١٢). على الرغم من أن القرآن تحدث عن المعنى الاصطلاحي للآيات وقال: «وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (القصص: ٨٧)، إلا أن معظم استخدامات كلمة آية أو آيات في القرآن الكريم هي بمعنى العلامة والمعجزة، والتي يمكن أن تسمى سورة أو مجموعة من السور آية. من ناحية أخرى، تحدي القرآن بسورة في آية «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» (يونس: ٣٨) يدل على اكتمال السورة وعدم إلحاق آية أو آيات بها، لأنه لو كان القرآن يتحدى قبل اكتمال السورة، لكان من الممكن للمخالفين تلبية هذا الطلب. لهذا السبب، لم يتم التحدي في أي مكان في القرآن بأقل من سورة. بناءً على هذا الاستدلال، يمكن الحكم باتصال نزول سور القرآن الكريم.
٢-٢-٣. المخالفة للأحاديث
بالإضافة إلى الإشكالات المذكورة، فإن عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» المنقولة عن ابن عباس، تتعارض مع قول آخر لسعيد بن جبير وابن عباس بشأن النزول المتصل للآيات. الأحاديث هي كالتالي: «وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى تُنْزَلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِذَا نَزَلَتْ عَلِمُوا أَنَّ قَدِ انْقَضَتْ سُورَةٌ وَنَزَلَتْ أُخْرَى» (السيوطي، ١٤٠٤هـ، ١: ٧).
«حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثنا رَحِيمُ بْنُ الْيَتِيمِ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَدْلُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّرِيرُ، قَالَا: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَعْلَمُونَ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِذَا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلِمُوا أَنَّ السُّورَةَ قَدِ انْقَضَتْ» (الحاكم النيسابوري، ١٤١١هـ، ١: ٣٥٦).
«سَأَلْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ، وَحَدَّثَنَا بِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ، أَنْبَأَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلِمَ أَنَّهَا سُورَةٌ» (نفس المصدر، ٢: ٦٨٨).
«وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ سَالِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْآدَمِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَعْلَمُ خَتْمَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» (البيهقي، ١٤٠٥هـ، ١: ١٢٦).
«أبو علي الروذباري في كتاب السنن أنبأ أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن محمد الماروزي وابن السرح قالوا ثنا سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير قال قتيبة عن ابن عباس قال كان رسول الله (ص) لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (نفس المصدر: ٢: ٤٢).
«قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول الله (ص) يعرف ختم السورة حتى نزلت بسم الله الرحمن الرحيم وعن ابن عباس قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم» (البغوي، ١٤٢٠هـ، ١: ٧٣).
بناءً على كلام سعيد بن جبير وابن عباس، يمكن القول إنه كلما نزلت «بسم الله الرحمن الرحيم»، كان المسلمون يعلمون أن السورة السابقة قد انتهت وبدأت سورة جديدة. وهذا الكلام يدل على أنه لم تكن تنزل سورة جديدة حتى تنتهي السورة التي قيد النزول. لذلك، يُستفاد من هذا القول النزول المتصل للسور؛ بمعنى أنه لم يكن ينزل بين آيات سورة واحدة نزول سورة أخرى، ولم يبدأ نزول سورة وتستمر شهورًا بشكل متقطع.
بناءً على الروايات المنقولة من طرق العامة والخاصة (العياشي، ١٣٨٠ش، ١: ١٩؛ العروسي الحويزي، ١٤١٥هـ، ١: ٦؛ عبد الرزاق، ١٤٠٣هـ، ٢: ٩١؛ الواحدي، ١٤١٥هـ، ١: ٦٢)، كان المسلمون يعلمون بانتهاء السورة السابقة وبدء سورة جديدة بنزول «بسم الله الرحمن الرحيم». هذه الروايات، التي نُقلت في المصادر الخاصة عن الإمام الصادق (ع) من طريق صفوان الجمال، وفي المصادر العامة عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي هريرة، بعبارات مختلفة ومضمون واحد.
