إعادة قراءة إعجاز القرآن الكريم من منظور روايات المعصومين (عليهم السلام)

الملخص

يُعدّ الإعجاز من أقدم العلوم التي نشأت حول القرآن الكريم، إلا أن مصطلح “المعجزة” لم يشتهر إلا في منتصف القرن الثالث الهجري. وفي بيانات المعصومين (عليهم السلام)، يمكن لمصطلحات مثل “حجة الله”، و”البرهان”، و”العهد”، و”البينة”، و”الآية” أن تشير إلى جانب الإعجاز في القرآن الكريم. في البداية، كان ما لفت انتباه العلماء المسلمين هو فصاحة القرآن وبلاغته ونظمه، وظلت هذه السمة حتى يومنا هذا أبرز وجوه الإعجاز المطروحة. ومع ذلك، لا يوجد في آيات التحدي أو روايات المعصومين (عليهم السلام) التي هي عدل القرآن، أي تعبير صريح يؤيد هذا الجانب. إن تحدي القرآن الكريم في الآية 49 من سورة القصص، والأوصاف المذكورة في الروايات مثل “النور”، و”الحبل المتين”، و”المنجي”، و”المصباح”، و”القائد”، وغيرها، تعبّر عن جانب الهداية في القرآن. في هذا البحث، تم السعي من خلال منهج وصفي-تحليلي وتتبع دقيق في كتب اللغة، والمؤلفات المتعلقة بإعجاز القرآن، والمصادر الروائية المعتبرة، إلى بيان المادة اللغوية لـ “العجز”، ومصطلح “المعجزة” وشروطه، والتعابير المستخدمة في الروايات بدلاً من كلمة “المعجزة”، ووجوه إعجاز القرآن. الهدف من طرح هذه المسائل هو إعادة قراءة إعجاز القرآن الكريم من منظور روايات حضرات المعصومين (عليهم السلام). والنتيجة هي أن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أولوا عناية خاصة بجانب الهداية في القرآن الكريم، ولذلك كانوا يولون اهتماماً دائماً لتعاليمه ومعارفه العميقة، وقلّما اهتموا بالجانب الأدبي للقرآن.

1. طرح المسألة

إن البحث والنقاش حول كون القرآن الكريم إلهياً قد بدأ منذ بداية نزول الوحي واستمر طوال فترة رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) بين الذين كانوا يستمعون لآيات القرآن، وخاصة بين المعارضين والمنكرين من قبيلة قريش. وتدل هذه النقاشات على أن لتلاوة آيات القرآن تأثيراً خاصاً على السامعين. بالإضافة إلى التقارير التاريخية، تشير آيات القرآن نفسها بوضوح إلى هذه النقطة من خلال تعابير مثل: “مفتريات”، “أساطير”، “شعر”، “سحر”، وهي اتهامات وجهها المعارضون للقرآن الكريم، كما أن وصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بـ”كاهن”، “شاعر”، “مجنون” أو “ساحر” يدل في الواقع على التأثير الهائل للقرآن على مخاطبيه. في المقابل، يرد الله تعالى على هذه الاتهامات ويوضح أن القرآن الكريم هو وحي منزل من لدنه على نبيه (صلى الله عليه وآله)، ويدعو الإنس والجن إلى المعارضة والتحدي بأن يأتوا بكلام مثله إن كانوا صادقين، أو بعشر سور، أو حتى بسورة واحدة مثله. لقد استفاد القرآن الكريم من جهة من التحدي الذي كان سنة جارية عند العرب ورائجة بين الشعراء ليثبت إعجازه، ومن جهة أخرى، هيأت المناظرات الكلامية بين علماء أهل الكتاب والعلماء المسلمين الأرضية لتشكيل البحث النظري في إعجاز القرآن الكريم.

من بين الوجوه التي طرحها العلماء المسلمون لإعجاز القرآن الكريم، تم التركيز أكثر على البعد اللفظي وأقل على البعد المعنوي، في حين أن الأسماء والأوصاف التي يصف بها القرآن الكريم نفسه، مثل الهداية (البقرة: 2، 97، 185)، والموعظة (آل عمران: 138، يونس: 97، هود: 120)، والذكرى (الأعراف: 2)، والبرهان (النساء: 174)، والحكمة البالغة (القمر: 5)، تشير إلى تعاليمه ومعارفه العميقة والهادية. علاوة على ذلك، لم يرد في أي من آيات التحدي ذكر لفصاحة الألفاظ وبلاغتها ونظم القرآن الكريم، ولكن في البداية كان ما لفت انتباه العلماء المسلمين هو فصاحة وبلاغة ونظم القرآن. وهذه السمة، في القرون الأولى، كانت تعتبر الوجه الوحيد للإعجاز، وبعد ذلك أصبحت أبرز وجه له، وظلت دائماً محط اهتمام المفسرين والمتكلمين والعلماء المسلمين، حيث ألفوا رسائل وكتباً في بيانها. ولكن بالتدقيق والتأمل في آيات القرآن الكريم، يتضح أنه تحدى فقط بجانب الهداية فيه، ولم يدعُ مخاطبيه أبداً إلى الإتيان بكلام فصيح وبليغ يضاهي القرآن الكريم؛ (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (القصص: 49). إن تأكيد المعصومين على الجانب المعنوي للقرآن هو ما دفعنا إلى إعادة دراسة هذه المسألة من منظور الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) لنوضح مدى توافق جهود العلماء مع بيان الراسخين في العلم وحملة القرآن الذين هم عدل له.

في هذا البحث، نسعى للإجابة على سؤالين أساسيين: في بيان المعصومين (عليهم السلام)، ما هي جوانب القرآن الكريم التي تم التركيز عليها والتي يمكن أن تشير إلى إعجازه؟ وإلى أي مدى تتوافق المباحث التي طرحها العلماء المسلمون مع بيانات المعصومين (عليهم السلام)؟

في الإجابة على هذين السؤالين، يمكن القول: 1. يُستفاد من الأخبار والروايات أن المعصومين (عليهم السلام) استخدموا في وصف القرآن الكريم تعابير مثل: “حجة الله”، “عهد”، “برهان”، “هادٍ”، “نور”، “عروة وثقى”، “شفاء” وغيرها، وهي تشير إلى محتوى القرآن العميق وتعاليمه الدقيقة. وهذه الأوصاف في سياق بيان المعصومين تعبر عن وجوه إعجاز القرآن. 2. معظم المباحث التي طرحها العلماء المسلمون في باب شروط المعجزة، وأفضلية القرآن الكريم على سائر المعجزات، ووجوه إعجازه، لها جذور في بيانات الأئمة الأطهار (عليهم السلام). بعض الخصائص التي لفتت انتباه المفسرين والباحثين في القرآن في العقود الأخيرة بعد مرور أربعة عشر قرناً على نزول القرآن، وطُرحت كوجوه لإعجاز القرآن الكريم، يمكن تتبعها في الروايات والأخبار ببيان واضح وبسيط. وما يكتسي أهمية بالغة هو توجيه الأئمة الأطهار (عليهم السلام) إلى المحتوى الحكيم والمعارف السامية للقرآن الكريم التي تضمن هداية البشر. على الرغم من كتابة العديد من الآثار حول إعجاز القرآن منذ القدم وحتى اليوم، فإن الآثار التي تناولت هذا الموضوع مباشرة، بعد التتبع، هي: كتاب «إعجاز القرآن في نظر أهل بيت العصمة (ع) وعشرين من كبار علماء الإسلام» للسيد رضا مؤدب؛ في هذا الأثر، تم بشكل موجز سرد بيانات من المعصومين (عليهم السلام) والعلماء حول خصائص القرآن الكريم دون تبيين وجه دلالة الروايات على إعجاز القرآن. مقالة «بحث في وجه إعجاز القرآن الكريم» بقلم منصور پهلوان؛ في هذه المقالة، ضمن الإشارة إلى وجوه الإعجاز المتعددة، تم التأكيد على جانب الهداية في القرآن. ونسعى في البحث الحالي إلى دراسة إعجاز القرآن من منظور الروايات بشكل تحليلي ومفصل ودقيق.

