تصنيف القراءات المنقولة عن عاصم من طريق أبان بن تغلب والفارق بينها وبين قراءة حفص

الملخص

كان أبان بن تغلب، وهو من كبار المحدثين واللغويين والقراء الشيعة المشهورين في القرن الثاني الهجري، صاحب قراءة خاصة به، بل وألّف كتابًا بعنوان “القراءات”. ولا يخفى دوره والقراءات المنقولة عنه في فهم القرآن وتفسيره. وقد عرض قراءته على كبار القراء مثل عاصم، وكان ناقلاً لقراءاتهم أيضًا. إن القراءة الشائعة هي قراءة حفص عن عاصم، وأبان أيضًا كانت له قراءته عن عاصم. وليس من الواضح مقدار القراءات التي نقلها أبان مما سمعه من عاصم، ولكن في كتب التفسير وعند نقل مختلف القراءات، صُرّح في بعض الموارد بأن أبان نقل قراءة هذه الكلمة عن عاصم. وقد قام البحث الحالي، من خلال تتبع المصادر الشيعية والسنية، بإحصاء هذه الموارد؛ وهي الموارد التي صُرّح فيها أولاً بأن أبان نقل هذه القراءة عن عاصم، وثانياً أن القراءة المنقولة تختلف عن قراءة حفص. وبالنظر إلى نقل أبان المباشر عن عاصم، الذي تصل إلينا قراءته المشهورة اليوم من طريق حفص، فإن دراسة الفروق بين نقل أبان وعاصم يمكن أن تكون عونًا في فهم الآيات وتفسيرها. إن ما تم إحصاؤه في هذا البحث، باستثناء مورد واحد، يتعلق بالاختلاف في بنية الكلمة في قسمي الأفعال والأسماء، والتي تم فهرستها بشكل منفصل وبيان اختلافها المعنوي بإيجاز.

المقدمة

من الأركان المهمة التي كانت دائمًا محط اهتمام الباحثين في علم قراءة القرآن، القراء ونقلة القراءات القرآنية. ويُعد عاصم بن أبي النجود وحفص بن سليمان من أبرز هؤلاء القراء، وهما ناقلا أشهر قراءة للقرآن في العالم الإسلامي حتى الآن. فالقراءة التي يلتزم بها معظم المسلمين اليوم هي قراءة حفص عن عاصم. ومن الشخصيات البارزة الأخرى في علم القراءة أبان بن تغلب. وقد عرض قراءته على قراء منهم عاصم. وفي العديد من الكتب التي كُتبت في موضوع قراءة القرآن، وكذلك في تفاسير الفريقين، وصلتنا تقارير عن هذه القراءة. هذه التقارير تمثل طريقًا آخر يوصلنا إلى قراءة عاصم. وللتوضيح أكثر، فإن اعتبار قراءة حفص، بالإضافة إلى شخصية حفص نفسه، يعود إلى عاصم وكذلك إلى أستاذه أبي عبد الرحمن السلمي الذي أخذ قراءته عن علي (ع). وقد نقل ابن الجزري هذا الأمر عن حفص نفسه الذي قال: «قال لي عاصم: القراءة التي أقرأتك بها هي التي أخذتها عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي (ع)» (ابن الجزري، 2009: 1/ 348). وبناءً على ذلك، فإن دراسة قراءة أبان عن عاصم تحظى بالأهمية والاعتبار من جهتين؛ الأولى شخصية أبان نفسه الموثوق بها عند الشيعة وأهل السنة (وقد تم التطرق إلى هذا الموضوع في قسم التعريف بالشخصيات)، ونقله ذو أهمية روائية، كما أنه طريق آخر إلى قراءة عاصم التي هي من أفضل القراءات. لهذا السبب، تتركز مسألة البحث الحالي على هذا السؤال: ما هي الفروق بين قراءة أبان بن تغلب عن عاصم وقراءة حفص بن سليمان عن عاصم؟ وما هو نوع هذه الفروق؟

حول قراءات أبان بن تغلب، وردت تفاصيل كثيرة في كتاب “ميراث قرآني أبان بن تغلب” القيّم لمحمد حسين مدني، الذي نشرته دار الحديث عام 1394، وحتى في نهاية الكتاب تم إدراج قائمة بجميع القراءات المنقولة عنه. ولكن لم يتم إجراء بحث مستقل يتناول بشكل مستفيض قراءات أبان المنقولة عن عاصم والمختلفة عن قراءة حفص. وتجدر الإشارة إلى أن أبان بن تغلب قد نقل القراءة عن آخرين مثل أبي عمرو الشيباني وطلحة، ولكن في هذا البحث تم النظر فقط في القراءات التي صُرّح في متن المصادر المستخدمة بأن أبان نقلها عن عاصم؛ إذ أن قراءات أبان بن تغلب نفسه أكثر بكثير من العدد المحصى في هذا البحث. حتى الموارد التي كانت فيها قراءة عاصم وأبان واحدة لم تُدرج في هذا البحث، لأن إمكانية نقل أبان عن غيره كانت قائمة. في هذا البحث، ذُكرت فقط القراءات المنقولة عن أبان نقلًا عن عاصم والتي اختلفت عن قراءة حفص عن عاصم. النقطة الأخيرة هي أنه نظرًا لنقل بعض هذه القراءات في مصادر متعددة، بُذل الجهد للإرجاع إلى المصدر الأقدم وتجنب ذكر المصادر اللاحقة.

أ. المفاهيم والشخصيات

في هذا القسم، يتم التطرق إلى دراسة مفاهيم الكلمات المفتاحية وتعريف موجز بالشخصيات التي تساعد معرفتها في الوصول إلى هدف المقال.

