الملخص
يتفق علماء الرجال من أهل السنة على تأثير أخلاقيات الراوي وخبرته في قبول رواياته، لكنهم يختلفون حول دور توجهه العقائدي في تقييم اعتباره. في هذا السياق، يتناول هذا البحث دراسة ثلاثة مصطلحات هي «الرافضي، الناصبي، الشيعي»، والتي ترتبط بالتوجه العقائدي للرواة في كتب رجال أهل السنة، لتحديد ما إذا كانت هذه المصطلحات مؤثرة في تقييم اعتبار الرواة الموصوفين بها أم لا. وقد أظهرت الدراسة أن هذه المصطلحات كان لها دور كبير في توثيق الرواة أو تضعيفهم. وبالطبع، لم يكن هذا الدور بمنأى عن التحامل في بعض الحالات؛ إذ لم يكن أداؤهم متسقًا، فقد قاموا بتضعيف معظم الرواة الموصوفين بالرفض، بينما وثقوا معظم الرواة الموصوفين بالنصب. وهذا يدل على أنهم أولوا أهمية خاصة لبعض الصحابة، واعتبروا الإساءة إليهم خطًا أحمر، في حين لم يعتبروا الإساءة إلى آخرين أمرًا ذا أهمية.
1. طرح المسألة
بعد أن دخلت ظاهرة الجعل والوضع إلى ميدان الحديث، سعى العلماء إلى منع استمرار هذه الظاهرة، ولهذا السبب شرعوا في توثيق الأحاديث من خلال وضع مجموعة من القواعد لقبول الرواية عن الرواة، لكي لا يُقبل كل حديث من أي راوٍ. وقد وضع علماء الرجال من أهل السنة أيضًا قواعد لقبول رواية الرواة، ومن بين هذه القواعد التي اتفقوا عليها جميعًا: صدق الراوي وخبرته في نقل الرواية (الصنعاني، 1417هـ، 1: 140).
ولكنهم اختلفوا حول مدى تأثير عقيدة الراوي في قبول روايته. ولهذا السبب، سيتناول هذا البحث دراسة واستقراء ثلاثة مصطلحات «الرافضي، الناصبي، الشيعي» التي ترتبط بعقائد الراوي، ليتضح ما إذا كانت عقائد الراوي مؤثرة في تقييم اعتباره وقبول روايته عند علماء رجال أهل السنة أم لا. ولتحقيق هذا الهدف، سيتم أولاً استقراء وتتبع الرواة الذين وُصفوا بهذه الصفات في كتب الحديث، وبشكل أساسي في كتب رجال أهل السنة. يتكون المجتمع الإحصائي للدراسة من حوالي 400 كتاب من كتب رجال أهل السنة، ورغم أنه لم يكن من الممكن ذكر جميع هذه الكتب في قسم المصادر والمراجع، فقد تم استخدامها في الإحصاءات. وباستخدام برنامج «الشاملة»، تم استخراج الرواة الذين وُصفوا بأنهم شيعة أو رافضة أو نواصب في 400 كتاب من كتب التراجم والطبقات، ونظرًا لضرورة الالتزام بقواعد المجلة وتجنب إطالة البحث، سيتم التعريف براويين أو ثلاثة فقط في كل قسم. الهدف هو تحديد ما إذا كانت لهذه المصطلحات الثلاثة حدود وتعاريف محددة عند علمائهم أم لا. وهدف آخر هو معرفة الأسباب والعلل التي دفعتهم لوصف الرواة بأحد هذه المصطلحات، وهل تشكل هذه المصطلحات مانعًا من قبول رواية هؤلاء الرواة أم لا.
تكمن أهمية هذا الموضوع في أنه سيوضح مراد ومقصد أهل السنة من هذه المصطلحات الثلاثة. كما سيوضح الأسباب التي دفعت علماء الرجال من أهل السنة لوصف الرواة بهذه المصطلحات. وسيُبين أيضًا ما إذا كانت هذه المصطلحات تؤثر في توثيق الرواة أو تضعيفهم، وإذا ورد أحد هؤلاء الرواة في سند حديث، فهل يكون ذلك الحديث مقبولاً أم متروكًا وغير قابل للقبول. وهل كان تعامل علماء رجال أهل السنة مع هؤلاء الرواة متسقًا، أم أنهم اتبعوا منهجًا غير علمي فمدحوا فريقًا وذموا آخر، وقبلوا حديث فريق ورفضوا حديث الآخر.
2. الرفض والرافضي في اللغة
الرفض في اللغة يعني الترك، والتفريق، والهجر، وجمعه أرفاض. والياء في «رافضي» هي ياء النسبة، التي تُنسب إلى صاحب هذه الصفة (الجوهري، 1407هـ، 3: 1078؛ ابن فارس، 1399هـ، 2: 422). كما فُسّر الرافضي بالجنود الذين تركوا قائدهم وانصرفوا عنه (أبو البقاء، د.ت، 1: 479). وقد أوضح ابن منظور وجه تسمية مصطلح الرافضي وسابقته، فذكر أن هذا المصطلح أُطلق في البداية على جماعة من الشيعة بايعوا زيد بن علي، ثم قالوا له: إن تبرأت من الشيخين (أبي بكر وعمر) ناصرناك وقاتلنا معك. ولكن زيدًا لم يعلن البراءة منهما، فتركوه. ولهذا السبب، سُموا بالرافضة، أي الذين انفصلوا عن القائد والزعيم (ابن منظور، 1414هـ، 7: 157).
3. الرافضي في الاصطلاح
يعتبر الذهبي أن الرافضي هو من يبغض أبا بكر وعمر ويكن لهما الحقد، أما إذا سبّ الراوي الشيخين واعتقد أنهما ليسا إمامي هدى، فهو رافضي متطرف (غالٍ) (الذهبي، 1382هـ، 1: 6؛ همو، 1427هـ، 12: 419).
