الملخص
تُعدّ دراسة “القراءات الشاذة” كأحد أنواع القراءات في القرآن الكريم موضوعًا جديرًا بالتحقيق. ومن المسائل التي لم تحظَ باهتمام كبير في هذا المجال، مسألة ضوابط هذا النوع من القراءات. في هذا البحث، تم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي لدراسة واستكشاف ضوابط ومعايير هذا النوع من القراءات، مما يمكن أن يساعد الباحثين في علم القراءات على تمييز أنواع قراءات القرآن الكريم. ومن خلال تتبع الآثار والكتابات المرتبطة بالقراءات الشاذة، وخاصة شواذ قراءات السبعة والعشرة، توصلنا إلى أن القراءة الشاذة هي القراءة التي لم تُنقل عن طريق التواتر والاستفاضة التي يقبلها الناس. في الحقيقة، تُطلق القراءة الشاذة على كل قراءة نُقلت بغير طرق الرواة الذين اختارهم ابن مجاهد للقراء السبعة وابن الجزري للقراء العشرة ورووا عنهم. ويُعتبر السند والرسم والعربية الأركان الأساسية الثلاثة في ضوابط القراءات الشاذة، والتي على أساسها تتحدد سائر خصائص القراءات الشاذة مثل: الحجية، وتوثيق الرواة، وكيفية الرواية، وغيرها.
مقدمة
من الموضوعات المهمة في مجال دراسة قراءات القرآن، بحث الأبعاد المختلفة للقراءات الشاذة؛ فالقراءات الشاذة كانت دائمًا محل اهتمام في قاموس الباحثين في علم القراءات. وقد كتب العديد من أصحاب الرأي، بميول ودوافع متنوعة، كتابات متعددة حول القراءات الشاذة. تُعد القراءات الشاذة، بعد القراءات المشهورة، من المصادر المهمة التي يوليها مفسرو الفريقين في القرآن اهتمامًا خاصًا في كشف معاني الآيات، ويعتبرونها قابلة للاستناد والاعتبار، ويستشهدون بها في ترجيح آرائهم (القرشي، القراءات الشاذة وأثرها في التفسير، 1430هـ: 15).
كل قراءة يمكن أن تكون مقبولة أو مردودة أو مما يُتوقف فيه. فالقراءة المقبولة هي التي بلغ سندها حد التواتر، أو كانت خبرًا واحدًا مطابقًا لرسم المصحف. والقراءة المردودة هي التي لم يصح سندها ولم يقبلها علماء القراءة. وهناك نوع آخر يقع بين المقبول والمردود، يجب التوقف فيه، وهو القراءة الشاذة التي يصح سندها ولكنها لم تصل إلى حد التواتر والاستفاضة التي تجعل الناس يقبلونها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون موافقة لرسم المصحف أم لا (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1400: 18).
ومع ذلك، فإن الخصائص الفريدة لهذا النوع من القراءات والآراء المختلفة للعلماء حول تعريفها وحجيتها وأقسامها، قد جعلت موضوع القراءات الشاذة في ساحة الدراسات القرآنية يكتنفه الغموض.
في هذه المقالة، ومن خلال البحث والاستقصاء في كتب القراءات، سيتم تحليل الخصائص الرئيسية للقراءات الشاذة، مع بيان مفهومها. ومن ثمرات دراسة ضوابط القراءات الشاذة، تبيين صحة وسقم هذا النوع من القراءات.
1. دراسة مفهوم
قبل تبيين ضوابط وأقسام القراءات الشاذة في القرآن الكريم، يجب شرح وتبيين مفهوم الشاذ في اللغة والاصطلاح:
أولاً – المعنى اللغوي للشاذ
مادة «شذذ» من الألفاظ التي استُخدمت في عدة معانٍ لغوية. في كتب اللغة، وردت معانٍ متعددة لهذه الكلمة، منها: الانفراد والوحدة والانفصال (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 1404: 3/ 180؛ الأزهري، تهذيب اللغة، 1421: 11/ 186؛ الزمخشري، أساس البلاغة، 1979: 324)، والخفاء والتعقيد والندرة والتفرق (السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، 1986: 1/ 233)، والمخالفة (الجرجاني، التعريفات، 1433: 164)، والقلة والضآلة (أبي البقاء، الكليات، 1412: 528).
وجدير بالذكر أن معنى كلمة “شاذ” يختلف عن معنى “نادر”؛ فالشاذ في كلام العرب يُستخدم غالبًا بمعنى مخالف للقياس، بينما تُستخدم كلمة “نادر” بمعنى القليل (راجع: الجرجاني، التعريفات، 1433: 164).
ثانياً – المعنى الاصطلاحي للشاذ
في بحث تعريف “الشاذ” اصطلاحًا، يتفق جميع علماء اللغة والنحو والفقه والقراءات على وجود اختلاف في مفهوم الشاذ. وهذا الاختلاف في كل علم يعود إلى المقول فيه. فالشاذ عند علماء النحو هو مخالفة القياس، وعند الفقهاء هو مخالفة الرأي المشهور، وأخيرًا عند علماء القراءات هو مخالفة إجماع القراء.
إن المعنى الاصطلاحي لأي كلمة يمر بمراحل في حياته، أهمها: ظهور مفهوم الكلمة، ظهور اسم الكلمة، وظهور تعريف الكلمة. كل هذه المراحل تتبع بعضها بعضًا وتكون طويلة بحسب مرور الزمن (بوشيخي، مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونموذج، 1413: 63). وقد مرّ المعنى الاصطلاحي للشاذ بمراحل مشابهة عبر الزمن بين أهل القراءات.
كان القراء قبل تمييز المشهور عن الشاذ يستخدمون هذه الكلمة، وبعد أن حدد كبار القراء حدود أنواع القراءات وعُرفت مصطلحات علم القراءة، نقلوا تعريفات متعددة للقراءة الشاذة.
أحيانًا، يكون تعريف العلماء للقراءة الشاذة مبنيًا على عدم وجود أحد الأركان الثلاثة لقبول القراءة. فالسيوطي يرى أن الشاذ هو القراءة التي لا سند صحيح لها (السيوطي، الإتقان، 1421: 1/ 266). وقال البعض إن الشاذ هو قراءة لها سند صحيح ويمكن توجيهها بأحد وجوه اللغة العربية ولكنها تخالف المصحف. ومن العلماء الذين يعتقدون بصحة سند القراءة الشاذة ومخالفتها للمصحف: ابن تيمية (ابن تيمية، مجموع فتاوى ابن تيمية، بدون تاريخ: 13/ 393)؛ ابن الجزري (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1400: 16)؛ ومكي القيسي وأبو شامة المقدسي (أبي شامة، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، 1975: 172).
خالف ابن الجزري في “منجد المقرئين” بتقديمه تقسيمًا ثلاثيًا: متواتر، وصحيح، وشاذ، واشترط مخالفة رسم المصحف (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1400: 18). ولكنه في “النشر” قدم تعريفًا آخر يبدو أن جمهور العلماء قد قبلوه، وهو أن القراءة الشاذة هي التي صح سندها ولم تبلغ حد التواتر، ووافقت اللغة العربية وأحد المصاحف العثمانية (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 9-36).
كان مكي بن أبي طالب يعتبر الشاذ ما خالف رسم المصحف أو العربية، أو ما نُقل عن غير ثقة، أو ما لم يبلغ درجة الشهرة (النويري، شرح طيبة النشر في القراءات العشر، 1424: 126). يرى مكي أن القراءة غير المشهورة شاذة مطلقًا، بينما يعتبر ابن الجزري القراءة غير المشهورة مطابقة للرسم صحيحة إذا نُقلت عن ثقة، وفي الحقيقة لا يشترط الشهرة في قبول القراءة. ولهذا السبب، يعتبر البعض بعض قراءات القراء الشاذة من أفضل ما تبقى من القراءات. يعتقد ابن الجزري والسيوطي، بالإشارة إلى ثلاثة أركان لصحة القراءة، أن قراءة القرآن الصحيحة لا تنحصر أبدًا في القراءات السبع، وأن باب الوصول إلى القراءة الصحيحة المعتبرة لا يُغلق أبدًا. وخلافًا لما يفهمه العامة من مفهوم القراءات الشاذة، فإنها ليست مردودة بشكل عام؛ فالكثير من المفسرين في تفسير الآيات يعتنون بالقراءات الشاذة بالإضافة إلى استخدامهم للقراءات المشهورة.
اعتبر بعض علماء القراءات أن القراءة الشاذة التي تخالف رسم المصحف هي من قبيل القراءة التفسيرية (راجع: العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1407: 8/ 646).
