ملخص
على مر تاريخ الإسلام، ظهرت قراءات متنوعة للقرآن الكريم، ولكنها لم تكن جميعها معتمدة وحجة، ولم تروَ أي من القراءات المشهورة عن النبي (ص) بشكل متواتر وبسند موثوق بالكامل. لقد ذكر علماء علوم القرآن عللًا وعوامل مختلفة لاختلاف القراءات. في هذا المقال، ومن باب تحديد موضوع البحث، تم التركيز فقط على أهم عامل، وهو اجتهاد القراء ورأيهم الشخصي، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والنقدي. من جوانب أهمية وضرورة هذا البحث، استنباط الفقهاء الصحيح من الآيات الفقهية وكذلك فهم النقاط التفسيرية، حيث إن بعض الكلمات قد قُرئت بأشكال مختلفة. في هذا البحث، تم تحليل ظاهرة اختلاف القراءات من منظور مرضي، وبُحث في الدور السلبي للاجتهاد الشخصي للقراء في اختلاف القراءات، سواء من منظور العلماء المسلمين أو من وجهة نظر ريجيس بلاشير. ثم، فيما يتعلق بكون قراءة حفص عن عاصم مصداقًا للقراءة الواحدة والمتداولة بين المسلمين عبر تاريخ الإسلام، تم ذكر أدلة الموافقين والمخالفين. تظهر نتائج البحث أنه على الرغم من أن روايات حفص عن عاصم لم تكن مقبولة من قبل جميع علماء القرآن من حيث السند، ولم يكن هناك إجماع واحد في هذا المجال، إلا أن قراءة عاصم، مثلها مثل سائر القراءات المشهورة، لها تطبيق لجميع الناس وتتمتع بأهمية بالغة.
مقدمة
مسألة قراءة القرآن أمر تدريجي شهد مسارًا تطوريًا ونشوئيًا خاصًا. يمكن تلخيص عملية هذا التطور والنشوء في سبع مراحل أو فترات:
الأولى: تعليم القراءة من جانب النبي المكرم صلى الله عليه وآله لبعض الصحابة وعرضها من قبل الصحابة.
الثانية: تعليم القراءة من قبل مجموعة من الطبقة الأولى لبعض الصحابة ورواج المصاحف وقراءات بعض قراء الطبقة الأولى ونسبة القراءات إلى الأفراد الأوائل.
الثالثة: توحيد القراءات من قبل عثمان وإرسال مصاحف موحدة إلى المدن ونسبة القراءات إلى المراكز الرئيسية.
الرابعة: استئناف اختلاف القراءات من منتصف القرن الأول الهجري وظهور جيل جديد من حفظة وقراء القرآن في مختلف البلدان.
الخامسة: وصول القراءات إلى ذروتها وظهور أبرز قراء القرآن في مختلف البلدان.
السادسة: فترة تدوين القراءات في القرن الثالث على يد أشخاص مثل أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو حاتم السجستاني، وأبو جعفر الطبري وآخرين.
السابعة: مرحلة حصر القراءات في سبع قراءات على يد ابن مجاهد. تمت هذه العملية في بداية القرن الرابع الهجري، وبعد ذلك، تم توجيه المؤلفات الأخرى في نفس الاتجاه.
مسألة التحقيق
بعد توحيد قراءات المصاحف في عهد عثمان، الذي تم بهدف توحيد جميع القراءات، يطرح هذا السؤال في أذهان الباحثين وعلماء القرآن: لماذا وقع المسلمون مرة أخرى في آفة الاختلاف في القراءات؟ بعبارة أخرى، ما هي أهم علل وعوامل الاختلاف في قراءات القرآن؟ وسؤال آخر: ما هي القراءة الأكثر اعتبارًا وشيوعًا في بلاد الإسلام؟
من البديهي أن الوصول إلى إجابة واضحة في هذه المسألة يمكن أن يكون مفيدًا جدًا في اتخاذ موقف من قبل قراء ومفسري القرآن تجاه القراءات المختلفة. لهذا السبب، ذكر علماء علوم القرآن عدة عوامل، أهمها: اجتهاد القراء وتطبيق الذوق الشخصي، بدائية وبساطة الخط، خلو الحروف من النقاط، غياب الحركات والعلامات، عدم وجود الألف في الكلمات، واختلاف اللهجات.
في هذا البحث، يتم تناول العامل الأول المذكور – أي اجتهاد القراء وتطبيق الذوق الشخصي – بالبحث والتحليل، ويتم تقديم حل لازم ومفيد في التعامل مع الاختلافات الكثيرة في القراءات.
سوابق البحث
بدأ تدوين الرسائل والكتب في علم القراءة وأنواعها في النصف الثاني من القرن الأول الهجري بتأليف كتاب «القراءة» ليحيى بن يعمر (المتوفى 129 هـ) وبدأ يزداد تدريجيًا (راجع: فضلي عبد الهادي، القراءات القرآنية، 1405 هـ: 27-32). يعتقد بعض الخبراء، بناءً على تقرير ابن النديم، أن أول تأليف حول أنواع القراءات يعود إلى تلميذ الإمام السجاد عليه السلام، أي أبان بن تغلب (المتوفى 121 هـ)، وفي القرون التالية استمرت الكتابات في هذا الباب وتوسعت.
في العصر الحالي أيضًا، تم تأليف معاجم في مجال أنواع القراءات بمنهج استقرائي واستقصائي، مثل «معجم القراءات القرآنية» لأحمد مختار عمر وعبد العال، وسالم بن مكرم، و«معجم القراءات القرآنية» لعبد اللطيف محمد خطيب.
