النطاق الجغرافي التاريخي للقراءات في العالم الإسلامي

المستخلص

وفقًا للتقارير التاريخية، أُقرِئ القرآن على الناس من قِبَل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سياق واحد، ولكن مع مرور الزمن، ظهرت اختلافات في قراءة نص القرآن. وقد اتسع نطاق هذه الاختلافات باطراد حتى عزم الخليفة الثالث على توحيد أهل كل مدينة على قراءة واحدة تتناسب مع القراءة الشائعة لديهم، فأعدّ لكل مدينة مصحفًا وأرسله مع شخص قادر على قراءته وإقرائه إلى المناطق المعنية. لاحقًا، ارتقى تلاميذ هؤلاء القراء المُوفَدين إلى مرتبة الأستاذية، وعُرِفوا بين الناس بـ«أستاذ الإقراء»، وحظوا بمكانة خاصة، فالتزم أهل كل منطقة من تلك المناطق والبلاد الإسلامية بقراءتهم. يتناول هذا البحث، بعد تحليل تاريخي لظاهرة قراءات القرآن، النطاق الجغرافي للقراءات في العالم الإسلامي، ويقدم تقارير تشير إلى أن الاعتقاد بأن قراءة حفص عن عاصم هي نفسها القراءة الشائعة في عصر نزول القرآن والتي بقيت متداولة بين الأمة الإسلامية حتى يومنا هذا، هو أمر يستدعي تأملًا عميقًا.

مقدمة

نزل القرآن من لدن الله سبحانه بصورة واحدة وبألفاظ واحدة، ونزل به جبرئيل، أمين الوحي الإلهي، بتلك الصورة الواحدة على قلب النبي العظيم الشأن صلى الله عليه وآله وسلم، وقام ذلك النبي الجليل بإقراء القرآن على الناس بتلك الألفاظ ذاتها. وتؤيد رواية الكليني عن الإمام محمد الباقر عليه السلام هذا الرأي، حيث قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ وَاحِدٌ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ وَلَكِنَّ الاخْتِلَافَ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الرُّوَاةِ»؛ أي أن القرآن واحد نزل من عند الواحد، ولكن الاختلاف يأتي من جهة رواة القراءة [25].

إن تصور أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد تصرّف في ألفاظ القرآن عند إقرائه ليس منطقيًا؛ إذ كان مأمورًا ببيان كل ما نزل عليه دون زيادة أو نقصان، بل كان مكلفًا بذكر كلمات مثل «قُل» أو «اتْلُ» في أثناء بيان الآيات. حتى إنه لم يكن على علم بوقت نزول الوحي، فكان يُسأل أحيانًا فينتظر نزول الوحي ليأتيه الجواب، ورغم رغبته، لم يكن الوحي ينزل. وأحيانًا أخرى، لم يكن ينتظر نزول الوحي، ولكنه كان ينزل، وكان النبي مأمورًا بإبلاغ الآيات الوحيانية بالألفاظ ذاتها التي تعبر عن كلام الله. وفي القرآن آيات تدل على تهديد النبي بأنه لو نسب إليه كلامًا ليس من عند الله، لَقُطِعَ وتينه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة: 44-46)؛ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ (النجم: 3-5) [21]. فكيف يمكن لرسول الله الذي شُرِّف بالنبوة واصطُفي للرسالة وهو معصوم في هذا المقام أن يتدخل في بيان ألفاظ الوحي؟

بناءً على ذلك، عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم دائمًا الصورة الأصلية للقرآن، أي ما نزل عليه من الله، على الناس دون زيادة أو نقصان؛ فمقام النبوة يقتضي ألا يبلغ قراءة غير التي نزلت عليه من الله المتعال. ولكن مع نزول آيات القرآن وإبلاغها بواسطة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انقسم الناس إلى فئات عدة:

1. فئة استمعت إلى القراءة الأصلية مباشرة أو بوسائط لا خطأ فيها ولا شائبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتمكنت من قراءة القرآن بالشكل نفسه دون أدنى خطأ في التلفظ. وعلى رأس هذه الفئة علي عليه السلام [19].

2. فئة سمعت القراءة الأصلية ولكنها لم تتمكن من القراءة الصحيحة لأسباب مثل السماع الناقص أو غير الصحيح، أو وجود مشكلة في جهاز النطق، أو التزام لهجة أو لغة قبلية معينة، وما شابه ذلك. على سبيل المثال، كانت بعض الأقوام تنطق «حين» بصورة «عتى حين»؛ لأن هذا هو نطقهم في لهجتهم. كذلك كانت قبيلة تميم تنطق الكلمات المهموزة بالهمزة، بينما كان القرشيون يقرؤونها دون همزة [23].