أما العسقلاني، وهو من علماء رجال أهل السنة، فقد قسم الرافضة إلى عدة فئات: أ. القائلون بأفضلية علي (ع) على الشيخين. ب. مكفّرو معاوية وعثمان وطلحة والزبير. ج. مبغضو الشيخين وسابّوهما، وهذا الشخص يعتبر رافضيًا غاليًا. د. المؤمنون برجعة علي (ع) إلى الدنيا، وهذه الفئة هي من أشد الغلاة والرافضة (العسقلاني، 1379هـ، 1: 459).
من خلال التدقيق في آراء الذهبي والعسقلاني، يتضح أن المعيار الأساسي للرفض عندهما هو بغض الشيخين وسبّهما. والفرق بينهما أن العسقلاني يعتبر تقديم علي (ع) على الشيخين من الرفض، بينما لم يذكر الذهبي شيئًا كهذا.
4. استقراء الرواة الرافضة
في هذا القسم، تم استقراء حوالي 300 راوٍ وصفهم علماء رجال أهل السنة بأنهم رافضة. حوالي 100 منهم لم يُذكر لهم سبب واضح لوصفهم بالرفض، ولكن حوالي 200 راوٍ آخر ذُكرت لهم عدة أسباب وعلل. وقد تم عرض ذلك في الرسم البياني أدناه، كما تم شرح هذه الخصائص وبعض الأفراد الذين اتصفوا بها.
(وصف للجدول رقم 1: أسباب ودلائل وصف الراوي بالرفض)
الجدول يوضح الأسباب التالية مع تكرارها: تفضيل علي على الشيخين (18)، سب الشيخين (31)، سب السلف (52)، جعل حديث في مثالب الصحابة (15)، الاعتقاد بالرجعة (20)، محبة شديدة لأهل البيت (48)، وضع حديث في فضائل أهل البيت (18).
بناءً على الجدول رقم 1، تم بيان خصائص للرافضة، والتي نشرحها فيما يلي:
1-4. تفضيل الإمام علي (ع) على الشيخين
بناءً على الإحصاءات المذكورة في الجدول أعلاه، اعتبر علماء رجال أهل السنة في 18 حالة أن الرواة رافضة بسبب تفضيلهم عليًا (ع) على الشيخين. على سبيل المثال: ألف- وصفوا «الحسن بن صالح» بأنه رافضي، لأنه كان يعتقد أن عليًا (ع) هو أفضل الخلق وخليفة رسول الله (ص) من بعده، وكان يقدم عليًا (ع) على الشيخين (مغلطاي، 1426هـ، 1: 77). ب- اتهموا «موسى بن عبد الملك الأصبهاني» بالرفض لأنه كان يرى أن عليًا (ع) هو الأجدر بالخلافة بعد النبي (ص) (ابن خلكان، د.ت، 5: 340).
2-4. سبّ الشيخين
من المعايير الأخرى المذكورة للرافضة بناءً على الجدول رقم 1 هو العداء للشيخين وسبّهما. يقول ابن تيمية عن الشيعة: «هم الرافضة المعروفون الذين يعادون أبا بكر وعمر ويسبونهما ويشتمونهما» (ابن تيمية، 1408هـ، 5: 48). من الرواة الذين وُصفوا بالرفض بسبب سبّ أبي بكر وعمر، يمكن الإشارة إلى ما يلي: ألف- «عبد الرحمن بن خراش»؛ قيل في شأنه إنه كان دائمًا يذكر الشيخين بسوء ويعدد مثالبهما وعيوبهما، ولهذا السبب وُصف بأنه رافضي (الخطيب البغدادي، 1422هـ، 11: 571). ب- «سهل بن أحمد الديباجي»؛ اعتبره علماء رجال أهل السنة رافضيًا وكذابًا بسبب لعنه لأبي بكر وعمر، وقد وصفوا حوالي عشرين راويًا بالرفض بالطريقة نفسها (نفس المصدر، 10: 176).
3-4. سبّ السلف
بناءً على الجدول أعلاه، فإن هذه السمة هي الأكثر تكرارًا، وهذا يدل على أهمية هذا المعيار لدى علماء رجال أهل السنة، حيث وُصف حوالي 52 راويًا بالرفض بسبب سب الصحابة. وفيما يلي إشارة إلى بعض الرواة الذين وُصفوا بالرفض بسبب سب الصحابة: ألف- «يحيى بن أبي المعالي»، وصفه علماء رجال أهل السنة بأنه رافضي بسبب بغضه للصحابة وسبّه لهم (ابن نقطة، 1410هـ، 4: 486). ب- «علي بن الحسن بن أبي الفضل»، قيل في وصفه إنه كان يلعن ويسب الذين ظلموا آل النبي (ص)، وكان يسب الصحابة، ولهذا السبب اعتبروه رافضيًا (ابن حجر، 1392هـ، 4: 47). ج- «علي بن الحسين بن موسى»، اعتبروا هذا الراوي أيضًا رافضيًا لأنه شوهد في كتبه سب للصحابة وتكفيرهم (الخطيب البغدادي، 1422هـ، 9: 557). د- «إسماعيل بن محمد، السيد الحميري»، من الرواة والشعراء الشيعة المشهورين. وُصف بأنه رافضي بسبب ما نُسب إليه من سب للصحابة، وخاصة عائشة (ابن حجر، 1390هـ، 1: 436).