2. دراسة مفهوم المفردات

في بحث إعجاز القرآن الكريم، غالباً ما يُشار إلى المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة “معجزة” وتعريفها. ونظراً للاختلاف في الرأي حول المعنى اللغوي لهذه الكلمة، سنسعى في هذا القسم إلى تحديد معناها بشكل موثق.

1-2. مادة “العجز” في كتب اللغة

كلمة “معجزة” مشتقة من مادة “عجز”. أصل هذه الكلمة هو مؤخر الشيء ودُبُره، وجمعها “أعجاز” (الفراهيدي، 1409هـ، 1: 215). ويذكر ابن الأثير هذا المعنى لكلمة “عَجُز” مستشهداً بقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَإِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَإِنْ طَالَ السُّرَى». مع أن بعض اللغويين وشراح نهج البلاغة فسروا تعبير «أَعْجَازَ الْإِبِلِ» بأنه كناية عن تحمل المشقة والعناء (ابن الأثير الجزري، 1367هـ ش، 4: 185؛ الزمخشري، 1979م، 409؛ الهاشمي الخوئي، 1400هـ، 21: 39)، لأن ركوب مؤخرة البعير أمر شاق وصعب، وكانوا يُركبون عليه الأسرى والعبيد، إلا أن الاحتمال الثاني والأكثر انسجاماً في شرح هذه العبارة هو أنهم قدموا الآخرين عليه وأخّروه (ابن الأثير الجزري، 1367هـ ش، 3: 185؛ ابن منظور، 1414هـ، 5: 371).

الراغب يعتبر كلمة “أعجاز” في الآية الشريفة «كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ» (القمر: 20) بمعنى أصول النخل وجذوره (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 54). وهو يفسر تركيب “عَجُز الإنسان” بمؤخرة الإنسان، ويعتبر استعمال هذه الكلمة في سائر الأمور من باب الاستعارة. ويرى أن أصل “العَجْز” هو التواني والتأخر عن الشيء، ويقول: العجز في الاستعمالات المتعارفة اسم يدل على القصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة (نفس المصدر، 547). وهو يرد جميع مشتقات هذه المادة إلى هذا الأصل. بعبارة أخرى، يرى الراغب أن هناك معنى مشتركاً بين “عَجُز” و”عَجْز”. ولكن ابن فارس والجوهري يذكران أصلين لهذه المادة: 1. مؤخر الشيء 2. الضعف (ابن فارس، 1404هـ، 4: 232؛ الجوهري، 1376هـ، 3: 883). ويرى المصطفوي أن معنى “عَجُز” و”عَجْز” مشترك. ويعتبر أصل مادة “عجز” نقيض القدرة، ويحدد للعجز مراتب، ويرد جميع مشتقات هذه المادة إلى هذا الأصل اللغوي (المصطفوي، 1368هـ ش، 8: 38). يُستفاد من أقوال أهل اللغة أن الأصلين اللغويين المذكورين لمادة “عجز” هما في الواقع فرق بين المعنى الأصلي ولازم المعنى. بعبارة أبسط، أصل مادة “عجز” هو الضعف ونقيض القدرة، والتأخر في إنجاز العمل هو لازم معناه.

وقد ذكروا أن مادة “عجز” في باب “أفعل” تأتي بمعنى الفوت (الجوهري، 1376هـ، 3: 884). وتأتي هذه المادة في باب “مفاعلة” بنفس المعنى، فـ”فلان عاجز فلاناً” يعني أنه سعى إليه ولكنه لم يدركه (ابن فارس، 1404هـ، 4: 232). وفي الآية الشريفة «يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ» (سبأ: 34) أريد هذا المعنى أيضاً (نفس المصدر). الراغب يفسر الأفعال الثلاثة: “أعجزت فلاناً”، و”عجّزته”، و”عاجزته” بمعنى جعله عاجزاً (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 547). من خلال التدقيق في المعاني المذكورة لمشتقات هذه المادة، يُستفاد أن رأي المصطفوي في بيان الأصل اللغوي لهذه المادة هو الأرجح (المصطفوي، 1368هـ ش، 8: 38). فأصل كلمة “عجز” هو الضعف (رضائي أصفهاني، 1381هـ ش، 58)، وسبب فوت الشيء والتواني في تحصيله ينشأ من الضعف تجاهه. بعبارة أخرى، التأخر في الحصول على شيء بسبب الضعف، ومعنى الفوت لمادة “عجز” هو لازم المعنى وليس أصله. ومن هنا، قيل إن الإعجاز هو فوت الشيء (الأزهري، 1384هـ، 1: 220).

2-2. مادة “العجز” في القرآن الكريم

من مشتقات مادة “عجز” في القرآن الكريم فعل “عجزت”، بمعنى العجز وعدم القدرة، كما في الآية «قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ» (المائدة: 31). وبالنسبة لاسم الفاعل “معاجزين” في الآية «وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ» (الحج: 51)، فقد ذُكرت له عدة معانٍ؛ منها “ظانين ومقدّرين أنهم يعجزوننا” (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 547)؛ أي يظنون أنهم يجعلوننا عاجزين. وفسر البعض “معاجزة” بالمسابقة؛ أي أنهم (يظنون) بسعيهم هذا يسبقوننا ويجعلوننا عاجزين (معمر بن المثنى، 1381هـ، 2: 142). وقد ورد أيضاً معنى الميل لفعل “عاجز”؛ “فلان يعاجز عن الحق إلى الباطل أي يميل إليه ويلتجئ” (الزمخشري، 1979م، 409). كما استُعملت مشتقات أخرى لمادة “عجز” في القرآن الكريم بمعنى العجز (الذاريات: 29) أو الإعجاز (هود: 20).