تقريبًا في جميع كتب علوم القرآن مثل «الإتقان في علوم القرآن» لجلال الدين السيوطي، و«البرهان في علوم القرآن» للزركشي، و«مناهل العرفان في علوم القرآن» للزرقاني، و«التمهيد في علوم القرآن» لآية الله معرفت، تم تخصيص فصل أو قسم لبحث علل وعوامل اختلاف القراءات.
كما كتب إبراهيم كلانتري مقالًا بعنوان «عوامل اختلاف قراءة القرآن الكريم» في عام 1377 هـ، والذي نُشر في العدد الأول من مجلة بينات. وفي مقال آخر بعنوان «دراسة معيار تشخيص القراءة الصحيحة للقرآن وحجيتها» بقلم علوي مهر ومحمودي، نُشر في العدد 8 من مجلة دراسات قراءة القرآن عام 1396 هـ، تم ذكر عوامل اختلاف قراءات القرآن الكريم باختصار. كما بحث محمد أميني في مقال بعنوان «دراسة عوامل وتطبيقات اختلاف قراءات القرآن من وجهة نظر علماء علوم القرآن وآية الله فاضل لنكراني» الذي نُشر في العدد 13 من مجلة دراسات قراءة القرآن، في علل اختلاف القراءات. وكذلك، محسن رجبي قدسي وزملاؤه في مقال «دراسة قراءة أبي بن كعب» في العدد 14 من مجلة دراسات قراءة القرآن، تطرقوا إلى الموضوع قيد البحث. وبالطبع، لم يتم في أي من الأعمال المذكورة التصريح والتأكيد على الدور السلبي للاجتهاد الشخصي للقراء كأهم عامل في اختلاف القراءات، وهي تفتقر إلى الجانب التطبيقي مع وجهة نظر استشراقية.
ما يميز المقال الحالي عن الأعمال المذكورة هو عدة نقاط هامة: أولًا، تم عرض عملية تطور مسألة قراءة القرآن في إطار سبع مراحل؛ ثانيًا، تم تحليل وتشخيص مسألة عامل الاجتهاد الشخصي وتطبيق الرأي من قبل القراء؛ ثالثًا، تم الحكم بشكل مقارن وتحليلي حول ما إذا كانت القراءة الواحدة عبر التاريخ هي نفسها قراءة حفص عن عاصم أم قراءات أخرى.
1. دراسة مفهوم القراءة
أولًا: القراءة في اللغة
القراءة مصدر «قرأ» وجمعها قراءات. من باب اللغة والأدب، تم ذكر معانٍ مختلفة للقراءة، وفيما يلي بعض منها:
أحدها: في رأي الزجاج، القراءة تعني الجمع والضم. عبارة «قرأت الماء في الحوض» تعني «جمعته» (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/128).
ثانيها: القراءة بمعنى الرمي والإسقاط والإلقاء. استشهد قطرب النحوي لإثبات هذا المعنى بعبارة «قرأت الناقة تسلى قط» وقال: «ما قرأت» في البداية تعني ما أسقطت (راجع: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/278؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1416: 1/50).
ثالثها: يعتقد ابن عطية أن القراءة تعني التلاوة والقراءة (صاحب المباني وابن عطية، مقدمتان في علوم القرآن، 1954: 282).
ثانيًا: القراءة في الاصطلاح
قدم أصحاب الرأي في علوم القرآن في أعمالهم تعريفات مختلفة لمصطلح القراءة، وذكروا لها خصائص وميزات خاصة، وفيما يلي نكتفي برأي الأستاذ محمد هادي معرفت في هذا المجال:
«القراءة هي تلاوة وقراءة القرآن الكريم، وتُطلق اصطلاحًا على نمط من تلاوة القرآن يتميز بخصائص معينة، بمعنى أنه متى ما كانت تلاوة القراء المعروفين مستندة إلى الأسس والقواعد المشروطة في علم القراءة، فقد تحققت قراءة القرآن.» (معرفت، علوم قرآني، 1378: 182).
2. أنواع اختلاف القراءات عند علماء المسلمين
على الرغم من أن جزءًا كبيرًا من الاختلاف الذي نشأ في قراءة القرآن يمكن إيجاده في اختلاف اللهجات، إلا أنه لا شك أن عوامل أخرى لعبت دورًا في اختلاف القراءات. بعض اختلافات القراءات، مثل تقديم وتأخير كلمة، أو زيادة ونقصان كلمة أو حرف، أو اختلاف الإعراب، لا علاقة لها باختلاف اللهجات، وبطبيعة الحال لم تنشأ عنها.
أولًا: رأي ابن قتيبة
ذكر ابن قتيبة سبعة أنواع من الاختلافات في القراءات:
1. الاختلاف في حركة إعرابية أو بنائية للكلمة دون أن يتغير شكل الكلمة أو معناها. مثل آية: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (هود/78)؛ برفع «أَطْهَرُ» أو نصبها.
2. الاختلاف في حركة إعرابية أو بنائية للكلمة بحيث يبقى شكل الكلمة ثابتًا؛ لكن المعنى يتغير. مثل: «رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» (سبأ/19)؛ حيث قُرئت بصيغتي الفعل الماضي والأمر.
3. الاختلاف في حروف الكلمة لا في إعرابها دون أي تغيير في شكل ومعنى الكلمة، مثل: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (البقرة/259)؛ حيث قُرئت «نَنْشُرُهَا».
4. الاختلاف في الكلمة بحيث يتبدل شكل الكلمة ولكن المعنى يبقى ثابتًا، مثل آية ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (يس/29)؛ حيث قُرئت «زَقْيَةً وَاحِدَةً».
5. الاختلاف في الكلمة بحيث يتبدل كل من الشكل والمعنى، مثل: «طَلْحٍ مَنْضُودٍ» (الواقعة/29)؛ حيث قُرئت «طَلْعٍ مَنْضُودٍ».
6. الاختلاف من حيث التقديم والتأخير، مثل آية: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (ق/19)؛ حيث قُرئت «سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ».
