تحليل الآثار الفردية والاجتماعية للكتاب المقدس مع التأكيد على آثار الأنس بالقرآن في فكر الإمام الخامنئي

ملخص

تدّعي الأديان الإبراهيمية، بامتلاكها كتبًا سماوية كالتوراة والإنجيل في المجتمعات اليهودية والمسيحية، والقرآن في المجتمع الإسلامي، أنها تهدي البشرية نحو السعادة والكمال، لتُظهر بذلك فاعلية الأديان السماوية في الساحة البشرية. ووفقًا لتعاليم هذه الكتب، يمكن تتبع تأثيرات عميقة على الصعيدين الفردي والاجتماعي، تشمل الجوانب الروحية والعاطفية والأخلاقية والاجتماعية. تسعى هذه المقالة إلى جانب تناول التأثيرات الفردية والاجتماعية للتوراة والإنجيل، إلى تحليل آثار الأنس بالقرآن بالرجوع إلى بيانات الإمام الخامنئي. يعتمد الكاتب في دراسته على المنهج الوصفي التحليلي بهدف شرح هذه المفاهيم، حيث يسعى ضمن معالجة مختصرة لتأثيرات قراءة التوراة والإنجيل، إلى دراسة تأثير الأنس بالقرآن من منظور الإمام الخامنئي. تُظهر نتائج هذا البحث أن الأنس بالقرآن له آثار فردية واجتماعية؛ فمن آثاره الفردية: القرب الإلهي، والأنس المستمر بالقرآن، وكونه السبيل الوحيد للنجاة والسعادة، وأن الأنس بالقرآن يبشر بحياة طيبة. ومن آثاره الاجتماعية يمكن الإشارة إلى زيادة المعرفة العامة في البلاد، والعفة العامة، والصحوة الإسلامية، والانتصار على القوى العظمى وغيرها.

المقدمة

لقد حظي البحث في فاعلية وتأثير الكتب المقدسة والقرآن بمكانة خاصة في الدراسات البحثية المعاصرة بهدف حل قضايا المجتمع البشري، خاصة في المجالين الفردي والاجتماعي. وقد تناولت مقالات عديدة هذا الموضوع، منها: “تأثير الاستماع إلى تلاوة القرآن (سورة الرحمن) على مستوى قلق النساء الحوامل في مستشفى الأم والطفل بمدينة فاطمة”، و”تأثير صوت القرآن الكريم مع الترجمة وبدونها على نتائج الحمل: تجربة سريرية”، و”فعالية ترتيل القرآن في الثلث الثالث من الحمل المصاب باضطراب نفسي”، و”تأثير القرآن الكريم على الاستجابات الفسيولوجية لحديثي الولادة المبتسرين”، وكلها تبحث في تأثير القرآن في المجال الفردي. وهناك أعمال أخرى مثل “الدين: مقالات في دراسة الدين” لجوناثان زي سميث، منشورات جامعة شيكاغو، 2004، و”حوار الأديان الإبراهيمية: الوصايا العشر كأساس للحوار”، المجلة الدولية للعلاقات اليهودية والمسيحية، المجلد 11، العدد 1، 2017، و”الأنبياء” لأبراهام جوشوا هيشل، منشورات هاربر، 2001، وغيرها، والتي صورت فعالية التوراة والإنجيل في المجال الاجتماعي. كل هذه الأعمال تسعى لتقديم خطاب فعال حول فائدة الكتب المقدسة والقرآن، محاولةً إثبات ليس فقط التأثير الروحي لهذه الكتب، بل تأثيرها المادي والملموس أيضًا. وكما وُصفت التوراة والإنجيل في بعض العبارات بأنها هادية، فقد اعتبر الله تعالى القرآن ذا بركات وآثار خاصة في جسد الإنسان وروحه، بل وفي الكون بأسره. على الرغم من أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم تحكمه التكنولوجيا ويعتاد على تجربة علمانية بالكامل، فإن حاجته إلى هذه الروابط السماوية المحيية أصبحت أشد من أي وقت مضى. فالإنسان الغربي، رغم تحريف الكتاب المقدس والتفاسير البشرية المحضة لآياته، لا يزال يحتفظ بعلاقة وثيقة، وإن كانت دقيقة، حتى في تعابيره الأدبية والإعلامية والفلكلورية، وفي الطبقات المؤثرة من علم الاجتماع. يسعى هذا البحث، ضمن معالجته لتأثير التوراة والإنجيل في المجالين الفردي والاجتماعي، إلى دراسة الأنس بالقرآن من منظور الإمام الخامنئي.

تأثير التوراة والإنجيل

إن مسار التطور التاريخي للأديان السماوية، على الرغم من التحريف الكبير الذي طال نصوصها الوحيانية وتفاسيرها الدنيوية والبشرية، قد حافظ على الوعد بالوصول إلى الكمال والسعادة النهائية كجوهر أساسي في ذاته، وإن كان بعيد المنال، إلا أنه يبقى هدفًا معقولًا. ورغم أن كتبة الكتب المقدسة قد فتحوا الباب لإدراج التفاسير البشرية في صلب النصوص المقدسة، إلا أنه مع مرور التاريخ العريق لهذه النصوص، لا يزال الإنسان الغربي (اليهودي-المسيحي) يجد فيها عبارات أصيلة وصادقة ويعتمد عليها. تتم قراءة الكتب المقدسة بين اليهود بطرق خاصة مثل “قراءة التوراة في الكنيس”، و”باراشوت” (كل قسم يُقرأ في أسبوع معين من السنة)، و”التروب” أو “الكنتيل”، وتتجاوز القراءة العامة للتوراة إلى أشكال “الدراسة والتفسير”، و”الدراسة والتأمل الشخصي”، وبأساليب “القراءة الصامتة”، و”القراءة بصوت عالٍ”، و”الترنيم أو التغني”، و”التلاوة بلحن”، و”الحفظ والتلاوة”، و”القراءة والمراقبة”، وكل ذلك يتم في إطار التقاليد واحترام النص المقدس. كل هذه الممارسات تُظهر التركيز على تأثيرها في هذه المجتمعات، وسنستعرض فيما يلي تأثيراتها الفردية ثم الاجتماعية.