3-2. وجه الارتباط بين معنى العجز ومصطلح المعجزة

“معجزة” هي اسم فاعل من باب “أفعل” من مادة “عجز”. المعنى المذكور في كتب اللغة لمادة “عجز” يتجلى بوضوح في كلمة “معجزة”، حيث يُقال في تعريفها: إنها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، وسالم من المعارضة (السيوطي، 1421هـ، 2: 238). وبما أن المعجزة تخرق قوانين الطبيعة وتجري على خلاف العادة، فإن المعارضين يمتنعون عن معارضتها أو يهزمون، وسبب ذلك عجزهم وضعفهم عن الإتيان بمثل المعجزة، أي أن ذلك الأمر يسبق معارضيه وهم ضعفاء في الإتيان بما يعارضه. وقول بعض اللغويين إن أول معنى لمادة “عجز” هو “نقيض الحزم” (الخليل، 1409هـ، 1: 215؛ الصاحب بن عباد، 1414هـ، 1: 241؛ ابن منظور، 1414هـ، 5: 369) هو لهذا السبب، لأنه في غياب الضعف، يكون لدى الإنسان إرادة جادة لفعل ما لديه دافع كافٍ لفعله. والجدير بالذكر أن التعبير عن أمر خارق للعادة بـ”المعجزة” هو من باب تشبيه ذلك الأمر بفعل شاق يعجز البعض عن القيام به، في حين أن المعجزة خارجة عن قدرة البشر ومختصة بالقدرة الإلهية، وبالتالي لا يجوز أن يقال عن أمر يستحيل على البشر فعله: إنهم عجزوا أو أعجزهم الله (الباقلاني، 1421هـ، 181). وبسبب شدة عجز البشر عن الإتيان بما يعارضها، اعتبروا “الهاء” في كلمة “معجزة” للمبالغة (الطريحي، 1375هـ ش، 4: 25)، أي أن الأمر في مرتبة لا يمكن مواجهته بأي حال. في بعض آيات التحدي التي تتحدث عن عجز الجن والإنس عن معارضة القرآن، يتأكد هذا المعنى (البقرة: 23-24؛ الإسراء: 88). وقد اعتبرها البعض “تاء الوحدة” ومفرد كلمة “معجزات” (الجوهري، 1376هـ، 3: 884).

3. مصطلح المعجزة

إن ظهور وانتشار مصطلح المعجزة في كلام المعصومين (عليهم السلام) والعلماء المسلمين قد مر بمسار تدريجي، سنقدم فيما يلي تقريراً موجزاً عنه.

1-3. تاريخ مصطلح المعجزة

الإعجاز والمعجزة من المصطلحات الكلامية. حول متى استُخدمت هذه الكلمة لأول مرة في سياق القرآن الكريم، يعتقد بعض المستشرقين أن مصطلح الإعجاز شاع بعد وفاة أحمد بن حنبل وقبل وفاة محمد بن زيد الواسطي، في الفترة ما بين 241 و 307 هـ. وحجتهم في ذلك أن مصطلح المعجزة للقرآن الكريم غير موجود في آثار الجاحظ (المتوفى 255 هـ)، الذي يُعد من المؤلفين في مجال إعجاز القرآن، ولكن توجد مشتقات من هذه المادة في عباراته التي تتناول خصائص القرآن.1 لم يُستخدم مصطلح المعجزة والإعجاز في القرآن الكريم، ولم يُعبَّر عن معجزات الأنبياء الآخرين بهذا المصطلح. أما الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم وحُملت على معنى المعجزة، فهي: “بينة” لناقة صالح (الأعراف: 73)، وكلمة “آية” ليد موسى البيضاء (طه: 22)، وتعبير “برهان” للقرآن الكريم (النساء: 174).

2-3. مصطلح المعجزة في الروايات

أشرنا إلى أن مصطلح المعجزة فيما يتعلق بالقرآن الكريم شاع منذ النصف الثاني من القرن الثالث، أي بعد عصر حضور الأئمة الأطهار (عليهم السلام). وبالطبع، تظهر في بعض الروايات تعابير متفرقة مثل “مُعْجِز” أو “معجزة”؛ ففي إحدى الروايات، طلب بعض اليهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) معجزات، فوجههم إلى القرآن وقال: «أَمَا كَفَاكُمْ أَنْ أَنْطَقَ التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ، وَالزَّبُورَ، وَصُحُفَ إِبْرَاهِيمَ بِنُبُوَّتِي وَدَلَّ عَلَى صِدْقِي… وَأَنْزَلَ عَلَى هَذَا الْقُرْآنَ الْبَاهِرَ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الْمُعْجِزَ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَأَنْ يَتَكَلَّفُوا شِبْهَهُ…»؛ أي: ألا يكفيكم أن التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم ناطقة بنبوتي ودالة على صدقي… وأن هذا القرآن الباهر نزل عليّ لجميع الخلق، وهو معجز لهم عن أن يأتوا بمثله وأن يتكلفوا الإتيان بشبيهه (الإمام الحادي عشر، 1409هـ، 93). في هذه الرواية، استُخدم تعبير “الْمُعْجِز” بصيغة الفاعل. أما في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «الْمُعْجِزَةُ عَلَامَةٌ لِلَّهِ لَا يُعْطِيهَا إِلَّا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَحُجَجَهُ لِيُعْرَفَ بِهِ صِدْقُ الصَّادِقِ مِنْ كَذِبِ الْكَاذِبِ»؛ أي المعجزة علامة ونشان لله لا يعطيها إلا لأنبيائه ورسله وحججه ليعرف بها صدق الصادق من كذب الكاذب،2 فهي علامة على الله تعالى لا يمنحها إلا لأنبيائه ورسله وحججه ليميز الصادق من الكاذب (المجلسي، 1403هـ، 11: 71). وفي رواية عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، استُخدمت كلمة “معجزة” بمعناها الاصطلاحي صراحةً: «قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ كُفْرُهُمْ لِبَغْيِهِمْ وَحَسَدِهِمْ لَهُ – لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَبَانَ فِيهِ نُبُوَّتَهُ وَأَظْهَرَ بِهِ آيَتَهُ وَمُعْجِزَتَهُ»؛ أي: كان كفرهم بسبب بغيهم وحسدهم له على ما أنعم الله به عليه من فضله، وهو القرآن الذي أبان فيه نبوته وأظهر به آيته ومعجزته (الإمام الحادي عشر، 1409هـ، 402). يظهر تعبير “معجزة” و”معجزات” في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في عدة روايات.3 ولكن بما أن هناك شكوكاً حول أصل نسبة هذا التفسير إلى الإمام الحسن (عليه السلام)،4 لا يمكن الجزم بانتشار هذا المصطلح في زمن حضور المعصومين (عليهم السلام). ومع ذلك، بالنظر إلى تاريخ شهادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عام 260 هـ، ووفقاً لرأي المستشرقين حول ظهور وانتشار مصطلح المعجزة بين عامي 241 و 307 هـ، فليس من المستبعد أن يكون هذا المصطلح قد شاع في ذلك الزمان. وفيما يتعلق بروايات المعصومين المتقدمين (عليهم السلام)، فإن التفسير المقبول لوجود مصطلح المعجزة هو احتمال النقل بالمعنى.

3-3. التعابير البديلة لمصطلح المعجزة في الروايات

في روايات المعصومين (عليهم السلام)، تظهر بكثرة تعابير للقرآن الكريم مثل: الحجة، الدليل، البرهان، الآية، البينة، والعهد. ومن الواضح أن كل واحد من هذه التعابير يشير إلى خاصية معينة. وفيما يلي، سنذكر روايات لكل منها.