في مصادر الإمامية، ورد أن صفوان الجمال نقل عن الإمام الصادق (ع): «ما أنزل الله من السماء كتابًا إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما كان يُعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداءً للأخرى» (العياشي، ١٣٨٠ش، ١: ١٩).
على الرغم من أن الروايات المنقولة من الفريقين بعبارات مختلفة، مما يشير إلى النقل بالمعنى، إلا أن مضمونها واحد وتصرح بحقيقة أن نزول «بسم الله الرحمن الرحيم» يدل على انتهاء السورة السابقة وبدء سورة جديدة. لذلك، فإن كل ما نزل بين بسملتين هو آيات سورة واحدة، ونزول آية أو آيات تابعة للسورة السابقة بعد نزول البسملة لا مفهوم له. وبالتالي، فإن دلالة هذا الحديث على النزول المتصل لآيات كل سورة واضحة، ويمكن اعتبار هذا الاعتقاد نقطة مقابلة لفهم بعض المعاصرين لنشأة الآيات المستثناة بالاعتماد على عبارة «إذا كانت…».
بناءً على ذلك، بالنظر إلى الروايات المذكورة، يمكن استنتاج أن سور القرآن الكريم نزلت بشكل متصل، وأن قول عثمان بن عطاء الخراساني نقلاً عن ابن عباس بشأن بدء نزول السورة في مكة واكتمالها في المدينة لا يبدو صحيحًا.
٣-٢-٣. الزيادة في المتن
لإثبات تفرق نزول بعض السور، استُند إلى عبارة «فَكَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» (سياوشي، ١٣٨٧ش، ١١٢). يُستنبط من هذه العبارة أن هذا الأمر، في حالة جميع سور وآيات القرآن، أمر طبيعي وممكن. لكن الروايات التي استخدمت هذه العبارة غير قابلة للاستناد، لأن نسبتها إلى ابن عباس وعطاء غير مثبتة، حيث إن روايات ترتيب النزول الأخرى، التي وردت عن عطاء بن أبي مسلم أو عنه نقلاً عن ابن عباس في مصادر أخرى، خالية من العبارة المذكورة وتكتفي بذكر أسماء السور المكية والمدنية بشكل منفصل (الحسكاني، ١٤١١هـ، ٢: ٤٠٩-٤١٠). وقد أورد الماوردي رواية ترتيب النزول كاملة نقلاً عن آدم بن أبي إياس عن أبي شيبة عن عطاء الخراساني. ترتيب السور المدنية مطابق تمامًا للترتيب الوارد في رواية الحاكم الحسكاني (الماوردي، بي تا، ٣٠٩-٣١٠). هذا التوافق في المتن والسند هو في الواقع قرينة على وحدة أصل هاتين الروايتين. لكن الفرق بين هذين النقلين هو أن جملة «فَكَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِالْمَدِينَةِ» لم ترد في بداية رواية أبي الحسن الماوردي.
كما أن رواية عطاء عن ابن عباس بأسانيد مختلفة في مصادر أخرى مثل المقدمتان (العاصمي، ١٩٧٢م، ١٠-١١)، وفهرست ابن النديم (ابن النديم، ١٤١٧هـ، ٤٣)، وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني (الحسكاني، ١٤١١هـ، ٢: ٤٠٩-٤١٠) وردت بدون هذه الزيادة. لذا، فإن وجود هذه العبارة في أصل الرواية محل شك، ولا يمكن بناءً عليه استنتاج عدم تتابع نزول أجزاء بعض السور.