يفضل بعض العلماء أن يعتبروا كل ما يخالف رسم المصحف قراءة تفسيرية. من هؤلاء الأعلام المهدوي الذي يقول: يرى جماعة من أهل العلم والبحث أن كل قراءة ثبت نقلها عن قراء ثقات، ورويت بلغة عربية صحيحة، ووافقت رسم المصحف، فهي من الأحرف السبعة التي أخبر النبي ﷺ بنزول القرآن بها. وكل الروايات التي وردت مخالفة لرسم المصحف، إن ثبتت صحتها، حُملت على وجه التفسير ولم تُعتبر تلاوتها صحيحة. وهذا وجه مناسب وصحيح. وكل قراءة اختلفت مع رسم المصحف المتفق عليه والمجمع عليه، فإنه لا ينبغي أن تُعرف وتُثبت كقرآن بسبب عدم الإجماع ووحدة الرأي (المهدوي، شرح الهداية، 1415: 1/ 8). يقول ابن عربي: قراءة ابن مسعود “ألم يكن مشركون وأهل الكتاب منفكين” (البينة/1) هي قراءة تفسيرية جائزة للتبيين، ولكنها غير جائزة للتلاوة. أو رواية قرأ بها النبي ﷺ “فطلقوهن لقبل عدتهن” (الطلاق/1)، فهذا تفسير، والتلاوة هي ما ورد في رسم المصحف فقط (أحكام القرآن، 4/ 436). يقول ابن حجر: مناط القراءة الشاذة اليوم هو ما خالف رسم المصحف، مثل: “أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج” (البقرة/198) و “إذا جاء فتح الله والنصر” (النصر/1). هذا النوع من القراءات، وإن صح سندها، فهي قراءة متروكة، وصحة السند ليست دليلًا كافيًا على قرآنيتها، بل يحتمل جدًا أن تكون تفسيرًا وتأويلًا صاحب تنزيل القرآن ثم عُدَّت وتُصوّرت جزءًا منه (العسقلاني، فتح الباري، 1985: 8/ 646).
قال البعض في تعريف القراءة الشاذة: هي قراءة يمكن توجيهها في اللغة العربية، ويحتمل أن توافق أحد المصاحف العثمانية، وسندها غير متواتر. يقول ابن الصلاح: القراءة الشاذة هي ما نُقل من غير تواتر واستفاضة مقبولة عند الناس (ابن الصلاح، فتاوى ابن الصلاح، بدون تاريخ: 1/ 233؛ ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1400: 18-88). ويذكر السبكي نفس التعريف بعبارة أخرى فيقول: القراءة الشاذة هي ما نُقل آحادًا (السبكي، جمع الجوامع بحاشية العطار، 1401: 1/ 299). وينسب النويري (ت 897هـ) هذه الخاصية والمعيار في تعريف القراءة الشاذة إلى جمهور العلماء (النويري، شرح الطيبة، 1424: 1/ 130). وكذلك الصفاقسي (ت 1118هـ) يؤيد هذا التعريف ويقول: إن رأي الأصوليين في تعريف القراءة الشاذة هو هذا أيضًا (ابن سهل، أصول السرخسي، 1372: 1/ 279).
في رأينا، هذا التعريف الأخير هو التعريف الجامع المانع الذي يتطابق مع القراءات الشاذة المنقولة عن القراء العشرة:
بشكل عام، تعني القراءة الشاذة عند كثير من العلماء مخالفة قراءة الجمهور (المتواترة) (السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، 1408: 322). من تعريفات العلماء للقراءة الشاذة، يمكن استخلاص ثلاث خصائص: فقدان التواتر، وعدم الاستفاضة التي يقبلها الناس (راجع: النويري، شرح طيبة النشر في القراءات العشر، 1424: 1/ 13؛ أبي سهل، أصول السرخسي، 1372: 1/ 279). بناءً على ذلك، فإن القراءات الشاذة ليست في مصاف القراءات المتواترة ولا في مصاف المستفيضة، بل هي روايات آحاد تفيد الظن والتردد، ووصلتنا بطرق محدودة. لا فرق في كون راويها ثقة أو غير ثقة، موافقة لرسم المصحف والعربية أو مخالفة لهما أو لأحدهما، وشهرة الراوي واستفاضته في التوثيق متساوية.
ربما يعود سبب تسمية القراءة بالشاذة إلى مخالفتها لطريق نقل القرآن (المتواتر)، كما يصرح بذلك ابن الجزري قائلًا: “تخطت رسم المصحف الذي أجمعوا عليه، وإن صح سندها” (بني كنانة، القراءات الشاذة الواردة عن القراء العشرة منزلتها وأثرها في توجيه المعنى التفسيري، 1433: 23).
تختلف آراء العلماء حول مصاديق القراءة الشاذة بناءً على فهمهم للقراءات المتواترة. فقد حصرت مجموعة من فقهاء وأصوليي أهل السنة، مثل القاضي جلال الدين البلقيني وأبي شامة وابن عطية، التواتر في القراءات السبع، واعتبروا ما عداها شاذًا (راجع: النووي، التبيان في آداب حملة القرآن، 1403: 50). يقول ابن جني: القراءة الشاذة هي ما ليس جزءًا من القراءات السبع (ابن جني، المحتسب، 1966: 1/ 3). بينما يعتقد آخرون من العلماء بحصر التواتر في القراءات العشر، ويعتبرون الشاذ ما وراء العشر (السبكي، حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع، 1401: 1/ 231؛ قابة، القرآات القرآنية، 1999: 202). وهذا هو المعيار الذي نقله النويري في شرح الشاطبية (النويري، شرح الطيبة، 1424: 1/ 131) وابن الجزري في المنجد (ص 81-173) والبناء في إتحاف الفضلاء البشر (1/ 71) بالإجماع.
بالطبع، لا يمكن بشكل عام تسمية كل قراءة ليست من القراءات العشر بأنها شاذة في الاصطلاح، لأنه قد تُنسب بعض القراءات إلى القارئ عن طريق الخطأ والوهم والنسيان، أو بسبب التصحيف (الخطأ في قراءة وكتابة المصحف)، أو عن طريق الكذب والوضع حيث لا أصل لها (ابن الجزري، النشر، بدون تاريخ: 1/ 17)، أو بسبب النسخ أو إدراج كلمة أو عبارة على سبيل التفسير أو التوجيه النحوي، فيُحمل خطأً على أنه قراءة (السيوطي، الإتقان، 1421: 1/ 266). وبناءً على ذلك، فإن للقراءة الشاذة موضعها، وإطلاق الشاذ على كل قراءة ليس مناسبًا.
2. الخلفية التاريخية لظهور مصطلح الشاذ
قبل تعريف أصول وضوابط للقراءات وتقسيمها إلى أنواع مختلفة، نجد أول استخدام لكلمة “شاذ” في كلام نافع المدني1 ومحمد بن جرير الطبري في رواية أبي عمرو عن النبي الأكرم ﷺ بخصوص قراءة آية “لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ” (الفجر/25). في سيرة نافع المدني، ورد أنه عندما كان يعلم القراءة لتلاميذه، استخدم كلمة “شاذ” بمعنى ترك وانفصال قراءة أحد تلاميذه عن قراءة جماعتهم (الذهبي، معرفة القراء الكبار، 1408: 1/ 109). الطبري هو أول من تحدث في أبواب القراءات المختلفة. كانت قراءته المختارة مشروطة بعدم مخالفة رسم المصاحف وموافقتها للغة العربية وكونها مستفيضة (راجع: مكي بن أبي طالب، الإبانة عن معاني القراءات، 1979: 27).
أولاً – أنواع القراءات الشاذة
بالبحث في القراءات الشاذة المختلفة، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:
1. القراءة الشاذة المشهورة: هي القراءة الشاذة التي توافق اللغة العربية ورسم المصحف، وسندها صحيح ولكنها لم تبلغ حد التواتر. مثل القراءة التي يرويها الحاكم في المستدرك عن ابن عباس أن النبي الأكرم في آية “لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ” (التوبة/128) قرأ كلمة (أنفَسِكم) بفتح الفاء (الأندلسي أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 5/ 118؛ الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر، 1407: 246).
2. القراءة الشاذة الآحاد: تنقسم هذه القراءة الشاذة إلى قسمين: القسم الأول قراءة توافق اللغة العربية ورسم المصحف ولكن سندها غير صحيح، والقسم الثاني قراءة توافق اللغة العربية ولكنها تخالف رسم المصحف، سواء كان سندها صحيحًا أم لا، فهما سيان (العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1407: 9/ 29؛ القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1972: 1/ 74؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/ 264).