1-3-3. حجة الله

كون الشيء حجة هو أول وأهم لازم للمعجزة، فبواسطتها يُقطع عذر الناس، لأنه عندما تثبت جميع الشروط المذكورة في أمر ما، تتم الحجة ولا يبقى عذر في عدم قبول ذلك الادعاء. في بيانات المعصومين (عليهم السلام)، استُخدم تعبير “حجة الله” للقرآن الكريم بكثرة؛ «فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ (ص): هَذَا (القرآن) حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ»؛ فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا القرآن حجة الله على خلقه (الكليني، 1429هـ، 2: 597). وفي رواية أخرى، يخاطب الله تعالى القرآن الكريم بـ«حُجَّتِي فِي الْأَرْضِ»؛ «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: فَيُنَادِيهِ (القرآن) تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا حُجَّتِي فِي الْأَرْضِ وَكَلَامِي الصَّادِقَ النَّاطِقَ»؛ أي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: فيناديه (القرآن) تبارك وتعالى: يا حجتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق (نفس المصدر). وفي إحدى خطب نهج البلاغة، تم بيان هذه النقطة بتعبير صريح؛ القرآن حجة الله على الناس، وقد أخذ الله عليهم الميثاق بشأنه (الشريف الرضي، 1414هـ، 265).5

2-3-3. العهد

تسمية القرآن عهداً باعتباره يلزم المخاطبين عملياً بقبوله والعمل به. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن القرآن عهد الله إلى خلقه، ويحسن بالمسلم أن يتذكر عهده دائماً ويقرأ منه خمسين آية يومياً: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: الْقُرْآنُ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ وَأَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً» (الكليني، 1429هـ، 2: 609). وفي رواية عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ورد أن القرآن عهد على هذا النحو؛ يسأل النبي (صلى الله عليه وآله) أمته يوم القيامة كيف تعاملوا مع القرآن الكريم وأهل بيته (الكليني، 1429هـ، 2: 600).

3-3-3. الدليل

من التعابير الأخرى المستخدمة للقرآن الكريم تعبير “الدليل”. يقال في معنى الدليل إنه ما يستدل به أو ما يرشد (الطريحي، 1375هـ ش، 5: 373؛ ابن منظور، 1414هـ، 11: 248). يمكن أن يكون تعبير “الدليل” للقرآن الكريم بكلا المعنيين. في الرواية المشهورة جداً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي توجه إلى القرآن عند هجوم الفتن وانتشارها، يُستخدم عنوان “الدليل” بمعنى المرشد: «وَهُوَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى خَيْرِ سَبِيلٍ وَهُوَ كِتَابٌ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ وَتَحْصِيلٍ»؛ أي القرآن دليل يدل على أفضل سبيل وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل (المجلسي، 1403هـ، 89: 17). عنوان “الدليل” للقرآن الكريم هو لأنه يرشد مخاطبيه إلى نبوة الرسول (صلى الله عليه وآله). وفي رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) عُبّر عن القرآن الكريم بـ”دليل البرهان” (الصدوق، 1378هـ، 2: 130).

4-3-3. البرهان، الآية، البينة

تعبير “البرهان” للقرآن الكريم له أصل قرآني، وأحد الاحتمالات المطروحة لكلمة “البرهان” في الآية «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا»؛ (النساء: 174)، هو القرآن الكريم (ابن الجوزي، 1422هـ، 1: 503). وفي عدد من الروايات، استُخدمت تعابير البرهان والآية والبينة للقرآن الكريم؛ «وَمَا مِنْ آيَةٍ أَعْطَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى (ع) وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا مِثْلَهَا أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا»؛ أي لم يعطِ الله تعالى موسى (عليه السلام) أو غيره من الأنبياء آية (معجزة) إلا وقد أعطى محمدًا (صلى الله عليه وآله) مثلها أو أعظم منها (البحراني، 1374هـ ش، 2: 573). بالبحث في الروايات، اتضح أن تعبير “المعجزة” للقرآن الكريم لم يكن شائعًا جدًا في بيانات المعصومين (عليهم السلام). والجدير بالذكر أن كلمة “المعجزة” لها دلالة سلبية على الأمر الخارق للعادة، أي عندما يعجز الناس عن الإتيان بمثله، يعتبرونه علامة على النبوة. لكن تعابير مثل الحجة، والدليل، والبرهان، والآية، والبينة، والعهد، لها مفاهيم إيجابية، أي أن كل واحد من هذه التعابير، بما يتناسب مع المعنى الذي يفيده، يؤكد على صفات متعددة لأمر ما وأنواع دلالته على النبوة. ولهذا السبب، تم التعبير عن كون القرآن الكريم معجزة بتعابير مختلفة من قبل المعصومين (عليهم السلام).

4. التعريف الاصطلاحي للمعجزة وشروطها

في التعريفات الاصطلاحية للمعجزة، يتم التأكيد على عدة أركان أساسية، وسنذكر بعضها فيما يلي. يقول السيوطي في تعريف المعجزة: هي أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، ومصون عن المعارضة (السيوطي، 1421هـ، 2: 238). في هذا التعريف، أُشير إلى ثلاثة أركان. وفي التعريف الذي قدمه الطريحي للمعجزة، أُشير أيضًا إلى ثلاثة قيود: كونه خارقًا للعادة، مطابقًا للادعاء، ومقرونًا بالتحدي (الطريحي، 1375هـ ش، 4: 25). وفي تعريفات أخرى، ذُكرت أركان وقيود أخرى للمعجزة.6 ذكر الخواجة نصير الدين الطوسي تعريفًا للمعجزة كالتالي: المعجزة هي تحقيق وإيجاد شيء ليس تحققه أمرًا عاديًا، أو سلب ونفي شيء كان عاديًا (الحلي، بدون تاريخ، 350). في الإعجاز، يجب أن يحدث فعل خارق للعادة، على أن تكون المعجزة مطابقة لنفس الادعاء الأولي. ويقول العلامة البلاغي في مقدمة تفسيره في تعريف المعجزة: هي ما يأتي به مدعي النبوة بعناية خاصة من الله، في حين أنه أمر خارق للعادة وخارج عن قدرة البشر وقوانين العلم والتعلم، ليكون دليلاً على صدق كلام النبي وحجة على ادعائه النبوة ودعوته (البلاغي النجفي، 1420هـ، 1: 3). تعريف السيد الخوئي للمعجزة قريب مما أورده العلامة البلاغي (الخوئي، بدون تاريخ: 35).

1-4. شروط المعجزة في بيان العلماء

من بيان الطبرسي المتفرق في تفسيره، يُستفاد وجود ثلاثة شروط للمعجزة: “كونها خارقة للعادة”،7 و”عدم إمكانية معارضتها”،8 و”كونها شاهدة على صدق النبوة”.9 وقد أقام الشيخ الطوسي في تفسير “التبيان” المعجزة على هذين الركنين الأخيرين (مصدقة للنبوة وغير قابلة للمعارضة).10 وقد أضاف المتأخرون شروطًا أخرى لكون الشيء معجزة، وإن لم ترد لفظًا في كلام المتقدمين، إلا أنها تُعد من دلالاته. وبعد تعريف المعجزة، ذكر المجلسي سبعة شروط لها.11

2-4. شروط المعجزة من منظور الروايات

بما أن النبوة من المناصب الإلهية، فعلى كل نبي أن يأتي بآية ودليل يثبت به دعواه ويقنع مخاطبيه بصدقه في دعوى النبوة.