علم القراءة ومسألة اختلاف القراءات

كلمة “قراءة” في اللغة مشتقة من الجذر “ق ر أ” وتعني الجمع والقراءة والضم (القرشي، 1386: 5/ 260؛ ابن منظور، 1414: 1/ 128). وقد قُدمت تعريفات مختلفة لهذا العلم. فقد عرف الزركشي هذا العلم بقوله: «القراءات هي اختلاف يتعلق بألفاظ وعبارات الوحي، نُقل عن القراء في حروف وكلمات القرآن وكيفيتها من تخفيف وتشديد ونحوهما» (الزركشي، 1410: 1/ 318). أو التعريف الذي قدمه العلامة الطباطبائي: «هو فن يُعنى بضبط وتوجيه القراءات السبع المشهورة والقراءات الثلاث الأخرى وقراءات الصحابة والشواذ» (الطباطبائي، 1388: 109). ومن أكمل التعريفات تعريف البنا: «القراءة علم يُعرف به اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل وغير ذلك» (البنا، 1407: 5). وبالطبع، وُجهت انتقادات لهذا التعريف وأحيانًا أُضيفت إليه تكملة لا ضرورة لذكرها في هذا المجال، وقد تطرق بعض العلماء إليه بالتفصيل (مصلح القضاة، 1422: 47-48). كما ذُكرت مراحل وتطورات لهذا العلم، حيث ذكر عبد الهادي الفضلي ست عشرة مرحلة مؤثرة في تكوين هذا العلم وتحدث عنها بالتفصيل، حيث بدأت مراحله الأولية في عصر النبي (ص) وانتهت بتسبيع القراءات على يد ابن مجاهد، والاحتجاج بالجوانب اللغوية والصوتية والصرفية والنحوية للقراءات المختلفة، وتثمينها وتفسيرها، وتطبيق ضوابط خاصة في التمييز بين القراءات الصحيحة وغير الصحيحة (راجع: الفضلي، 1405: 13-54).

1. أبان بن تغلب

أبان بن تغلب؛ أبو سعيد بن رياح البكري الجريري الكندي الربعي الكوفي (ت 141هـ)، من أشهر فقهاء الشيعة ومحدثيهم ومفسريهم وقرائهم، وقد أدرك أصحاب الإمام السجاد (ع) والإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع)، وروى الحديث عن هؤلاء الأئمة الثلاثة، وكان له عندهم منزلة خاصة (الطوسي، 1417: 65). اشتهر بكثرة الحديث عن الإمام الصادق (ع)، حيث نُقل أنه روى عنه ثلاثين ألف حديث (الحلي، 1411: 109). ولهذا السبب كان البعض يلوم أبان. وهو نفسه ينقل في رده على من يلومه لكثرة روايته عن جعفر بن محمد، قوله: «كيف تلوموني في الرواية عن رجل ما سألته عن شيء إلا قال: قال رسول الله (ص)» (النجاشي، 1407: 12-13). وقد أقر الإمام الصادق (ع) بهذه الرواية وقال لسليم بن أبي حية: «ائت أبان بن تغلب فإنه سمع مني حديثًا كثيرًا» (النجاشي، 1407: 13). وقد طلب الإمام الباقر (ع) من أبان بن تغلب أن يجلس في المسجد ويفتي الناس. ونُقل أنه عندما كان يدخل المدينة، كانت تُعطّل حلقات الدرس الأخرى ويُعطى له مكان النبي (ص) عند الخطابة. كان فقيهًا ولغويًا كبيرًا، له إلمام جيد باللغة العربية، وألف كتابًا في غريب القرآن استشهد فيه بأشعار العرب. يقول الشيخ الطوسي: كان لأبان قراءة خاصة به، وينقل عن محمد بن موسى بن مريم أنه سمع القراءة من أبان بن تغلب ولم يجد أقرأ منه (الطوسي، 1417: 7). كان لأبان قراءة مستقلة ومشهورة عند القراء (النجاشي، 1407: 11). وقد عرض قراءته على عاصم وأبي عمرو الشيباني وطلحة بن مصرف والأعمش، وهو أحد ثلاثة قرأوا القرآن كله على الأعمش (ابن الجزري، 2009: 1/ 11). وقد أيدت الغالبية العظمى من علماء أهل السنة وثاقته (ابن أبي حاتم، 1952: 1/ 297). وبالطبع، ذمّ البعض أبان بن تغلب بسبب مذهبه (ابن الجوزي، 1406: 1/ 15). لكن الذهبي اعتبر ذلك سوء فهم وردّه (الذهبي، 1963: 1/ 5-6). كان له كتاب باسم “القراءات” (ابن النديم، 1417: 267) وهو مفقود وغير متوفر الآن. وبفضل القراءات المنقولة عنه في كتب القراءات والتفسير، تم استعادة هذا الكتاب. وقد ذُكرت لقراءته خصائص وقُدمت تحليلات، لا يتسع المجال لذكرها كلها.1