أما القراءة التي تخالف جميع اللهجات العربية، فلا يمكن وصفها بالقراءة أصلًا، بل هي قسم من أقسام الوضع والكذب.
3. القراءة الشاذة المدرجة: هي القراءة الشاذة التي أُضيفت إلى الآية لغرض التوجيه التفسيري. مثل قراءة سعد بن أبي وقاص في آية “وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ” (النساء/12) (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/ 364؛ الشوكاني، تفسير الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، بدون تاريخ: 1/ 369). الحقيقة هي أن هذا النوع من القراءة الشاذة لا يوصف بالصحة؛ لأنه ليس سوى نوع من التفسير (البيلي، الاختلاف بين القراءات، بدون تاريخ: 111).
ثانياً – أقسام القراءات الشاذة
أ) من حيث شروط الشذوذ:
1- القراءات الشاذة التي لم تثبت رواياتها.
2- القراءات الشاذة التي ثبتت رواياتها، ولكنها ليست متواترة.
3- القراءات الشاذة التي تخالف رسم المصحف.
4- القراءات الشاذة التي لا يمكن توجيهها في اللغة العربية.
ب) من حيث التصنيف:
1. القراءات الشاذة المنقولة عن القراء الأربعة، والتي يعتبرهم ابن الجزري من أشهر قراء القراءات الشاذة، وغالبًا ما تُحصر القراءات الشاذة في العصر الحاضر في هؤلاء الأربعة.
2. القراءات الشاذة المنقولة عن القراء العشرة، والتي جمعها مؤخرًا مجتبى الكناني في معجم خاص.
3. القراءات الشاذة المنقولة عن أصحاب النبي ﷺ والتي لم تُجمع حتى الآن في أي كتاب.
4. القراءات الشاذة المنقولة وذات السند التي وردت متفرقة في كثير من المصنفات والكتب الإسلامية.
5. القراءات الشاذة التي لا سند لها، والتي لم تُفصل وتُجمع حتى الآن في أي كتاب (بني كنانة، القراءات الشاذة الواردة عن القراء العشرة منزلتها وأثرها في توجيه المعنى التفسيري، 1433: 23-26).
3. ضوابط القراءات الشاذة
الضابطة والقاعدة قضيتان كليتان قابلتان للجمع، ومعرفتهما تستلزم معرفة أحكامهما الجزئية، وأحيانًا لا يمكن تمييز الضابطة عن القاعدة عند الاستعمال (الجرجاني، التعريفات، 1433: 219). وشاع استعمال كلمة “ضابطة” بهذا المعنى عند كبار علماء القراءات. يقول أبو شامة، أحد كبار علماء القراءات، في شرح الشاطبية: “ذكر بعض المحققين من أهل العلم ضابطة جيدة في تمييز القراءة المعتمدة عن غير المعتمدة. كل قراءة يؤيدها رسم خط المصحف، بشرط صحة روايتها وموافقتها لإحدى لهجات اللغة العربية الفصيحة، فهي قراءة صحيحة معتبرة” (أبي شامة، إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع، 1402: 5). بالاستناد إلى هذا القول، يمكن تمييز وتعريف الأحكام الجزئية للقراءات الشاذة. الأركان الثلاثة لضوابط القراءة الشاذة هي: السند، والرسم، والعربية (العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، 1985: 9). وفي هذا القسم، سنتناول دراسة هذه القراءات.
أولاً – سند القراءات الشاذة
السند في اصطلاح أهل القراءات هو “الطريق الموصلة إلى القرآن” (نفسه)؛ أي طريق الوصول إلى القرآن (العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، 1985: 9).
كما يبحث المحدثون في أحوال رجال الحديث، كذلك كُتبت كتب في رجال القراءات، مثل: “معرفة القراء الكبار” للحافظ الذهبي و”غاية النهاية” لابن الجزري. وقسّم علماء علوم القرآن القراءات إلى متواتر2، آحاد3، مستفيض4، مشهور، صحيح، شاذ، موضوع ومدرج (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/ 215). وبحث علماء الحديث في طرق التحمل وأنواعها، وتبعًا للمحدثين، أطلق القراء على قراءة التلميذ على الشيخ وإجازة الشيخ له اسم طرق تحمل القراءة، وإذا كان هناك اختلاف في طرق التحمل، فهو ناتج عن اختلاف تحمل الحديث عن تحمل القراءة (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1972: 1/ 181).
1. شواذ القراءات السبع
السؤال الذي يطرح نفسه هنا حول القراءات السبع هو: هل نُقلت قراءات شاذة عن القراء السبعة؟
خلافًا لما اختاره ابن مجاهد في القراءات السبع، توجد قراءات أخرى بين السبعة لا يمكن مقارنة درجة صحتها بالقراءات التي اختارها ابن مجاهد. لذا، تُطلق “قراءات شاذة سبعية” على القراءات التي وردت من غير الطرق التي ضمنها ابن مجاهد.
الإحصائية التي قدمها عبد الصبور شاهين باستخدام كتاب “المحتسب” لابن جني حول وجود قراءات شاذة بين القراء السبعة تبلغ أكثر من 132 حالة، ولكن التقرير الذي قدمه مجتبى الكناني بمراجعة العديد من كتب القراءات والتفسير والحديث ومعاني القرآن واللغة يصل إلى 1460 حالة، وهي كالتالي:
1- حمزة الزيات: (عبد الصبور شاهين 3 روايات) و(مجتبى الكناني 75 رواية).
2- علي بن حمزة الكسائي: (عبد الصبور شاهين 7 روايات) و(مجتبى الكناني 190 رواية).
3- نافع بن أبي نعيم: (عبد الصبور شاهين 9 روايات) و(مجتبى الكناني 165 رواية).
4- عبد الله بن عامر: (عبد الصبور شاهين 12 رواية) و(مجتبى الكناني 89 رواية).
5- عبد الله بن كثير: (عبد الصبور شاهين 16 رواية) و(مجتبى الكناني 147 رواية).
6- عاصم بن أبي النجود: (عبد الصبور شاهين 25 رواية) و(مجتبى الكناني 240 رواية).
7- أبو عمرو بن العلاء: (عبد الصبور شاهين 60 رواية) و(مجتبى الكناني 554 رواية).
(راجع: مختار عمر وسالم مكرم، معجم القراءات القرآنية، 1408: 1/ 111؛ عبد الصبور، تاريخ القرآن، 1966: 11 وبني كنانة، القراءات الشاذة الواردة عن القراء العشر، 1433: 1/ 8).
وجدير بالذكر أن القراءات الشاذة المنقولة عن القراء العشرة في المعجم الذي ألفه مؤخرًا مجتبى الكناني تبلغ أكثر من 1598 حالة (بني كنانة، القراءات الشاذة الواردة عن القراء العشرة منزلتها وأثرها في معنى التوجيه التفسيري وترجيحه، 1433: 8).
من أمثلة القراءة الشاذة المنسوبة إلى القراء السبعة من حيث السند، قراءة (لدني) في آية “قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا” (الكهف/76). يقول ابن مجاهد: “يروي أبو عبيد عن الكسائي وعن أبي بكر، وهو عن عاصم في كتاب القراءة، أن قراءة (لُدْني) بضم اللام وسكون الدال هي خطأ وغلط” (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1980: 396). يقول أبو علي الفارسي تلميذ ابن مجاهد: “هذا الخطأ ناشئ من جهة الرواية، أما من جهة قواعد العربية فهو صحيح ولا إشكال فيه”. (نفسه؛ لأمثلة أخرى من القراءات الشاذة للقراء السبعة من حيث اللغة العربية ورسم المصحف، راجع: الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 2/ 89؛ الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 1408: 2/ 325؛ ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1980: 396؛ ابن خالويه، مختصر شواذ القرآن من كتاب البديع، بدون تاريخ: 61).
2. القراء الشواذ
الحديث عن سند القراءات الشاذة يعني الحديث عن القراء الشواذ. لا تخلو أي طبقة من طبقات القراء من وجود قارئ ومقرئ شاذ، بدءًا من أصحاب النبي ﷺ واستمرارًا حتى يومنا هذا. لذا، يمكن حصر القراء الشواذ بسهولة في كل طبقة.
من أسماء بعض هؤلاء الصحابة: عبد الله بن مسعود، أبي بن كعب، عبد الله بن عباس، سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.