1-2-4. تصديق النبوة

في عدة روايات تم التصريح بهذه النقطة؛ سألت جماعة من اليهود الإمام الصادق (عليه السلام): ما المعجزة الدالة على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)؟ فأجاب الإمام: كتابه (الراوندي، 1409هـ، 1: 112). وفي رواية أخرى، سأل أبو بصير الإمام الصادق (عليه السلام): لماذا أعطى الله عز وجل الأنبياء والرسل معجزات؟ فأجاب: ليكون دليلاً على صدق من أتى بها، أي النبي (صلى الله عليه وآله). ثم قال: المعجزة علامة ودليل على الله تعالى لا يعطيها إلا للأنبياء والرسل وحججه ليميز الصادق من الكاذب (الصدوق، 1385هـ ش، 1: 122). وفي رواية عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وُصف القرآن الكريم بأنه يتضمن بيان التوحيد ويوضح نبوة الرسول (صلى الله عليه وآله) (البحراني، 1374هـ ش، 1: 149).

2-2-4. عدم قابلية المعارضة

من الأركان الأخرى المذكورة للمعجزة أن يكون الآخرون عاجزين عن الإتيان بمثلها، أو بعبارة أخرى، أن تكون غير قابلة للمعارضة. يُستفاد هذا الشرط من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ في رده على جماعة من المشركين طلبوا معجزات نوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، قال: أنا نذير مبين لكم، أتيتكم بآية واضحة. هذا القرآن الذي عجزتم أنتم وجميع الأمم وسائر العرب عن معارضته، مع أنه بلغتكم. ومن هنا، فهو حجة واضحة عليكم (المجلسي، 1403هـ، 17: 240). وفي رواية أخرى، يقول الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): من عجزكم عن الإتيان بمثل القرآن، فافهموا أن القرآن من عند الله، ولو كان من عند البشر، لكنتم قادرين على معارضته (البحراني، 1374هـ ش، 1: 154).

3-2-4. المعجزة من فعل الله

تعبير «فَاعْلَمُوا بِعَجْزِكُمْ عَنْ ذَلِكَ (الإتيان بمثل القرآن) أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى» في رواية الإمام الكاظم (عليه السلام) الأخيرة (البحراني، 1374هـ ش، 1: 154) يشير إلى أن المعجزة يجب أن تكون من أفعال الله تعالى. في تعريف العلامة البلاغي للمعجزة، تم التصريح بأنها مؤيدة للنبوة بعناية إلهية. وفي رواية يرويها فضيل بن يسار عن الإمام الرضا (عليه السلام)، يصف الإمام القرآن الكريم بأنه قول وكلام الله، وهو ما يمكن أن يشير إلى هذه النقطة (العياشي، 1380هـ، 1: 6؛ الصدوق، 1376هـ ش، 545).

4-2-4. خرق العادة

أما خرق العادة، وهو شرط آخر للمعجزة، فيُستفاد من رواية الإمام الصادق (عليه السلام)؛ حيث يقول: إن الله العزيز الجبار أنزل عليكم كتابه، وهو صادق ناصح. في كتابه خبركم وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم وخبر السماء والأرض، ولو جاءكم من يخبركم بذلك لتعجبتم (الكليني، 1429هـ، 2: 599).

5-2-4. التحدي

قضية التحدي، وإن كانت غير واردة في سائر المعجزات، إلا أنها قابلة للطرح في مورد القرآن الكريم، لوجود آيات فيه تهيئ لطرحها.12 في رواية يرويها الشيخ الصدوق عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، أُشير إلى تحدي القرآن؛ قال الإمام (عليه السلام): كذبت قريش واليهود القرآن وقالوا: هو سحر من صنعه. فقال الله تعالى: «الم ذَلِكَ الْكِتَابُ»، يعني: يا محمد (صلى الله عليه وآله)، هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو مركب من نفس الحروف المفردة مثل الألف واللام والميم، وبلغتكم الأم، وهذه هي الحروف الأصلية للغتكم، فإن كنتم صادقين فأتوا بمثله، ويمكنكم الاستعانة بغيركم من أصحاب الفكر المشابه لكم في هذا الأمر (الصدوق، 1403هـ، 24).

5. وجوه إعجاز القرآن الكريم

في باب إعجاز القرآن الكريم، طرح العلماء المسلمون وجوهاً متعددة. أشار الباقلاني في كتاب “إعجاز القرآن” إلى عدة وجوه مثل: الإخبار بالغيب، وأمية الرسول (صلى الله عليه وآله) كونه آتيًا بالقرآن، والنظم البديع للقرآن (الباقلاني، 1421هـ، 28-30). وأشار الرماني في كتاب “النكت في إعجاز القرآن” إلى سبعة وجوه للإعجاز.13 وقد أضاف الباحثون والمفسرون في القرون اللاحقة على وجوه إعجاز القرآن، حتى قُدمت في القرون الأخيرة آراء متعددة، ولُفت الانتباه إلى جوانب لم تكن لها سابقة. يتناول الزرقاني في كتابه “علوم القرآن” بيان أربعة عشر وجهًا لإعجاز القرآن (الزرقاني، بدون تاريخ، 2: 229-302). ويعتبر لغة القرآن وأسلوبه أول وجه للإعجاز. بالتفصيل، يستعرض (نفس المصدر، 2: 229-237). ويبين العلامة البلاغي في مقدمة تفسيره إعجاز القرآن من ستة جوانب (البلاغي النجفي، 1421هـ، 1: 9-17).14 ويشير السيد الخوئي أيضاً في كتاب “البيان” ضمن تبيين إعجاز القرآن البلاغي إلى وجوه أخرى (الخوئي، بدون تاريخ، 48-71).15 وقد ذكر العلماء والباحثون القرآنيون الآخرون أيضاً وجوهاً متعددة لإعجاز القرآن.16 وفيما يلي، سنذكر بعض هذه الوجوه ونستعرض آراء العلماء وبيانات المعصومين (عليهم السلام) في هذا الصدد.

1-5. الجانب اللفظي والأدبي للقرآن الكريم

أول وأبرز وجه لإعجاز القرآن الكريم، والذي تم التأكيد عليه دائماً، هو الجانب الأدبي واللفظي للقرآن. وتدريجياً، أصبحت هذه الخاصية، مدعومة بآيات التحدي، أساساً ليعتبر العلماء المسلمون أن الوجه الوحيد لإعجاز القرآن الكريم هو جانبه الأدبي.

1-1-5. سبب ميل العلماء إلى طرح الإعجاز الأدبي

يقول الجاحظ: إن العرب الجاهليين، على الرغم من فصاحتهم وبلاغتهم وغرورهم الكبير في مواجهة القرآن، ظلوا عاجزين، مع أن هذه المواجهة كانت أسهل عليهم من الحرب مع المسلمين التي هُزموا فيها في النهاية. وفي كتابات المسلمين منذ أوائل القرن الثالث، تم التعبير عن معنى وأساس هذه الظاهرة، أي عجز البشر عن مواجهة القرآن، بكلمة “الإعجاز”.17 ليس من الواضح تماماً ما هي العوامل التي أدت إلى ارتباط قضية إعجاز القرآن بالجانب الأدبي في القرون الأولى، وقد قُدمت تحليلات مختلفة لذلك. وعلى الرغم من أن مهارة العرب في الخطابة والشعر ووجود آيات التحدي وانتشار سنة المعارضة يمكن أن تكون عاملاً في ميل العلماء نحو طرح الإعجاز الأدبي للقرآن، إلا أنه، كما يؤكد عيسى بلاطة، فإن تركيز الجاحظ وغيره من المفكرين والأدباء المسلمين على فصاحة وبيان القرآن هو عامل في زيادة ارتباط كلمة الإعجاز بالأسلوب البلاغي للقرآن، ولكن لا يمكن تجاهل وجود دوافع سياسية أيضاً.18