2. عاصم بن أبي النجود

عاصم بن أبي النجود البهدلي الكوفي (ت 127هـ)، من التابعين وأحد القراء السبعة. تعلم القراءة، بالإضافة إلى زر بن حبيش وأبي عمرو الشيباني، من أبي عبد الرحمن السلمي، الذي هو ناقل قراءة علي (ع). نُقل عن عاصم قوله: «ما أقرأني أحد حرفًا إلا أبو عبد الرحمن، وكنت أرجع إليه، فآخذ قراءته» (ابن الجزري، 1351: 1/ 348). وبعد وفاة أستاذه، أصبح قارئ الكوفة (الذهبي، 1427: 5/ 256). وقد وصفه كثير من علماء الشيعة والسنة بأنه صاحب أفضل وأفصح القراءات. وصف ابن الجزري قراءته بأنها أفصح القراءات (ابن الجزري، 2009: 1/ 75). وصرح أحمد بن حنبل في رده على سؤال ابنه بأن عاصمًا ثقة، وأنه يختار قراءته (الذهبي، 1963: 2/ 358). كانت قراءته مشهورة ومعروفة؛ حتى أن ابن خلكان يقول إن قراءة عاصم كانت محط اهتمام الجميع وذائعة الصيت (ابن خلكان، د.ت: 3/ 9). ولهذا نُقل أن قراءته كانت تُكتب كقراءة معتمدة بالحبر الأسود، بينما تُكتب القراءات الأخرى بلون آخر حتى لا تختلط بقراءة عاصم (الخوانساري، 1390: 5/ 4).

3. حفص بن سليمان

حفص، أبو عمرو حفص بن سليمان الأسدي الغاضري (ت 190هـ)، كان ربيب عاصم، وقد نشأ في بيته وتعلم منه قراءة القرآن. وبسبب فهمه الطويل والمستمر لعاصم، نقل عنه أدق قراءة. قيل إن بين قراءته وقراءة عاصم اختلافًا واحدًا فقط يتعلق بكلمة “ضعف” في الآية 54 من سورة الروم، حيث قرأها عاصم بفتح الضاد، وحفص بضمها (ابن الجزري، 2009: 1/ 254). من جهة أخرى، بما أن قراءة حفص تستند إلى أصول وقواعد اللغة العربية، فقد فُضلت على قراءة القارئ الآخر لعاصم، وهو أبو بكر بن عياش (ياقوت الحموي، 1993: 3/ 1180). كان من أصحاب الإمام الباقر (ع) والصادق (ع)، وسند قراءته يصل إلى علي (ع) عن طريق عاصم وأبي عبد الرحمن. اليوم، في معظم الدول الإسلامية، يُتلى القرآن بقراءة حفص عن عاصم، ومعظم المصاحف مكتوبة وفقًا لهذه القراءة.

ب. أنواع القراءات المختلفة لأبان بن تغلب عن عاصم

بعد دراسة القراءات المنقولة عن عاصم برواية أبان بن تغلب، يمكن القول في حكم عام إن قراءته تتطابق بشكل كلي مع قراءة حفص عن عاصم، لكن المواضع الخلافية، وهي ليست كثيرة العدد، يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين: الأفعال والأسماء، والتي ستتم مناقشتها فيما يلي.

1. القراءات المختلفة عن حفص في صيغة الأفعال

الغالبية العظمى من القراءات المنقولة عن عاصم برواية أبان، والتي تختلف عن قراءة حفص، تقع في باب الأفعال. أحيانًا يكون الاختلاف في الأفعال متعلقًا ببناء الفعل للمعلوم والمجهول، وأحيانًا بصيغة الفعل، وأحيانًا بأبواب الأفعال، وفي بعض الأحيان يجتمع اثنان من هذه الأمور في مثال واحد، وهو ما سيتم بحثه فيما يلي مع مراعاة ترتيب السور القرآنية.

أولاً: الاختلاف في صيغة الفعل وذكر فاعله

أحيانًا تكون القراءة التي ينقلها أبان عن عاصم لفعل ما ذات اختلافين مع نقل حفص عن عاصم: الأول أن صيغته مختلفة، والثاني أنه لا يوجد تطابق في البناء للمعلوم والمجهول. وقد حدثت هذه الحالة في موضعين.

1. الآية 58 من سورة البقرة: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ). روى أبان قراءة «يُغْفَرْ» بدلًا من «نَغْفِرْ» عن عاصم (ابن الجوزي، 1422: 1/ 69)، حيث تحول الفعل من المعلوم إلى المجهول، وتغيرت صيغة المتكلم مع الغير إلى صيغة الغائب. وبناءً على ذلك، تكون ترجمة الآية كالتالي: «واذكروا إذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدًا وادخلوا الباب سُجّدًا وقولوا حطة تُغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين».

2. الآية 19 من سورة فصلت: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ). وردت عن أبان بن تغلب رواية مختلفة عن حفص عن عاصم: فعل «نَحْشُرُ» بدلًا من «يُحْشَرُ» (الرسعني، 1429: 7/ 17). في قراءة حفص، الفعل مفرد مذكر غائب مبني للمجهول، بينما في قراءة أبان، الفعل متكلم مع الغير مبني للمعلوم. ويكون معنى العبارة كالتالي: «واذكر يومًا نحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون».

ثانياً: الاختلاف في الباب والبناء للمعلوم والمجهول

في موضعين، تختلف قراءة أبان عن عاصم من حيث باب الفعل والبناء للمعلوم والمجهول عن قراءة حفص عن عاصم:

1. الآية 146 من سورة آل عمران: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). نُقل أن أبان استخدم فعل «قُتِلَ» بدلًا من «قَاتَلَ» (ابن الجوزي، 1422: 1/ 332). في هذا الموضع، تحول باب المفاعلة من أبواب الثلاثي المزيد إلى الثلاثي المجرد، والفعل المعلوم أصبح مجهولًا. وبناءً على ذلك، يمكن اقتراح هذه الترجمة للعبارة السابقة: «وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير…».