3. فئة لم تسمع القراءة الأصلية، بل قرأت كل القرآن أو جزءًا منه من مصاحف ذلك الزمان التي كانت خالية من التنقيط والتشكيل وتتسم بخصائص فريدة، فوقعت في أخطاء. على سبيل المثال، قرأ حمزة الكوفي «فتثبتوا» بدلًا من «فتبينوا» في آية ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

على الرغم من وجود شواهد تدل على أن الخطأ والاشتباه في قراءة القرآن بدأ منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في ذلك الوقت على قيد الحياة، ولو أراد أحد تعلم القرآن الصحيح لكان ذلك ممكنًا بلا شك. وفيما يلي بعض هذه الشواهد:

1. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: روي عن أبي بن كعب أنه قال: «لم يدخلني شك في ديني منذ أسلمت إلا يومًا قرأت آية وقرأها رجل غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وقال الآخر: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى، وقال الآخر: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن جبريل جلس عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، وقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، كلٌّ كافٍ شافٍ» [3].

2. يروي البخاري بإسناده عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهشام: «اقرأ». فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت». ثم قال لي: «اقرأ». فقرأت، فقال: «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه» [2].

والآن، بالنظر إلى هاتين الروايتين، وبغض النظر عن تحليلهما من حيث الصحة والسقم ونوع الدلالة، فإن الإجابة على هذا السؤال لا تخلو من فائدة: إذا كان الخطأ والاشتباه في قراءة القرآن قد بدأ منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلماذا لم يمنع حضرته هذه الاختلافات والأخطاء ويأمر الناس بالقراءة الموحدة، أي المطابقة لما كان يقرؤه هو بنفسه؟ ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مكلفًا بتعليم المسلمين الشكل الصحيح والأصيل للقراءة، وكان بإمكان أي شخص لديه أدنى اهتمام ورغبة أن يتعلمها بشكل صحيح. وإن كان من الممكن أن يقع بعض الأفراد في الخطأ بسبب غياب الكتابة والقراءة من النصوص المكتوبة، فيقرؤون قراءة غير صحيحة، إلا أنه لم يكن هناك عذر مقبول للمسلمين في ألا يتلقوا القراءة من الآخرين، بل كان عليهم، في حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن يأخذوا القراءة الأصلية منه، ما لم نعتقد أن هذه المسألة تقتصر على اختلاف اللهجات فقط، دون أن تشمل اختلافات أخرى كتغيير الحركات أو الحروف أو الكلمات؛ إذ إن الإجبار على قراءة القرآن بلهجة واحدة كان من شأنه أن يثير حساسيات، بينما بدون هذا الإكراه، قرأت مجموعة كبيرة من الناس القرآن بالشكل الصحيح، وعلى هذا الأساس انتقلت قراءة القرآن جيلًا بعد جيل وصدرًا عن صدر إلى الأجيال القادمة. إذن، الروايات من هذا القبيل لا تفيد معنى الخطأ في القراءة، بل تحكي عن تطبيق لهجات مختلفة أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعًا.

دراسة أسباب نشأة القراءات

أشار باحثو القرآن إلى أسباب متنوعة لظاهرة اختلاف القراءات. ويمكن تلخيص أهمها على النحو التالي:

1. اختلاف لهجات العرب

للاختلاف في لهجات العرب، خاصة القبائل التي كانت تقطن مكة والمدينة وأطرافهما، دور في جانب من اختلاف القراءات المتعلق باللهجات [7]. من أمثلة ذلك: الاختلاف في كيفية نطق الهمزة، والاختلاف في الفتح والإمالة، والاختلاف في إبدال الحروف بعضها ببعض. يقول الداني: «الفتح والإمالة لهجتان مشهورتان متداولتان في لغة العرب الفصيحة، نزل القرآن بلغتهما؛ فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لهجة أهل نجد من تميم وأسد وقيس».

2. اختلاف النقل عن الصحابة

أحد أسباب نشوء الاختلاف في القراءات هو اختلاف النقل عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين كانوا واسطة بينه وبين الأجيال التالية [23]. فكل واحد من القراء السبعة والعشرة ينسب نفسه إلى عدد من الصحابة، وهذا دليل على صحة هذا القول [17].

3. منهجية كتابة القرآن في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

من المسائل التي لها تأثير متبادل على القراءة، كتابة القرآن. ورغم أن حدود هذا التأثير والتأثر ليست واضحة تمامًا، فإنه من خلال البحث والتنقيب في الأسانيد والروايات التاريخية المتعلقة بالقراءات وكتابة القرآن، يوضع الاعتقاد بتوقيفية رسم الخط والقراءات موضع شك، وتتضح حقيقة أنه لم تكن هناك قراءة خاصة بالقرآن في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليُدَّعى أن القرآن كُتب بناءً على تلك القراءة الخاصة. لذا، يجب الإقرار بأن شكل كتابة كلمات القرآن على مر القرون الإسلامية الأولى تأثر بالقراءات المختلفة الخاصة بكل منطقة. وفي الواقع، فإن نوع القراءة يظهر عملية التأثير في منهجية كتابة القرآن. وفي بعض الأحيان، كما ذكرنا، كان العكس هو الصحيح. ولكن على أي حال، بعد نظرة شاملة وكلية إلى هذا الموضوع، يجب القول إن مجالي القراءات والكتابة كانا في تفاعل وتقابل مع بعضهما البعض. وأفضل شاهد على ذلك هو عدم تطابق بعض القراءات المختلفة مع طريقة كتابتها في المصاحف [10]. لذا، يمكن قبول تأثير معين لمنهجية خاصة في كتابة القرآن على القراءة بشكل عام. وفيما يلي أمثلة على هذا السبب:

1. كان الخط الكوفي المستخدم في ذلك الزمان بسيطًا جدًا وبعيدًا عن التعقيد. في هذا الخط، كانت الحروف والكلمات تُكتب بشكل بدائي جدًا، ولهذا السبب، كانت بعض الحروف تتشابه [26]، [23]. على سبيل المثال، كان يكفي أن تكون سن حرف الضاد أطول قليلًا ليشبه حرف الظاء، أو العكس. وكذلك، إذا مُدَّ الجزء السفلي من حرف الواو ليقترب من الحرف التالي، فإنه يشبه حرف الفاء، والعكس كان يسبب مشكلة أيضًا؛ مثل «بضنين» في القراءة المشهورة، ولكن في قراءة أبي عمرو وابن كثير والكسائي «بظنين». وكذلك «ولايخاف» في القراءة المشهورة، ولكن في قراءة نافع وابن عامر «فلايخاف» [14].

2. الحروف المتشابهة في الأبجدية العربية مثل الباء والتاء والثاء، مع عدم وجود التشكيل والتنقيط في الكلمات، مثل «ننزل» التي كان من الممكن أن تقرأ بصيغ مثل «يُنَزِّلُ»، «نُنَزِّلُ»، «تَنزِلُ»… إلخ. أو حذف الألف الممدودة في الكلمات التي تتكون من أربعة أحرف أو أكثر، مثل «مالك» التي كانت تُكتب «ملك»، وحالات أخرى كانت تؤدي إلى وقوع القارئ في الخطأ (نفس المصدر: 110).

بالطبع، يجب الإقرار بأن المنشأ الأساسي لنشوء القراءات، كما أشرنا سابقًا، هو اختلاف اللهجات واختلاف الرواة والنقلة في طريقة قراءة بعض كلمات القرآن. ورغم أن بعض المستشرقين يميلون إلى اعتبار طريقة الكتابة وعدم وجود التنقيط والعلامات الكتابية العامل الرئيسي في نشوء القراءات، إلا أن هذا القول منهم غير مقبول؛ لأن قراءة القرآن تعتمد على النقل والرواية، وخط القرآن نفسه يمكن أن يحتمل قراءات متعددة. لذا، إذا قبلنا أن اختلاف القراءات ناشئ فقط من الخط، لوجب أن نجد وجوهًا كثيرة جدًا في قراءة كلمات القرآن. على سبيل المثال، كلمتا «تركنا» و«باركنا» في سورة الصافات متشابهتان في الرسم الخطي، ولكن جميع قراء القرآن قرؤوها في الآيتين 78 و108 «تركنا» وفي الآية 113 «باركنا». والنتيجة هي أنه يجب قبول أن اختلاف القراءات لا يعتمد بشكل عام على الكتابة، وأن اختلاف اللهجات واعتماد القراء على حفظهم كان لهما نصيب وافر في نشوء القراءات؛ كما يكتب ابن الجزري: «المصاحف جُرِّدت من النقط والشكل لتحتمل ما صح من القراءات؛ لأن الاعتماد كان على الحفظ لا على مجرد الخط» [1].

دراسة تواتر القراءات

يعد بحث تواتر القراءات أو عدم تواترها من المباحث المهمة في علم القراءات. وما يستفاد من مجموع الشواهد والقرائن المختلفة هو أن القراءات المختلفة لم تكن متواترة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وفيما يلي نشير إلى بعض أدلة عدم التواتر:

1. يتضح من حياة القراء ورواتهم وسيرهم الذاتية أن القراءة وصلتهم بأخبار الآحاد. فالمسألة واضحة بالنسبة للرواة؛ لأن كل راوٍ تلقى القراءة عن قارئ واحد، وكون النقل عن القارئ واحدًا يخرجه عن حد التواتر، حتى لو افترضنا أن سلسلة الرواة قبل القارئ وبعده كانت متواترة [13]. على سبيل المثال، قرأ عاصم القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي عن حضرة علي، وأبي بن كعب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود؛ وزر بن حبيش عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود [14].

2. إن استدلال كل قارئ واحتجاجه بصحة قراءته ينفي كون القراءة منقولة ومسموعة، وينسب القراءات إلى اجتهاد القراء وآرائهم. وهذا الأمر بحد ذاته دليل على عدم تواتر القراءات؛ لأنه لو كانت القراءات متواترة، لما كانت هناك حاجة إلى الاستدلال والاجتهاد في القراءة [13]. على سبيل المثال، نقل ابن مجاهد عن محمد بن يحيى عن خلف أنه قال: «سمعت الكسائي يقول: السين في كلمة (الصراط) من كلام العرب، ولكني أقرؤها بالصاد وأتبع خط المصحف الذي هو بالصاد» [4].