1. النمو الروحي

غالبًا ما تؤدي قراءة التوراة والإنجيل إلى نمو روحي من خلال تعميق فهم الفرد للتعاليم والمبادئ والمعتقدات الدينية. وهذا يمكن أن يعزز علاقة أوثق مع الإله ويوفر إرشادًا للنمو الشخصي والأخلاقي. من بين الأمور التي يمكن أن تُظهر عملية النمو الروحي ما يلي: 1- الهداية والتعليم: تقدم التوراة والإنجيل إرشادًا وتعليمًا للأفراد الذين يسعون إلى النمو الروحي. فهما يقدمان رؤى حول الحياة الأخلاقية، وأعمال الصلاة والعبادة، والسعي لتحقيق العدالة. 2- الإلهام والتشجيع: تلهم القصص والتعاليم والنماذج الموجودة في التوراة والإنجيل المؤمنين وتشجعهم في رحلاتهم الروحية. كما أنها توفر الأمل والراحة والطمأنينة بحضور الله ووفائه. 3- التحول والتجديد: من خلال التأمل والدراسة وتطبيق تعاليم التوراة والإنجيل، يختبر الأفراد تحولًا وتجديدًا في القلب والعقل والروح. يُدفعون إلى مواءمة حياتهم مع إرادة الله والسعي نحو القداسة والعدالة الشخصية. 4- المجتمع والشركة: تعزز التوراة والإنجيل الإحساس بالمجتمع والشركة بين المؤمنين، وتوفر فرصًا للعبادة والدراسة والدعم المتبادل. يشجع المؤمنون بعضهم البعض في نموهم الروحي ويحاسبون بعضهم البعض على عيش حياتهم وفقًا لإيمانهم. باختصار، تعمل التوراة والإنجيل كمصادر أساسية للتغذية والنمو الروحي للأفراد والمجتمعات، حيث يسعى المؤمنون إلى تعميق علاقتهم بالله وتطبيق إيمانهم في حياتهم اليومية. مثال على نص من التوراة يؤثر في النمو الروحي نجده في سفر التثنية 6: 5: “فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ”. تؤكد هذه الآية على أهمية التفاني القلبي لله، وهو أمر أساسي للنمو الروحي في اليهودية. وفي متى 22: 37-39، يلخص يسوع جوهر النمو الروحي والحياة الصالحة بقوله: “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ”. يؤكد هذا التعليم على العلاقة المتبادلة بين محبة الله ومحبة الآخرين، وهو أساس النمو الروحي في المسيحية.

2. الدعم العاطفي

يمكن للقصص والتعاليم والحكمة الموجودة في التوراة والإنجيل أن توفر الدعم العاطفي في أوقات الشدة أو عدم اليقين. يجد الكثير من الناس الراحة والسكينة والإلهام في النصوص المقدسة، مما يساعدهم على مواجهة تحديات الحياة بمرونة وإيمان. 1- الطمأنينة بحضور الله: تضمن كل من التوراة والإنجيل حضور الله مع المؤمنين، حتى في خضم المحن والمصائب. تذكّر هذه العبارات الأفراد بأنهم ليسوا وحدهم وأن الله معهم، يوفر لهم الراحة والقوة. 2- الأمل والتشجيع: تبث القصص والتعاليم والوعود الموجودة في التوراة والإنجيل الأمل والتشجيع في نفوس الأفراد، وتذكرهم بوفاء الله ووعده بمستقبل أفضل. هذه المقاطع ترفع الروح المعنوية وتبدد اليأس. 3- إقرار المشاعر: تقر الروايات وتجارب الأفراد في التوراة والإنجيل بمجموعة واسعة من المشاعر، بما في ذلك الحزن والغضب والخوف والفرح. يجد المؤمنون الراحة في معرفة أن مشاعرهم مفهومة ومقبولة من قبل الله، مما يعزز الشعور بالقبول والشفاء العاطفي. 4- إرشادات للمواجهة: تقدم الحكمة والنصائح الموجودة في التوراة والإنجيل إرشادات للتعامل مع التحديات والمصاعب العاطفية. يتم تشجيع المؤمنين على اللجوء إلى الله في الصلاة، وطلب الدعم من الآخرين، والاعتناء بأنفسهم خلال تقلبات الحياة. باختصار، تعمل التوراة والإنجيل كمصادر للدعم العاطفي للأفراد، وتوفر الطمأنينة والأمل والقبول والإرشاد أثناء تعاملهم مع تعقيدات المشاعر والتجارب الإنسانية.

3. الإطار الأخلاقي

توفر كل من التوراة والإنجيل إطارًا أخلاقيًا لعيش حياة صالحة وفاضلة. غالبًا ما تدفع قراءة هذه النصوص الأفراد إلى التأمل في أفعالهم ومواقفهم وقيمهم، مما يؤدي إلى تحول شخصي والتزام أعمق بالسلوك الأخلاقي. دعونا نستعرض الأطر الأخلاقية لكل منهما:

1. الإطار الأخلاقي للتوراة: تتكون التوراة من الأسفار الخمسة الأولى في الكتاب المقدس العبري، وتقدم تعاليم وأحكامًا أساسية للإيمان اليهودي. وهي تستند إلى المبادئ التالية: 1- الأوامر (Mitzvot): تتضمن التوراة 613 وصية (mitzvot) تغطي مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات والعدالة الاجتماعية والعبادة والسلوك الشخصي. توفر هذه الأحكام إطارًا أخلاقيًا لعيش حياة صالحة وفاضلة وتؤكد على أهمية طاعة شرائع الله. 2- المتطلبات الأخلاقية: تؤكد التوراة على المتطلبات الأخلاقية مثل العدل والرحمة والصدق واللطف. يُشجَّع المؤمنون على معاملة الآخرين بإنصاف وشرف، ورعاية أفراد المجتمع الضعفاء، والتمسك بمبادئ النزاهة والاستقامة. 3- علاقة العهد: تقيم التوراة علاقة عهد بين الله وشعب إسرائيل، على أساس الالتزامات والمسؤوليات المتبادلة. يُدعى المؤمنون إلى احترام عهدهم مع الله من خلال طاعة وصاياه والعيش وفقًا لإرادته.