صاحب كتاب “معجم القراءات القرآنية” يذكر أسماء بعض القراء الشواذ حسب المدن التي عاشوا فيها. من المدينة (عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة المخزومي الصحابي، أبو سعيد أبان بن عثمان بن عفان التابعي، مسلم بن حبيب التابعي، وشيبة بن نصاح بن سرجس مولى أم سلمة)، ومن مكة (ابن محيصن، ابن أبي عمارة، درباس، حميد بن قيس الأعرج)، ومن البصرة (عاصم الجحدري، عبد الله بن إسحاق الحضرمي، عيسى بن عمر الثقفي، أبو منذر سلام)، ومن الكوفة (الأعمش، طلحة بن مصرف، عيسى بن عمر الهمداني، ابن أبي ليلى)، ومن الشام (أبو البرهسم، يزيد اليزيدي، خالد بن معدان)، ومن اليمن (محمد بن السميفع) (مختار عمر وسالم مكرم، معجم القراءات القرآنية، 1408: 1/ 117).
إلى جانب القراء العشرة، يوجد عدد كبير من القراء الشواذ الذين تختلف مراتب شهرتهم. ومن بينهم أربعة قراء يتمتعون بشهرة أكبر، وهم:
1. ابن محيصن: واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المكي (ت 123هـ)، عاصر ابن كثير، وكان رجلًا ثقة، روى عنه الصحيح لمسلم. راوياه هما البزي وابن شنبوذ. عرض قراءته على مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير ودرباس مولى ابن عباس. وعرض عليه شبل بن عباد وأبو عمرو بن العلاء قراءتهما. نظرًا لرأيه ونظره الخاص في اللغة العربية، خرج بالقراءة التي اختارها عن قراءة عامة أهل بلده. فأعرض الناس عن قراءته واجتمعوا على اتباع قراءة ابن كثير. وبهذا، يمكن اعتباره من طبقة تابعي التابعين (راجع: البيلي، الاختلاف بين القراءات، بدون تاريخ: 120).
2. اليزيدي: واسمه أبو محمد يحيى بن المبارك، المعروف باليزيدي (ت 202هـ)، من أهل البصرة، سكن بغداد، وتوفي في مرو عن 74 عامًا. راوياه سليمان بن حكيم وأحمد بن فرح. كان بارعًا في الفصاحة واللغة، ومن أفضل تلاميذ أبي عمرو، وخلفه في القراءة بعد وفاته وأيد آراءه (نفسه).
3. الحسن البصري: واسمه أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري (ت 110هـ)، ولد عام 21 هجري في خلافة عمر. راوياه شجاع بن أبي نصر البلخي والدوري. قرأ القرآن على حطان بن عبد الله القرشي برواية عن أبي موسى الأشعري، وكذلك على أبي العالية برواية عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت. وقرأ وروى عنه أبو عمرو بن العلاء وعاصم الجحدري وسلام بن سليمان. وبذلك، فهو من طبقة التابعين (مختار عمر، سالم مكرم، معجم القراءات القرآنية، 1408: 1/ 117).
4. الأعمش: واسمه أبو محمد سليمان بن مهران الكوفي (ت 148هـ)، ولد يوم عاشوراء عام 60هـ. التقى ببعض الصحابة مثل عبد الله بن أبي أوفى ومالك بن أنس، دون أن يروي عنهم شيئًا. أخذ قراءته عرضًا على إبراهيم النخعي وعاصم ويحيى بن وثاب وزر بن حبيش وغيرهم. ونقل عنه قراءته عرضًا وسماعًا حمزة الزيات وابن أبي ليلى. راوياه الحسن بن سعيد المطوعي وأبو الفرج الشنبوذي الشطوي. وبذلك، فهو من طبقة التابعين (راجع: القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1972: 1/ 99؛ الذهبي، معرفة القراء الكبار، 1408: 1/ 25؛ ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1402: 2/ 375).
اشتهر بعض القراء الشواذ بسبب اختياراتهم5 في القراءة. من هؤلاء يمكن ذكر: ابن محيصن، عيسى بن عمر الثقفي، ويحيى بن أبي سليم أبو البلاد النحوي.
تتصل طرق رواية بعض القراء الشواذ بقراءات العشرة المشهورة، وهذا يدل على أنهم نقلوا القراءات المشهورة بأسانيد صحيحة. اعتبر ابن الجزري هذه القراءات معتبرة، ويعتقد أن أصح وأعلى ما يمكن العثور عليه اليوم في الدنيا هو هذه القراءات (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 192). وقد نُقل عنهم عدد من القراءات التي اعتبرها العلماء شاذة لوجود علة أو نقص فيها. ومن هؤلاء القراء: خارجة بن مصعب، يحيى بن المبارك اليزيدي، أبو بكر بن مقسم، وأبو الحسن بن شنبوذ. أما قراءات يحيى بن المبارك اليزيدي، وابن محيصن، والأعمش، والحسن البصري، فهي من القراءات الأربعة التي تُطرح بعد القراءات العشر (راجع: الآلوسي، إتحاف الأمجاد في ما يصح به الاستشهاد، 1402: 1/ 72).
ثانياً – رسم القراءات الشاذة
الركن الثاني المهم في ضوابط القراءات الشاذة هو رسمها. والموضوع المحوري في رسم القراءات الشاذة هو مخالفة هذا النوع من القراءات لرسم المصاحف. والمقصود بمخالفة القراءة الشاذة لرسم المصحف هو أن تكون القراءة الشاذة مخالفة لجميع المصاحف العثمانية. وقد يظهر هذا الاختلاف بنقص أو زيادة أو تبديل حرف أو كلمة.
المقصود بالمخالفة ليس المخالفة للرسم القياسي، بل المخالفة للرسم القياسي والاصطلاحي. يرى القسطلاني أن الرسم نوعان: رسم قياسي، وهو موافقة الخط للنطق، ورسم اصطلاحي، وهو المخالفة بالحذف أو الزيادة أو الفصل أو الوصل بما يدل على ذات الحرف أو أصله أو فرعه (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1972: 1/ 284).
المقصود بالاختلاف مع رسم المصحف ليس الاختلاف الذي وجهه عثمان في المصاحف التي أرسلها إلى مختلف الأقطار الإسلامية؛ فهذا الاختلاف ليس هو المقصود عند أهل القراءة، بل هو اختلاف مقبول وموجه. ولهذا، يعتقد ابن الجزري في ضابط القراءة: “كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا” (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 9/1).
ويضيف ابن الجزري في تبيين هذا المطلب: “المقصود بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتًا في بعض المصاحف دون بعض”. مثل: آية 116 من سورة البقرة “وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا” التي قرأها ابن عامر بدون واو، وآية 184 من سورة آل عمران “بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ” حيث زيدت الباء في أول الاسمين. ومن هذا القبيل من المواضع التي ثبتت في مصحف أهل الشام، وهي كثيرة في القرآن. ولو لم يكن هذا النوع من الاختلاف في المصاحف العثمانية، لَعُدَّت مثل هذه القراءة شاذة بسبب مخالفتها لرسم المصحف (نفسه، 11).
ترتبط فلسفة وسبب اختلاف المصاحف العثمانية بالزمن الذي ارتحل فيه النبي ﷺ. فقد هاجر جمع من الصحابة إلى البلاد التي فُتحت في زمن أبي بكر وعمر، ليعلموا الناس القرآن والعقائد الدينية. اختار كل منهم مدينة، وعلموا أهلها بالقراءة التي كانت في عصر النبي. كانت قراءة أهل كل مدينة تختلف باختلاف قراءة الصحابي الذي علمهم، إلى أن كتب عثمان المصاحف وأرسلها إلى مختلف المناطق وأمرهم بقبولها وترك مخالفة المصحف. قرأ أهل كل منطقة وبلد المصحف الذي أُرسل إليهم بناءً على القراءة التي كانت لديهم قبل وصوله، بما يطابق خط المصحف. وبهذا، اختلفت قراءة أهل المدن الكبرى بسبب اختلاف رسم الخط، فسقطت جميع قراءاتهم التي اختلفت مع رسم الخط (مكي بن أبي طالب القيسي، الإبانة عن معاني القراءات، 1979: 37؛ للتفصيل، راجع: الداني، المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، 1403: 115).
يعتقد أبو منصور الأزهري بخصوص القراءة الشاذة: “من يقرأ القرآن بقراءة شاذة يخالف المصحف، ويخالفه جمهور القراء المعروفين، وهذه القراءة ليست صحيحة. وهذا هو معتقد العلماء الراسخين في علوم القرآن قديمًا وحديثًا، ولا أجيز غير ما قاله العلماء السابقون” (الأزهري، تهذيب اللغة، 1421: 5/ 12).