4-4. وضع الحديث في مثالب الصحابة
من الأسباب الأخرى التي جعلت علماء رجال أهل السنة يصفون الرواة بالرفض هو وضع الحديث ضد الصحابة. ومن هؤلاء الرواة: ألف- «جعفر بن أحمد بن علي (ابن أبي علاء)»، ذكروه في عداد الرواة الرافضة. وفي تعليل هذا الوصف، ذكروا أنه كان يضع ويختلق الحديث لتشويه صورة الصحابة (ابن الجوزي، 1406هـ، 1: 170). ب- «زياد بن منذر»، اعتبروه أيضًا رافضيًا، لأنهم يعتقدون أنه كان يضع الحديث لتشويه سمعة الصحابة (المزي، 1400هـ، 9: 519).
5-4. رجعة الإمام علي (ع) إلى الدنيا
يرى علماء رجال أهل السنة أن الرجعة من البدع المذمومة التي أدخلها بعض الرواة الرافضة إلى عالم الإسلام ومجال الأحاديث لتعظيم مقام علي (ع). لذلك، وصفوا الرواة المنسوبين إلى هذا الاعتقاد بالرفض. ومن هؤلاء الرواة: ألف- «جابر بن يزيد الجعفي»، اعتبروه رافضيًا لإيمانه واعتقاده برجعة وعودة علي (ع) إلى الدنيا (المزي، 1400هـ، 4: 470). ب- «ثابت بن أبي صفية»، عدّوه من الرواة الرافضة، وفي تعليل ذلك قالوا إنه كان قائلًا برجعة علي (ع) إلى الدنيا (العسقلاني، 1326هـ، 2: 7).
6-4. المحبة الشديدة لأهل البيت (ع)
بالنظر إلى الجدول رقم 1، بعد سب الصحابة، يأتي ذكر فضائل أهل البيت (ع) والمحبة لهم كثاني معيار له أعلى تكرار في وصف الأشخاص بالرفض، وبسببه وُصف 48 راويًا بالرفض. محبة أهل البيت (ع) مقبولة ومجمع عليها عند جميع أهل السنة، ولكن البعض أفرط في ذلك، واعتُبر هذا الأمر سببًا للرفض. وفيما يلي إشارة إلى بعض الرواة الذين وُصفوا بالرفض بسبب فضائل أهل البيت:
7-4. وضع الحديث في فضائل الإمام علي (ع)
ألف- «تليد بن سليمان المحاربي»، سُمي رافضيًا بسبب ذكره لفضائل ومناقب أهل البيت (ع) (ابن حبان، 1396هـ، 1: 204). ب- «عبد الله بن عبد القدوس»، عدّوه في عداد الرافضة لأنهم يعتقدون أنه كان يكن محبة كبيرة لأهل البيت، وأن معظم الروايات المنقولة عنه تتعلق بفضائل أهل البيت (ع) وظهور المهدي (ابن عدي، 1418هـ، 5: 330).
8-4. وضع الحديث في فضائل الإمام علي (ع)
من معايير الاتهام بالرفض من قبل أهل السنة هو وضع الحديث في فضائل علي (ع). من الرواة الذين وُصفوا بالرفض بسبب هذه السمة، يمكن الإشارة إلى ما يلي: ألف- «سليمان بن قرم الضبي»، لقبوه بالرافضي بسبب غلوه وتحريفه للأخبار لتتوافق مع معتقداته وفضائل علي (ع) (ابن حبان، 1396هـ، 1: 332). ب- «معلى بن عبد الرحمن»، وصفوه بأنه رافضي. وفي سبب ذلك قالوا: لأنه قيل له عند وفاته: ألا تستغفر؟ فقال: ألا أرجو أن يغفر لي الله وقد وضعت سبعين حديثًا في فضل علي (ع) (المزي، 1400هـ، 28: 289).
بناءً على السمات التي ذكرها الرجاليون من أهل السنة كسبب لإطلاق وصف الرفض، والتي عُرضت في الجدول رقم 1 بشكل بياني وشُرحت بعده، يمكن القول إن النقطة المشتركة بين مصادر رجال أهل السنة في مفهوم الرفض هي سب الصحابة، خاصة الشيخين، والإيمان برجعة وعودة علي (ع) إلى الدنيا.
5. مدى اعتبار الراوي الرافضي
في الأعلى، أُشير إلى سمات الراوي الرافضي من وجهة نظر رجاليي أهل السنة. والآن في هذا القسم، سنتناول مدى اعتبار الراوي الرافضي من وجهة نظر أهل السنة، وهل روايته مقبولة أم لا. في الجدول رقم 2، تم عرض مدى اعتبار الراوي الرافضي.
(وصف للجدول رقم 2: تقييم اعتبار الرواة الرافضة)
الجدول يوضح النتائج التالية: التضعيف (126)، التوثيق (40)، مختلف فيه (22).
يُظهر الجدول أعلاه بوضوح أن معظم الرواة الرافضة، من وجهة نظر علماء رجال أهل السنة، ضعفاء وروايتهم غير مقبولة. وعلى الرغم من أن بعض رجالهم أرادوا أن يوهموا بأن تضعيف الرواة الرافضة لم يكن فقط بسبب مخالفتهم في العقيدة، بل لأسباب جرح أخرى، إلا أنه يتضح من عبارات بعض نقادهم أن السبب الرئيسي لرد وعدم قبول مثل هؤلاء الرواة هو مسألتهم العقائدية. على سبيل المثال، سُئل يونس بن أبي إسحاق: لماذا لم تقبل رواية «ثوير بن أبي فاختة»؟ فأجاب: «لأنه رافضي» (الفسوي، 1401هـ، 3: 112). كما أن ابن حبان اعتبر «عباد بن يعقوب الرواجني» متروكًا بسبب رفضه (ابن حبان، 1396هـ، 2: 172).