7. الاختلاف من حيث الزيادة والنقصان، مثل آية: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ (يس/35)؛ حيث قُرئت ﴿وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ»، وآية: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (التوبة/100)؛ حيث قُرئت «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا» (راجع: ابن قتيبة الدينوري، تأويل مشكل القرآن، 1393: 35-38).
ثانيًا: رأي ابن الجزري
من منظور ابن الجزري، تعود اختلافات القراءات إلى سبعة أوجه:
1. الاختلاف في الحركات دون تغيير في شكل ومعنى الكلمة، مثل «البُخْل» التي قُرئت بأربع صور.
2. الاختلاف في الحركات مع تغيير في المعنى وثبات شكل الكلمة، مثل ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (البقرة/37)؛ حيث قُرئت بنصب «آدم» ورفع «كلمات» أيضًا.
3. الاختلاف في الحروف مع تغيير في المعنى وثبات شكل الكلمة، مثل «نُبْلُوَ» و «نَتْلُوَ»، أو اختلاف قراءة «نُنَجِّيكَ» و «نُنْحِيكَ» (يونس/92).
4. الاختلاف في الحروف مع تغيير في الشكل وثبات المعنى، مثل «الصراط» و «السراط» أو «بصطة» و «بسطة» (البقرة/247).
5. الاختلاف في الحروف مع تغيير في شكل ومعنى الكلمة، مثل «أَشَدَّ مِنْكَ» و «أَشَدَّ مِنْكُمْ»، وكذلك «فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ» بدلًا من ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة/9).
6. الاختلاف في تقديم وتأخير الكلمة، مثل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (ق/19).
7. الاختلاف في زيادة ونقصان الكلمة، مثل ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ (يس/35) و«وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ» حيث القراءة الثانية بدون ضمير الهاء، وهي ما ورد في مصاحف أهل الكوفة (راجع: الزمخشري، الكشاف، 1407: 2/252).
تقييم
الحالات المذكورة أعلاه هي الأوجه التي لن تخرج عنها اختلافات القراءات، ولكن حالات مثل الاختلاف في الإظهار والإدغام، الإشمام، التفخيم، الترقيق، المد، القصر، الإمالة، الفتح، التحقيق، التسهيل، الإبدال، والنقل، والتي يُعبَّر عنها بالأصول، ليست من الحالات التي يتنوع فيها اللفظ والمعنى (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بلا تا: 1/27-6؛ الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، بلا تا: 1/159-160؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1416: 1/16؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1410: 2/111-112).
ثالثًا: رأي ابن شاذان
الأوجه السبعة في أنواع اختلاف القراءات من وجهة نظر ابن شاذان هي كما يلي:
1. اختلاف الأسماء في المفرد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والمبالغة.
2. اختلاف الأفعال كالماضي والمضارع والأمر وإسناد الفعل للمذكر والمؤنث والمتكلم.
3. الاختلاف في أنواع الإعراب.
4. الاختلاف في الزيادة والنقصان.
5. الاختلاف في القلب والتبديل من كلمة إلى أخرى ومن حرف إلى حرف آخر مثل «الصراط» و «السراط».
6. الاختلاف في التقديم والتأخير.
7. اختلاف اللغات من قبيل الفتح والإمالة، الترقيق، التفخيم، التحقيق، التسهيل، الإدغام، والإظهار.
تحليل وتقييم
حاول ابن شاذان، حسب الواقع، إدراج أصول القراءات التي لها أكبر ارتباط باختلاف لهجات العرب في تقسيمه؛ لأن معظم اختلافات اللهجات تظهر في مثل هذه الحالات. إذا كان، بناءً على حديث «سبعة أحرف»، علة وحكمة نزول القرآن على سبعة أحرف هي التسهيل والتوسعة على الأمة، فإن اختلافات مثل الإظهار والإدغام والروم والإشمام والمد والقصر والفتح والإمالة والتسهيل والتحقيق و… يجب أن تكون في الاعتبار أكثر من أي شيء آخر؛ بينما لم يدرج ابن قتيبة وابن الجزري أهم قسم وعامل في تقسيم الأنواع (جوان آراسته، درسنامه علوم قرآن، 1377: 269).
رابعًا: رأي صبحي صالح
من وجهة نظر صبحي صالح، الأوجه السبعة لاختلاف القراءات هي كما يلي:
1. الاختلاف في وجوه الإعراب، سواء بقي المعنى ثابتًا أو تغير.
2. الاختلاف في الحروف، إما مع تغير المعنى دون تغيير في شكل الكلمة، أو مع تغيير شكل الكلمة دون تغيير في المعنى، مثل «الصراط» و «السراط».
3. الاختلاف في الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث.
4. الاختلاف بتبديل كلمة بكلمة أخرى بحيث تكون إحداهما غالبًا بدلًا عن الأخرى، من قبيل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة/5)؛ حيث قُرئت «كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ».
5. الاختلاف في التقديم والتأخير.
6. اختلاف طفيف في الزيادة والنقصان بسبب عادة العرب في حذف أدوات الجر والعطف وغيرها، في بعض الحالات وإثباتها في حالات أخرى.
7. الاختلاف في اللهجات في الفتح والإمالة والترقيق والتفخيم (صبحي صالح، مباحث في علوم القرآن: 1972 م: 116).
تقييم
اعتبر صبحي صالح بعد ذكر النوع السابع أنه الأهم؛ لأن حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف تكمن فيه، وهو يعتقد أن التيسير على الناس من قبائل متعددة يجد مصداقه في هذا المجال، وقد رفض كل ما استنبطه السيوطي وعلماء العامة من حديث «سبعة أحرف»، وأكد أن القرآن نزل بلغة قريش فقط.