٤. دراسة حالة لسورة بناءً على عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ …»
بعد نقد عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…» من زوايا مختلفة، والتي أصبحت أحد أسس نشأة الآيات المستثناة، يتم الآن دراسة حالة إحدى السور. سبب اختيار سورة المزمل هو أنه في بعض المصادر يُدعى أن الآيات الأولى من سورة المزمل نزلت في مكة والآيات ١٠ و١١ و٢٠ منها نزلت في المدينة. والآن، سيُثبَت بالأدلة أن سورة المزمل نزلت بكاملها في مكة،1 وبالتالي فإن ضعف حديث «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…» يتجلى أكثر من أي وقت مضى. وفيما يلي، سيتم عرض نقد ودراسة للآيات ١٠ و١١ و٢٠ من هذه السورة.2
«وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا» (المزمل: ١٠-١١)
نقل ابن الجوزي عن ابن عباس أن سورة المزمل مكية ما عدا الآيتين ١٠ و١١. كما نقل عن ابن يسار ومقاتل أن الآية ٢٠ فقط من هذه السورة مدنية (ابن الجوزي، ١٤٢٢هـ، ٤: ٣٥٢). كون الآيتين ١٠ و١١ مدنيتين غير مقبول للأسباب التالية:
أولاً: بدأت الآية ١٠ بحرف العطف «واو» (الصافي، ١٤١٨هـ، ٢٩: ١٣٦) وبهذا تكون مرتبطة بالآية التي قبلها. وبما أن الآية ١٠ معطوفة على الآية التي قبلها، فلا بد أنها نزلت معها، لأن الجملة المعطوفة لا تقع في بداية الكلام. هذه القاعدة تنطبق أيضًا على الآية ١١، لأنها تبدأ أيضًا بحرف العطف «واو» وتدل على اتصالها بما قبلها. لذلك، يمكن استنتاج أن الآيتين ١٠ و١١ نزلتا مع الآيات السابقة وهما مكيتان.
ثانيًا: «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» في آخر الآية التاسعة «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» (المزمل: ٩) مرتبطة بـ«وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ» في الآية العاشرة – التي استُثنيت. توضيح ذلك هو أن لازم اتخاذ الله وكيلاً هو الصبر على ما يقولون وما يؤذون به النبي (ص) من اتهامات بالكهانة والشعر والجنون (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٢٠: ٦٦). بعبارة أخرى، الصبر والتوكل متلازمان. فالإنسان الذي لديه توكل قوي يكون صبورًا وشكورًا في المصائب.
ثالثًا: التهديد المستخدم في عبارة «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا» في الآية ١١ يتناسب مع العقاب المذكور في الآيتين ١٢ و١٣ «إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا» (المزمل: ١٢)، «وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا» (المزمل: ١٣). توضيح ذلك أن المهلة القصيرة تشير إلى الحياة الدنيا، كما وُصفت مدة الإقامة في هذه الدنيا بالقصيرة في آيات أخرى من القرآن: «قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (المؤمنون: ١١٢-١١٤). بعبارة أخرى، يقول الله سبحانه للنبي (ص): اتركني مع هؤلاء المكذبين المنعمين وأمهلهم أيامًا قليلة يعيشونها في هذه الدنيا، وعندما يأتون إلينا، فإن الأغلال والسلاسل والطعام الذي يغص به الحلق والعذاب الأليم مهيأ لهم. الآن، إذا استُثنيت الآيتان ١٠ و١١، فستكون هناك فجوة بين التهديد والعقاب، مما يضعف أثر التهديد، أو قد لا يعلم المخاطب ما هو الهدف من ذكر العقاب في هذه الآيات.
أما إذا كان نزول الآيات متصلاً، فإن المخاطب يعلم أن الهدف من ذكر العقاب هو تهديد المكذبين المنعمين الذين يسببون الأذى للنبي (ص) بأقوالهم ويعتبرون كلامه سحرًا، وهو مجنونًا، ومعجزاته أساطير الأولين.
«إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (المزمل: ٢٠)
نقل ابن الجوزي عن ابن يسار ومقاتل أن الآية ٢٠ من سورة المزمل مدنية (١٤٢٢هـ، ٤: ٣٥٢). يقول المرحوم الطبرسي إن البعض يعتقد أن الآية المذكورة نزلت في المدينة، ودليلهم على ذلك ذكر الصلاة والزكاة في هذه الآية، وبما أن هاتين الفريضتين أصبحتا واجبتين في المدينة، فإن الآية المذكورة مدنية أيضًا. ويقول إن هذا في حين يعتقد البعض أن الصلاة والزكاة كانتا واجبتين على المسلمين في مكة (الطبرسي، ١٣٧٢ش، ١٠: ٥٧٦).