2. الإطار الأخلاقي للإنجيل: يقدم الإنجيل، الذي يشير إلى تعاليم وروايات يسوع المسيح في العهد الجديد، إرشادات حول الحياة الأخلاقية للمسيحيين. وهو يقوم على مبادئ خاصة به على النحو التالي: 1- المحبة والرحمة: يؤكد الإنجيل على أهمية المحبة والرحمة كمبادئ أساسية للحياة الأخلاقية. يعلم يسوع المؤمنين أن يحبوا الله من كل قلوبهم وأن يحبوا جيرانهم كنفسهم، وأن يجسدوا أخلاق المحبة والتعاطف مع الآخرين. 2- القاعدة الذهبية: يعلم الإنجيل القاعدة الذهبية، وهي أن تعامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك. يؤكد هذا المبدأ على أهمية التعاطف واللطف والاحترام في العلاقات بين الأفراد ويرشد المؤمنين في تفاعلاتهم مع الآخرين. 3- الموعظة على الجبل: في الموعظة على الجبل (متى 5-7)، يعرض يسوع تعاليم أخلاقية تشكل أساس الأخلاق المسيحية. تشمل هذه التعاليم التطويبات، التي تبرز فضائل مثل التواضع والرحمة ونقاء القلب وصنع السلام، بالإضافة إلى تعاليم حول المغفرة واللاعنف والنزاهة الأخلاقية. باختصار، يوفر كل من التوراة والإنجيل أطرًا أخلاقية لعيش حياة صالحة وفاضلة، ويؤكدان على مبادئ مثل طاعة وصايا الله، والسلوك الأخلاقي، والمحبة، والرحمة، والعدالة. تعمل هذه النصوص كدليل للمؤمنين، وتشكل شخصيتهم الأخلاقية وترشدهم في أفعالهم وفقًا لمشيئة الله.

4. المجتمع والهوية

بالنسبة للكثير من الأفراد، فإن قراءة التوراة والإنجيل ليست مجرد مسعى شخصي، بل هي وسيلة للتواصل مع مجتمعهم الديني وتراثهم. إنها تعزز الشعور بالانتماء والهوية، وتقوي الروابط بالتقاليد الإيمانية، وتعزز الإحساس المشترك بالهدف والانتماء بين المؤمنين. تلعب التوراة والإنجيل دورًا مهمًا في تشكيل الشعور بالهوية والانتماء والارتباط بالتقاليد الإيمانية للأفراد. دعونا نستعرض كيف يؤثر كل نص على هذه الجوانب، مع ذكر عبارات محددة من التوراة والإنجيل:

(1) تأثير التوراة

أ. الشعور بالهوية: توفر التوراة الأساس للهوية اليهودية وتعمل كنص مقدس يحدد المعتقدات والممارسات والتراث الثقافي لليهود في جميع أنحاء العالم.

ب. الانتماء والارتباط بالتقاليد الإيمانية: من خلال تقديم سرد مشترك وقيم وطقوس تربط المجتمعات اليهودية ببعضها البعض، تعزز التوراة الشعور بالانتماء والارتباط بالتقاليد الإيمانية اليهودية.

عبارات من التوراة:

– تثنية 6: 4: “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.”

– خروج 19: 5: “فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي، تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ.”

(2) تأثير الإنجيل

الشعور بالهوية: يشكل الإنجيل أساس الهوية المسيحية، حيث يحتوي على تعاليم وروايات يسوع المسيح التي تلعب دورًا أساسيًا في الإيمان والمعتقد المسيحي. الانتماء والارتباط بالتقاليد الإيمانية: من خلال إعلان رسالة الخلاص والنعمة والفداء عن طريق يسوع المسيح وتقديم إرشادات للحياة المسيحية، يعزز الإنجيل الشعور بالانتماء والارتباط بالتقاليد الإيمانية المسيحية.

عبارات من الكتاب المقدس (العهد الجديد):

– متى 16: 15-16: “وَأَمَّا أَنْتُمْ، فَمَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟” فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!».

– يوحنا 3: 16: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.”

وقد استطاعت أيضًا أن تظهر التأثير على الهوية والانتماء والارتباط بالتقاليد الإيمانية في الجوانب التالية: 1. السرد المشترك: تقدم كل من التوراة والإنجيل سردًا مشتركًا لعلاقة الله بالبشرية، وتاريخ تقاليدهم الإيمانية، ووعود الخلاص والفداء للمؤمنين. 2. القيم والأخلاق: تغرس التوراة والإنجيل قيمًا وأخلاقيات مشتركة تشكل الشخصية الأخلاقية للمؤمنين وترشد سلوكهم، وتعزز الشعور بالهوية والمسؤولية الجماعية. 3. الطقوس والممارسات: يصف كلا النصين طقوسًا وشعائر وممارسات دينية تلعب دورًا أساسيًا في التقاليد الدينية، وتوفر فرصًا للمؤمنين للتعبير عن هويتهم، وتعزيز ارتباطهم بالمجتمع الإيماني، وتعميق علاقاتهم. مع كل التفسيرات التي مرت، فإن التحريفات الكثيرة في الكتب المقدسة قد وفرت للثقافة الغربية أرضية لنمو وتطور عالم جديد وعلماني، مما أدى إلى النفور من الدين وحتى العداء له. بتعبير آخر، فإن الشك الديكارتي الغربي والنهضة العلمية والنظرة التجريبية لديهم قد وضعت جميع النصوص المقدسة في حالة من التعليق والتفسير البشري والتاريخي. لذلك، على الرغم من الاهتمام الكبير في المجال النظري بمثل هذه المباحث في الفكر الغربي، يوجد في المجال العملي نوع من الانفصام العميق الذي لا يمكن من خلاله الحديث عن نمط الحياة الدينية في الغرب إلا من باب مراعاة واحترام بعض الطقوس.