هناك أدلة على أن القرآن لم ينزل بلغة قريش:
أحدها: بناءً على تقرير بعض المحدثين، أمر عثمان الذين تولوا كتابة القرآن أن يكون المملي من قبيلة هذيل والكاتب من قبيلة ثقيف، ولم تكن أي من هاتين القبيلتين من قريش.
ثانيها: هم أنفسهم صرحوا بوجود نوع من الإبهام والتعقيد في لهجة قريش (الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، 1306: 6/9).
ثالثها: واجه القرشيون اختلافًا في فهم ألفاظ القرآن وكانوا مضطرين للرجوع إلى الآخرين في شرحها (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1316: 1/9)؛ بينما لو نزل القرآن بلهجة قريش، لما طُرح اختلاف في فهم مفردات القرآن.
من العلماء المفكرين مثل الزرقاني وصبحي صالح، من المستغرب جدًا أن يضعوا أنفسهم في مأزق سبعة أنواع من الاختلاف، في حين أن هؤلاء الأشخاص يعلمون جيدًا أنه في تقسيم طبيعي، يوجد على الأقل أكثر من عشرة أنواع كلية من اختلافات القراءات؛ لكن يبدو أن عشاق ومتعبدي حديث «سبعة أحرف» لم يجدوا مخرجًا سوى إدراج الجميع في سبعة أنواع.
علل اختلاف القراءات
يمكن اعتبار عوامل مثل تطبيق الرأي والاجتهاد من قبل القراء، بدائية الخط، عدم وجود نقاط على الحروف، خلوه من الحركات والعلامات، وعدم وجود الألف في الكلمات من أهم علل وعوامل اختلاف قراءات القرآن (راجع: معرفت، التمهيد في علوم القرآن: 1410: 2/14-44).
تهدف هذه المقالة إلى شرح وتبيين العامل الأول؛ أي تطبيق الرأي والاجتهاد الشخصي للقراء.
في الواقع، كان تطبيق الرأي والذوق الشخصي للقراء في القرون المختلفة أحد العوامل المهمة في ظهور اختلاف القراءات، بل يمكن اعتباره العامل الأكثر تأثيرًا في اختلاف القراءات. لهذا السبب، اختارت المقالة الحالية هذا العامل فقط لدراسته (راجع: نفس المصدر: 2/30). بعبارة أخرى، قراءة القرآن التي تعتمد صحتها وإتقانها على السماع والنقل، ابتعدت في بعض الحالات عن هذه القاعدة والمعيار الضروري. بعد توحيد المصاحف وإرسال قراء القرآن إلى مدن مختلفة، ربما كان القارئ في مدينة ما يتردد في كيفية قراءة آية في مصحف خالٍ من أي إعراب أو إعجام. في مثل هذه الحالات، كان يختار ما يراه مناسبًا ويعمل بناءً على الحدس والتخمين، حتى أنه كان يستدل لإثبات صحة قراءته.
تم تدوين العديد من الكتب مثل «الحجة للقراء السبعة» و «الكشف عن وجوه القراءات السبع» على هذا الأساس وبهذا الهدف لتبرير قراءات القراء المختلفة وإقامة الدليل على صحتها من القواعد الأدبية والنحوية (راجع: نفس المصدر: 2/30-34).
أدت هذه الاختلافات إلى إعداد مصحف واحد في عهد عثمان، وتم نسخ متعددة ومتطابقة منه وإرسالها إلى المراكز المهمة في الدول الإسلامية. بالطبع، وُجدت اختلافات بين هذه النسخ التي كان يجب أن تكون متطابقة تمامًا، والتي أصبحت لاحقًا مصدرًا لبعض اختلافات القراءات. ولكن كل هذا الجهد والسعي الذي بُذل في سبيل توحيد المصاحف، ذهب هباءً تقريبًا وبدا غير مجدٍ، واتسع نطاق هذه الاختلافات يومًا بعد يوم. حتى الأمس، كان الاختلاف حول قراءة الصحابة، واليوم بعد توحيد المصاحف، أصبح الاختلاف حول المصحف نفسه. بالطبع، لاحظ عثمان بعض النواقص في المصحف الذي قُدم له في بداية العمل، واحتج على وجود مثل هذه النواقص قائلاً: «أرى فيه لحنًا» أي خطأ كتابيًا. قيل له: «أفلا تغيره؟» فقال: لا، لقد فات الأوان، فالعرب سيقرؤونه صحيحًا بلغتهم الفطرية. لكن عثمان لم يفكر في أن الأمم المختلفة بلغات متنوعة ستقرأ هذا القرآن في المستقبل، وأن الذوق العربي الأصيل سيفقده حتى العرب أنفسهم في العصور اللاحقة (راجع: نفس المصدر: 2/4-8).
النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه في فترة معينة ازدهر فيها سوق قراء القراءات في القرنين الثاني والثالث، تفوقت مجموعة من القراء على الآخرين وانتشرت شهرتهم في كل مكان. كما وجدت مجموعة أخرى، التي كانت تبحث عن الشهرة والمكانة، شهرتها في اختيار القراءات النادرة والخاصة. لقد وضعوا همتهم على قراءة القرآن بطريقة لا يقرأها الآخرون، وبالطبع كانوا يختلقون الأعذار لقراءتهم السابقة بالنظر إلى مرونة القواعد الأدبية.
القراء الذين اتجهوا إلى القراءات الشاذة والنادرة وأُعجبوا بها، ومن المحتمل جدًا أنهم تأثروا بهذا الطبع المذموم وجعلوا آيات القرآن الكريم وسيلة لشهرتهم، تعتبر قراءاتهم مرفوضة وغير صحيحة من وجهة نظر علماء القرآن (جوان آراسته، درسنامه علوم قرآن، 1377: 245).