لمخالفة القراءات الشاذة لرسم مصحف القرآن الكريم ثلاث حالات: الزيادة والنقصان، القلب والإبدال، والتقديم والتأخير.
1- الزيادة والنقصان: مثل زيادة حرف في قراءة “ما هن أمهاتهم” (المجادلة/2) بـ “ما هن بأمهاتهم”، وهي قراءة ابن مسعود بهذا الشكل (الفراء، معاني القرآن، بدون تاريخ: 3/ 139؛ لأمثلة أخرى في زيادة اسم وجملة ونقصان حرف، راجع: ابن أبي داود السجستاني، المصاحف، 1404: 85، 63).
2- القلب والإبدال: القلب يعني تغيير المكان. ومن أمثلة القراءات الشاذة التي فيها تغيير مكان مع رسم المصحف، قراءة أبي بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والأعمش للآية 138 من سورة الأنعام بصورة “وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِرْجٌ”، بينما هي في المصحف الحالي بصورة “حرث حجر” (ابن خالويه، مختصر شواذ القرآن من كتاب البديع، بدون تاريخ: 41؛ الزمخشري، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 1/ 71).
3- التقديم والتأخير: مثل قراءة أنس بن مالك للآية 24 من سورة إبراهيم “كشجرة طيبة ثابت أصلها”، بينما هي في المصحف “أصلها ثابت” (الزمخشري، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 2/ 553).
ثالثاً – عربيّة القراءات الشاذة
الركن الثالث في أصول وضوابط القراءات الشاذة هو عربيّة هذا النوع من القراءات. والمقصود بعربيّة القراءات الشاذة هو مطابقتها للغة العربية. بشكل عام، جزء من ماهية القراءة الصحيحة والمشهورة هو عربيتها. ويبين القراء وعلماء القراءات هذه المسألة بعبارات وألفاظ مختلفة.
بحسب اعتقاد مكي بن أبي طالب وغيره، فإن للفصاحة، كأحد أركان اللغة العربية، أهمية مباشرة من حيث أنها توجه القراءة الصحيحة في اللغة العربية (مكي بن أبي طالب القيسي، الإبانة عن معاني القراءات، 1979: 67؛ وراجع أيضًا: القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1972: 1/ 67).
يعتبر الجعبري موافقة اللغة العربية أحد أركان القراءة المشهورة (النويري، القول الجاذ لمن قرأ بالشواذ، 1406: 59). وبعده، وسّع ابن الجزري هذه الموافقة والضابطة وأضاف إليها نقاطًا. يقول: “كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه من الوجوه” (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 9).
ويبين ابن الجزري “وجه من الوجوه” كالتالي: “المراد بوجه يعني وجهًا من وجوه اللغة العربية، سواء كان هذا الوجه أفصح أو فصيحًا متفقًا عليه أو مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر، لا فرق في ذلك، خاصة إذا كانت القراءة شائعة وأئمة القراءة يعتبرون إسنادها صحيحًا” (نفسه، 10).
بناءً على هذا الفهم لابن الجزري للقراءة الصحيحة من حيث اللغة العربية، هل المراد بالقراءة الشاذة هو نفس القراءة غير الفصيحة؟
اللفظ الفصيح هو اللفظ المستنبط من القوانين المستقرة في كلام العرب، والمتناسب مع حروفه، وله كثرة في الاستعمال (البابرتي، شرح التلخيص للبابرتي، 1392: 136).
بناءً على ضوابط اللغة العربية الفصيحة، فإن القراءة الصحيحة والمشهورة هي القراءة الموجودة في اللغة العربية الفصيحة، أي أنها توافق وجهًا من وجوه اللغة العربية. إذن، المراد بمخالفة الشاذ للغة العربية هو اختلافه مع الفصاحة في اللغة العربية. الفصاحة التي يتفقون عليها أو يختلفون فيها. ولكن إذا قبل البعض فصاحة شيء ورفضه جمع، فهو من المواضع التي يوجد فيها وجه. فالقراءة التي ليس لها أي وجه في اللغة العربية تكون غير فصيحة، وفي هذه الحالة، حتى لو وافقت المصحف، فهي غير مقبولة (تحشي المنياوي، حاشية على شرح جوهر المكنون في معاني والبيان والبديع، بدون تاريخ: 18).
بشكل عام، لا توجد قراءة تخالف رسم المصحف، وسندها ضعيف، ولا يمكن توجيهها بأي وجه من وجوه اللغة العربية. وإن وجدت مثل هذه القراءة، فإنها تُحمل على الخطأ والزلل، وهو مرفوع عن كاهل الأمة الإسلامية، ولا يلحقها إثم.
لهذا السبب، ألف ابن جني كتاب “وجوه القراءات الشاذة”، وشرحها، وكشف عن نقاطها الغامضة. وفي مقدمة كتاب “المحتسب”، صرح بأن غالب القراءات الشاذة تتساوى في الفصاحة مع القراءات الصحيحة والمشهورة، وإذا أردنا المقارنة بين القراءات الشاذة والصحيحة، فإن القراءة غير الشاذة تتفوق من حيث الإعراب النحوي (ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، 1966: 1/ 16).
1. حجية القراءات الشاذة في اللغة العربية
تختلف آراء العلماء من حيث حجية القراءات الشاذة في القرآن الكريم. وفي هذا القسم، نتناول بحث وتبيين آرائهم:
يعتقد علماء المذهب الحنفي بخصوص القراءة الشاذة أنها قرآن نُسخت تلاوته، أو هي خبر ورواية تفسيرية. فإذا كان قرآنًا نُسخت تلاوته، فإن لغته هي لغة القرآن، فهي بالإجماع فصيحة، إلا جماعة عدوها شاذة ويعتقدون بوجود غير الفصيح في القرآن (عبد الشكور اللكنوي، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، 1324: 2/ 16).
هذا الاعتقاد من زلات وأخطاء العلماء؛ لأنه يدفعنا نحو وجود الجهل والعجز لدى الله تعالى. فإذا كان القرآن يحتوي على لغة غير فصيحة، فإما أن يكون ذلك بسبب جهل الله تعالى بغير الفصيح، أو بسبب جهله بأصل أولوية الفصيح على غير الفصيح. وفي كلتا الحالتين يستلزم الجهل، أو بسبب عجز الله وعجزه عن إبدال الفصيح بغير الفصيح، وهذا يستلزم عجز الذات الإلهية المقدسة (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 32).
بشكل عام، لغة القرآن هي أفصح لغة عربية، ولا خلاف في ذلك. ولهذا، يستشهد أهل اللغة العربية بالقراءات الشاذة ويستدلون بها. ويعتقد السيوطي بخصوص الاستشهاد بالقرآن في اللغة العربية: “كل قراءة منقولة من القرآن، سواء قرأ بها الآحاد أو المشهور أو الشاذ، يجوز الاستشهاد بها في اللغة العربية” (السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، 1986: 1/ 213). وبذلك، اعتبر القراءة الشاذة جزءًا من القرآن ولغة القرآن.
ويكتب أحد المؤلفين: “كلام ربنا هو أفصح وأبلغ الكلام. ولا خلاف في جواز الاستشهاد بالقراءات المشهورة والشاذة في كلام الله” (البغدادي، خزانة الأدب ولب لسان العرب، 1406: 1/ 9). ومن هذا الكلام يمكن الاستنتاج أن نسخ التلاوة أو الحكم أو كليهما لا يستلزم نسخ الفصاحة.
الاحتمال الثاني في رأي الحنفية هو أن القراءة الشاذة رواية تفسيرية، أي ورد عن النبي ﷺ رواية لبيان شيء، فتصور الراوي أنها قرآن. وعندما اتضح أنها ليست قرآنًا، عُرف أنها رواية (الآلوسي، إتحاف الأمجاد في ما يصح به الاستشهاد، 1402: 76). وبالطبع، اختلف علماء النحو في جواز الاستشهاد بالرواية (عبد الوهاب السبكي، حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع، 1401: 1/ 232).
لا تشبه القراءات الشاذة الروايات بأي شكل، فراوي القراءة الشاذة يرويها على أنها قرآن، لا على أنها خبر. كما أن القراءة الشاذة تُنقل باللفظ الذي سُمع من النبي ﷺ، وهي ليست نقلًا بالمعنى، فالصحابة لم يجيزوا أبدًا التصرف في القرآن.