التأثير الاجتماعي للتوراة والإنجيل

1. التأثير الثقافي: كان للتوراة والإنجيل تأثير عميق على الثقافة والقيم والعادات والتقاليد في المجتمعات حول العالم. لقد شكلت القوانين والأدب والفن والموسيقى والأعراف الاجتماعية، وتركت أثرًا لا يمحى على الحضارة الإنسانية.

2. الحوار بين الأديان: يمكن لقراءة التوراة والإنجيل أن تسهل الحوار والتفاهم بين الأديان من خلال تعزيز الاحترام المتبادل والتسامح وتقدير وجهات النظر الدينية المتنوعة. وهذا يوفر أرضية مشتركة لأفراد من مختلف الأديان للمشاركة في حوارات هادفة وسد الفجوات الدينية.

3. العدالة الاجتماعية والدعوة: غالبًا ما تلهم التعاليم والمبادئ الأخلاقية التي تدعمها التوراة والإنجيل الأفراد والمجتمعات للدفاع عن العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان. إنها تعمل كمحفز للتغييرات الاجتماعية الإيجابية وتمكن الأفراد من معالجة الظلم وعدم المساواة النظامية في المجتمع.

4. بناء المجتمع: تعزز قراءة التوراة والإنجيل التماسك والتضامن الاجتماعي من خلال توفير سرد مشترك وقيم وطقوس تربط المؤمنين ببعضهم البعض. إنها تقوي الروابط الاجتماعية، وتعزز الدعم المتبادل، وتشجع على التعاون في خدمة الصالح العام. باختصار، من وجهة نظر مفكري الدين الغربيين، فإن قراءة التوراة والإنجيل لها تأثيرات فردية واجتماعية عديدة. إنها تثري حياة الأفراد من الناحية الروحية والأخلاقية والعاطفية، وفي الوقت نفسه تشكل قيم وثقافة وهوية المجتمعات.

الأنس بالقرآن في فكر الإمام الخامنئي

كلمة «الأنس» في اللغة تعني الألفة (القرشي، 1371: 1/132) وهي عكس «الوحشة» (ابن فارس، 1404: 1/145؛ ابن منظور، 1414: 6/13). وفي المفردات جاء: الأنس: خلاف النفور، أي الألفة والمحبة، وهو عكس الكراهية وعدم المحبة (الراغب، 1412: ص 94). وقيل أيضًا: «مع التجانس التأنس»: أي أن التجانس والتشابه يورث الأنس والألفة (المصطفوي، 13: 1/159-161). والمعنى الآخر الذي ذكر له هو السكينة (ابن سيد، 1412: 8/555). في الاصطلاح، يُطلق مصطلح الأنس بالقرآن الكريم في فكر قائد الثورة المعظم على المرور بمراحل محددة تكون ثمرتها النهائية العمل بالقرآن الكريم، وقراءته، وتكرار قراءته، والتدبر في مفاهيمه القرآنية وفهمها (بيانات في لقاء القراء، 22/06/1386 هـ.ش). القرآن هو أفضل مؤنس للإنسان في وحدته ومخاوف حياته، وهو تجلٍّ لعلم الله وحقيقته، وعلامة على عظمة الله تعالى. الأنس بالقرآن هو مصاحبة كنز لا ينضب، وامتلاك برنامج شامل وكامل لحياة سعيدة يسعى إليها الجميع، لكنهم لا يدركون أنها بجانبهم.

يعرّف القرآن الكريم نفسه بصفات منها: البيان (آل عمران/138)، وأحسن الحديث (الزمر/23)، والبرهان (النساء/174)، والشفاء (يونس/57)، والذكر (الأنبياء/50) وغيرها. تبيّن آيات القرآن الكريم بوضوح عظمة ومكانة القرآن الرفيعة ودوره المهم في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية. يقول الإمام علي (ع) في وصف القرآن الكريم: «القرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، وحجة الله على خلقه. أخذ عليهم ميثاقه، وارتهنهم به أنفسهم. أتم به نوره، وأكمل به دينه، وقبض نبيه (ص) وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به» (الدشتي، 1380: 352). يقول الإمام الخامنئي في أهمية القرآن: «هذا القرآن محيط عظيم، كلما تقدمتم فيه، ازددتم عطشًا وشوقًا، وأصبح قلبكم أكثر نورًا. يجب التدبر في القرآن.» (بيانات في الحفل الختامي لمسابقات حفظ وقراءة القرآن الكريم، 1379/8/9 هـ.ش). وفي موضع آخر قال: «يجب الاقتراب من القرآن. يا شبابنا الأعزاء، ويا كل الشباب الذين يسمعون هذا الكلام في جميع أنحاء البلاد، اعلموا أن في القرآن حكمة، ونورًا، وشفاءً. العُقَد التي تنشأ في قلب الإنسان وروحه بسبب تحديات الدنيا المادية، يمكن أن تحلها أنامل الحكمة القرآنية. هذه حقيقة. تفتح القلوب، تشرح الصدور، تمنح الأمل، تمنح النور، تمنح العزم الراسخ للسير في الصراط المستقيم. يجب مواجهة القرآن وأخذ هذه الأمور.» (بيانات في لقاء قراء القرآن الكريم، 1384/7/14 هـ.ش).