بناءً على ذلك، يمكن القول إن التوجه العقائدي للراوي كان له دور ملموس في مدى اعتباره عند أهل السنة. والاتهامات التي وجهها علماء رجال أهل السنة ضد الشيعة، وجعلوا من سب الصحابة وشتمهم السمة المميزة للرفض والتشيع، هي اتهامات غير صحيحة على الإطلاق؛ لأن الشيعة يعتبرون السب واللعن مخالفًا لتعاليم الدين الإسلامي، ويعتقدون أن من يقومون بمثل هذه الأعمال هم فئة من المتطرفين لا تعترف بهم غالبية الشيعة. وبالنظر إلى القرآن والروايات وسيرة المسلمين، فإن السب والشتم حرام وممنوع في الشريعة المقدسة؛ يقول الله تعالى: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ…» (الأنعام: 108). وقال النبي (ص): «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ» (البرقي، 1371هـ، 1: 102). كما أن الإمام علي (ع) عندما أُبلغ في أثناء معركة صفين بأن بعض أصحابه يسبون أهل الشام، دعاهم وقال: «إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر» (السيد الرضي، 1414هـ، 323). وقد أدان جميع مراجع الشيعة سب الصحابة وحرموه. كما أفتى قائد الثورة بحرمة سب الصحابة. وصرح جوادي آملي بأن: «سب الصحابة، والإساءة إلى مقدسات الشيعة أو السنة، والتوهين والتحقير الظالم لمعتقدات أي من الطائفتين حرام، وإثارة الخلاف وإشعال نار الفرقة والشقاق وهدم أسس وحدة الأمة الإسلامية، ذنب عظيم». كما أن مراجع آخرين مثل علوي الجرجاني، ومكارم الشيرازي، ووحيد الخراساني، وشبيري الزنجاني لم يجيزوا سب الصحابة ونساء النبي (ص) وأدانوه (http://www.pasokhgooo.ir).
6. الشيعة في اللغة
يُطلق على القوم والجماعة الذين يجتمعون على أمر ما «شيعة»، فكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة (ابن منظور، 1414هـ، 18: 189). كما يُطلق على أنصار شخص وأتباعه «شيعة»، وجمعها «شِيَع»، وجمع الجمع «أشياع» (ابن سيده، 2000م، 2: 214).
7. مصطلح الشيعة عند علماء رجال أهل السنة
على الرغم من أن علماء الرجال الأوائل وكبار أئمة الجرح والتعديل من أهل السنة، مثل شعبة وسفيان الثوري، وصفوا عددًا من الرواة بالتشيع، إلا أنه لم يُذكر عنهم أو عن علماء الرجال الذين جاؤوا بعدهم مفهوم أو معنى محدد للتشيع يوضح قصدهم من إطلاق هذا اللفظ على الرواة. وبحسب الدراسة التي أُجريت، فإن أول رجالي تطرق إلى شرح وبيان معنى التشيع هو الذهبي في كتابه «ميزان الاعتدال»، حيث قال في ترجمة أبان بن تغلب: «البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كتشيع بلا غلو… وبدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه… فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية، وطائفة ممن حارب عليًا رضي الله عنه» (الذهبي، 1382هـ، 1: 5). وفي موضع آخر قال إن جمهور الأمة قائلون بأفضلية أبي بكر وعمر، وكذلك ترجيح عثمان على علي (ع)، وكل من خالف هذا الرأي فهو شيعي غالٍ (الذهبي، 1427هـ، 1: 76).
وقال العسقلاني، وهو من علماء رجال أهل السنة الآخرين: «التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأن عليًا كان مصيبًا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ. وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض» (العسقلاني، 1326هـ، 1: 94). وفي كتاب «فتح الباري» قال أيضًا: «التشيع هو محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي. وإلا فشيعي. فإن أضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض» (العسقلاني، 1379هـ، 1: 459).
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إنه من وجهة نظر الذهبي والعسقلاني، التشيع بدون غلو هو محبة علي (ع) وأفضليته على عثمان، ولكن تفضيل علي (ع) على الشيخين وتكفير عثمان ومعاوية وطلحة والزبير يُعتبر غلوًا في التشيع. بعبارة أخرى، من وجهة نظر هذين الرجاليين، يُعتبر التشيع بنوعيه، الغالي وغير الغالي، بدعة. أما محبة علي (ع) وحدها فليست بدعة، ولا يُطلق عليها تشيع، ولكن إذا أُضيف إليها تفضيل علي (ع) على عثمان، فتُعتبر بدعة صغرى وتشيعًا بدون غلو.
8. استقراء الرواة الشيعة
في هذا القسم، تم تتبع واستقراء الرواة الذين وصفهم علماء رجال أهل السنة بأنهم شيعة. بعد دراسة حوالي 400 راوٍ استُخدمت في وصفهم ألفاظ مثل «غالٍ في تشيعه»، «شديد التشيع»، «فيه تشيع يسير»، «رمي بالتشيع»، تبين أن علماء رجال أهل السنة ذكروا مجموعة من الأدلة لوصف الراوي بالتشيع، والتي عُرضت أدناه بشكل بياني، مع شرح لكل سبب من الأسباب. والجدير بالذكر أنه من بين 400 راوٍ تم دراستهم، ذُكر دليل التشيع لـ314 راويًا، أما بالنسبة للبقية، فقد ذُكر فقط وصفهم بأنهم من أهل الكوفة.
(وصف للجدول رقم 3: أسباب وصف الراوي بالشيعي)
الجدول يوضح الأسباب التالية مع تكرارها: قبول الشيخين مع تقديم علي عليهما (42)، رواية المناكير (107)، سب عثمان (13)، تقديم علي على عثمان (24)، الاعتقاد بالرجعة (11)، بيان الفضائل والمحبة الشديدة (117).