أجبر تعصب بعض النحويين وتمسكهم بصناعتهم وفنهم على جواز الاجتهاد في القراءة لمن لديهم المعرفة اللازمة باللغة والعربية، وبناءً على هذا الاعتقاد، يجب الإيمان بصحة أي قراءة تتوافق مع القواعد العربية، حتى لو لم يؤيدها الرواية والنقل. ولكن من البديهي أن هذا الاعتقاد ناتج عن التأثر الشديد للنحويين بتخصصهم وآرائهم وقواعدهم التي قيدوا أنفسهم بها، وأي طريقة أو أسلوب يستند إلى القواعد ولا يمكن إسناده إلى نقل ورواية، لن يندرج تحت المعنى الاصطلاحي للقراءة. هاجم خبراء القراءة هذه المجموعة من العلماء النحويين بشدة. الجدير بالذكر أن عقيدة ورأي جواز الاجتهاد في القراءات بين علماء النحو وأرباب اللغة لها أنصار قليلون، كما قال أبو العباس، أحد النحويين والأدباء المشهورين: لو كنتُ أُعد من القراء، لقرأت الباء في «لكن البر» بالفتح. كان يقصد أنه في آية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة/177)؛ قرأ جميع القراء الباء في «البر» بالكسر في كلتا الحالتين، ولو كان هو من القراء، لقرأها في «لَيْسَ الْبِرَّ» بالفتح (راجع: ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1932: ذيل اختلاف القراءة حول الآية 177 من سورة البقرة). هذا البيان من المبرد هو اعتراف ضمني، بل صريح، بأن القراءة ليست من تخصصه ولا يمكنه الاجتهاد والإدلاء برأيه فيها.
تقييم
قصد المبرد في تفضيل فتح الباء على كسرها هو أنه إذا قُرئت الباء في «لكن البر» بالفتح، فإنها تعني «البار»، أي المحسن، ولكن بالكسر تعني الإحسان. لا يوجد تناسب بين الباء في «من آمن بالله». بالطبع، أجاب المفسرون بأن المصدر «البر» بكسر الباء يُستخدم أحيانًا بمعنى اسم الفاعل ويعني «البار»، أي «واسع الإحسان». كما ذُكر وجه آخر في كون «باء» مكسورة وهو أن الآية في تقدير «ولكن البر بر من آمن بالله» من قبيل «السخاء حاتم والشعر زهير» بمعنى «سخاء سخاء حاتم وشعر شعر زهير». وقد قبل هذا الوجه الأخير الزجاج وقطرب والقراء، واختاره الجبائي أيضًا (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1371: 1/261-263).
كتب الطبرسي في تفسير «مجمع البيان»: قرأ سيبويه وكثير من النحويين بالرفع، وقد رجح سيبويه نفسه نصبها من حيث العربية وقواعد النحو. بالطبع، هو يعتقد أن عامة القراء قرؤوها بالرفع. اختار أبو العباس المبرد الرفع وقال: هذا النوع من الآيات ليس من قبيل «زيدًا فاضربه»، بل هو مثل «من سرق فاقطع يده ومن زنا فاجلده». ويرى الزجاج أيضًا أن الرفع أفضل (نفس المصدر: 3/190). كما نُقل عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي النحوي (ت 354 هـ) أنه كان يعتقد أن أي وجه في القراءة صحيح من حيث العربية، تجوز قراءته في الصلاة. ويضيف أبو طاهر بن هاشم، متابعًا هذا القول في كتاب «البيان»، أن ابن مقسم، وفقًا للبدعة التي أوجدها، قد ضل الطريق.
يكتب ابن الجزري: بسبب هذه البدعة، عُقد مجلس في بغداد كان من الفقهاء، بحضور ابن مقسم، واتفق الحاضرون بالإجماع على نهيه عن مثل هذه الآراء، فتاب ابن مقسم وكتب توبته هناك. ثم يواصل ابن الجزري قائلاً: لهذا السبب، مُنع القراء من القياس المطلق؛ أي من القراءة التي لا أساس لها موثوق به من حيث الرواية والإسناد، وكان كثير من أئمة القراءة مثل نافع وأبي عمرو بن العلاء يقولون: لو لم نكن مكلفين بقراءة القرآن كما يجب، لما قرأناه بهذه الطريقة وتلك (حجتي، پژوهشي در تاريخ قرآن كريم، 1383: 250-252).
3. رأي رِجيس بلاشير حول دور الاجتهاد الشخصي للقراء في اختلاف القراءات
ريجيس بلاشير مستشرق فرنسي معاصر له أعمال عديدة في مجال القرآن الكريم والأدب العربي ومباحث العلوم الإسلامية الأخرى (راجع: رامیار، تاريخ قرآن، 1362: 2-3؛ بدوي، دائرة المعارف مستشرقان، 1377: 132-134)؛ أهم أعماله في مجال القرآن هي ترجمة كاملة للقرآن إلى اللغة الفرنسية. وتُعد ترجمته من أفضل ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية (رامیار، تاريخ قرآن، 1362: 3). وقد أجرى في مقدمة هذه الترجمة أبحاثًا حول تاريخ القرآن وعلومه. وأبدى ريجيس بلاشير في هذه المقدمة اهتمامًا بمسألة اختلاف القراءات وعللها وعواملها وقدم نظريته في هذا الشأن.
يعترف بلاشير بتأثير ذوق القراء وأسلوبهم في انتشار القراءات ويعتقد: «من أواخر القرن الأول الهجري، اتخذ عمل القراء طابعًا تخصصيًا، وجعلوا القراءة مصدرًا عاديًا لعملهم. والأخلاق تتضرر من هذا الطريق. في بداية القرن الثالث، تلاشت شهرتهم، وشيئًا فشيئًا جاء يوم عُرفوا فيه كأشخاص جهلة، جشعين، وفاسقين. هذا الفساد استلزم إصلاحًا، وتم هذا العمل في نهاية ذلك القرن» (بلاشير، در آستانه قرآن، 1378: 124).