2. الآية 16 من سورة الحديد: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ). الاختلاف في قراءة أبان عن حفص نقلًا عن عاصم هو في فعل «نَزَلَ»، حيث رُويت قراءة أبان بصيغة «نُزِّلَ» (ابن الجوزي، 1422: 4/ 235). في هذه القراءة، بالإضافة إلى أن الفعل انتقل من الثلاثي المجرد إلى باب التفعيل الثلاثي المزيد، فقد بُني للمجهول أيضًا، ويمكن ترجمة العبارة السابقة كالتالي: «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نُزِّل من الحق؟»

ثالثاً: الاختلاف في البناء للمعلوم والمجهول

عدد من قراءات أبان المختلفة عن عاصم مقارنة بحفص تتعلق بأفعال يقتصر الاختلاف فيها على البناء للمعلوم والمجهول، والتي سيتم فهرستها ومناقشتها فيما يلي حسب ترتيب السور القرآنية.

1. الآية 279 من سورة البقرة: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ). في القراءة المنقولة عن أبان، قُرئت عبارة «لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» بصيغة «لَا تُظْلَمُونَ وَلَا تَظْلِمُونَ» (أبو حيان، 1420: 2/ 716). وكما هو واضح، في هذه الرواية، تغير ترتيب الفعلين المعلوم والمجهول في قراءة حفص إلى المجهول والمعلوم في قراءة أبان، ولا يوجد فرق في الترجمة.

2. الآية 10 من سورة النساء: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا). في القراءة المنقولة عن أبان، ذُكر فعل «سَيَصْلَوْنَ» بصيغة «سَيُصْلَوْنَ» (الفارسي، 1413: 3/ 136)، وعليه يكون معنى الآية كالتالي: «وسيدخلون في شعلات النار».

3. الآية 163 من سورة الأعراف: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ). تغير فعل «يَسْبِتُونَ» في قراءة حفص إلى «يُسْبَتُونَ» في قراءة أبان، وذُكر بصيغة المجهول (ابن الجوزي، 1422: 2/ 163). الفرق الذي ينشأ في الترجمة هو أن بدلًا من ترجمة «في غير يوم السبت لا تأتيهم» تصبح «في غير يوم السبت لا تُرسل إليهم»، وهذا الاستخدام للمجهول يشير أكثر إلى أن هذا عدم المجيء في غير يوم السبت كان بأمر إلهي.

4. الآية 12 من سورة الانشقاق: (وَيَصْلَى سَعِيرًا). نُقل أن أبان بن تغلب روى عن عاصم قراءة الفعل المبني للمجهول «يُصَلَّى» (أبو حيان، 1420: 5/ 458)، بمعنى «يُلقى في النار المحرقة».

5. الآيتان 7 و 8 من سورة الزلزلة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). في قراءة أبان عن عاصم، قُرئ الفعلان «يَرَهُ» اللذان في نهاية هاتين الآيتين بصيغة المجهول «يُرَهُ» (الطوسي، د.ت: 10/ 392). وبناءً على ذلك، تكون ترجمة هاتين الآيتين كالتالي: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يُرَه، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يُرَه».

رابعاً: الاختلاف في أبواب الفعل

بعض مواضع القراءات المختلفة لأبان عن عاصم مقارنة بحفص تتعلق باختلاف في أبواب الفعل.

1. الآية 20 من سورة البقرة: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ). في القراءة المنقولة عن أبان بن تغلب، قرأ عاصم «يَخْطَفُ» بصيغة «يَخْطِفُ» (ابن الجوزي، 1422: 1/ 41). وكما هو واضح، فإن الاختلاف بين هاتين القراءتين يقتصر على اختلاف في بابين من أبواب الثلاثي المجرد، ولا يوجد بينهما فرق معنوي.

2. الآية 51 من سورة البقرة: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً). في القراءة المنقولة عن أبان، رُوي فعل «وَاعَدْنَا» بصيغة «وَعَدْنَا» (ابن الجوزي، 1422: 1/ 64). الفرق في القراءة الثانية هو أن الفعل أصبح ثلاثيًا مجردًا. في قراءة حفص، الفعل في باب المفاعلة من الثلاثي المزيد. لا يوجد فرق كبير في ترجمة هاتين القراءتين، إلا أن جانب «المشاركة» الموجود في المواعدة في باب المفاعلة غير موجود في الثلاثي المجرد، وهذه المواعدة في الثلاثي المجرد تُفهم على أنها من جانب واحد وهو الله.

3. الآية 152 من سورة الأنعام: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). نُقل أن أبان روى عن عاصم القراءة بتخفيف وبدون تشديد لفعل «تَذَكَّرُونَ» بصيغة «تَذْكُرُونَ» (ابن الجوزي، 1422: 2/ 93). الفعل الأول في باب تفعل من الثلاثي المزيد، والفعل الثاني ثلاثي مجرد.

4. الآية 160 من سورة الأعراف: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا). في قراءة أبان بن تغلب عن عاصم، روي فعل «قَطَّعْنَا» بالتخفيف وبصيغة «قَطَعْنَاهُمْ» (الطبراني، 2008: 3/ 204). انتقل الفعل من باب تفعيل الثلاثي المزيد إلى الثلاثي المجرد.

5. الآية 58 من سورة التوبة: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). روى أبان أن عاصم كان يقرأ فعل «يَلْمِزُ» بصيغة «يُلْمِزُ» (ابن الجوزي، 1422: 2/ 269). الفرق الذي ينشأ بناءً على هذه القراءة هو انتقال الفعل الثلاثي المجرد إلى باب الإفعال في الثلاثي المزيد.