وفقًا للجدول أعلاه، تم بيان أسباب وعلل لوصف الرواة بالتشيع، والتي سيتم شرحها فيما يلي:
1-8. ذكر فضائل أهل البيت (ع) ومحبتهم
ورد في وصف «عبد الله بن شداد بن الهاد»: «كان ثقة قليل الحديث وكان شيعيًا»، أي أنه كان شخصًا ثقة، قليل الحديث، وشيعيًا (ابن سعد، 1410هـ، 5: 45). وقد كشف ابن عساكر إلى حد ما عن سبب تشيعه عندما نقل عنه قوله: «والله لوددت أني قمت على المنبر من غدوة إلى الظهر، فأذكر فضائل علي بن أبي طالب ثم لا أزال أذكرها حتى أُضرب على عنقي» (ابن عساكر، 1415هـ، 29: 151). من العبارات التي وردت في وصف «فطر بن خليفة»: «ثقة وهو شيعي» (ابن معين، 1399هـ، 3: 333)؛ أي أنه شخص ثقة وشيعي. وقد اعتبر الذهبي أن سر تشيعه هو محبته الشديدة لأهل البيت (ع)، ونقل عنه قوله وهو على فراش المرض: «ما يسرني أنه كان بكل شعرة في جسدي ملك يسبح الله ويقدسه وأنا أحب أهل بيت محمد» (الذهبي، 1382هـ، 3: 364).
2-8. الاعتقاد بالرجعة
جاء في سيرة أصبغ بن نباتة: «غالٍ في تشيعه» (الذهبي، 2009م، 1: 149)؛ أي أنه كان من غلاة الشيعة. «كوفي كان يقول بالرجعة» (العقيلي، 1404هـ، 1: 129)؛ أي أنه من أهل الكوفة وكان يعتقد بالرجعة. وجاء في ترجمة «عثمان بن عمير أبو اليقظان»: «هذا رديء المذهب غال في التشيع يؤمن بالرجعة»، أي أنه كان ذا مذهب فاسد، يغلو في التشيع ويؤمن بالرجعة (ابن عدي، 1418هـ، 6: 286). ومن الرواة الآخرين الذين كان سبب تشيعهم الاعتقاد والإيمان بالرجعة، يمكن ذكر «مسلم بن نذير» (ابن سعد، 1410هـ، 6: 249)، و«حارث بن حصيرة» (ابن عدي، 1418هـ، 2: 452)، و«جابر الجعفي» (ابن معين، 1399هـ، 3: 296).
3-8. تفضيل الإمام علي (ع) على عثمان
اعتبر علماء رجال أهل السنة «سفيان الثوري» راويًا شيعيًا، وذكروا في سبب هذا الوصف أنه كان يقدم عليًا (ع) على عثمان (الذهبي، 1427هـ، 6: 635). كما اعتبروا «مسلم بن كيسان» من الرواة الشيعة بسبب تقديمه عليًا (ع) على عثمان (العسقلاني، 1326هـ، 10: 135).
4-8. سبّ عثمان وتكفيره
جاء في ترجمة «أبو إسرائيل الملائي» أنه كان يذكر عثمان بسوء، ويسبه، وكان يقول إن عثمان كفر بما أنزل الله (العقيلي، 1404هـ، 1: 76). كما قال الذهبي في وصفه: «كان شيعيًا بغيضًا من الغلاة الذين يكفرون عثمان» (الذهبي، 1382هـ، 4: 490)؛ أي أنه كان من الشيعة المتعصبين الغلاة الذين يكفرون عثمان. وجاء في وصف «عمرو بن ثابت بن هرمز البكري»: «كان رديء الرأي شديد التشيع يشتم عثمان» (العسقلاني، 1326هـ، 8: 10)؛ أي أنه لم يكن صاحب رأي، وكان شديد التشيع ويسب عثمان.
5-8. رواية المناكير 1
أطلق علماء رجال أهل السنة لقب «منكر الحديث» على الرواة الذين كانوا ينقلون أحاديث في مثالب بعض الصحابة واستحقاق علي (ع) للخلافة، وبعبارة أخرى، الرواة الذين كانت عقيدتهم مخالفة لعقيدتهم وذكروا أحاديث عقدية لا تتوافق مع عقيدتهم. على سبيل المثال، اعتبروا «خالد بن مخلد القطواني» من الرواة الشيعة المتطرفين، وذكروا أن سبب تشيعه هو نقله للأحاديث المناكير (الذهبي، 2003م، 5: 306). واعتبروا «ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف» شيعيًا متطرفًا ومتشددًا (ابن عدي، 1418هـ، 8: 220). وذكروا أن سبب تشيعه هو نقله للأحاديث المناكير عن صحابة النبي (ص) (ابن أبي حاتم، 1271هـ، 8: 395).
6-8. قبول الشيخين وتقديم الإمام علي (ع) عليهما
اعتبروا «عطية بن سعد» شيعيًا، وقالوا في سبب تشيعه: لأنه كان يقدم عليًا (ع) على الجميع حتى على الشيخين (المزي، 1400هـ، 20: 149). وفي ترجمة «عامر بن واثلة»، ذكروا أنه كان من شيعة علي (ع). وفيما يتعلق بتشيعه، ذكروا أيضًا أنه كان يعترف بفضل الشيخين، ولكنه كان يفضل عليًا (ع) عليهما (مغلطاي، 1422هـ، 7: 153). واعتبروا «الحسن بن منصور الأسنائي» في عداد الشيعة. وفي سبب تشيعه، ذكروا أنه أقسم أنه يحب الشيخين ويرضى عنهما، ولكنه يقدم عليًا (ع) عليهما (العسقلاني، 1392هـ، 2: 157).