آثار الأنس بالقرآن الكريم

للأنس بالقرآن آثار وبركات وفيرة في حياة الإنسان. يمكن تصنيف آثار الأنس بالقرآن بشكل عام إلى فئتين: الآثار الفردية والاجتماعية، وهي كالتالي:

1. الآثار الفردية

أ. مفتاح الأنس بالقرآن، تهذيب النفس والتفقه

يقول قائد الثورة المعظم: «يجب مواجهة القرآن كالمرآة، نظيفة، لامعة، لا صدأ فيها، حتى ينعكس القرآن في قلوبنا. يجب أن ينعكس القرآن في أرواحنا. هذا ليس دائمًا للجميع، بل لمن يطهرون قلوبهم بصفاء الباطن والنفس، ويواجهون القرآن بإيمان وقبول. أما الذين في قلوبهم عناد، فإنهم يبنون على عدم السماع والفهم، فلا يؤثر في قلوبهم نداء القرآن وكلامه ورسالته» (بيانات في لقاء قراء القرآن الكريم، 1389/4/24 هـ.ش). وفي موضع آخر يقول: «غالبية الناس – وليس كلهم – يستفيدون من ظاهر القرآن، لكن الاستفادة من أعماق القرآن وبطونه لا تتم إلا بالتعلم والتفقه، كما يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: «وتعلموا القرآن»؛ ثم يقول بعد فاصل: «وتفقهوا فيه». التفقه يعني التعليم العميق، والتعلم العميق. «تفقه» هو التعليم العميق للقرآن، فإنه ربيع القلوب (فيض الإسلام، 1377: خ109/340) فهو ربيع القلوب، يمنح القلب نضارة وإشراقًا؛ والتدبر والتعلم والتفقه لازمان له. بالطبع، شرطه تطهير القلب؛ يجب أن نطهر قلوبنا، وننجي أنفسنا من الكثير من الإرادات القلبية، وهذا الأمر أسهل لكم أيها الشباب من أمثالي بكثير» (بيانات في محفل الأنس بالقرآن الكريم، 1401/1/14 هـ.ش). يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (الواقعة: 79). في رأي العلامة الطباطبائي: «الكلام في سياق تعظيم أمر القرآن، يريد أن يجل القرآن، ومن هنا نفهم أن المقصود بمس القرآن ليس لمس خطوطه، بل العلم بمعارفه، فلا يدرك معارفه العالية إلا المطهرون من الخلق» (الطباطبائي، 1390: 19/137).

ب. الأنس بالقرآن، يمتزج بلحم الشاب وجلده

خاطب قائد الثورة المعظم الشباب قائلاً: «يا شبابنا الأعزاء، ويا كل الشباب الذين يسمعون هذا الكلام في جميع أنحاء البلاد، اعلموا أن في القرآن حكمة، ونورًا، وشفاءً. العُقَد التي تنشأ في قلب الإنسان وروحه بسبب تحديات الدنيا المادية، يمكن أن تحلها أنامل الحكمة القرآنية. هذه حقيقة. تفتح القلوب، تشرح الصدور، تمنح الأمل، تمنح النور، تمنح العزم الراسخ للسير في الصراط المستقيم. يجب مواجهة القرآن وأخذ هذه الأمور» (بيانات في لقاء قراء القرآن الكريم، 1384/7/14 هـ.ش). يقول الإمام الصادق (ع) في هذا الصدد: «من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن، اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عز وجل مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة» (المجلسي، 1403: 89/207؛ الكليني، 1386: 4/547).

ج. الأنس المستمر بالقرآن، السبيل الوحيد للنجاة والسعادة

يعتبر قائد الثورة المعظم أن «نتيجة الأنس الطويل والمستمر هي الرسوخ في العلم والشمول بالهداية القرآنية». وكما يذكر الله الطريق السعيد كطريق ثابت ومستقيم، ويعرّف القرآن بأنه الهادي إلى هذا الطريق، فيقول: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا» (الإسراء: 9). يقيناً هذا القرآن يهدي إلى الطريق الأكثر استقامة، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم أجرًا عظيمًا. يقول النبي الأكرم (ص): «إن أردتم عيش السعداء وموت الشهداء… فأدرسوا القرآن…» (المجلسي، 1403: 19/92). إذا أردتم حياة السعداء وموت الشهداء، فتعلموا القرآن. الشهداء، في ضوء تعاليم القرآن التي تعتبر الموت بداية حياة أخرى، بذلوا أرواحهم تلبية لنداء المعبود، وبذلك وصلوا إلى السعادة. ومن يتعلم القرآن ويعمل به، فقد سلك طريق الشهداء الذي هو اكتساب تعاليم القرآن.

د. الأنس والتدبر في القرآن، ضمان نمو المعتقدات

يقول قائد الثورة المعظم: «إحدى الطرق التي تخلق العمق في معتقدات الإنسان، وفي أسسه الفكرية، وفي روح الإنسان، وفي إيمان الإنسان، هي الأنس بالقرآن. لذلك، في حياتكم، يجب أن تكون لديكم تلاوة للقرآن مع التدبر، ولا تدعوها تُحذف» (بيانات في لقاء أعضاء مجلس الوزراء، 1379/4/17 هـ.ش). وكما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ» (ص: 29). ويقول الإمام علي (ع): «لا خير في قراءة ليس فيها تدبر» (المجلسي، 1403: 89/21)، أي لا خير في قراءة لا يصاحبها تدبر.