6. الآية 16 من سورة الإسراء: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا). في رواية أبان عن عاصم، نُقلت قراءة «آمَرْنَا» بدلًا من «أَمَرْنَا» (ابن الجوزي، 1422: 3/ 16). وقد نُقلت هذه القراءة أيضًا عن أهل البيت (ع). روى حمران عن الإمام الباقر (ع) بشأن هذه الآية أنه قال: «آمَرْنَا» بتشديد الميم. وتفسيرها: «أكثرنا»، وأنا لا أقرؤها مخففة (العياشي، 1380: 2/ 284). وقد نسب ابن جني هذه القراءة أيضًا إلى الإمام الباقر (ع).2 وقد نُسبت (ابن جني، 1415: 2/ 16). وفيما يتعلق بمعنى هذا الفعل، هناك آراء، ولكن بالنظر إلى الرواية المذكورة عن الإمام الباقر (ع)، نختار معنى «كثرنا». ومؤيد هذا المعنى هو أحد أهم استخدامات باب التفعيل، وهو بيان الكثرة. وبناءً على هذه القراءة، تكون ترجمة الآية كالتالي: «وإذا أردنا أن نهلك مجتمعًا أكثرنا أعيانه ومترفيه، فيفسقون في تلك البيئة، فيحق عليهم حكمنا القاطع، فنهلكهم هلاكًا شديدًا». وتجدر الإشارة إلى أن بعض أهل اللغة قدموا شواهد على هذا المعنى، منها آية (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: 71)، حيث قيل إن «إِمْرًا» تعني «كثيرًا» (نفس المصدر). وقد فسرت جماعة أخرى «آمَرْنَا» بمعنى «أَمَّرْنَا» أي «سلّطنا» (الأندلسي، 1420: 7/ 27؛ السمرقندي، د.ت: 2/ 205). ويكون معنى الآية كالتالي: «وإذا أردنا أن نهلك مجتمعًا سلّطنا أعيانه ومترفيه عليهم وحكّمناهم، فيفسقون فيه، فيحق عليهم حكمنا القاطع، فنهلكهم هلاكًا شديدًا».

7. الآية 106 من سورة الإسراء: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا). روى أبان عن عاصم قراءة «فَرَّقْنَاهُ» بدلًا من «فَرَقْنَاهُ» (الرسعني، 1429: 4/ 232). في قراءة حفص، فعل «فرقناه» ثلاثي مجرد، لكن في قراءة أبان بن تغلب، هو ثلاثي مزيد وفي باب التفعيل، مما يحمل معنى المبالغة والتدريج بشكل أكبر.

8. الآية 63 من سورة طه: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى). نُقل أن قراءة أبان عن عاصم كانت «يُذْهِبَا» بدلًا من «يَذْهَبَا» (ابن الجوزي، 1422: 3/ 165). في قراءة حفص، الفعل ثلاثي مجرد، وفي قراءة أبان هو في باب الإفعال من أبواب الثلاثي المجرد.

9. الآية 63 من سورة القصص: (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا). نقل عن أبان بن تغلب قراءة «غَوِينَا» بدلًا من «أَغْوَيْنَا» (أبو حيان، 1420: 8/ 318). الفرق الموجود بين هاتين القراءتين يتعلق باختلاف بابين في الثلاثي المجرد، ولا يوجد فرق معنوي.

10. الآية 46 من سورة غافر: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). في القراءة المذكورة عن أبان نقلًا عن عاصم، قُرئ فعل «أَدْخِلُوا» بصيغة «ادْخُلُوا» (ابن الجوزي، 1422: 4/ 41). يعود الفرق الناتج إلى اختلاف أبواب هذين الفعلين. في قراءة حفص، «أَدْخِلُوا» فعل أمر من باب الإفعال الثلاثي المزيد، وفي قراءة أبان، هو فعل أمر من الثلاثي المجرد «دَخَلَ يَدْخُلُ». وبناءً على قراءة أبان، تكون الترجمة كالتالي: «يا آل فرعون، ادخلوا أشد العذاب».

11. الآية 68 من سورة يس: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ). روى أبان عن عاصم أن فعل «نُنَكِّسْهُ» يُقرأ بصيغة «نُنْكِسْهُ» (الفارسي، 1413: 6/ 45). أي أن الفعل المذكور انتقل من باب التفعيل إلى باب الإفعال.

12. الآية 94 من سورة الصافات: (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ). نقل أبان بن تغلب قراءة «يُزِفُّونَ» بدلًا من «يَزِفُّونَ» عن عاصم (الرسعني، 1429: 6/ 401). التغيير الذي أحدثته هذه القراءة هو أن الفعل انتقل من الثلاثي المجرد إلى باب الإفعال الثلاثي المزيد.

13. الآية 13 من سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). روى أبان قراءة «لِتَعْرِفُوا»، وهي ثلاثي مجرد، بدلًا من «لِتَعَارَفُوا» التي هي في باب التفاعل، نقلًا عن عاصم (ابن الجوزي، 1422: 4/ 153).

14. الآية 11 من سورة النجم: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى). نقل أبان فعل «كَذَبَ» مشددًا، أي «كَذَّبَ»، عن عاصم (ابن الجوزي، 1422: 4/ 186). أي أنه تغير من الثلاثي المجرد إلى باب التفعيل الثلاثي المزيد، مما قد يحمل معنى المبالغة في النفي.