يعتقد بلاشير، في معرض رده على سبب تسلل مثل هذا الفساد بين القراء، وأخيرًا، الشعور بضرورة إصلاح نظام القراءات: «كان لدى البعض في تدوين علم القراءة القائم على الرواية عناية وحرص شديدان. وهنا يوجد تيار محافظ وعميق وقوي جدًا، والذي ينتصر في نهاية المطاف بقبول عام في إطار الشريعة الإسلامية؛ ولكن يجب القول: إن تقدم القراءة يصطدم بعوامل أخرى لها طابع ابتكاري أكبر في الأساس. في هذا المسار، قبل كل شيء، هناك دور أساسي يتعلق بالدراسات اللغوية من حيث الصرف والنحو وعلم اللغة؛ فإذا كان التفسير وعلم القراءة، كما رأينا مرارًا، أساس الصرف والنحو، فإن هذه العلوم بدورها تؤثر في تثبيت وقراءة القرآن بشكل متبادل. ولهذا السبب، منذ البداية في البصرة، كان نشاط القراء يختلط بالجهود النحوية واللغوية (نفس المصدر: 127). هنا، يتحدث بلاشير عن ظهور نظام خاص يُعرف بـ«نظام القراءة العقلي» والذي يمكنه أن يثور ضد الهيمنة الشديدة للقراءة الروائية؛ لكن نظام القراءة العقلي نفسه متأثر بعوامل متنوعة تحتاج بدورها إلى دراسة.
يمكن أن يكون استنتاج بلاشير ناتجًا عن تعصب بعض علماء النحو وتمسكهم بصناعتهم وفنهم، مما دفعهم إلى جواز الاجتهاد في القراءة لأهل اللغة والعارفين باللغة العربية؛ حتى عندما لا تتوافق قراءتهم مع قراءة أهل التحقيق والقراءة العامة، كما كان يفعل البعض في المسجد النبوي، حيث يقرؤون الهمزة «نبرًا»؛ أي بتحقيق الهمزة، خلافًا للقراء الذين كانوا يقرؤونها بالتسهيل أو الإبدال أو حذف الهمزة، فكانوا يقرؤون مثلاً «قد أفلح» «قد فلح» (ابن الأثير، علي بن محمد، أسد الغابة في معرفة الصحابة: 1409: 5/7)؛ هذا في حين كان الكثيرون يعترضون على قراءة حمزة؛ لكن الكسائي لم يكن يكترث باعتراضات الناس (العسقلاني، تهذيب التهذيب، 1406: 3/27). في هذا السياق، كان الانهزام الثقافي للقارئ أمام علمه ومعرفته يدفعه إلى هذا المنزلق، فيختار القراءة الشاذة التي تخالف كلاً من رسم الخط وقراءة الجمهور (أبو حيان، البحر المحيط، 1422: 6/428).
خلاصة
كان انفتاح باب الاجتهاد أحد العوامل المهمة التي أدت إلى ظهور الاختلاف في قراءة القرآن الكريم. كان الاجتهاد شائعًا بين بعض الصحابة منذ البداية، واستمر هذا الأمر في العصور المتأخرة. كما تؤيد الروايات هذا الموضوع: «قال السيوطي بتفسير: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (البقرة/106)؛ أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص، أنه قرأ: ما ننسخ من آية أو ننسها، فقيل له: إن سعيد بن المسيب يقرأ: ننسأها فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (الأعلى/6)؛ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف/24)؛ اجتهاد بقياسين في تغيير لفظ القرآن الكريم في هذه الرواية واضح تمامًا. يكتب العلامة العسكري «ره»: «من الحديث المذكور، ندرك أن أصل الاجتهاد المنسوب إلى الصحابي، في تحريف كلمة «ننسها» إلى «ننسأها»، هو ورود «تنسى» و «نسيت» في آيتين أخريين، وقياس هذه الحالة على هاتين الحالتين» (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416 هـ: 2/193)؛ وتظهر الاجتهادات الشخصية المماثلة وعواقبها في الأجيال اللاحقة في روايات أخرى بشكل أوضح. «رووا أنه اجتهد كل من أم المؤمنين عائشة والخليفة عثمان فقالا: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، وقرأا ﴿إِنْ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ﴾ وتبعهم على ذلك الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين ومن القراء عيسى بن عمرو وعاصم وغيرهما من العلماء» (نفس المصدر: 194). كان هذا العامل موجودًا أيضًا في قراءة أبي بن كعب كصحابي لرسول الله صلى الله عليه وآله، على الرغم من أن الرسول كان يؤكد أن هذا العمل هو فقط لفهم القرآن وتسهيله على المتعلمين ويجب ألا يمس نص القرآن أبدًا، وكان الصحابة يفصلون هذه القراءات عن نص القرآن الأصلي. قرأ أبي بن كعب، بناءً على اجتهاده الشخصي في فهم وتسهيل القرآن، بعض الآيات بشكل مختلف عن القراءة المشهورة (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1410 هـ: 1/325؛ البرهان في علوم القرآن، 1376 هـ: 1/220؛ الفراء، معاني القرآن، 1403 هـ: 3/156). بالرجوع إلى تاريخ القراءات والكتب التي كُتبت في موضوع القراءات والمسائل المتعلقة بها وسير الصحابة والقراء، يتضح أن تطبيق الذوق والاجتهاد كان موجودًا في القراءة. وقد أقر العديد من المفكرين بهذه المسألة، لكن العلامة معرفت يعتبرها أكبر عامل في اختلاف القراءات ويستشهد بتقديمه للاستدلال والبرهان على القراءات الشاذة في كتب مختلفة كدليل على كلامه (معرفت، تلخيص التمهيد، 1428: 2/31)؛ بالإضافة إلى أنه في جميع حالات اختلاف القراءات، لم تكن إحدى القراءات، أي القراءة الحالية المشهورة، وبقية القراءات شاذة وغير معتبرة، وقبل توحيد المصاحف في زمن عثمان وبعده، كانت هناك قراءات مشهورة متعددة لكل منها أنصار بين المسلمين.
موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام تجاه اختلاف القراءات
أهل البيت عليهم السلام، على مدار ثلاثة قرون من حضورهم، من عصر الصحابة إلى التابعين والفترات التي تلتهم، أكدوا دائمًا على وحدة نزول القرآن من الله، وكانوا ينسبون الاختلافات إلى الرواة. لذلك، حاربوا انتشار اختلاف القراءات وشجعوا على القراءة الواحدة. على هذا الأساس، اعتبر الإمام الصادق عليه السلام نزول القرآن على سبعة أحرف كذبة من أعداء الله وأكد أن القرآن نزل بقراءة واحدة ومن عند الله الواحد (الكليني، الكافي، 1363: 2/630). بفضل جهود الأئمة المعصومين عليهم السلام وأمر هؤلاء العظماء بقراءة القرآن وفقًا للقراءة المشهورة بين الناس (نفس المصدر: 2/633)؛ تم منع اختلاف القراءات قدر الإمكان، وشاعت قراءة واحدة.
من بعض أقوال أهل البيت عليهم السلام حول منع القراءات المختلفة، يمكن فهم أن قراءة متواترة كانت شائعة بين المسلمين بقيت من زمن النبي صلى الله عليه وآله. وقد روعيت هذه القراءة في تدوين وإجراء مراحل التنقيط والإعراب للكلمات والآيات القرآنية (معرفت، التمهيد في علوم القرآن: 1410: 2/157)؛ على الرغم من أن بعض الفقهاء ترددوا في تحديد القراءة المذكورة (راجع: الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1418: 167-163)، إلا أن بعض علماء القرآن المعاصرين المشهورين حصروها في رواية حفص عن عاصم (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1410: 2/154).
في هذه المسألة الهامة جدًا، وهي هل قراءة حفص عن عاصم هي نفسها القراءة المتداولة بين المسلمين، لا يوجد اتفاق عام، بل هي محل اختلاف الآراء، ولكل من الموافقين والمخالفين أدلة ذكروها في هذا المجال، وفيما يلي نتناولها بإيجاز:
1. أدلة الموافقين
أولًا: رواية حفص عن عاصم هي القراءة المتعارف عليها والمتداولة بين المسلمين، وقراءة عامة الناس مبنية على قراءته. وهذه الرواية كانت شائعة بين المسلمين على مر القرون المتعاقبة حتى يومنا هذا (راجع: طيب، أطيب البيان، 1378: 246-247؛ مكارم الشيرازي، أنوار الأصول، 1428: 2/349؛ السبحاني، مصادر الفقه الإسلامي، 1419: 37).
ثانيًا: من بين القراءات الموجودة، تتمتع رواية حفص بسند صحيح ومقبول بدعم من جمهور المسلمين؛ لأن حفصًا وأستاذه عاصمًا كانا ملتزمين بشدة بما يتوافق مع قراءة عامة المسلمين والرواية الصحيحة والمتواترة بينهم (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1932: 1/254).
ثالثًا: في حديث «اقرأ كما يقرأ الناس» (الصفار، بصائر الدرجات، 1404: 1/193؛ الكليني، الكافي، 1363: 2/633)؛ المقصود بقراءة الناس هو نفس القراءة الشائعة والمقبولة لدى عامة الناس. يُفهم من هذا الحديث أنه في ذلك الوقت، كانت هناك قراءة شائعة واحدة. بناءً على الأدلة والقرائن والشواهد، فإن تلك القراءة الشائعة هي نفسها قراءة عاصم برواية حفص.
رابعًا: توصيات رسول الله صلى الله عليه وآله الكثيرة بقراءة القرآن الكريم واهتمام المسلمين بها، تستلزم بقاء قراءة النبي صلى الله عليه وآله عند جمهور المسلمين، وبما أن القراءة المشهورة اليوم هي قراءة عاصم برواية حفص، فإن هذه القراءة هي نفسها قراءة النبي صلى الله عليه وآله (راجع: بابائي وآخرون، روش شناسي تفسير قرآن، 1385: 75).
خامسًا: كان لون نص القرآن في القرون الأخيرة يكتب بقراءة حفص عن عاصم باللون الأسود، بينما كانت باقي القراءات، بما في ذلك رواية الشيعة، تميز باللون الأحمر. وبناءً على ذلك، قيل إن سواد القرآن يتوافق مع قراءة حفص، وهذا بحد ذاته دليل على تفضيل قراءة حفص على القراءات الأخرى (راجع: علوي مهر ومحمودي، بررسي معيار تشخيص قرائت صحيح قرآن وحجيت آن، مطالعات قرائت قرآن، 1396: 86-89).
2. أدلة المخالفين
أولًا: على الرغم من أن رواية حفص لها أسانيد متعددة، فإن السند الذي تُنسب به هذه الرواية إلى الإمام علي عليه السلام له طريقان ضعيفان ومرسلان فقط (راجع: الذهبي، معرفة القراء الكبار، 1416: 1/412؛ ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1932: 1/334، 1/336)؛ وبالتالي، فإن سند رواية حفص ضعيف من الأساس.
ثانيًا: لا يوجد دليل على تشيع حفص في كتب الرجال الشيعية والسنية، ولم يوثقه أي من الرجاليين الشيعة، وعامة علماء أهل السنة وصفوه بالضعيف والكذاب والمغير لأسانيد الروايات (المامقاني، تنقيح المقال، 1427: 23/259-260؛ العسقلاني، تقريب التهذيب، 1406: 351).