3. وجود معانٍ مختلفة ومتضادة تنشأ في بعض الحالات من اختلاف القراءات يدل على عدم التواتر؛ لأنه من غير المقبول أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قرأ القرآن بصورة يُستنبط منها معانٍ متضادة. وقد قال القرآن نفسه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82) [13].

4. لو كانت القراءات متواترة، فهل كان يجوز لأحد أن ينكر بعضها؟ بينما نرى أن كثيرًا من الأعلام أنكروا حتى قراءات القراء السبعة؛ فعلى سبيل المثال، كان الطبري يرد قراءة ابن عامر، وفي كثير من المواضع كان يقدح في قراءات القراء السبعة. كما أن بعض أهل العلم الآخرين أوردوا إشكالات على قراءة حمزة، وبعضهم على قراءة أبي عمرو، وبعضهم على قراءة ابن كثير (نفس المصدر: 152).

5. إن تقسيم القراءات إلى متواتر ومشهور وآحاد وشاذ هو بحد ذاته شهادة أخرى على عدم صحة ادعاء التواتر. ورغم أن البعض يحاول اعتبار القراءات السبع قراءات متواترة، إلا أن حقيقة الأمر قد بُيِّنت بشكل مختلف في كلام ابن الجزري، الذي اعتبره السيوطي أفضل كلام في هذا المقام: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين [1]، [17].

هذا بينما يتفق جميع علماء الإسلام على تواتر القرآن، لذا يجب الانتباه إلى وجود فرق بين القرآن والقراءات. فالقرآن هو كلام الله الذي أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونُقل بالتواتر، أما القراءات فهي اختلاف في كيفية أداء كلمات القرآن، واتصال هذه الروايات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس متواترًا. بناءً على ذلك، فإن تواتر القرآن لا يستلزم بالضرورة تواتر القراءات. ولكن التواتر الذي أُشير إليه في بعض كتب الفقه وأُيِّد من قبل الأئمة المعصومين عليهم السلام هو أمر مقبول. كما يكتب الميرزا القمي: «إن كان المراد من تواتر القراءات تواترها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإثباته مشكل، وإن كان المقصود تواترها عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، فهو صحيح ويقيني؛ لأن تجويز القراءات من قبل الأئمة المعصومين عليهم السلام لا يمكن بدون وجود التواتر» [24]. ولهذا السبب، أجاز فقهاء الشيعة منذ القدم وحتى الآن قراءة القرآن على أساس القراءات الشائعة والمشهورة بين المسلمين، واستندوا إلى روايات مثل: «اقرأ كما يقرأ الناس» و«اقرؤوا كما علمتم». لذا يكتب العلامة الحلي في كتاب «المنتهى»: «يجوز أن يقرأ بأي قراءة شاء من السبعة لتواترها، ولا يجوز أن يقرأ بالشواذ» [22].

مسار تطور القراءات

كما اتضح من المباحث السابقة، بدأت قراءة القرآن والاختلاف فيها منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد وفاته، أخذت في التوسع تدريجيًا. يمكن تلخيص المسار العام والمراحل المهمة لهذا الأمر على النحو التالي:

أ) عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ مرحلة تكوّن القراءة

كان حضرة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، بحكم وظيفته الأساسية، يقرأ على الناس القرآن الذي تلقاه من الله الواحد بواسطة جبريل، ويعلمهم إياه، ويفتح لهم باب الهداية بكلام الله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 2)، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: 106).

في هذه الفترة، ووفقًا لأحوال الصحابة، تخصصت مجموعة في التعلم وتبوأت مكانة أعلى؛ ومن بين الصحابة الذين كان لهم مكانة خاصة في القراءة، يمكن الإشارة إلى حضرة علي عليه السلام، وأبي بن كعب الأنصاري (ت. 20هـ)، وعبد الله بن مسعود (ت. 23هـ)، وزيد بن ثابت (ت. 45هـ).

إلى جانب هذه المجموعة، لم يوفق عدد آخر من الصحابة، لأسباب مختلفة، في سماع كل أو جزء من قراءة القرآن مباشرة من لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لذا، كانوا يتعلمون أيضًا من المجموعة المذكورة. ويمكن اعتبار عبد الله بن عباس (ت. 68هـ) من هذه المجموعة.

كان اختلاف القراءة بين هذه المجموعة من الصحابة، حتى مع افتراض قبوله، ضئيلًا جدًا. وبما أنهم كانوا أفرادًا مطلعين وعالمين ومن المقربين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانوا يُعتبرون متميزين في قراءة القرآن عن بقية الصحابة. وهذه المكانة الخاصة هي من بين الأسباب التي أدت إلى رجوع الناس إليهم.

في زمن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أُرسل عدد من كبار الصحابة بأمر منه لتعليم القرآن في مناطق مختلفة. يمكن اعتبار هؤلاء الأفراد من الصحابة الذين كانت قراءتهم صحيحة ومؤيدة؛ ومن بينهم يمكن الإشارة إلى مصعب بن عمير؛ لأنه بعد بيعة العقبة الأولى التي بايع فيها اثنا عشر رجلًا من أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أرسل حضرته مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلمهم القرآن والإسلام ويفقههم في الدين؛ لذا سُمي بمقرئ المدينة [5]، [6].