في نقد الرأي المذكور الذي نقله ابن الجوزي عن ابن يسار ومقاتل، يجب القول إن أسلوب مقاتل في بيان الآيات المستثناة كان بذكرها في بداية السورة. قال مقاتل في بداية سورة المزمل: هذه السورة مكية، ولم يذكر أي استثناء (البلخي، ١٤٢٣هـ، ٤: ٤٧٣). ما أدى بابن الجوزي إلى سوء الفهم هو أن مقاتل قال تحت الآية ٢٠ من هذه السورة: إن المقصود بـ«فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» هو قراءة القرآن في الصلوات الخمس (نفس المصدر: ٤٧٩)، وبما أن الصلوات الخمس، حسب اعتقاد البعض، أصبحت واجبة في المدينة، فقد ظن ابن الجوزي أن مقاتلاً يقول باستثناء الآية ٢٠ من سورة المزمل. يبدو أن ابن الجوزي كان متخصصًا في سوء فهم كلام الآخرين، لأنه ارتكب نفس الخطأ تحت الآية ٣١ من سورة «المدثر» والآية ٤٨ من سورة «المرسلات». وليس من المستبعد أنه أخطأ أيضًا في فهم كلام مقاتل بشأن استثناء الآيتين ١٠ و١١.
بناءً على النص الصريح للقرآن، من سورة العلق – أول سورة نزلت – كان النبي يصلي منذ بداية البعثة، حيث يقول: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى» (العلق، ٩-١٠)، وبناءً على الروايات التاريخية، كان آخرون مثل علي (ع) وخديجة (س) يرافقونه في هذا الأمر (المفيد، بي تا، ١: ٢٩-٣٠؛ ابن حجر، ١٤١٥هـ، ٤: ٤٢٥). كما أنه، حسب الاعتقاد المشهور، أول صلاة واجبة حدثت بعد حادثة المعراج للنبي (ص). وقد حدث معراج الرسول الأكرم (ص) في مكة، لأن حادثة المعراج ذُكرت في سورة النجم، وهذه السورة، بناءً على رواية راميار، هي السورة الثالثة والعشرون التي نزلت (راميار، ١٣٦٢ش، ٦١١)، وبعدها نزلت ٦٤ سورة أخرى في مكة. ومن المثير للاهتمام أن الآيات التي تشير إلى أوقات الصلاة تقع في سور جاءت من حيث ترتيب النزول بعد سورة النجم.
على سبيل المثال، آيات: «فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى» (طه: ١٣٠) وهي السورة الخامسة والأربعون، «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا» (الإسراء: ٧٨) وهي السورة الخمسون، و«وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ» (هود: ١١٤) وهي السورة الثانية والخمسون (راميار، ١٣٦٢ش، ٦١١). يمكن القول إن ادعاء وجوب الصلاة في المدينة غير صحيح بناءً على الأدلة المذكورة، وأن الصلاة أصبحت واجبة على المسلمين في مكة.
بشأن وجوب الزكاة في المدينة، يجب القول: في الآية ٣٩ من سورة «الروم» المكية، تم الحديث عن الزكاة: «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ». ومن المثير للاهتمام أن الآية ٣٨ من نفس السورة استُثنيت ولكن الآية ٣٩ لم تُستثنَ. في الآية ٣ من سورة «النمل» المكية، عُدت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة واليقين بالآخرة من صفات المؤمنين: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ». في الآية السابعة من سورة «فصلت» المكية، خُصص «الويل» للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ويكفرون بالآخرة: «الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ». هذه الآيات، التي تقع في سور مكية ولم تُستثنَ، تدل على أن عبارة الزكاة موجودة أيضًا في السور المكية وتعني الصدقة والإنفاق المالي، لا الزكاة الواجبة الشرعية.