15. الآية 7 من سورة القيامة: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ). نُقل أن أبان بن تغلب، بناءً على قراءة عاصم، كان يقرأ فعل «بَرِقَ» بصيغة «بَرَقَ» (القرطبي، 1364: 19/ 95). الفرق بين هاتين القراءتين يتعلق ببابين مختلفين في الثلاثي المجرد. وقد طُرحت آراء في الفرق المعنوي بين هذين الفعلين، منها أن «بَرِقَ» بناءً على قراءة حفص، تعني ذهاب نور البصر أو انشقاقه، بينما «بَرَقَ» تعني انغلاق العين عند الموت أو انفتاحها عند مشاهدة ملك الموت (الماوردي، د.ت: 6/ 152).

خامساً: الاختلاف في صيغة الفعل

أحيانًا تكون القراءات التي نقلها أبان بن تغلب عن عاصم تختلف عن قراءة حفص فقط من حيث صيغة الفعل، وهو ما سيتم التطرق إليه فيما يلي:

1. الآية 230 من سورة البقرة: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). في القراءة التي نقلها أبان عن عاصم، رُوي فعل «يُبَيِّنُهَا» بصيغة «نُبَيِّنُهَا» (الفخر الرازي، 1420: 6/ 450). في هذه القراءة، حلت صيغة المتكلم مع الغير محل صيغة المفرد المذكر الغائب، وبما أن كليهما يعود إلى الله، فلا ينشأ فرق معنوي خاص؛ لأن الفاعل في صيغة الغائب هو «الله»، وفي صيغة المتكلم أيضًا يُنقل الكلام على لسان الله. ويعتقد الفخر الرازي أن ذكر الفعل بصيغة المتكلم هو من باب التعظيم (نفس المصدر).

2. الآية 13 من سورة آل عمران: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ). في قراءة أبان عن عاصم، قُرئ فعل «يَرَوْنَهُمْ» بصيغة «تَرَوْنَهُمْ»؛ أي أن صيغة الجمع المذكر المخاطب حلت محل صيغة الجمع المذكر الغائب (الطوسي، د.ت: 2/ 407). وفي كلتا الحالتين، لا يتغير معنى العبارة؛ لأن الفاعل في قراءة حفص، «يَرَوْنَ»، هم المسلمون، أي أن المسلمين رأوا الكفار ضعف عددهم. وفي قراءة أبان، الخطاب موجه للمسلمين بأنكم ترون الكفار ضعف عددكم. وبالطبع، يرى البعض أن فاعل «يَرَوْنَهُمْ» هم يهود المدينة، ويستندون إلى شأن نزول الآية، وهو حوار بين النبي ويهود المدينة بعد الانتصار في غزوة بدر (ابن عطية، 1422: 1/ 406).

3. الآية 46 من سورة الأنفال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). نُقل أن أبان روى عن عاصم قراءة «يَذْهَبَ» بدلًا من «تَذْهَبَ» (ابن عطية، 1422: 2/ 536). في قراءة أبان، استُخدم فعل المفرد المذكر الغائب بدلًا من المفرد المؤنث الغائب، والسبب هو اختلاف الآراء حول تذكير وتأنيث «الريح»؛ حيث اعتبر البعض الريح بمعنى «القوة» فأنثوها، واعتبرها آخرون بمعنى «النصر» فذكروها (نفس المصدر).

4. الآية 21 من سورة يونس: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ). روى أبان عن عاصم قراءة «يَمْكُرُونَ» بدلًا من «تَمْكُرُونَ» (ابن الجوزي، 1422: 2/ 323). في هذه القراءة، ذُكر فعل الجمع المذكر الغائب بدلًا من الجمع المذكر المخاطب، أي «إن رسلنا يكتبون ما يمكرون». هذه القراءة تتناسب من جهة مع ضمائر الغائب «هم» التي تكررت مرتين في الآية.

5. الآية 3 من سورة الشورى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). روى أبان عن عاصم قراءة «نُوحِي» بدلًا من «يُوحِي» (ابن الجوزي، 1422: 4/ 58). في هذه القراءة، تحول الفعل من المفرد المذكر الغائب، والمراد به «الله»، إلى فعل بصيغة المتكلم مع الغير، والذي يكون فاعله هنا أيضًا هو الله، ولا يحدث تغيير جوهري في الآية: «وكذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك».

6. الآية 25 من سورة محمد: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ). القراءة المنقولة عن أبان هي «أُمْلِي» بدلًا من «أَمْلَى» (ابن الجوزي، 1422: 4/ 121). في هذه القراءة، تغير الفعل دون تغيير في الباب، ولكن في الصيغة والزمن. «أملى» فعل مفرد مذكر غائب ماضٍ في باب الإفعال، بينما «أملي» فعل متكلم وحده مضارع في باب الإفعال. وبناءً على قراءة أبان، تكون ترجمة العبارة كالتالي: «والشيطان سوّل لهم أعمالهم السيئة، وأنا أمهلهم».

7. الآية 10 من سورة الفتح: (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). نقل عن أبان بن تغلب قراءة «فَسَنُؤْتِيهِ» بدلًا من «فَسَيُؤْتِيهِ» (ابن الجوزي، 1422: 4/ 130). في هذه القراءة، حل فعل المتكلم مع الغير، وفاعله هو الله، محل فعل الغائب، الذي فاعله أيضًا هو الله: «فسنؤتيه أجرًا عظيمًا».

8. الآية 18 من سورة الحجرات: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). قرأ أبان فعل «تَعْمَلُونَ» بصيغة «يَعْمَلُونَ» (السمرقندي، 1416: 3/ 330). في هذه القراءة، جاء فعل الجمع المذكر الغائب بدلًا من الجمع المذكر المخاطب، وبناءً عليه تكون ترجمة العبارة النهائية للآية كالتالي: «والله بصير بما يعملون».