ثالثًا: لا يوجد دليل أو شاهد على تشيع عاصم. لم يوثقه أي من الرجاليين الشيعة، وعامة العلماء السنة، على الرغم من توثيقهم لعاصم، وصفوه بأنه ضعيف الحفظ (الشوشتري، مجالس المؤمنين، 1377: 1/548-549؛ ابن حنبل، المسند، 1419: 6/136).
رابعًا: على الرغم من توثيق أبي عبد الرحمن السلمي في كتب رجال أهل السنة، لم يوثقه أي من الرجاليين الشيعة، وإن كان ابن داود والعلامة قد اعتمدا عليه استنادًا إلى أصالة العدالة (البرقي، كتاب الرجال، 1342: 5؛ التستري، قاموس الرجال، 1410: 308-309)؛ وبالتالي، لم يثبت تشيع حفص وعاصم والسلمي، وبناءً على المصادر الرجالية للفريقين، لم يتم توثيق أي من هؤلاء الثلاثة بشكل كامل، بل في بعض الحالات تعرضوا للطعن وال تضعيف أيضًا (راجع: حجتي وشريفي نسب، ارزيابي سندي روايت حفص از قرائت عاصم، 1396: 120-135).
دراسة أدلة الموافقين والمخالفين
1. لا يمكن الحكم ببطلان سائر القراءات واعتبارها غير معتبرة ومزيفة.
2. سند أي رواية، سواء كانت صحيحة أو ضعيفة، لا موضوعية له أبدًا، بل هو محض طريق، ما يهم هو المضمون والمحتوى والدعوى الأصلية. بالنظر إلى أن الإمام الصادق عليه السلام قال: «القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف من قبل الرواة»، ومن ناحية أخرى، كلف الجميع بتجنب اختلافات القراءات والتوجه إلى القراءة المشهورة؛ لذلك، لا يمكننا قبول أي نوع من القراءة، ومن ناحية أخرى، ليس لدينا دليل على رد وإبطال جميع القراءات، بل الاحتياط هو أفضل طريق.
3. اليوم، في كثير من البلدان والبلاد الإسلامية، تحظى رواية حفص عن عاصم بالرواج والشهرة.
4. بما أن مسألة اختلاف القراءات لا تطرح إلا في حوالي 2.5٪ من كلمات القرآن، ومعظم آيات القرآن الكريم خالية من اختلاف القراءة، فإن القراءات المختلفة (باستثناء استنباط الأحكام الفقهية وبعض النقاط التفسيرية) لا تحدث تأثيرًا كبيرًا في معاني ومقاصد القرآن الكريم. بالطبع، الاهتمام بالقراءات المختلفة ضروري ومهم للمفسر والفقيه، ولكن لعامة الناس، فإن قراءة القرآن حتى عصر ظهور الإمام الحجة (عج) وفقًا لأي من القراءات المشهورة جائزة، وقراءة عاصم برواية حفص هي بالتأكيد إحدى القراءات المشهورة، وهي مهمة جدًا وموضع اهتمام لعامة الناس.
النتيجة
مسألة قراءة القرآن قضية تدريجية مرت بمسار تطور ونشأة خاص. أهم عوامل اختلاف القراءات هي: اجتهاد القراء وتطبيق الذوق الشخصي؛ بدائية وبساطة الخط؛ خلو الحروف من النقاط؛ غياب الحركات والعلامات؛ عدم وجود الألف في الكلمات. يمكن اعتبار العامل الأول المذكور (اجتهاد القراء) أهم عامل. لا شك أنه بخلاف اختلاف اللهجات، كانت هناك أمور مثل تقديم أو تأخير كلمة، أو زيادة أو نقصان كلمة أو حرف، أو اختلافات إعرابية مطروحة أيضًا. لا توجد أدلة على أن القرآن نزل بلغة قريش. من ذلك أنه لو نزل القرآن بلهجة قريش، لما طُرح اختلاف في فهم مفردات القرآن. أدى تعصب والتزام بعض النحويين بصناعتهم وفنهم إلى إجبارهم على جواز الاجتهاد في القراءة لمن لديهم المعرفة اللازمة باللغة والعربية، ومجرد أن تكون القراءة متوافقة مع القواعد العربية، يجب الإيمان بصحتها. كما يتحدث ريجيس بلاشير عن ظهور نظام خاص يسمى «نظام القراءة العقلي» يمكنه أن يثور ضد الهيمنة الشديدة للقراءة الروائية. كان الأئمة عليهم السلام يؤكدون دائمًا على وحدة نزول القرآن من الله، وحاربوا انتشار اختلاف القراءات وشجعوا على القراءة الواحدة. فيما يتعلق بكون القراءة الواحدة والمتداولة بين المسلمين أي قراءة كانت، لا يوجد رأي ونظرية موحدة بين علماء القرآن، على الرغم من أن العلامة معرفت قد اعتبر قراءة عاصم برواية حفص مصداقًا لها. لم تثبت صحة سند رواية حفص عن عاصم، ولكن جميع القراءات المشهورة، بما في ذلك قراءة عاصم، معتبرة لدى عامة الناس ويمكنهم استخدامها.
الهوامش
1. تاريخ استلام البحث: 20/09/1399 هـ.ش، وتاريخ القبول: 17/03/1400 هـ.ش.
2. أستاذ مشارك في جامعة المصطفى العالمية (المؤلف المسؤول)، البريد الإلكتروني: Mj_eskandarlo@miu.ac.ir
3. طالب دكتوراه في فرع القرآن والمستشرقين بجامعة المصطفى العالمية، البريد الإلكتروني: abb.karimi.۱۹۹۸@gmail.com