هـ. الأنس بالقرآن، يبشر بحياة طيبة

نقرأ في بيانات قائد الثورة المعظم قوله: «القرآن وعدنا بحياة طيبة. ماذا تعني الحياة الطيبة؟ الحياة النظيفة؟ أي الحياة التي يؤمّن فيها روح الإنسان وجسمه، ودنياه وآخرته؛ تؤمّن فيها الحياة الفردية، والسكينة الروحية، والراحة الجسدية؛ والفوائد الاجتماعية، والسعادة الاجتماعية، والعزة الاجتماعية، والاستقلال والحرية العامة أيضًا» (بيانات في لقاء قراء القرآن، 89/4/24 هـ.ش). وكما يقول الله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (النحل: 97). إذن، ما يسبب الوصول إلى الحياة الطيبة هو الأنس بالقرآن الكريم بمعناه الحقيقي والعمل بأوامر الله وأحكامه، وهذا يعني تربية الإنسان بالدين الذي يوصله إلى كمالاته الحقيقية.

و. رمضان شهر الفرص، شهر القرب وتلاوة القرآن

يقول قائد الثورة المعظم: «شهر رمضان شهر جيد جدًا. أيها الأصدقاء الأعزاء، إنها فرصة جيدة جدًا. فرصة للعبادة، فرصة للتقرب، فرصة للصيام الذي تصومونه، فرصة للجلوس على مائدة الرحمة الإلهية، على مائدة الضيافة الإلهية. هذه الضيافة التي يقال عنها هي صومكم، هي نافلتكم، هي صلاتكم. سحر رمضان، الجميع يستيقظون. لا ينبغي أن نضيع هذا السحر. السحر فرصة جيدة جدًا. إذا لم نستفد من السحر، في هذا العالم المزدحم، ليس لدينا وقت آخر للخلوة مع أنفسنا، مع قلوبنا، مع إلهنا. حقًا، إذا لم يبق لنا وقت، فنحن في ورطة» (بيانات في جلسة درس خارج الفقه على أعتاب شهر رمضان المبارك، 1398/9/10 هـ.ش). ويقول في كلمة أخرى: «لقد أتاح الله تعالى في هذا الشهر فرصة التقرب إليه؛ إذا دخلتم هذه الضيافة، فستستفيدون من هذا الكرم. ما هي هذه الفرصة؟ هذه الفرصة هي الصوم؛ هذه الفرصة هي الأجر الذي لا ينتهي لتلاوة القرآن… يمكنكم الاستفادة من هذه الفرص بأفضل وجه. يقول الإمام السجاد (ع) في دعاء دخول شهر رمضان: «وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك»؛ يتضح أن الصيام ليس فقط عدم الأكل والامتناع عن هذه الأعمال الظاهرية؛ هذا أيضًا جزء من الصيام الذي يقربكم إلى الله؛ كف الجوارح عن معاصي الله؛ واستعمالها فيه بما يرضيك؛ وبعد فاصل يقول الإمام: «وأن نتقرب إليك فيه من الأعمال الزاكية بما تطهرنا به من الذنوب وتعصمنا فيه مما نستأنف من العيوب» (فيض الإسلام، 1376: 285-289). أن يطهرنا الله من ماضينا ويحفظنا في مستقبلنا؛ فلنقدر هذا الشهر» (بيانات في لقاء قراء القرآن، 1401/1/14 هـ.ش).

2. الآثار الاجتماعية

أ. الأنس والمعرفة القرآنية، عامل تقدم البلاد

يقول قائد الثورة المعظم: «إذا تعرفت أمة على المعرفة القرآنية، ستصبح الكثير من الأمور سهلة عليها؛ الحركة ستكون سهلة عليها. لاحظوا كيف أن أمتنا، بمجرد أن فتحت أبواب القرآن على نفسها – وهذا ببركة الثورة – انظروا أي تحول حدث في أمتنا؛ انظروا أي عظمة وعزة وجدتها أمتنا بهذا القدر الضئيل من الحركة التي قمنا بها نحو القرآن. القرآن هكذا. إذا تمت الحركة نحو القرآن بشكل كامل، حينها ستكون هذه الأمة هي تلك التي أخبر عنها القرآن الكريم: «لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» (الحج: 78) و«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (آل عمران: 110). وفي كلمة أخرى، مع التأكيد على النقطة السابقة، يقول: «أعزائي، اعلموا، لكي ننشئ مجتمعًا لا يكون متخلفًا من الناحية المادية والعلمية والصناعية، ويكون رائدًا ومؤثرًا في حياة العالم، وفي الوقت نفسه لا يعاني من الآفات المعنوية – التي يعاني منها الغرب اليوم -، فإن القرآن والعمل به ضروريان» (بيانات في الجلسة الختامية لمسابقات قراءة القرآن، 1371/11/5 هـ.ش).

ب. الأنس بالقرآن، إحباط حيل وفتن الأعداء

يقول قائد الثورة المعظم: «إذا أنس الشاب المسلم بالقرآن وأعطى نفسه فرصة للتدبر في القرآن، فإن الكثير من شبهات العدو ستصبح بلا أثر» (بيانات في لقاء مع مجموعة من حفظة وقراء القرآن من الناشئين والشباب، 1380/6/28 هـ.ش). وفي رواية عن النبي (ص) أنه قال: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع… فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة» (الكليني، 1369: 4/459). فإذًا، الإنسان الذي يأنس بالقرآن ويجعله رفيقًا له، يجد نفسه على مائدة ملونة وفريدة يستضيفه فيها الله، فكيف يمكن للإنسان أن يحضر مثل هذه المائدة ويعود فارغ اليدين؟

ج. الأنس بالقرآن، نتيجة لزيادة المعرفة العامة في البلاد

يقول قائد الثورة المعظم: «آيات القرآن تحتوي على خلاصة وكليات تعاليم الإسلام. لهذا السبب، فإن «الأنس بالقرآن» يجعل المعرفة الإسلامية أقوى وأعمق في أذهاننا. شقاء المجتمعات الإسلامية يرجع إلى بعدها عن القرآن وحقائقه ومعارفه. حال أولئك المسلمين الذين لا يفهمون معاني القرآن ولا يأنسون به معروف، وحتى أولئك الذين لغة القرآن هي لغتهم ويفهمونها، بسبب عدم التدبر في آيات القرآن، لا يتعرفون على حقائق القرآن ولا يأنسون بها.» (بيانات في خطب صلاة الجمعة بطهران، 1391/1/10 هـ.ش). وفي مكان آخر يؤكد: «الأنس بالقرآن يرفع المعرفة العامة في بلد ما. الآن أيضًا، ببركة القرآن، البلاد تتجه نحو التقدم.» (بيانات في لقاء مع قراء مصريين، 1370/3/11 هـ.ش).