ب) عصر الخلفاء الثلاثة؛ فترة نمو وانتشار القراءات

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستقرار حكومة الخلفاء، انشغل مختلف الصحابة بتعليم القرآن للمسلمين الجدد. وقد قاموا بهذا العمل بشكل متفرق وفي مناطق مختلفة. انشغل البعض بتعليم القرآن على نطاق واسع والبعض الآخر بشكل محدود. ومن هؤلاء الأفراد عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس [23].

في زمن الخليفة الثالث، حيث كان القصد توحيد الناس (في كل منطقة) على قراءة محددة، عُينت مجموعة بصفتهم «مقرئي القرآن»، وأُرسلوا مع كل مصحف إلى منطقة خاصة [23]. تشمل هذه المرحلة الفترة من حوالي عام 25 إلى 30 هجريًا حتى قرابة عام 80 هجريًا. ومن بين هؤلاء الأفراد: زيد بن ثابت (ت. 45هـ)، عامر بن عبد قيس (ت. 55هـ)، عبد الله بن صاحب المخزومي (ت. حوالي 70هـ)، المغيرة بن أبي شهاب المخزومي (ت. بعد 70هـ)، وأبو عبد الرحمن السلمي (ت. 74هـ). يُقال إن اختلاف القراءة بدأ من هنا؛ حيث كان كل قارئ يقرأ وفقًا لمصحف منطقته [23]. على سبيل المثال، قراءة أهل المدينة (نافع) هي «يَرتدد» (المائدة، 54) مطابقة لمصحف المدينة، وبقية القراءات «يَرتَد» مطابقة لمصاحف سائر المناطق [16].

ج) عصر تأسيس علم القراءات

مع إيفاد «المقرئين» لكل منطقة من قبل الخليفة الثالث، تعلم الكثير من الناس قراءة القرآن منهم، وقاموا هم أيضًا بتربية تلاميذ، لم يشتهر منهم سوى عدد قليل، وحظوا بمكانة خاصة. وفيما يلي أسماء الأفراد المختارين من بين هؤلاء التلاميذ، مع الأخذ في الاعتبار التقسيم المناطقي:

المدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع (ت. 130هـ)، شيبة بن نصاح (ت. 130هـ)، نافع بن أبي نعيم (ت. 169هـ).

مكة: عبد الله بن كثير (ت. 120هـ)، محمد بن محيصن (ت. 123هـ).

الكوفة: عاصم بن أبي النجود (ت. 128هـ)، سليمان الأعمش (ت. 148هـ)، حمزة بن حبيب الزيات (ت. 156هـ)، علي بن حمزة الكسائي (ت. 189هـ).

البصرة: عاصم الجحدري (ت. 128هـ)، عيسى بن عمر الثقفي (ت. 149هـ)، أبو عمرو بن العلاء البصري (ت. 154هـ)، يعقوب الحضرمي (ت. 205هـ).

الشام: عبد الله بن عمر (ت. 118هـ)، يحيى بن حارث الذماري (ت. 145هـ) [23].

تبدأ هذه المرحلة من أواخر القرن الأول الهجري وتستمر حتى أوائل القرن الثالث. من خصائص هذه الفترة، خاصة في القرن الثاني الهجري، الاهتمام الخاص لهؤلاء الأفراد بقراءة القرآن وتعليمه واتخاذهم قدوة من قبل الناس. لم يكن عامة الناس يولون هؤلاء الأفراد اهتمامًا خاصًا فحسب، بل كانوا يرجعون إليهم في قراءة القرآن وحتى في مسائل أخرى كالشؤون الاجتماعية وما شابهها، ويتبعونهم.

النطاق الجغرافي للقراءات من منظور تاريخي وجغرافي

تُعد مسألة انتشار القراءات في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي منذ القرن الأول الهجري حتى الآن من المباحث المهمة في هذا العلم. في معظم الدول الإسلامية اليوم، رواية حفص عن عاصم هي السائدة. ولكن، من خلال دراسة موجزة لمصاحف القرون الماضية والمصادر المكتوبة في هذا المجال، يتضح أن الوضع الحالي لم ينشأ إلا منذ حوالي قرنين من الزمان. وقبل ذلك، كانت القراءات المختلفة شائعة في مناطق شتى من العالم الإسلامي.

1. عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانت قراءته الواحدة هي الشائعة، ولكن توجد نقولات متفرقة تشير إلى اختلاف محدود في القراءة. وحتى مع افتراض صحة هذه النقولات المحدودة، فإنها لا تخل بالمبدأ الكلي الأولي، وهو شيوع قراءة نبوية واحدة [12].