بناءً على ما تقدم، يتضح أن علماء رجال أهل السنة قد حددوا مؤشرات للراوي الشيعي تختلف عن تعريف الشيعي عند الشيعة. على سبيل المثال، راوٍ مثل «سفيان الثوري» الذي كان يفضل الشيخين على علي (ع) ولكنه كان يقول بتقديم علي (ع) على عثمان، اعتبروه شيعيًا، بينما من وجهة نظر علماء الشيعة، لا يُسمى مثل هذا الشخص شيعيًا. ولهذا السبب، لم يُذكر في كتب الشيعة أنه من الشيعة.
9. تقييم اعتبار الرواة الشيعة
في الجدول أدناه، تم عرض مدى اعتبار الرواة الشيعة في كتب رجال أهل السنة بشكل بياني.
(وصف للجدول رقم 4: تقييم اعتبار الرواة الشيعة)
الجدول يوضح النتائج التالية: تضعيف (192)، توثيق (155)، مختلف فيه (53).
عند النظر إلى أسباب تضعيف وتوثيق الرواة الشيعة في كتب رجال أهل السنة، يبدو أنهم اهتموا بدرجة التشيع ومقداره في التضعيف والتوثيق. فإذا استُخدمت في حق الراوي عبارات مثل «فيه تشيع يسير»، «فيه تشيع قليل»، «رمي بالتشيع»، فقد تم توثيقه في الغالب. أما إذا استُخدمت عبارات مثل «شيعي جلد»، «مفرط في التشيع»، «شيعي غال»، فقد تم تضعيفه في الغالب. والنقطة الأخرى المؤثرة في اعتبار الراوي هي عدم بغضه للشيخين. لذلك، كان لمؤشرين هما عدم الإفراط والغلو في التشيع، وعدم بغض الشيخين، دور كبير في قبول أو رفض روايات الراوي. وقد ذكر ابن عقدة هذين المؤشرين عند تقييمه من قبل علماء رجال أهل السنة (الذهبي، 1427هـ، 11: 530).
وقد أشار الذهبي أيضًا إلى هذه المسألة وقال: «فضيل بن مرزوق»، على الرغم من أنه شيعي، إلا أنني أعتبره ثقة لأنه لم يسب الشيخين (همو، 1382هـ، 3: 362). بناءً على ذلك، يمكن القول إن التوجه العقائدي للراوي كان له دور في مدى وثاقته.
10. النصب في اللغة
ذكر اللغويون للفظ «نصب» معانٍ مثل: التعب، والمشقة، والإتعاب، وإقامة الحرب والعداوة (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 1: 807؛ الفراهيدي، د.ت، 7: 135؛ الفيومي، د.ت، 2: 606). وقال الزبيدي: النواصب والناصبي هم الذين يكنون البغض لشخص ما، لأنهم «نصبوا له»؛ أي أظهروا عداوته ومخالفته (الزبيدي، د.ت، 4: 277). كما أن «النصب» يأتي بمعنى الإقامة والإظهار، كما يقال: «نصب العلم» أو «نصب الباب»؛ أي رفع الباب أو الراية، أو يقال: «نُصب له العداء»؛ أي أُظهرت له العداوة (الزيات، د.ت، 2: 924). وبناءً على أقوال اللغويين، يتضح أن الناصب هو من يكن البغض والكراهية لشخص ما. «فقد ناصبه» أي أظهر بغضه وكراهيته.
11. النصب في الاصطلاح
النصب في الاصطلاح يعني ذم الإمام علي (ع) والتنقيص منه وبغضه (الذهبي، 1427هـ، 7: 58). ويكتب العسقلاني أيضًا في هذا الباب: النصب هو بغض وكراهية علي (ع) وتقديم غيره عليه (العسقلاني، 1379هـ، 1: 459). ويُستفاد من هذه الآراء أن النصب يعني بغض وكراهية علي (ع)، وحيث إن البغض أمر قلبي، فإنه يظهر في القول والفعل أيضًا، ويؤدي إلى الذم وعدم المحبة واللوم.
12. استقراء الرواة النواصب في كتب رجال أهل السنة
في هذا القسم، تم دراسة حوالي 50 راويًا في كتب أهل السنة ذُكروا بألفاظ مثل «ناصبي»؛ «رمي بالنصب»؛ «النواصب». وقد تم التوصل إلى أربعة مؤشرات وأسباب لوصف الراوي بالنصب، وقد عُرضت هذه الأسباب والدلائل في الجدول أدناه.
(وصف للجدول رقم 5: دلائل وصف الراوي بالنصب)
الجدول يوضح الأسباب التالية مع تكرارها: بغض وكراهية علي (ع) (13)، ذم علي (ع) (19)، تهمة باطلة لعلي (ع) (3)، تقديم غير أهل البيت عليهم (11).
1-12. بغض الإمام علي (ع) وكراهيته
لقّبوا «عبد الله بن شقيق العقيلي» بالناصبي، وقالوا في سبب هذا اللقب: لأنه كان يحمل في قلبه بغضًا وكراهية لعلي (ع) (العجلي، 1405هـ، 2: 37؛ الذهبي، 1426هـ، 1: 296). وذكروا «إسحاق بن سويد» في عداد الرواة النواصب، وقالوا في سبب هذا الوصف: لأنه كان يكن الكراهية لعلي (ع) في قلبه (ابن المبرد، 1413هـ، 1: 20).
2-12. لوم الإمام علي (ع) وذمّه
عدّوا «نعيم بن أبي هند» من الرواة النواصب بسبب شماتته وذمه ولومه لعلي (ع) (الذهبي، 1382هـ، 4: 271). واعتبروا «أزهر الحرازي» ناصبيًا، وذكروا في ترجمته: أنه كان يجلس مع جماعة أخرى ويذمون عليًا (ع)، ومن لم يكن متوافقًا معهم في الرأي ولم يذم عليًا (ع)، كانوا يضربون بأرجلهم على الأرض (الذهبي، 1382هـ، 1: 173؛ ابن معين، 1399هـ، 4: 423).