د. الأسرة القرآنية، نتيجة للتربية الصحيحة للأبناء

تعد الأسرة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي لها تأثير عميق في التربية الدينية للشباب. التربية هي أهم دور للأسرة، وفي التعاليم الدينية، قُدمت توصيات قيمة في هذا الصدد يمكن أن يكون للعمل بها دور كبير في تحقيق نمو المعتقدات الدينية والقرآنية لدى الشباب. إذن، بالتربية الصحيحة والمنهجية يمكن بناء أفراد أصحاء وصالحين، وبالتربية يتشكل مجتمع سليم. يلعب الوالدان دورًا أساسيًا في هذا، حيث يكون دور الأم في كيان الأسرة أكثر أهمية. يقول الإمام الخامنئي حول تأثير الأنس بالقرآن على النساء والأسرة: «إذا أنست النساء بالقرآن، فستحل الكثير من مشاكل المجتمع؛ لأن أجيال المستقبل تنشأ في أحضان المرأة، والمرأة العارفة بالقرآن، المأنوسة به، المتفهمة لمفاهيمه، يمكن أن يكون لها تأثير كبير في تربية الأبناء.» (بيانات في لقاء مع مجموعة من الباحثات في القرآن، 1378/8/27 هـ.ش).

هـ. الأنس بالقرآن، الحجاب والعفة العامة، أمن المجتمع

اعتبر قائد الثورة المعظم، في كلمة له أمام عناصر قوى الأمن الداخلي والشباب الذين يدخلون مختلف قطاعات هذه الخدمة، أن الأمة الإيرانية من أثمن أمم العالم، ومع التأكيد على الحفاظ على كرامة هذه الأمة في جميع الأبعاد والجوانب، أشار إلى خطط الأعداء وقال: «كثيرون هم أصابع العدو؛ لكن ليس في شكل مواجهة عسكرية، بل من خلال إثارة الفوضى في بيئة الحياة الآمنة للناس، وكسر حرمة الخلوة الآمنة للأسر، واختراق الحصن المنيع للعفة العامة لهذه الأمة.» (بيانات في حفل تخرج طلاب جامعة العلوم الشرطية، 1372/4/26 هـ.ش).

وفيما يتعلق بأهمية الحجاب، قالوا: «الحجاب ضرورة شرعية؛ إنه شريعة؛ ضرورة شرعية؛ أي لا يوجد شك في وجوب الحجاب؛ يجب على الجميع أن يعلموا هذا. أن يشككوا الآن، ويثيروا الشبهات حول ما إذا كان الحجاب موجودًا، ضروريًا، لازمًا، لا، هذا لا يوجد فيه شك أو شبهة؛ إنه واجب شرعي يجب مراعاته، ولكن أولئك الذين لا يراعون الحجاب بشكل كامل، لا ينبغي اتهامهم باللادينية ومعاداة الثورة» (بيانات في لقاء مع شرائح مختلفة من النساء، 1401/10/14 هـ.ش). كما قال قائد الثورة في تبيين الإلزام الشرعي والقانوني للحجاب: «في مسألة اللباس، الحجاب، هناك قيد شرعي وقانوني، وليس قيدًا حكوميًا، وكشف الحجاب حرام شرعًا وسياسيًا.» (بيانات في اللقاء الرمضاني مع المسؤولين ومنفذي النظام، 1402/1/15 هـ.ش). يُلاحظ الأمر بالحجاب والحفاظ على العفاف في عدة آيات من القرآن، حيث يخاطب الله تعالى النبي (ص) في سورة الأحزاب قائلاً: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» (الأحزاب: 59). في شأن نزول الآية السابقة، ورد أن النساء المسلمات في عصر النبي (ص) كن يذهبن إلى المسجد ويصلين خلفه. وعندما يذهبن ليلاً لصلاة المغرب والعشاء، كان بعض الشبان يجلسون في طريقهن ويؤذونهن بالمزاح والكلام البذيء. فنزلت الآية وأمرتهن بمراعاة الحجاب بشكل كامل ليعرفن جيدًا عن الإماء ولا يجد أحد ذريعة للتحرش (الحويزي، 1361: 4/303؛ البحراني، د.ت، 4/496).

و. الأنس بالقرآن، ثمرة العزة والصحوة الإسلامية

يقول قائد الثورة المعظم: «منذ أن شوهدت علامات الصحوة الإسلامية في هذه المنطقة، زادت أنشطة إثارة الفرقة؛ كانوا يرون الفرقة وسيلة للسيطرة على الشعوب. ومنذ أن شعروا بأن هناك في هذه المنطقة كلامًا جديدًا، وأفكارًا إسلامية جديدة، وصمودًا للشعوب، ونهضة للشعوب، زادت حركة العدو المثيرة للفرقة؛ وعندما قام النظام الإسلامي في إيران، ورفع راية الإسلام، وأخذ القرآن بيده، وقال بفخر إننا نعمل بالإسلام، وكانت القوة والسياسة والإمكانيات والجيش والقوات المسلحة وكل شيء معه، واستخدمها، وقواها يومًا بعد يوم، زادت هذه الحركة المثيرة للفرقة.» (بيانات في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية، 1395/9/27 هـ.ش).