2. عصر الصحابة والتابعين

في هذه الفترة، تظهر بوادر اختلاف القراءات؛ اختلافات من قبيل الشرح والتفسير في القراءة، اختلافات بسبب تباين اللهجات، اختلافات تظهر بسبب اختلاف المصاحف… ولكن يمكن تقسيم ما بعد هذه الفترة إلى مرحلتين:

أ) أواخر القرن الأول حتى أوائل القرن الخامس الهجري

على الرغم من أنه لا يمكن في هذه الفترة تتبع مسار لا تشوبه شائبة، إلا أنه يستفاد من مجمل القرائن والشواهد ما يلي:

– قراءة أهل مكة هي قراءة ابن كثير المكي، وقراءة أهل اليمن هي قراءة عاصم [27].

– قراءة أهل المدينة هي قراءة نافع المدني [20].

– قراءة أهل الكوفة كانت في البداية قراءة عاصم برواية شعبة، ثم قراءة حمزة الكوفي. وبالطبع، كانوا يقومون بتنقيط المصاحف وتشكيلها بشكل محدود على أساس قراءة الكسائي [4].

– قراءة أهل البصرة مطابقة لقراءة أبي عمرو البصري (نفس المصدر: 79).

– قراءة مدينة دمشق هي قراءة ابن عامر، ولكن القراءة الغالبة في منطقة الشام كانت قراءة أبي عمرو البصري [27].

– قراءة عموم أهل مصر هي قراءة نافع، وخاصة رواية ورش عنه. ربما يعود سبب هذه المسألة إلى كون ورش مصري الأصل؛ أي أن أهل مصر كانوا يتعلمون القراءة من شخص من عرقهم وساكن في منطقتهم [20].

– القراءة الغالبة بين أهل المغرب كانت في البداية قراءة حمزة، ولكن مع مرور الوقت، اشتهرت رواية ورش عن نافع وأصبحت هي السائدة. ورغم أنه لا يبدو هناك سبب لشيوع قراءة حمزة في هذه المنطقة، إلا أنه يمكن القول في بيان سبب رواج قراءة نافع: إن مذهب أهل المغرب مالكي. والإمام مالك بن أنس (ت. 179هـ) من أئمة المذاهب الأربعة لأهل السنة، كان في القراءة تلميذًا لنافع، ونافع أيضًا كان في المذهب تابعًا له؛ لذا، من الطبيعي عندما يكون مذهب الناس مالكيًا، أن تكون قراءتهم متأثرة بآراء مالك وتابعة لنافع في القراءة [8].

– قراءة الإيرانيين مطابقة لاختيار أبي حاتم السجستاني (ت. 225هـ). كان طريق نفوذ الإسلام وقراءة القرآن إلى إيران من جنوب إيران ومن ناحية البصرة. اختيار أبي حاتم قريب جدًا من قراءة أبي عمرو البصري؛ ولهذا السبب، يتبع الإيرانيون قراءة تكون الأكثر قربًا من قراءة البصريين (نفس المصدر: 13-14).

ب) من القرن الخامس الهجري حتى الآن

تمتد هذه الفترة لحوالي عشرة قرون، ومن الطبيعي أن تتغير فيها تيارات مختلفة. يمكن بيان مجملها على النحو التالي:

– قراءة منطقة الحجاز تتغير تدريجيًا لتصبح مطابقة لقراءة أبي عمرو البصري [27].

– قراءة منطقة العراق تتغير حتى حدود القرن السابع والثامن إلى قراءة أبي عمرو البصري، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، تحظى رواية شعبة عن عاصم بالاهتمام أيضًا. ومن القرن الثاني عشر، تغلب رواية حفص عن عاصم تدريجيًا [9].

– قراءة أهل الشام تتغير منذ أوائل القرن السادس الهجري إلى قراءة أبي عمرو البصري. ومنذ ثلاثة قرون، تحولت القراءة العامة إلى رواية حفص عن عاصم [1]، [11].

– قراءة عموم أهل مصر تتغير منذ أواخر القرن الخامس الهجري إلى قراءة أبي عمرو البصري. ومنذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري، أصبحت رواية حفص عن عاصم محط اهتمام العموم [20].

– قراءة أهل المغرب في معظم المناطق تبقى على قراءة نافع؛ ورغم أن رواية ورش أكثر شيوعًا، إلا أن رواية قالون كانت سائدة في منطقة ليبيا. ولا يزال هذا الرواج والشيوع قائمًا حتى الآن، وقراءة شعوب الجزائر وتونس والمغرب لا تزال على قراءة نافع برواية ورش. وفي إفريقيا، قراءة شعب السودان، مثل مصر، هي قراءة أبي عمرو البصري برواية الدوري [8].

– قراءة الإيرانيين لا تزال على اختيار أبي حاتم السجستاني ثم قراءة أبي عمرو. ومنذ العصر التيموري، تحظى قراءة عاصم برواية شعبة باهتمام أكبر، وتصبح عمليًا بديلًا لقراءة أبي عمرو. ومنذ العصر القاجاري وحوالي منتصف القرن الثاني عشر الهجري، ومثل معظم الدول الإسلامية، تتغير القراءة العامة والغالبة إلى قراءة عاصم برواية حفص.