سادساً: أفعال ذات جذور مختلفة

ما تم بحثه في المواضع السابقة كان أفعالًا ذات جذر واحد، لكن هناك قراءة منقولة عن أبان بن تغلب تختلف من حيث جذر الكلمة عن قراءة حفص:

الآية 259 من سورة البقرة: (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا). روى أبان بن تغلب في قراءته عن عاصم فعل «نُنْشِرُهَا» بدلًا من «نُنْشِزُهَا» (ابن الجوزي، 1422: 1/ 235). جذر الفعل في هذه القراءة «نشر» بمعنى الإحياء، وبناءً عليه يكون معنى العبارة كالتالي: «وانظر إلى العظام كيف نحييها».

سابعاً: الاختلاف في اللهجة

من بين القراءات المنقولة عن أبان، توجد قراءة يقتصر اختلافها على اختلاف اللهجة بين مختلف القبائل العربية. الآية 233 من سورة البقرة: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ). نُقل أن أبان روى عن عاصم فعل «لَا تُضَارَّ» بصيغة «لَا تُضَارَرْ» (النحاس، 1421: 1/ 116). هذه القراءة خاصة بأهل الحجاز ومبنية على لهجتهم (مكي بن حموش، 1429: 1/ 780)، ولا يوجد فرق معنوي بين القراءتين.

2. القراءات المختلفة عن حفص في الأسماء

بعض القراءات التي نُقلت عن أبان نقلًا عن عاصم تندرج ضمن الأسماء، وهو ما سيتم التطرق إليه فيما يلي:

1. الآية 251 من سورة البقرة: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ). نُقل أن أبان قرأ كلمة «دَفْعُ» بصيغة «دِفَاعُ» (الطوسي، د.ت: 2/ 299)، وتكون الترجمة كالتالي: «ولولا دفاع الله وحمايته لبعض الناس ببعض لفسدت الأرض».

2. الآية 31 من سورة النساء: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). في قراءة أبان عن عاصم، نُقلت «مُدْخَلًا» بصيغة «مَدْخَلًا» (ابن الجوزي، 1422: 1/ 398). «مُدْخَل» مصدر ميمي، و«مَدْخَل» اسم مكان (الصافي، 1418: 5/ 22). الترجمة: «وندخلكم مكانًا كريمًا».

3. الآية 26 من سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا). نُقل أن أبان استخدم كلمة «رِيَاشًا» بدلًا من «رِيشًا» في قراءته (ابن الجوزي، 1422: 2/ 109). «رياش» جمع «ريش» (الفراء، 1980: 1/ 375).

4. الآية 40 من سورة الأعراف: (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ). في قراءة أبان عن عاصم، استُخدمت كلمة «جُمْلٌ» بدلًا من «جَمَلُ» (الرسعني، 1429: 2/ 120). وبما أن «جُمْلٌ» تعني مجموعة من الحبال (ابن منظور، 1414: 1/ 123)، فإن ترجمة العبارة السابقة تكون كالتالي: «ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل (الحبل الغليظ) في سم الخياط».

5. الآية 105 من سورة الأعراف: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ). في قراءة أبان عن عاصم، نُقلت كلمة «عَلَيَّ» بصيغة «عَلِيٌّ» (ابن الجوزي، 1422: 2/ 142). وبناءً على قول الفراء، «عَلِيٌّ» هنا بمعنى «باء»، بينما «عَلَيَّ» تعني واجب عليّ (الفراء، 1980: 1/ 386).

6. الآية 46 من سورة التوبة: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً). قرأ أبان عن عاصم «عِدَةً» بدلًا من «عُدَّةً» (ابن عطية، 1420: 3/ 40).

7. الآية 123 من سورة التوبة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً). نُقل أن أبان قرأ عن عاصم كلمة «غِلْظَة» بصيغة «غَلْظَة» (ابن خالويه، 1413: 1/ 258). قيل إن هذا النطق مبني على لهجة بني تميم (النحاس، 1421: 2/ 128).

8. الآية 106 من سورة الإسراء: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا). في القراءة التي نقلها أبان عن عاصم، استُخدمت كلمة «مَكْثٍ» بدلًا من «مُكْثٍ» (ابن الجوزي، 1422: 3/ 59).

9. الآية 31 من سورة الكهف: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ). نُقل أن أبان قرأ بدلًا من «أَسَاوِرَ»، «أَسْوِرَةً» بفتح الواو (ابن عطية، 1422: 3/ 514). من الواضح أن الفرق بين هاتين القراءتين هو فرق بين كلمتي جمع ومفرد؛ فـ«أساور» جمع «أسورة».

10. الآية 96 من سورة الكهف: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا). رُويت قراءة «صُدُفَيْنِ» بدلًا من «صَدَفَيْنِ» عن أبان نقلًا عن عاصم (أبو حيان، 1420: 4/ 227).

11. الآية 14 من سورة المؤمنون: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا). في قراءة أبان، استُخدمت كلمة «لِحَامًا» بدلًا من «لَحْمًا» (الفارسي، 1413: 5/ 288). «لحام» جمع «لحم»، أي كُسيت العظام باللحوم.

12. الآية 35 من سورة النور: (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ). نُقل أن قراءة أبان عن عاصم كانت «دِرِّيءٌ» بدلًا من «دُرِّيٌّ» (ابن الجوزي، 1422: 3/ 295). قيل إن «دريء» مشتقة من الجذر «درأ»، وتعني المتلألئ والمضيء (نفس المصدر).