بناءً على كلا الاحتمالين اللذين يقول بهما المذهب الحنفي، فإن لغة القراءات الشاذة فصيحة.
وهناك فريق يعتبر القراءات الشاذة جزءًا من الأحرف السبعة، أو هي نفس القراءات الست المتبقية من عهد عثمان. وبناءً على ما عرفه المتقدمون وحددوه من أن المراد بالأحرف السبعة هو أن القرآن نزل بسبع لهجات (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 24). روى أبو عبيد عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: “نزل القرآن بسبع لهجات ولغات. من السبع لهجات، خمس لهجات لقبيلة عجز من هوازن وثقيف. سعد بن بكر وجهم بن بكر ونصر بن معاوية من طائفة عجز، وهذه القبائل هي نفسها التي تسمى عليا هوازن”. يقول أبو عمرو بن العلاء في شأنهم: “عليا هوازن وسفلى تميم أفصح العرب. سفلى تميم هم بنو دارم” (العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، 1351: 1/ 200).
في كل الأحوال، القراءة والرسم غير الفصيح ناتجان عن لهجة منسوبة إلى قبيلة غير معروفة، ودليل ذلك وجود اختلاف اللهجات (أبي شامة، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، 1975: 101). في الحقيقة، منشأ مواضع القراءة الشاذة هو الفصاحة التي ضُبطت لاحقًا (ابن جني، الخصائص، 1952: 2/ 10).
وهناك فريق يعتقد أن الذين رووا القراءات الشاذة هم بعض الصحابة مثل علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم. كل هؤلاء الصحابة الكبار كانوا على عقيدة صحيحة، وولدوا في قبائل عرفت بالفصاحة والبيان، وأُخذت منهم اللغة العربية قبل ظهور الخطأ والزلل في صفوف الأمة الإسلامية.
2. مخالفة القراءات الشاذة للغة العربية
بعض القراءات الشاذة فيها إشكال وإيراد في اللغة العربية، ويوجد اختلاف في فصاحتها بين قبائل العرب. أحيانًا يكون ذلك من حيث الصوت، وأحيانًا من حيث أصل الكلمات أو التركيب أو معناها. وفي هذا القسم، نتناول بعض هذه الحالات.
1. القراءات الشاذة الصوتية
تُنطق الألفاظ والكلمات الفصيحة في اللغة العربية بخفة وسهولة، ولا تؤدى بثقل. ولهذا السبب، يعبر الكبراء وأصحاب الفصاحة، عند الحديث عن الكلمات الخالصة، عن الفصاحة بخلو الكلمات من التنافر6.
عندما تتجاور الأصوات اللغوية، يؤثر صوت بعض الحروف في بعضها البعض، وتختلف درجة وتأثير هذا التأثر، ويعتمد على مخرج الحرف وصفاته. ولكل حرف، تنشأ حالة صوتية جديدة، مثل: إظهار النون الساكنة عند حروف الحلق، أو إدغام النون الساكنة بغير غنة عند حرفي اللام والراء، وبغنة عند أربعة أحرف (يمون) (أنيس، أصوات اللغوية، 1979: 178). اختلاف درجة تأثير الحروف على بعضها يعتمد على قوة وضعف وخفة وثقل أصوات الحروف.
من أمثلة القراءات الشاذة الصوتية من نوع الإبدال، قراءة الآية الأولى من سورة الكوثر “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ” (الكوثر/1). فالنون في هذه القراءة حلت محل العين في القراءة المشهورة. وسبب ذلك هو التناسب الصوتي بين حرفي النون والعين، الذي اعتقده القدماء، لأن كلا الحرفين لهما صفة الجهر وصفة البينية بين الشدة والرخاوة (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 278؛ الآلوسي، إتحاف الأمجاد في ما يصح به الاستشهاد، 1402: 1/ 112). ولكن العلماء المعاصرين يعتقدون أن هذين الحرفين يشتركان فقط في صفة الجهر؛ لأن حرف العين عندهم احتكاكي غير انفجاري، أي له صفة الرخاوة (ابن الجزري، التمهيد في علم التجويد، 1421: 146). لكن هذا الإبدال للعين بالنون يعارضه تنافر ينشأ من تجاور حرفي النون والطاء؛ لأنهما متقاربا المخرج (سعران، علم اللغة، بدون تاريخ: 169)، وهذا التقارب المخرجي يسبب ثقلًا. من جهة أخرى، النون مجهورة والطاء مهموسة، والعرب تشعر بالثقل عند الانتقال من حرف إلى حرف آخر ينافيه، خاصة عند وجود فاصل بين الحرفين؛ لأن النون ساكنة والحركة بعد حرف الطاء قد تفصلهما. وفي هذه الحالة، يزداد التنافر (سيبويه، الكتاب، 1408: 4/ 432).
بناءً على ذلك، يوجد في هذه القراءة تناسب صوتي بين العين والنون، لذا يجوز إبدالها. ولكن من جهة أخرى، يوجد تنافر لم يُلتفت إليه، وهو ناتج عن تقارب مخرج حرفي النون والطاء. وهنا نجد أن تركيب وانسجام الحروف في كلمة (أعطى) أفضل من (أنطى)؛ لأن حرفي العين والطاء ليسا متقاربي المخرج، فلا ينشأ تنافر.
كلمة “أنطى” نُقلت في زمرة القراءات الشاذة، عن شخص معروف، وعدت الأحاديث النبوية هذه اللغة فصيحة، وثبتت في شعر العرب، ونُسبت إلى لهجة أهل اليمن أو عرب أصيل (ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، 1367: 5/ 76). وبذلك، لا يمكن إنكار هذه الكلمة وقائليها، واعتبارها خطأ، أو عدم توجيهها، وتجاهل التصحيف. هذه هي العقيدة الوسط التي نختارها اتباعًا لأبي الفضل الرازي وابن زكريا الفراء. فهما من الذين لم يقبلوا استبدال النون بالعين بإنكار حرف العين، وعبرا عن رأيهما كالتالي: كل من اللغتين له أصالته؛ لأن جميع شروط التغيير والتبديل موجودة في كل منهما (الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1420ق: 10/ 556؛ لأمثلة أخرى من القراءات الشاذة الصوتية من نوع الإدغام، راجع: الآلوسي، إتحاف الأمجاد في ما يصح به الاستشهاد، 1402: 1/ 112، 119؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 292).
2. القراءات الشاذة الصرفية
القراءات الشاذة الصرفية هي قراءات شاذة من حيث الصرف. مثل قراءة يحيى والأعمش للآية 59 من سورة المائدة “هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا”، بينما هي في المصحف الحالي بصورة “هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا” (ابن خالويه، مختصر شواذ القرآن من كتاب البديع، بدون تاريخ: 32).
فعل “تَنْقِمُ” هو مضارع “نَقِمَ”. وقد حكى الكسائي وغيره هذه القراءة (نفسه، 539) من باب “عَلِمَ يَعْلَمُ”. أما جمهور القراء فقد قرأوها “نَقَمَ يَنْقُمُ”، ويعتبرون هذه القراءة فصيحة (نفسه). ولذا، اتفق جميع القراء على القراءة بالفتحة في آية “وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ” (البروج/8). وهذه هي القراءة التي ذكرها ثعلب في كتابه “فصيح”: “وَنَقَمْتُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْقُمُ” أي عاتبته وأنكرت فعله (ثعلب، فصيح الثعلب والشروح التي عليه، 1949: 2). وهذه اللهجة تُقرأ في القراءات الشاذة. وهذه القراءة متوافقة مع القاعدة؛ لأنها على وزن “فَعِلَ = نَقِمَ”، “يَفْعَلُ = يَنْقَمُ”. ومن جهة أخرى، نادرًا ما تُستعمل هذه القراءة، وبسبب هذا الاستعمال النادر سُميت شاذة (لأمثلة أخرى، راجع: ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، 1966: 2/ 9؛ الزمخشري، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 2/ 605).
3. القراءات الشاذة النحوية
القراءة الشاذة النحوية هي قراءة لا تتوافق مع قواعد النحو، وتُستعمل نادرًا؛ ولكنها مع ذلك ليست باطلة تمامًا من حيث الجواز النحوي. مثل قراءة “أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ” بنصب الحاء، وهي منسوبة إلى أبي جعفر المنصور، في حين أنها في المصحف “أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ” (الشرح/1) (الزمخشري، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 4/ 770).