بالإضافة إلى ما سبق، فسر العلامة الطباطبائي الزكاة في الآية ٣١ من سورة مريم: «وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا» والتي هي مكية، بأنها الإنفاق المالي (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ١٤: ٤٧). وكذلك في آيات «وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» (مريم، ٥٥)، و«وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (الأنبياء: ٧٣)، استُخدمت عبارة الزكاة، وكلها نزلت في مكة.
التمسك بكون الآية ٢٠ من سورة المزمل مدنية لأن الصلاة والزكاة لم تكن واجبة في مكة هو استدلال غريب، لأن الصلاة هي أول فريضة أوجبت في مكة. أما بشأن الزكاة، فيجب القول إن الزكاة المذكورة في الآية ٢٠ ليست الزكاة الواجبة بحدودها ونصبها المقررة، بل هي أي نوع من الصدقة التي كانت واجبة في ذلك الوقت؛ كما ورد في الآيات ٤ من سورة المؤمنون و٧ من سورة فصلت. نعم، تفصيل حدودها وأحكامها جاء في المدينة ولكن أصلها أوجب في مكة (معرفت، ١٤١٥ق، ١: ٢٧١).
بالإضافة إلى ذلك، يمكن حل هذا التناقض من خلال المعنى المتطور للكلمات عبر التاريخ، بمعنى أن جميع الآيات المتعلقة بالزكاة في القرآن الكريم لا تعني بالضرورة الزكاة الواجبة. توصية النبي إسماعيل لأتباعه لا تعني الزكاة الواجبة التي شُرعت في المدينة: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» (مريم، ٥٤-٥٥). وكذلك توصية الأنبياء قبل النبي محمد (ص) لأتباعهم في آيات «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (الأنبياء: ٧٣) و«وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ» (البقرة: ٨٣) وتوصية النبي عيسى «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا» (مريم، ٣٠-٣١).
في اللغة الفارسية أيضًا، كان لبعض الكلمات معانٍ ومصاديق مختلفة عبر التاريخ. مثل كلمة «شوخ» التي استُخدمت في رحلة ناصر خسرو بمعنى الوسخ والقذارة. استعادة «الشوخ» من النفس تعني التنظيف. لكن اليوم، تُفهم من هذه الكلمة معنى المزاح واللهو. لذلك، في تاريخ أي لغة، يجب الانتباه إلى معنى الكلمات في زمانها، حيث قد تكتسب معاني مختلفة بمرور الزمن، ومن بين هذه الكلمات في لسان أهل التفسير، كلمة الزكاة والصلاة وعبارة «يقاتلون في سبيل الله».
كما أن البعض، بسبب الحديث عن القتال في الآية ٢٠ من سورة المزمل، يعتقدون أن الآية نزلت في المدينة لأنه لم يحدث قتال في مكة وكان المسلمون في موقف ضعف (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٢٠: ٧٤). أجاب مكارم الشيرازي على إشكال العلامة بقوله: بالنظر إلى «سيكون»، فإن هذه الجملة تخبر عن تشريع الجهاد في المستقبل. بعبارة أخرى، تقول الآية: قد يكون لديكم عذر الآن، وستظهر لكم أعذار في المستقبل، لذا لم يأتِ هذا الحكم بشكل دائم، وهذا التوجيه لا يتعارض مع كون الآية مكية (١٣٧٤ش، ٢٥: ١٩٦).
تناول دروزة هذا الموضوع بشكل موسع وذكر أن مفهوم «يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» لا يُستخدم فقط للحرب مع الكفار والمشركين في المدينة، بل يُستخدم أيضًا للدعوة إلى الإسلام وقبول التوحيد. ولتعزيز دليله، أشار إلى حديث «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» (ابن حيون، ١٣٨٥هـ، ٢: ٤٠٢) (دروزة، ١٤٢١هـ، ١: ٤٣٧). بناءً على الحديث المذكور، يمكن استخدام عبارة «يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» للدعوة إلى التوحيد، وبهذا التعبير لا يكون مفهوم «يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» بمعنى الجهاد الاصطلاحي، ويمكن أن يكون قد استُخدم في مكة أيضًا.