3-12. الاتهامات الباطلة للإمام علي (ع)
ذكروا «عبد الله بن سالم الأشعري» من النواصب لأنه نسب اتهامات باطلة إلى علي (ع). ونُقل عنه أنه قال: إن عليًا (ع) كان له يد في قتل أبي بكر وعمر، وكان يساعد الأفراد على ذلك (الذهبي، 1382هـ، 2: 426). ووصفوا «إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني» بالناصبي لأنه ادعى أن عليًا (ع) أراق دماء الناس بغير حق. وكان يعتقد أن الإمام قتل سبعين ألف شخص في يوم واحد (ابن عساكر، 1415هـ، 7: 281).
4-12. تقديم الغير على أهل البيت (ع)
ذُكر «لمازة بن زبار الأزدي» في كتب رجال أهل السنة كراوٍ ناصبي. وفي سبب هذا الوصف، قالوا: لأنه كان يسب عليًا (ع) ويمدح يزيد (المزي، 1400هـ، 24: 252). وذكروا «حسين بن علي أبو علي المقرئ» في عداد الرواة النواصب لأنه كان يذم عليًا (ع) ويقدم غيره على الإمام، وكان يصرخ بفضائل الصحابة وفضائل العباس في المسجد (الذهبي، 2003م، 10: 157).
13. تقييم اعتبار الرواة النواصب
أُشير أعلاه إلى أن الرواة النواصب تم استقراؤهم وذُكرت أسباب وصفهم بالنصب. في الجدول أدناه، تم عرض مدى اعتبار الرواة النواصب من وجهة نظر علماء رجال أهل السنة بشكل بياني.
(وصف للجدول رقم 6: تقييم اعتبار الرواة النواصب)
الجدول يوضح النتائج التالية: تضعيف (6)، توثيق (38)، مختلف فيه (2).
يُظهر الجدول أعلاه بوضوح توثيق 90٪ من الرواة النواصب عند أهل السنة، وذلك في حين أنهم ذكروا في تراجم هؤلاء الرواة الذين وثقوهم أن الراوي كان يسب أهل البيت (ع) وخاصة علي (ع) ويلعنهم ويشتمهم.
14. الدراسة والتحليل
من خلال دراسة دقيقة للرسوم البيانية الموجودة في النص، يتضح أن مصطلحي الشيعي والرافضي يتداخلان ويتشابكان، وقد شوهد كثيرًا أنه عند ترجمة الأفراد والرواة، قد يصف رجالي راويًا بأنه شيعي، بينما يصفه رجالي آخر بأنه رافضي. ولكن من خلال الدراسة التي أُجريت وبالنظر إلى الرسمين البيانيين 1 و 3، يمكن القول إن أبرز أسباب ودلائل وصف الراوي بالرفض هو سب الصحابة، وخاصة سب أبي بكر وعمر وشتمهما، والسبب الآخر هو الاعتقاد برجعة علي (ع) إلى الدنيا. هذان هما أبرز أسباب وعلل وصف الراوي بالرفض واعتباره رافضيًا في كتب أهل السنة.
أما أبرز سمات الراوي الشيعي في كتب أهل السنة، فيمكن الإشارة إلى تفضيل علي (ع) على عثمان وتقديم علي (ع) على الشيخين. ويُقال للناصبي إنه الراوي الذي يكن البغض والكراهية لعلي (ع) ويسب الإمام. ومن خلال تحليل ودراسة الرسوم البيانية التي تظهر إحصاءات الوثاقة والضعف للرواة (الرسوم 2 و 4 و 6)، يتضح بجلاء أن الانتساب إلى إحدى هذه الصفات (الشيعي، الرافضي، الناصبي) كان مؤثرًا في الاعتبار الروائي والحديثي للراوي عند أهل السنة. فقد ضعفوا معظم الرواة الذين يعتبرونهم رافضة ويقولون إنهم سبوا الشيخين، بينما وثقوا أكثر من 90٪ من الرواة الذين سبوا عليًا (ع). وهذا يظهر بوضوح تعاملهم المتعصب والمزدوج وإدخال الأهواء في تقييم اعتبار الرواة. لأنه إذا كان علماء رجالهم يرون أن سب الصحابة يوجب الجرح والطعن في الراوي، لكان من الواجب أن يتعاملوا مع جميع الصحابة بنفس الطريقة، أو على الأقل أن يتخذوا موقفًا موحدًا تجاه الخلفاء الراشدين من وجهة نظرهم. أما أن يعتبروا سب الشيخين سببًا للطعن والجرح في الراوي، ولا يعتبروا سب علي (ع) طعنًا، فهذا يظهر بوضوح ازدواجية معاييرهم وتمييزهم في التعامل.