بالإضافة إلى المصادر التي أشارت إلى هذا المسار، فإن النماذج المتعددة من المصاحف المخطوطة من تلك الفترة هي بحد ذاتها دليل على هذا الأمر؛ مثل مصحف ابن البواب (ت. 1391هـ) الذي كُتب في القرن الرابع بناءً على رواية الدوري عن أبي عمرو البصري، وهذا يدل على أن هذه القراءة كانت هي الشائعة في بغداد في تلك الفترة [11].

من الضروري الانتباه إلى الإجابة على هذه الأسئلة: لماذا أصبحت قراءة أبي عمرو البصري تقريبًا القراءة العامة للناس في جميع بلاد الإسلام من القرن السادس إلى الثاني عشر الهجري؟ ولماذا حظيت قراءة عاصم برواية شعبة بالاهتمام إلى جانب قراءة أبي عمرو في أراضي العراق وإيران؟ وفي النهاية، ما الذي أدى إلى انتشار قراءة عاصم برواية حفص في العصر الحاضر في مناطق العالم الإسلامي؟

يمكن تلخيص هذا البحث في الجدول التالي:

الزمان: من أواخر القرن الأول إلى أوائل القرن الخامس / من القرن الخامس إلى القرن الثاني عشر هـ.ق / من القرن الثاني عشر هـ.ق حتى الآن

المكان:

مكة: ابن كثير / أبو عمرو / حفص عن عاصم

اليمن: عاصم / أبو عمرو / حفص عن عاصم

البصرة: أبو عمرو / أبو عمرو من القرن 7 و 8 ثم شعبة / حفص عن عاصم

دمشق: ابن عامر / أبو عمرو / حفص عن عاصم

مصر: ورش عن نافع / أبو عمرو / حفص عن عاصم

أهل المغرب: حمزة = ورش عن نافع / ورش وقالون عن نافع / نافع والدوري عن أبي عمرو

إيران: أبو حاتم السجستاني / أبو عمرو من القرن 7 و 8 ثم شعبة / حفص عن عاصم

المدينة: نافع / أبو عمرو / حفص عن عاصم

الكوفة: شعبة عن عاصم = حمزة / أبو عمرو من القرن 7 و 8 ثم شعبة / حفص عن عاصم

في التوضيح، يجب القول إن أبا عمرو البصري والكسائي هما القارئان الوحيدان بين القراء السبعة والعشرة اللذان يُعدّان من علماء النحو واللغة العربية، وتُعتبر قراءتهما من أفضل القراءات من حيث القواعد الصرفية والنحوية والبلاغية؛ مع فارق أن قراءة أبي عمرو البصري، خاصة برواية الدوري، هي قراءة تتوافق مع القراءات الأخرى بشكل أكبر وتتميز بقلة الاستثناءات. ولعل لهذا السبب، أولى المفسرون الكبار مثل الزمخشري (ت. 538هـ) صاحب تفسير الكشاف اهتمامًا خاصًا بقراءته على مر القرون الماضية.

من ناحية أخرى، في بلاد الشيعة، أي العراق وإيران، يُولى اهتمام خاص لقراءة عاصم برواية شعبة. يمكن أن يُعزى سبب ذلك إلى اهتمام علماء الشيعة الكبار بهذه الرواية. ومن بينهم العالم الكبير المرحوم العلامة الحلي (ت. 736هـ) الذي يكتب: «أحب القراءات إليّ قراءة عاصم برواية أبي بكر بن عياش (شعبة) وقراءة أبي عمرو بن العلاء (البصري)» [22].

كما أن المفسرين الكبار في تلك القرون كتبوا تفاسيرهم بناءً على قراءة عاصم برواية شعبة؛ مثل أبي الفتوح الرازي صاحب تفسير روض الجنان وروح البيان، وملا فتح الله الكاشاني (ت. 988هـ) صاحب تفسير منهج الصادقين في إلزام المخالفين، وملا محسن الفيض الكاشاني (ت. 1091هـ) صاحب تفاسير الصافي والأصفى والمصفى.

وبهذا، تم تبيين سبب الإقبال الواسع للناس على هاتين القراءتين منذ القرن الخامس الهجري فصاعدًا. ولكن الدول الإسلامية واجهت منذ القرن الثاني عشر فصاعدًا ظاهرة الاستعمار الأوروبي. ومن ناحية أخرى، توسعت وسائل الاتصال بين بلاد الإسلام، وشهد التبادل الثقافي والديني – سواء في الجانب الإيجابي أو السلبي – نموًا كبيرًا. ومن المثير للاهتمام أن الإقبال على رواية حفص بدأ في العراق الذي كان جزءًا من أراضي الدولة العثمانية، وفي أعقابه، حظي بالقبول في مصر التي كانت جزءًا آخر من البلاد العثمانية، وبعد ذلك، وتحت تأثير جامعة الأزهر، امتد هذا الإقبال إلى سائر الممالك الإسلامية. وربما يمكن اعتبار السبب الأهم لاختيار رواية حفص في هذه الفترة هو بساطتها وخلوها من القواعد المعقدة والصعبة مثل تسهيل الهمزة والإمالة وغيرها. ومع انتشار التكنولوجيا والجهود التي بُذلت في سبيل تسهيل الأمور في العصر الحديث، أصبحت رواية حفص في موضوع القراءة بديلًا سهلًا مقارنة بقراءة أبي عمرو.