13. الآية 23 من سورة النمل: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ). في قراءة أبان عن عاصم، رويت كلمة «كُلِّ» بتنوين الجر، أي بصيغة «كُلٍّ» (الرسعني، 1429: 3/ 545). وبالتالي، فإن تنوين «كل» هو تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف، والذي يمكن تقديره بكلمة «ذلك»، وتكون الترجمة كالتالي: «وأوتيت من كلٍ من تلك الأشياء شيئًا».

14. الآية 49 من سورة النمل: (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ). في القراءة المنقولة عن عاصم بواسطة أبان، جاءت كلمة «مَهْلِكَ» بصيغة «مَهْلَكَ» (ابن الجوزي، 1422: 3/ 366). في قراءة حفص، «مَهْلِك» اسم مكان، أي مكان الهلاك، وفي قراءة أبان، «مَهْلَكَ» مصدر، وبناءً عليه تكون الترجمة كالتالي: «ما شهدنا هلاك أهله».

15. الآية 57 من سورة القصص: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا). في قراءة أبان عن عاصم، رُويت «ثُمُرَاتُ» بدلًا من «ثَمَرَاتُ» (ابن عطية، 1422: 4/ 293)، ويبدو أن الاختلاف في اللهجة فقط.

16. الآية 29 من سورة الزمر: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا). نقل عن أبان بن تغلب عن عاصم قراءتان لكلمة «سَلَمًا»: 1. قراءة «سَالِمًا» (الفارسي، 1413: 6/ 94)؛ 2. قراءة «سِلْمًا» (الطوسي، د.ت: 3/ 297). «سالم» اسم فاعل، و«سِلْم» مصدر من الجذر «سلم» بمعنى التسليم وفي الصلح والوئام (ابن منظور، 1414: 12/ 291).

17. الآية 37 من سورة الواقعة: (عُرُبًا أَتْرَابًا). في القراءة المنقولة عن أبان، رُويت كلمة «عُرُبًا» بصيغة «عُرْبًا»، وهي لهجة قبيلة بني تميم (أبو حيان، 1420: 10/ 82).

18. الآية 9 من سورة الحاقة: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ). نقل عن أبان بن تغلب أنه قرأ «قَبْلَهُ» بصيغة «قِبَلَهُ» (ابن خالويه، 1413: 2/ 385). «مِنْ قِبَلِهِ» تعني جنوده وأتباعه (ابن عطية، 1422: 5/ 358)، وبناءً عليه تكون الترجمة كالتالي: «وجاء فرعون ومَن قِبَلَه (جنوده وأتباعه) وأهل المدن المنقلبة بالخاطئة».

3. الاختلاف في التركيب النحوي للجملة

من بين القراءات التي رُويت عن أبان بن تغلب عن عاصم وتختلف عن قراءة حفص، هناك قراءة واحدة تتعلق بالموقع النحوي للكلمات في الجملة: الآية 2 من سورة إبراهيم: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). نُقل أنه في قراءة أبان بن تغلب عن عاصم، كان لفظ الجلالة «الله» في بداية الآية مرفوعًا (الرسعني، 1429: 3/ 506). في هذه القراءة، كلمة «الله» مبتدأ ومرفوع، مما يجعل هذه الآية تبدأ بجملة مستأنفة لا علاقة لها نحويًا بالجملة السابقة. أما في قراءة حفص، فإن كلمة «الله» مجرورة لأنها بدل من كلمة «العزيز» التي جاءت في نهاية الآية السابقة ومجرورة.

الخاتمة

القراءات التي نقلها أبان بن تغلب عن عاصم وتختلف عن قراءة حفص، وذُكرت في المصادر الشيعية والسنية، تبلغ ثلاثة وخمسين موضعًا. وبالطبع، هذه المواضع هي جزء فقط من قراءات أبان، لكن معيار هذا البحث كان حصرًا على القراءات المنقولة عن عاصم والمختلفة عن حفص. من بين المواضع المحصاة، يتعلق موضع واحد فقط بتركيب الجملة، والباقي يختص ببنية الكلمة. من بين اثنين وخمسين موضعًا متبقيًا، هناك أربعة وثلاثون موضعًا تتعلق بالفعل وثمانية عشر موضعًا بالاسم. من بين الأربعة والثلاثين موضعًا المتعلقة بالفعل، هناك خمسة عشر موضعًا تتعلق بالاختلاف في الباب، وثمانية مواضع تتعلق بالاختلاف في الصيغة، وخمسة مواضع تتعلق بالاختلاف في البناء للمعلوم والمجهول، وموضعان يجمعان بين الاختلاف في الصيغة والبناء للمعلوم والمجهول، وموضعان يجمعان بين الاختلاف في الباب والبناء للمعلوم والمجهول، وموضع واحد يتعلق بالاختلاف في الجذر، وواحد أيضًا يتعلق بالاختلاف في اللهجة. بعض هذه القراءات تؤدي إلى اختلاف معنوي، لكن بعضها الآخر يمثل اختلافًا في اللهجة فقط أو لا يحدث تغييرًا أساسيًا في المعنى.

الهوامش

1. لمزيد من الاطلاع، انظر: المدني، 1394ش: 246-257؛ معرفت، 1388ش: 1/ 343-346.

2. هذا المعنى للفعل «أمر» له استخدام أيضًا في الأدب العربي (الفراهيدي، 1409: 8/ 296)، كما وردت رواية عن النبي الأكرم ﷺ استُخدمت فيها كلمة «مأمورة» بمعنى الكثرة والوفرة (ابن منظور، 1414: 4/ 28).

Scroll to Top