يعتقد ابن مجاهد بخصوص هذه القراءة أن أصلها غير جائز، وذكرها من باب المعرفة بها (ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، 1966: 2/ 366). ويرى ابن عطية أيضًا أن هذه القراءة قراءة وضيعة وضعيفة (ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 1422: 5/ 497). وهذا مستند يجيز نصب الفعل المضارع بـ “لم”، خلافًا للمشهور، إلا إذا كانت هذه المخالفة لقواعد العربية المعهودة باقية من الروايات المنقولة ولها شواهد في الشعر العربي. وهذا ما قبله كثير من العلماء ووجهوه واستدلوا به (ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، 1966: 2/ 366؛ الزمخشري، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 4/ 770). وأفضل نظرية قيلت في هذا الشأن هي أن هذه القراءة لهجة بعض الأعراب، وهي جزم الفعل المضارع بـ “لن” ونصبه بـ “لم”، عكس ما هو معروف بين الناس تمامًا (الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1420: 10/ 500).
4. القراءات الشاذة الدلالية
المقصود بالقراءة الشاذة الدلالية هو الغرابة المعنوية، أي أن المعنى الذي تدل عليه غريب، وهو غير واضح لبعض المفسرين. أحيانًا، لا يكون استعمال المعنى الذي تدل عليه القراءة الشاذة عاديًا عند فصحاء العرب. ومن الواضح أن هذا المعنى الغريب والبعيد عن الفهم الذي يُفهم أحيانًا من القراءة الشاذة لا يقبله جميع المفسرين، ولهذا السبب، يُعتبر هذا المعنى نوعًا من الغرابة، أي أنه خارج عن النطق والبيان الفصيح. ويُطرح مثل هذا الاعتقاد بخصوص القراءات الشاذة. بالطبع، أحيانًا لا يكون للقراءة الشاذة معنى غير غريب، بل على العكس، تحل مشكلة تفسيرية ومعنوية، وتصلح المعنى التفسيري الذي كان إشكاله بديهيًا.
مثل قراءة إبراهيم ويحيى بن وثاب للآية 164 من سورة النساء “وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا” بنصب لفظ الجلالة “الله”، بينما هي في المصحف الحالي بصورة “وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا” (الزمخشري، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 1/ 591؛ ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، 1966: 1/ 204؛ وراجع أيضًا: ابن خالويه، مختصر شواذ القرآن من كتاب البديع، بدون تاريخ: 30).
استند المعتزلة في نفي أن الله يتكلم إلى هذه القراءة، ويعتقدون أن موسى هو الذي كلم الله، وأن الكلام صدر من جانب موسى لا من الذات الإلهية. ومما يؤيد هذا المطلب، أنهم أخذوا معنى الكلام من “الكَلْم” بمعنى الجرح. وفي هذه الحالة، يكون معنى الآية: جرح الله موسى بمخالب قاسية (نفسه). ويعتبر أهل العلم هذا التعبير والتأويل بدعة في التفسير. ويكتب أحد العلماء في هذا الشأن:
“هذا التفسير يُنقل عن بعض المعتزلة، لأنهم أنكروا الكلام قديمًا، ويعتقدون أن الكلام صفة ذاتية لا تثبت إلا بحروف وأصوات قائمة بالأجسام، والله ليس جسمًا ليصدر منه الكلام”. (ابن منير الإسكندري، الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، 1407ق، ج1، 591).
في كل الأحوال، يوجد لهذه القراءة دليل جائز، وهو الآية التي توجه كلام موسى مع الباري تعالى. ويكتب ابن جني في هذا الشأن: “هذه القراءة يؤيدها حكاية موسى في القرآن الكريم: ‘رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي’ (الأعراف/143)”.
الخاتمة
من خلال دراسة ضوابط القراءات الشاذة، يمكن استنتاج ما يلي:
1- القراءة الشاذة تعني القراءة التي لم تُنقل عن طريق التواتر أو الاستفاضة المقبولة بين الناس. في الحقيقة، تُطلق القراءة الشاذة على كل قراءة نُقلت بغير طرق الرواة الذين اختارهم ابن مجاهد للقراء السبعة وابن الجزري للقراء العشرة.
2- نوع الاختلاف في القراءات الشاذة هو اختلاف تنوع لا تضاد وتناقض. ووجود التنوع في القراءات الشاذة أدى إلى أن المفسرين الذين يهتمون بالقراءات يولون هذا الأمر اهتمامًا، ويهتمون اهتمامًا كبيرًا بمسألة مكانة القراءات الشاذة في تفسير القرآن.
3- الأركان الأساسية الثلاثة في ضوابط القراءات الشاذة هي: السند، والرسم، والعربية.
4- القراءات الشاذة السندية هي قراءات تُنقل بطريق الآحاد. لا فرق في كون راويها ثقة أو غير ثقة، وشهرة الراوي واستفاضته في التوثيق متساوية. إجمالًا، القراءات الشاذة ليست في مصاف القراءات المتواترة ولا المستفيضة. وهي روايات آحاد تفيد الظن والتردد، ووصلتنا بطرق محدودة.
5- المقصود بمخالفة القراءة الشاذة لرسم المصحف هو أن تكون القراءة الشاذة مخالفة لجميع المصاحف العثمانية. وقد يظهر هذا الاختلاف بنقص أو زيادة أو تبديل حرف أو كلمة.
6- المراد بمخالفة القراءة الشاذة للغة العربية هو اختلافها مع الفصاحة في اللغة العربية. فإذا قبل البعض فصاحة شيء ورفضه جمع، فهو من المواضع التي يوجد فيها وجه. فالقراءة التي ليس لها أي وجه في اللغة العربية تكون غير فصيحة، وفي هذه الحالة، حتى لو وافقت المصحف، فهي غير مقبولة.
7- بعض القراءات الشاذة فيها إشكال وإيراد في اللغة العربية، ويوجد اختلاف في فصاحتها بين قبائل العرب. أحيانًا يكون ذلك من حيث الصوت، وأحيانًا صرفيًا يتعلق بأصل الكلمات، أو أحيانًا نحويًا وتركيبيًا يتعلق بمعناها.
8- كانت أسباب موافقة ومعارضة حجية القراءات الشاذة في اللغة العربية محل نظر دائم بين العلماء والمدارس الإسلامية المختلفة. يعتقد البعض أن لغة القراءات الشاذة فصيحة ومعتبرة في اللغة العربية. بينما يعتبر فريق آخر القراءات الشاذة جزءًا من الأحرف السبعة، أو هي نفس القراءات الست المتبقية من عهد عثمان.
المصادر والمراجع
1. الآلوسي (محمود شكري)، اتحاف الأمجاد في ما يصح به الاستشهاد، العراق: إحياء التراث الإسلامي، 1402هـ.
2. ابن الأثير، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، قم: مؤسسة المطبوعات الإسماعيلية، 1367ش.
3. ابن الأثير، مبارك بن محمد، الكامل في التاريخ، بيروت: دار الكتب العلمية، 1407هـ.
4. ابن تيمية، أبي العباس أحمد، مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وتدوين: عبد الرحمن بن محمد قاسم، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، بدون تاريخ.
5. ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، بيروت: دار الكتب العلمية، 1400هـ.
6. ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ.
7. ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، غاية النهاية في طبقات القراء، بيروت: دار الكتب العلمية، 1402هـ.
8. ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، التمهيد في علم التجويد، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421هـ.
9. ابن جني، أبي الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه القراءات والإيضاح عنها، عربستان: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1966م.
10. ابن جني، أبي الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق: محمد علي نجار، بيروت: دار الكتاب العربي، 1952م.
11. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، تحقيق: شيخ محمد عويضة، ناشر: فاروقي كتب خانه ملتان، 1985م.
12. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تصحيح: محب الدين خطيب، دار الريان للتراث، 1407هـ.
13. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1971م.
14. ابن خالويه، أبي عبد الله حسين بن أحمد بن حمدان، مختصر شواذ القرآن من كتاب البديع، مصر: المطبعة الرحمانية بمصر، بدون تاريخ.
15. ابن العربي المعافري، محمد بن يعقوب، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992م.
16. ابن عربي، أحكام القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بدون تاريخ.
17. ابن عطية الأندلسي، عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ.
18. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
19. ابن مجاهد، أبي بكر أحمد بن موسى، السبعة في القراءات، تحقيق: شوقي ضيف، 1980م.
20. ابن منير الإسكندري، الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، دار الكتاب العربي، 1407هـ.
21. أبي البقاء، الكليات، إعداد وفهرسة: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، 1412هـ.
22. ابن أبي داود السجستاني، أبي بكر عبد الله، المصاحف، بيروت: دار الكتب العلمية، 1404هـ.