النقطة الأخرى التي كشفت عنها دراسة هذه المصطلحات الثلاثة في كتب رجال أهل السنة هي أن الخط الأحمر لأهل السنة في توثيق وتضعيف الراوي هو سبه للشيخين، والآخر هو الاعتقاد برجعة علي (ع) إلى الدنيا. فالرواة الذين اتصفوا بأي من هاتين الصفتين، حتى لو كانوا بريئين من سائر أسباب الطعن والجرح، فإنهم يضعفونهم. أما بالنسبة للرواة الذين سبوا عثمان أو فضلوا عليًا (ع) على الآخرين، فقد كان أداؤهم مختلفًا، فوثقوا فريقًا وضعفوا آخرين. والتوضيح هو أن أهل السنة يعتبرون المصطلحات الثلاثة (الرافضي، الناصبي، الشيعي) جزءًا من البدع، وفي باب اعتبار حديث الراوي الذي يتصف بإحدى هذه السمات، تُطرح ثلاث وجهات نظر بين علمائهم: أ- الرد المطلق: أي أن الراوي الخالي من سائر العيوب، والمنسوب فقط إلى إحدى هذه البدع الثلاث، روايته غير مقبولة مطلقًا، حتى لو كان يحرم الكذب ويدعو إلى عقيدته ومذهبه. وقد نُسب هذا الرأي إلى مالك بن أنس (الخطيب البغدادي، د.ت، 1: 120). ب- قبول رواية مثل هذا الراوي بشرطين: الأول، أن يحرم الكذب. الثاني، ألا يروج لعقيدته. وقد اعتبر ابن الصلاح هذا الرأي هو رأي أكثر علمائهم (ابن الصلاح، 1406هـ، 1: 114). وعمل الحاكم النيسابوري، وابن دقيق العيد، والنووي، وابن الصلاح، وابن معين، والعسقلاني على هذا المبدأ. ج- تُقبل رواية مثل هذا الراوي حتى لو دعا إلى مذهبه، بشرط ألا يستحل الكذب لتأييد مذهبه (الخطيب البغدادي، د.ت، 1: 120). وقد عمل الشافعي، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والخطيب البغدادي على هذا المبدأ.
من بين وجهات النظر المذكورة أعلاه، واجه الرأي الأول إشكالات من قبل علمائهم أنفسهم. فقد أورد ابن الصلاح والنووي والعسقلاني إشكالات على الرأي الأول، مفادها أن الصحيحين وكثيرًا من كتب الحديث مليئة بروايات المبتدعة الذين لم يكونوا دعاة لمذهبهم. بعبارة أخرى، كانت السيرة العملية للكبار هي أنهم نقلوا الحديث عن بعض هؤلاء الرواة ولم يردوا رواياتهم مطلقًا (ابن الصلاح، 1406هـ، 1: 114؛ النووي، 1392هـ، 1: 61؛ العسقلاني، 1421هـ، 1: 103).
لذلك، فإن الرأي الغالب هو أحد الرأيين الثاني أو الثالث. وتجدر الإشارة إلى أنه إذا اعتبرنا أن معيار علماء رجال أهل السنة في تقييم اعتبار الرواة المتصفين بصفات (الناصبي، الشيعي، الرافضي) هو القول الثاني، فيجب القول إن إشكالًا أساسيًا يرد على هذا الرأي، وهو أن السبب الرئيسي لقائلي هذا الرأي هو أن الدعوة إلى المذهب الفاسد تدفع الراوي إلى تحريف وتوجيه الروايات لنصرة مذهبه. والإشكال هو أنه ليس من الضروري أن يكذب الراوي الذي يروج لمذهبه الفاسد في نقل الحديث، خاصة في الأحاديث التي لا علاقة لها بمذهبه. والإشكال الآخر الذي يبدو أنه يرد على هذا الرأي هو أن مراعاة شرط (الدعوة إلى المذهب) هو في الواقع نوع من إدخال السياسة في تقييم الاعتبار، لأن مثل هؤلاء الرواة كانوا يُعتبرون تهديدًا وخطرًا على الحكومة المركزية. لذلك، من خلال تضعيفهم وإخراجهم من الميدان، كانوا يزيلون الخطر الموجه للحكومة. وبعبارة أخرى، ما الفرق بين المبتدع الظاهر والمستتر؟
عند دراسة وثاقة وضعف الرواة الشيعة والرافضة، لوحظ أن كثيرًا من هؤلاء الرواة تم تضعيفهم بسبب وصفهم بالدعوة إلى المذهب، بينما يبدو أن هذا كان سلاحًا سياسيًا، وكانوا يريدون قمع الشيعة الذين كانوا دعاة لمذهبهم، لأنهم كانوا يرون أحاديثهم خطرًا على الحكومة المركزية.
15. الخلاصة
1. حدد أهل السنة مؤشرات للراوي الشيعي تختلف عن مؤشرات الشخص الشيعي عند الشيعة. 2. تفضيل علي (ع) على عثمان مع قبول الشيخين، من وجهة نظر علماء رجال أهل السنة، يُعد علامة على التشيع، ولكنه من وجهة نظر الشيعة، ليس كل من يقبل الشيخين يُحسب من الشيعة. 3. سب الصحابة، خاصة الشيخين، والاعتقاد بالرجعة، هما المؤشران الرئيسيان للرواة الرافضة. 4. كان للتوجه العقائدي للراوي دور كبير في تقييم اعتباره عند علماء رجال أهل السنة. 5. تم تضعيف معظم الرواة الرافضة والشيعة عند علماء رجال أهل السنة، بينما تم توثيق 90٪ من الرواة النواصب. 6. كان السبب الرئيسي لعدم قبول روايات الرافضة هو كونهم رافضة، وليس سائر أسباب الجرح. 7. في تقييم اعتبار الرواة الشيعة، كان هناك معياران: درجة تشيع الراوي، وعدم إهانته للشيخين. 8. لم يكن تعاملهم مع الصحابة متسقًا، حيث اعتبروا إهانة الشيخين خطًا أحمر، ولكنهم لم يعتبروا إهانة علي (ع) أمرًا ذا أهمية.
الهوامش
1. يُطلق مصطلح المنكر عند أهل السنّة على الحديث الذي لا يكون مألوفًا ومعهودًا لدى كبار المحدّثين والنقّاد (ابن عساكر، 1415هـ، 35: 186). بعبارة أخرى، الرواية التي تخالف روايات راوٍ حافظٍ ومحدّثٍ أو تخالف رواية كبار أصحابهم تُعَدّ منكرًا (مسلم، د.ت، 1: 6). ولهذا السبب، فإن بعض الرواة الشيعة الذين نقلوا روايات لم تكن مألوفة ومعهودة عند المحدّثين، قد وُصِفوا بالتشيّع.