2-1-5. جهود العلماء في تبيين الإعجاز الأدبي

تم تبيين هذا الوجه من الإعجاز بشكل بارز جداً في آثار العلماء المسلمين: الجاحظ هو أحد أقدم وأبلغ العلماء الذين ألفوا في هذا المجال، وهو يستخدم تعبير “نظم القرآن” لبيان الإعجاز الأدبي للقرآن. الرماني في كتاب “النكت في إعجاز القرآن” اعتبر البلاغة أحد وجوه إعجاز القرآن وتحدث عنها بالتفصيل. الخطابي (ت 388هـ)، معاصر الرماني، يتناول بيان بلاغة القرآن بشكل مختلف في كتاب “بيان إعجاز القرآن”. الباقلاني (ت 403هـ)، الذي ألف أحد أقدم المؤلفات الشاملة في مجال إعجاز القرآن، اعتبر “النظم البديع والتأليف العجيب” أحد وجوه الإعجاز (الباقلاني، 1421هـ، 30). وأكد عبد الجبار المعتزلي (ت 415هـ) على الأسلوب المتميز للقرآن واعتبره في أعلى درجات الفصاحة. من وجهة نظر عبد القاهر الجرجاني، استخدم القرآن أفضل وأجمل نظم، ولهذا السبب فهم العرب عند سماعه أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله (الجرجاني، 1420هـ، 42). الفصاحة والبلاغة والنظم وأسلوب القرآن هي أكثر التعابير شيوعاً التي استُخدمت لبيان الوجه الأدبي لإعجاز القرآن.

3-1-5. نظرية الصرفة

على الرغم من أن العلماء كانوا متفقين تقريباً على الإعجاز الأدبي للقرآن الكريم، إلا أن بعض المتكلمين المعتزلة طرحوا نظرية “الصرفة”.19 معنى الصرفة هو: أن الإتيان بألفاظ وعبارات مثل ما في القرآن الكريم ليس مستحيلاً على العرب، ولكن الله سلب دافع أو قدرة أو علم البشر في معارضة القرآن (المجلسي، 1403هـ، 17: 224). ومن بين علماء الشيعة، تبنى العالم البارز السيد المرتضى قول الصرفة (الحلي، بدون تاريخ، 374). يبدو أن هذا الرأي طُرح لأن العلماء المعتزلة، الذين كان معظمهم من المتمكنين في مجال الأدب، عندما درسوا ألفاظ وعبارات القرآن الكريم، مالوا إلى هذا الاتجاه القائل بأن مفردات وتراكيب القرآن هي من جنس الكلمات والجمل المتداولة بين العرب، وإذا أراد أديب أو خطيب، يمكنه أن يأتي بمثل سور أو آيات القرآن ويعارض القرآن ويستجيب لتحديه. لذلك، يجب أن يكون هناك عامل خارجي لإعجاز القرآن يدعمه، وهو سلب الدافع أو قدرة البشر من قبل الله.20 وقد واجه قول الصرفة فيما بعد معارضة العلماء، وكان دائماً يُنتقد في الكتب كأحد الوجوه الباطلة في مجال الإعجاز.21

4-1-5. انعكاس الجانب الأدبي للقرآن في الروايات

مع مرور أربعة عشر قرناً وتتبع ودراسة متعمقة من قبل العلماء والمفسرين وإثبات عدة وجوه لإعجاز القرآن الكريم، يتم التأكيد دائماً على فصاحة وبلاغة القرآن كأول وأهم وجه لإعجاز القرآن. توجيه الانتباه إلى ظاهر الألفاظ موجود أيضاً في روايات المعصومين (عليهم السلام)، ولكن العناية الخاصة من قبل الراسخين في العلم بالمحتوى والمعارف والتعاليم البارزة والجوانب الهادية للقرآن الكريم هي الأبرز. في رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي يَتَدَاوَلُهَا جَمِيعُ الْعَرَبِ ثُمَّ قَالَ – قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» (الصدوق، 1398هـ، 232).22

من التعابير التي تدل على الجانب اللفظي للقرآن قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ لَهُ نُجُومٌ وَعَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ لَا تُحْصَى عَجَائِبُهُ وَلَا تُبْلَى غَرَائِبُهُ» (الكليني، 1429هـ، 2: 599).23 كلمة “أنيق” تعني المثير للإعجاب (الطريحي، 1375هـ ش، 5: 136)، وتُستخدم لكل ما يدهش الإنسان بجماله (ابن منظور، 1414هـ، 10: 9). وبالنظر إلى أن كلمة “أنيق” في كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) استُخدمت لوصف ظاهر القرآن، فيمكن أن تشير إلى التعابير والعبارات وظاهر ألفاظ القرآن. وفي بيان لأمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً، استُخدم تعبير «ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ» بنفس المعنى (الشريف الرضي، 1414هـ، 6؛ الهاشمي الخوئي، 1400هـ، 3: 267).

2-5. وجود الأخبار الغيبية

وجود الأخبار الغيبية، سواء كانت تتعلق بالماضي البعيد أو المستقبل أو أخبار تتعلق بعصر نزول القرآن ولكنها مرتبطة بما وراء عالم الطبيعة، مثل ما يتعلق بالله والملائكة والجن والجنة والنار (الزرقاني، بدون تاريخ، 2: 263-265)،24 أو الإخبار بضمائر الناس، هو أحد الوجوه التي طرحها العلماء المتقدمون والمتأخرون دائماً لإعجاز القرآن. يستفاد تعميم الأخبار الغيبية لتشمل الحالات المذكورة من رواية الإمام الصادق (عليه السلام)؛ يقول أيوب بن حر: سمعت الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: إن الله عز وجل ختم بنبيكم الأنبياء، فلا نبي بعده أبداً، وختم بكتابكم الكتب السماوية، فلا كتاب بعده أبداً، وأنزل فيه تبيان كل شيء، وخلقكم وخلق السماوات والأرض، وخبر ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما بعدكم، وأمر الجنة والنار، وما أنتم صائرون إليه (العياشي، 1380هـ، 1: 7؛ الكليني، 1407هـ، 1: 269). الباقلاني ذكر الإخبار بالغيب كأول وجه لإعجاز القرآن (الباقلاني، 1421هـ، 28). وأشار الزركشي أيضاً إلى هذا الوجه ضمن بيان وجوه إعجاز القرآن (البحراني، 1374هـ ش، 2: 228). والزرقاني ضمن إشارته إلى أربعة عشر وجهاً لإعجاز القرآن، ذكر الإخبار بالغيب أيضاً (الزرقاني، بدون تاريخ، 2: 264-265). أحد العوامل التي أدت إلى طرح هذا الوجه بين الوجوه المتقدمة في مجال إعجاز القرآن هو بيانات حضرات المعصومين (عليهم السلام)، مثل قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَالنُّورُ الْمُبِينُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ»؛ أي القرآن هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم (العياشي، 1380هـ، 1: 6). وقد ورد هذا الكلام لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيان الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: «كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَفَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَنَحْنُ نَعْلَمُهُ»؛ أي خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وفصل ما بينكم، كله في كتاب الله ونحن نعلمه (الكليني، 1363هـ ش، 1: 21؛ الصفار، 1404هـ، 1: 196). ويقول ذلك الإمام في رواية أخرى: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ خَتَمَ بِنَبِيِّكُمُ النَّبِيِّينَ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ أَبَدًا وَخَتَمَ بِكِتَابِكُمُ الْكُتُبَ فَلَا كِتَابَ بَعْدَهُ أَبَدًا وَأَنْزَلَ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ وَخَلْقَكُمْ وَخَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَنَبَأَ مَا قَبْلَكُمْ وَفَصْلَ مَا بَيْنَكُمْ وَخَبَرَ مَا بَعْدَكُمْ وَأَمْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ».