23. أبي سهل، محمد بن أحمد، أصول السرخسي، حيدر آباد: لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد، 1372هـ.
24. أبي شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، مصر: مطبعة البابي الحلبي بمصر، 1402هـ.
25. أبي شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، بيروت: دار صادر، 1975م.
26. أحمد بن حنبل، المسند، بيروت: دار صادر، بدون تاريخ.
27. الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1421هـ.
28. الأندلسي أبو حيان، محمد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: محمد جميل صدقي، بيروت: دار الفكر، 1420هـ.
29. أنيس، إبراهيم، أصوات اللغوية، مصر: مكتبة الأنجلو المصرية، 1979م.
30. البابرتي، شرح التلخيص للبابرتي، تحقيق: مصطفى رمضان، طرابلس ليبيا: المنشأة العامة للتوزيع والنشر والإعلان، 1392هـ.
31. البغدادي، عبد القادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لسان العرب، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، 1406هـ.
32. بوشيخي، شاهد، مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونموذج، بدون مكان: دار القلم، 1413هـ.
33. البيلي، أحمد، البيلي، الاختلاف بين القراءات، بيروت: نشر دار الجيل، بدون تاريخ.
34. تحشي المنياوي، مخلوف بن محمد، حاشية على شرح جوهر المكنون في معاني والبيان والبديع، القاهرة: مطبعة حجازي، بدون تاريخ.
35. ثعلب، فصيح الثعلب والشروح التي عليه، تحقيق: عبد المنعم خفاجي، مكتبة التوحيد المطبعة النموذجية الحلمية الجديد، 1949م.
36. الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، قم: ذوي القربى، 1433هـ.
37. الداني، أبي عمرو، الأحرف السبعة للقرآن، تحقيق: عبد المهيمن الطحان، مكة: مكتبة المنارة مكة المكرمة جامعة أم القرى، 1408هـ.
38. الداني، أبي عمرو، المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، تحقيق: محمد أحمد دهمان، الطبعة الثانية، بيروت: دار الفكر، 1403هـ.
39. الدمياطي، أحمد بن محمد، إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر، تحقيق: محمد إسماعيل شعبان، بيروت: مكتبة الكليات الأزهرية، 1407هـ.
40. الذهبي، شمس الدين، معرفة القراء الكبار، تحقيق: بشار عواد معروف، شعيب الأرنؤوط وصالح المهدي عباس، مؤسسة الرسالة، 1408هـ.
41. الزجاج، أبي إسحاق، معاني القرآن وإعرابه، شرح وتحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، 1408هـ.
42. الزركلي، خير الدين، الأعلام؛ قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، الطبعة الخامسة، دار العلم للملايين، 1980م.
43. الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، بيروت: دار صادر، 1979م.
44. الزمخشري، محمود بن عمر، كشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ.
45. السخاوي، علم الدين علي بن محمد، جمال القراء وكمال الإقراء، تحقيق: علي حسين البواب، مكة: مكتبة التراث، 1408هـ.
46. سعران، محمود، علم اللغة، دار الفكر العربي، بدون تاريخ.
47. سيبويه، أبي بشر عمرو بن عثمان، الكتاب، تحقيق: عبد السلام هارون، الطبعة الثانية، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1408هـ.
48. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: دار الكتاب العربي، چاپ دوم، 1421هـ.
49. السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، بيروت: مكتبة العصرية صيدا، 1986م.
50. السيوطي، جلال الدين، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، بيروت: دار الكتب العلمية، 1979م.
51. الشوكاني، تفسير الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، بدون تاريخ، بدون تاريخ.
52. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1412هـ.
53. عبد الشكور اللكنوي، محمد، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، مصر: المطبعة الأميرية بمصر، 1324هـ.
54. عبد الصبور، شاهين، تاريخ القرآن، انتشارات دار الكاتب العربية، سنة 1966م.
55. عبد الوهاب السبكي، تاج الدين، حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع، بيروت: دار الفكر، 1401هـ.
56. السبكي، عبد الوهاب بن أبي الحسن علي، جمع الجوامع مع حاشية حسن العطار، دار الكتب العلمية، 1420هـ.
57. العجلوني، إسماعيل بن محمد، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1351هـ.
58. الفراء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، مصر: دار المصرية للتأليف والترجمة، بدون تاريخ.
59. قابة، عبد الحليم بن محمد الهادي، القراءات القرآنية، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1999م.
60. القرشي، عبد الله بن حماد بن حميد، القراءات الشاذة وأثرها في التفسير، مجلة بحوث قرآنية، مؤسسة الإمام الشاطبي، العدد 7، جمادى الآخرة 1430هـ.
61. القسطلاني، شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد، لطائف الإشارات لفنون القراءات، تحقيق: عامر سعيد وعبد الصبور شاهين، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1972م.
62. الكلبي الغرناطي، أبي القاسم محمد بن أحمد، تقريب الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: محمد علي فركوس، مكتبة الفيصلية، 1410هـ.
63. مجتبى محمود عقله بني كنانة، بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الله أبو السعود بدر ياسين، القراءات الشاذة الواردة عن القراء العشرة منزلتها وأثرها في معنى التوجيه التفسيري وترجيحه، انتشارات كلية الشريعة والدراسات الإسلامية قسم أصول الدين جامعة اليرموك، سنة 1433هـ – 2012م.
64. مختار عمر، أحمد؛ سالم مكرم عبد العال، معجم القراءات القرآنية، الطبعة الثانية، الكويت: جامعة الكويت، 1408هـ.
65. مكي بن أبي طالب القيسي، محمد، الإبانة عن معاني القراءات، تحقيق: محمد محيي الدين رمضان، دار الأمون للتراث، 1979م.
66. معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، چاپ دوم، 1415هـ.
67. المهدوي، أبو العباس أحمد بن عمار، شرح الهداية، الرياض: مكتبة الرشد، 1415هـ.
68. النووي، يحيى بن شرف، التبيان في آداب حملة القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية، 1403هـ.
69. النووي، يحيى بن شرف، صحيح مسلم بشرح النووي، لبنان: دار الكتاب العربي، 1407هـ.
70. النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المذهب، دار الفكر، بدون تاريخ.
71. النويري، محمد بن محمد، شرح طيبة النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، 1424هـ.
72. النويري، محمد بن محمد، القول الجاذ لمن قرأ بالشواذ، تحقيق: عبد الفتاح أبو سنة، أزهر مصر، لجنة إحياء التراث الإسلامي، لمجمع البحوث الإسلامية، 1406هـ.
الهوامش
1. نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم (ت 169هـ) من القراء السبعة، وهو إيراني من أهل أصفهان، تعلم القراءة على جماعة من التابعين في المدينة، وكان مسؤولًا عن تعليم القرآن فيها. (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بدون تاريخ: 1/ 112؛ الزركلي، الأعلام؛ قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، 1980: 8/ 5). ولذلك اشتهر بنافع المدني. ومن رواته المباشرين ورش وقالون.
2. تعريف التواتر عند المحدثين والقراء والأصوليين هو: رواية تنقلها جماعة حتى النهاية دون تحديد عددهم، وتفيد العلم. (الكلبي الغرناطي، تقريب الوصول إلى علم الأصول، 1410: 77؛ السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، 1979: 2/ 176). إذا ثبت تواتر قراءة ما، فلا حاجة لموافقتها للغة العربية ورسم المصحف العثماني، وقبولها واجب وقرآنيتها قطعية. (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 1/ 13).
3. قراءة الآحاد هي: قراءة يرويها واحد أو اثنان أو جماعة لم يبلغ عددهم حد التواتر والشهرة.
4. القراءة المستفيضة هي: قراءة شاع نقلها وقبلها الناس، وتوافق العربية ورسم المصحف. حجية القراءة المستفيضة تقع بين القراءة المتواترة والآحاد؛ فالقراءة المتواترة تفيد العلم، وقراءة الآحاد تفيد الظن. (العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، 1985: 24).
5. الاختيار في القراءة هو: وجه يختاره قارئ القرآن من بين وجوه مختلفة نُقلت إليه. (راجع: أبي البقاء، الكليات، 1412: 62؛ مكي بن أبي طالب القيسي، الإبانة عن معاني القراءات، 1979: 38). هذا التعريف في مجال القراءة يعني اختيار القارئ مما قرأه على شيوخه وأساتذته.
6. التنافر صفة في وصف الكلمة التي يكون نطقها ثقيلًا وصعبًا على اللسان، ولا يمكن إجراؤها عليه بسهولة. (السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، 1986: 1/ 214).