ويقول قائد الثورة في كلمة أخرى: «يجب على العالم الإسلامي أن يفكر في الحفاظ على كيان الإسلام والأمة الإسلامية. كيف يمكن ذلك؟ عن طريق القرآن. القرآن علمنا كل شيء. يجب أن نتعلم القرآن، يجب أن نفهم القرآن، يجب أن نشرب القرآن كمشروب منعش ومقوٍّ، ونجعل حياتنا به نضرة ومليئة بالقوة والعزة» (بيانات في لقاء مع قراء مشاركين في الدورة الحادية والعشرين للمسابقات الدولية للقرآن، 1383/6/26 هـ.ش). يقول الله تعالى في هذا الصدد: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» (آل عمران: 103).

الخاتمة

  1. نظرًا لتحريف التوراة والإنجيل، فإن آثارهما الفردية والاجتماعية أيضًا في حالة تعليق. على الرغم من أن الباحثين الغربيين قد عددوا آثارًا فردية مثل “النمو الروحي، الدعم العاطفي، الإطار الأخلاقي، والهوية الاجتماعية”، بالإضافة إلى آثار اجتماعية مثل “الثقافية، بين الأديان، العدالة الاجتماعية، وبناء المجتمع”.
  2. في الآيات والروايات، تم التأكيد بشكل أكبر على أهمية وعظمة القرآن، وجُعل نورًا للناس؛ نور يضيء بنفسه وينير لغيره.
  3. من وجهة نظر قائد الثورة المعظم، للأنس بالقرآن آثار فردية واجتماعية، حيث يشمل الأنس المستمر بالقرآن نتيجة الهداية والسعادة، وإحباط فتن الأعداء، والعفة العامة والأمن الاجتماعي وغيرها.
  4. يعتبر قائد الثورة المعظم أن مفتاح الأنس بالقرآن هو التهذيب والتفقه، ويقول: يجب مواجهة القرآن كالمرآة، ويجب أن ينعكس القرآن في أرواحنا. غالبية الناس يستفيدون من ظاهر القرآن، لكن الاستفادة من أعماق وبطون القرآن لا تتم إلا بالتعلم والتفقه.
  5. في نظره، فإن عامل التقدم وزيادة المعرفة العامة في البلاد والصحوة الإسلامية مرهون بالأنس بالقرآن والمعرفة القرآنية.
  6. يؤكد الإمام الخامنئي على موضوع العفة العامة، وفي أهمية الأسرة القرآنية يشير إلى دور الوالدين ويقول: بالتربية الصحيحة والمنهجية يمكن بناء أفراد أصحاء وصالحين، وبواسطة التربية: يتشكل مجتمع سليم.
  7. قال سماحته في تبيين الإلزام الشرعي والقانوني للحجاب: في مسألة اللباس، الحجاب، هناك قيد شرعي وقانوني وليس قيدًا حكوميًا، وكشف الحجاب حرام شرعي وسياسي.

المصادر والمراجع

  1. آدين شتاين سالتز، سيري در تلمود، ترجمة: باقر طالبي دارابي، قم: بوستان كتاب، ١٣٨٤ش.
  2. ابن سيد، علي بن إسماعيل، المحكم والمحيط الأعظم، بيروت: دار الكتب، ١٤١٢ق.
  3. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتب دار الإعلام الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ق.
  4. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق: جمال الدين ميردامادي، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ق.
  5. بحراني، هاشم بن سليمان، تفسير برهان، قم: مؤسسة بعثة، د.ت.
  6. حويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، تصحيح: هاشم رسولي محلاتي، بيروت: دار الكتب الإسلامية، ١٣٦١ق.
  7. خامنئي، سيد علي، دفتر حفظ ونشر آثار آيت الله العظمى خامنئي، ww.farsi.khamenei.ir.
  8. خامنئي، علي، نقشه راه، قم: مديريت مطالعات فرهنگي نهاد نمايندگي رهبري در دانشگاه‌ها، د.ت.
  9. دشتي، محمد، ترجمه نهج البلاغة، قم: مؤسسة انتشارات ائمه، ١٣٨٠ش.
  10. راغب اصفهاني، حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، دمشق: دار القلم، ١٤١٢ق.
  11. طباطبايي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٣٩٠ش.
  12. طباطبايي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ترجمة: محمد باقر موسوي، قم: انتشارات إسلامي، ١٣٧٤ش.
  13. فيض الإسلام، علي نقي، ترجمه و شرح صحيفه سجاديه، طهران: انتشارات فقيه، ١٣٧٦ش.
  14. فيض الإسلام، علي نقي، ترجمه و شرح نهج البلاغة، طهران: انتشارات فقيه، ١٣٧٤ش.
  15. قرشي، علي أكبر، قاموس قرآن، طهران: دار الكتب الإسلامية، ١٣٧١ش.
  16. كليني، محمد بن يعقوب، أصول كافي، ترجمة: صادق حسن زاده، قم، انتشارات قائم آل محمد، الطبعة الثالثة، ١٣٨٦ش.
  17. مجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، قم: مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ق.
  18. مصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران: ترجمه و نشر كتاب، ١٣٦٠ش.
  19. نرم افزار جامع التفاسير، مركز تحقيقات علوم إسلامي.

الهوامش

  1. تاريخ الاستلام: 22 سبتمبر 2022، تاريخ القبول: 19 فبراير 2023.
  2. عباس كريمي، دكتوراه في القرآن والمستشرقين، جامعة المصطفى العالمية، قم، إيران.
  3. مينا وحداني بنام، طالبة دكتوراه، علوم القرآن والحديث، فرع زنجان، جامعة آزاد الإسلامية، زنجان، إيران.
  4. رعنا وحداني بنام، طالبة دكتوراه، علوم القرآن والحديث، فرع زنجان، جامعة آزاد الإسلامية، زنجان، إيران.
Scroll to Top