3-5. إعجاز القرآن من حيث أمية من أتى به

في آيات من القرآن الكريم، أُشير صراحة إلى أمية الرسول (صلى الله عليه وآله) (الأعراف: 158)، وأنه قبل البعثة لم يكن يقرأ نصاً ولا يكتب (العنكبوت: 48). يرى العلامة الطباطبائي كاحتمال ثانٍ في تفسير آية «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» (البقرة: 23)، أن الضمير في كلمة “مثله” يعود إلى “عبدنا” الذي هو الرسول (صلى الله عليه وآله) (الطباطبائي، 1417هـ، 1: 58). وقد ذكر العلماء المسلمون هذه النقطة كأحد وجوه إعجاز القرآن. الباقلاني ذكر أمية الرسول (صلى الله عليه وآله) كثاني وجه في مجال إعجاز القرآن (الباقلاني، 1421هـ، 29). وفي رواية طويلة نسبياً، قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إن المراد من الضمير في عبارة «بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» هو رسول الله (صلى الله عليه وآله). يقول الإمام: إنه كان واحداً من العرب، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتعلم كتاباً ولم يتردد على عالم، ولم يتعلم من أحد، وعاش في السفر والحضر أربعين سنة على هذا المنوال، ولكن بعد ذلك أُعطي كتاباً جامعاً لكل علوم الأولين والآخرين (البحراني، 1374هـ ش، 1: 154).

4-5. شمولية علوم ومعارف القرآن الكريم

شمولية القرآن واحتواؤه على كثير من العلوم هو وجه آخر من وجوه إعجاز القرآن (السيوطي، 1421هـ، 2: 249). والجدير بالذكر أنه على الرغم من وجود إشارات عابرة إلى كثير من العلوم في القرآن، إلا أن هذه الإشارات لم تكن المقصد الأصلي للمتكلم، والغرض الأساسي للقرآن هو الهداية وبيان كل ما يلزم لهداية البشر. تعبير «تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ» في الآيات والروايات (العياشي، 1380هـ، 1: 6؛ الصفار، 1404هـ، 1: 115)، الذي هو من الاستعمالات الشائعة في مجال اشتمال القرآن على مختلف العلوم، يشير إلى توضيح المسائل الدينية والهادية: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى وَاللَّهِ مَا تَرَكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ حَتَّى وَاللَّهِ مَا يَسْتَطِيعُ عَبْدٌ أَنْ يَقُولَ لَوْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ هَذَا إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ»؛ أي عن الإمام الصادق (عليه السلام) روي أنه قال: إن الله عز وجل أنزل في القرآن تبياناً لكل شيء، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاجه العبد، حتى والله لا يستطيع عبد أن يقول لو كان هذا في القرآن إلا وقد أنزله الله فيه (البرقي، 1371هـ، 1: 267). في رواية أخرى يقول الإمام علي (عليه السلام): سلوني عن القرآن، ففي القرآن بيان كل شيء وعلم الأولين والآخرين. لم يترك القرآن شيئاً يحتاج أن يبينه غيره (سليم، 1405هـ، 2: 942). وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) وردت نفس التعابير حول شمولية القرآن: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَدَعْ شَيْئًا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ (ص)»؛ أي إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة إلا أنزله في كتابه وبينه لرسوله (صلى الله عليه وآله) (البرقي، 1371هـ، 7: 176).

5-5. عدم الاختلاف والتناقض في القرآن

أصل هذا الوجه من الإعجاز هو آيات القرآن الكريم (النساء: 82). يشير العلامة المجلسي بإيجاز إلى أن أحد وجوه إعجاز القرآن هو عدم وجود اختلاف وتناقض فيه، على الرغم من نزوله على مدى فترة طويلة (المجلسي، 1403هـ، 17: 224). يوجه العلامة في ذيل الآية 82 من سورة النساء الانتباه إلى شمولية القرآن لجميع شؤون حياة الإنسان، وفي الوقت نفسه نزوله على مدى ثلاث وعشرين سنة وفي مواقف مختلفة؛ سفر وحضر، صلح وحرب، ليل ونهار، وأن بلاغته متساوية في جميع الآيات دون تغيير. يقول العلامة: كل إنسان متدبر يتدبر فيه، يحكم بشعوره الحي وحكمه الفطري أن صاحب هذا الكلام ليس ممن يؤثر فيه مرور الأيام والتحول والتكامل الذي يسري في جميع أنحاء العالم، بل هو الله الواحد القهار (الطباطبائي، 1417هـ، 5: 20). وفي رواية، يوجه الإمام علي (عليه السلام) الانتباه إلى عدم التناقض في القرآن وتصديق أجزائه لبعضها البعض: «إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا»؛ أي إن كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً (الصدوق، 1398هـ، 255). أحد أنواع الاختلاف التي نُفي ورودها إلى القرآن هو الباطل: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (فصلت: 42). وفي الروايات أيضاً صُرح بهذه النقطة، وهي أن القرآن الكريم، لكونه كلام وقول وكتاب ووحي ومنزل من الله تعالى، لا سبيل للباطل إليه: «عَلِيُّ بْنُ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَقَوْلُ اللَّهِ وَكِتَابُ اللَّهِ وَوَحْيُ اللَّهِ وَتَنْزِيلُهُ وَهُوَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»؛ أي عن علي بن سالم عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله وقول الله وكتاب الله ووحي الله وتنزيله، وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد (كمره اي، 1376هـ ش، 545؛ الصدوق، 1376هـ ش، 545).

6-5. جانب الهداية في القرآن الكريم

في أقوال المتقدمين، قَلّما تم الاهتمام بهذا الوجه من الإعجاز، في حين أنه من أكثر أوصاف القرآن استخداماً هو كونه هادياً، وهو ما صُرح به في آيات كثيرة (مثلاً انظر: البقرة: 2 و 185، يونس: 57؛ النحل: 64، النجم: 23). بالإضافة إلى ذلك، في آيات القرآن، تم التحدي صراحة بهذا الوجه فقط؛ يقول الله في الآية 49 من سورة القصص: «قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ». في هذه الآية، يعود ضمير “هما” إلى كتابي التوراة والقرآن. ومن الواضح أن كل واحد من الكتب الإلهية بالنسبة لزمن نزوله هو هادٍ، والغرض الأساسي من نزولها هو هداية البشر. المعصومون (عليهم السلام)، الذين هم حملة القرآن وتراجمته، أولوا اهتماماً خاصاً لهذه الخاصية الفريدة للقرآن. في مصادر وكتب الحديث، وردت روايات كثيرة في بيان ذلك (للمزيد من الأمثلة، انظر الروايات التالية: الكليني، 1429هـ، 2: 599-601؛ الصدوق، 1378هـ، 2: 130؛ العياشي، 1380هـ، 1: 43؛ الكليني، 1429هـ، 4: 598؛ العياشي، 1380هـ، 1: 6؛ التميمي الآمدي، 1410هـ، 89 و 639؛ الصدوق، 1413هـ، 3: 567). وكمثال، نشير إلى موردين؛ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لَا يَضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى»؛ أي اعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عمى (الشريف الرضي، 1414هـ، 252). وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى] سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَابًا هَادِيًا بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِهِ»؛ أي إن الله تعالى سبحانه أنزل كتاباً هادياً بين فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمته لتقعوا في الطريق المستقيم (نفس المصدر، 242).