ويرى ابن عاشور أيضًا، لحل التعارض بين كون الآية ٢٠ مكية وعبارة «يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، أن هذه العبارة يمكن أن تكون من الأخبار الغيبية لله ومعجزة (١٤٢٠هـ، ٢٩: ٢٣٥). فإذا فُسرت عبارة «يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» بالجهاد مع الكفار، فإنها لا تدل على مدنية الآية. توضيح ذلك هو أن في القرآن آيات كثيرة استُخدم فيها الفعل المضارع للزمن المستقبل. على سبيل المثال: «يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي» (الفجر: ٢٤)؛ القيامة: ١٠؛ الأعراف: ٥٣؛ القمر: ٧؛ المعارج: ٤٣. بناءً على ذلك، يمكن القول إن التخفيف في قراءة القرآن بسبب القتال الذي سيقع في المستقبل.
لذلك، لا يمكن الاعتماد على عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…» وقبول الآيات المستثناة من سورة المزمل بناءً عليها.
٥. الاستنتاج
١- أحد أسس نشأة الآيات المستثناة هو الاعتماد على رواية «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…».
٢- تمت دراسة هذه الرواية من الناحية السندية، ومن الناحية السندية، لوحظت أسباب مثل؛ إرسال السند، والتفرد، والاضطراب في النقل، وضعف الرواة، مما يثير الشك في صحة الحديث المذكور.
٣- هذه الرواية من الناحية المتنية أيضًا مخالفة للقرآن الكريم ومعارضة للأحاديث المنقولة عن الأئمة المعصومين (ع). بالإضافة إلى ذلك، فإن عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…» هي زيادة لم توجد في الروايات الأخرى المنقولة عن رواة هذه السلسلة السندية، وفي الاصطلاح، يُعد هذا حديثًا مزيدًا، والحديث المزيد يُدرج ضمن الأحاديث الضعيفة.
٤- بالإضافة إلى الإشكالات الواردة على الحديث المذكور، فإن الآيات المستثناة لا تتوافق كثيرًا مع الرواية المنقولة عن ابن ضريس بشأن السور التي بدأت في مكة واكتملت في المدينة. أسباب مثل التناسب الكامل للآيات المستثناة مع سياق السورة، والأدلة النحوية والبلاغية، والمستندات التاريخية، وكون بعض الآيات مفسرة لبعضها الآخر، تشوه نظرية الآيات المستثناة أكثر من ذي قبل.
٥- نُقلت هذه الرواية لأول مرة عن ابن ضريس في كتاب فضائل القرآن. بعده، قام الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، والسخاوي في جمال القراء، والسيوطي في الإتقان، والشوكاني في فتح القدير بذكر الرواية. في مصادر الشيعة، كان كتاب مجمع البيان للمرحوم الطبرسي أول من ذكر الرواية، ثم نقلها العلامة المجلسي في بحار الأنوار، وبعده الملا فتح الله الكاشاني في منهج الصادقين. من خلال تحليل هذا الحديث، يمكن فهم أنه على الرغم من نقله في المصادر العامة والخاصة، إلا أنهم جميعًا نقلوا كلام ابن ضريس، وقد اعتمد البعض على هذه الرواية وبالتالي حكموا بنشأة الآيات المستثناة.
٦- بنقد ودراسة الآيات المستثناة من سورة المزمل وإثبات نزول جميع آيات هذه السورة في مكة، اتضح أكثر من ذي قبل عدم صحة وضعف عبارة «كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ مَكِّيَّةً…».
الهوامش
١. مشابه لاسم «آدم بن أبي إياس» في رواية الحسكاني، ويبدو أنه وقع تصحيف في اسم الراوي.1
٢. تجدر الإشارة إلى أنه قد نُشر مقال في هذا المجال بعنوان «باحثو القرآن والآية الأخيرة من سورة المزمل» بقلم عذراء شكر اللهي، ومحمدرضا حاجي إسماعيلي، وداود إسماعيلي في المجلة العلمية البحثية للدراسات القرآنية (ربيع ١٣٩٥)، وقد ناقش الموضوع بالتفصيل واعتبر الآية ٢٠ من سورة المزمل مكية.2