6. خاتمة

من مجموع ما تقدم، نخلص إلى النتائج التالية: 1. لمادة “عجز” ذُكر أصلان لغويان هما الضعف ومؤخر الشيء، ولكن في الواقع، العجز يعني الضعف ونقيض القدرة، والتأخر في إنجاز العمل هو لازم معناه. 2. شاع مصطلح “المعجزة” في الفترة ما بين 241-307 هـ. ووجود هذا المصطلح في الروايات المنسوبة إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مقبول إلى حد ما، ولكن ورود هذه الكلمة في روايات الأئمة المتقدمين يجب أن يُحمل على النقل بالمعنى. 3. في الروايات، بدلاً من مصطلح “المعجزة”، استُخدمت تعابير مثل: حجة الله، برهان، دليل، عهد، آية، وبينة، وكلها لها دلالة إيجابية على هذه النقطة: أن القرآن الكريم يصدق دعوى رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله). 4. بعض شروط المعجزة مثل: تصديق الادعاء، وخرق العادة، وعدم قابلية المعارضة، والتحدي التي لحظها العلماء المسلمون، لها شواهد روائية واضحة. 5. وجوه مثل: الإخبار بالغيب، وشمولية العلوم والمعارف، وعدم الاختلاف والتناقض، وردت بشكل واسع في بيانات المعصومين (عليهم السلام). هذه الوجوه تركز أكثر على محتوى القرآن بدلاً من جانبه اللفظي. ورؤية العلماء المسلمين في بيان هذه الوجوه من الإعجاز تتوافق مع روايات المعصومين (عليهم السلام). 6. تأكيد العلماء الشديد على البعد اللفظي للقرآن على مدى أربعة عشر قرناً من نزوله، بحيث يتبادر إلى الذهن الجانب الأدبي للقرآن فور سماع كلمة “الإعجاز”. ومع ذلك، لا يوجد في آيات التحدي والروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) تأييد جدي لهذا الوجه. من عوامل هذا عدم التوافق، يمكن ذكر ظهور العلماء الأدباء وتأثير السياسة في صرف أذهان العامة عن التعمق والتدبر في معارف وتعاليم القرآن. 7. من أوصاف الأئمة الأطهار عن القرآن مثل: مصباح، هادٍ، قائد، حبل متين، شفاء، يتضح أن العناية الخاصة لحملة القرآن والراسخين في العلم كانت موجهة نحو المعارف العميقة والمحتوى الهادي للقرآن، وهو ما يمكن أن يعبر عن وجه الهداية في إعجاز القرآن الكريم.

الهوامش

1. السيد علي آقائي، ترجمة مدخل «Inimitability» (عدم المماثلة) بقلم البروفيسور ريتشارد مارتن من دائرة معارف القرآن (EQ=encyclopedia of the quran).

2. نفسه.

3. مثلاً انظر: التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع)، 1409هـ، 151.

4. لمزيد من المعلومات، ارجع إلى المقالة: تحقيق حول مصدر النص الحالي للتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع)؛ تأليف حسن أنصاري.

5. لأمثلة أخرى، انظر: الصدوق، 1378هـ، 2: 130؛ المجلسي، 1403هـ، 17: 240.

6. يا أيها الناس، قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً.

7. «أنها معجزة يتعذر الإتيان بها على كل بشر» (الطبرسي، 1372هـ ش، 1: 317).

8. «وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعْجِزًا لِلْمَسِيحِ» (الطبرسي، 1372هـ ش، 3: 210).

9. «أَنَّ الْآيَةَ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى فَاعِلِهَا وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَعَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ (ص) وَصِدْقِهِ» (نفس المصدر، 4: 469).

10. ذيل الآية 132 من سورة الأعراف، الطوسي، بدون تاريخ، 4: 519.

11. أن تكون من أفعال الله أو ما يعادلها، خارقة للعادة، غير قابلة للمعارضة، مصحوبة بالتحدي، موافقة للادعاء، لا يكذبها مدعيها، أن تكون المعجزة متأخرة أو مصاحبة لادعاء النبوة لا قبله، والمشهور أن الأمور الخارقة للعادة قبل ادعاء النبوة هي كرامات ومقدمات للنبوة (المجلسي، 1403هـ، 17: 222).

12. البقرة: 23؛ الإسراء: 88.

13. ترك المعارضة مع وجود الدواعي الكثيرة، التحدي بالعموم، الصرفة، البلاغة، الإخبار بالمستقبل، نقض العادة، القياس بسائر المعجزات (الرماني، 1382هـ ش، 20).

14. معارف القرآن، الاستقامة في البيان، النظام والتشريعات، الإتقان في المعاني، الإخبار بالغيب وأسرار الخلق.

15. المعرفة، 1415هـ، 4: 28-31؛ المؤدب، 1379هـ ش، 174.

16. بلاطة، عيسى، مدخل إلى مسار تطور فكر إعجاز القرآن، ترجمة: مهرداد عباسي.

17. نفسه.

18. لمزيد من الدراسة، ارجع إلى مقالة «بحث في وجه إعجاز القرآن الكريم» بقلم منصور پهلوان.

19. أبو إسحاق إبراهيم النظام المعتزلي (ت/ 220) في أوائل القرن الثالث، عقب مباحث نظم القرآن، طرح نظرية «الصرفة» في إعجاز القرآن، ثم تلميذه أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، المشهور بالجاحظ (ت/ 255)، رفض نظرية أستاذه وألف كتاب «نظم القرآن».

20. إثبات أن الصرفة هي إحدى تبعات الاهتمام المفرط من قبل العلماء المسلمين بالجانب الأدبي للقرآن الكريم، يتطلب مجالاً آخر، ولكن بناءً على الشواهد التاريخية، كفرضية قابلة للدفاع، يبدو أن اعتقاد الكاتب بقدم أو حدوث القرآن الكريم هو من النتائج الأخرى لهذا التوجه المفرط.

21. مثلاً انظر: البحراني، 1374هـ ش، 2: 226 و 227؛ السيوطي، 1421هـ، 2: 242.

22. «إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف المتداولة بين جميع العرب، ثم قال: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً».

23. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): للقرآن ظاهر وباطن، فظاهره حكم وأمر، وباطنه علم ودراية. ظاهره له رونق وجمال، وباطنه عميق وعميق. له نجوم، ونجومه لها نجوم. لا تُحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه (الكليني، 1369هـ ش، 4: 399).

24. السيوطي، 1421هـ، 2: 242.

Scroll to Top