وهكذا، راجت رواية حفص عن قراءة عاصم في جميع أنحاء الدول الإسلامية في قارتي آسيا وأوروبا وجزء كبير من قارة إفريقيا، وخرجت سائر القراءات من دائرة القراءة العامة وانحصرت في الكتب المتخصصة والمراكز العلمية.

بناءً على ذلك، فإن التصور بأن قراءة عاصم برواية حفص كانت هي قراءة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم السائدة بين الأمة الإسلامية منذ صدر الإسلام وحتى الآن، وأن هذه القراءة والرواية هي التي كانت دائمًا متداولة بين الناس، لا يعدو كونه وهمًا (معرفت، 1379: 63)، وهو يتعارض مع التقارير التاريخية التي قُدمت في هذا المقال؛ إذ لا يوجد أي شاهد تاريخي يثبت هذا الادعاء، بل إن رسم المصحف العثماني الشائع الذي كُتب بناءً عليه الكثير من كلمات القرآن غير مطابق لقراءة عاصم، هو بحد ذاته دليل على هذه الحقيقة.

دراسة تاريخية ببليوغرافية للقراءات

من أواخر القرن الأول الهجري إلى أواخر القرن الرابع الهجري، أُلّف حوالي سبعين مصنفًا في مجال القراءات، لم يبق منها إلا القليل [15]. ثم مع تأليف كتاب «السبعة في القراءات» أو «القراءات السبع» بواسطة أبي بكر أحمد بن موسى بن عباس بن مجاهد التميمي البغدادي (245-324هـ)، انتقل بحث القراءات إلى مرحلة جديدة. وقبل أن نتناول نتائج تأليف هذا الأثر، من المناسب الإشارة إلى جزء من أسباب تأليف هذا الكتاب بلغة المؤلف نفسه. يكتب: «اختلف الناس في القراءة كما اختلفوا في مسائل الفقه. رويت أقوال مختلفة عن الصحابة والتابعين من باب التيسير والرحمة على عامة المسلمين، مع أن بعضها قريب من بعض. وحملة القرآن ورواته متفاوتون في الشأن والرتبة في الحمل والرواية، وأنا أنقل هذه الموارد وأُعرّف بأئمة هذا الفن، وأذكر قراءة أهل الحجاز والعراق والشام، وأشرح طرق أهل القراءة واختلافهم واتفاقهم بعون الله، وأطلب التوفيق من كرمه وحده» [4].

كان ابن مجاهد أول من طرح مصطلح «القراءات السبع»؛ أي القراءات السبع المعروفة اليوم بهذا الاسم. من العوامل التي أدت إلى رواج القراءات السبع، تأليف كتب في مجال نقدها ودراستها والاحتجاج اللغوي والصرفي والنحوي والبياني لها. ومن الكتب العديدة التي أُلّفت منذ زمن ابن مجاهد وتضمنت هذه النقطة، يمكن الإشارة إلى الموارد التالية:

– أبو بكر محمد بن حسن عطار (ت. 362هـ) مؤلف كتابي «السبعة بعللها الكبير» و«احتجاج القراءات».

– حسين بن أحمد بن خالويه (ت. 370هـ) مؤلف كتاب «الحجة في علل القراءات السبع».

– أبو علي الفارسي (ت. 377هـ) مؤلف كتاب «الحجة في علل القراءات السبع» [23].

هناك آثار عديدة دُوّنت شرحًا، منظومة أو منثورة، بهدف تسهيل تعليم القراءات السبع، وكان لها تأثير كبير في ازدهار هذه القراءات وانتشارها، ومن بينها يبرز مؤلفان بشكل خاص:

1. التيسير في القراءات السبع

هذا الكتاب من تأليف أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي (ت. 444هـ). من مميزات هذا الكتاب: الاختصار وحذف الروايات الزائدة على راويين من القراء السبعة، الإتقان وإحكام المطالب، تجنب نقد القراءات والاكتفاء بنقلها.

2. قصيدة حرز الأماني ووجه التهاني المعروفة بقصيدة الشاطبية

هذه القصيدة من نظم أبي القاسم الشاطبي الأندلسي (ت. 590هـ)، وهو من علماء منطقة الأندلس، وكان محرومًا من نعمة البصر. هذه القصيدة في الواقع هي الشكل المنظوم لكتاب «التيسير»، وعدد أبياتها 1173 بيتًا. في هذه القصيدة، اختار الشاطبي رمزًا لكل من القراء السبعة ورواتهم، وأشار إلى قراءتهم. وبالطبع، في ستة مواضع، ذكر الشاطبي وجهًا من القراءات السبع غير ما ورد في «التيسير» (مقدمة حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع). وقد كُتب على هذه القصيدة حتى الآن عشرات الشروح والتوضيحات. ومن بين هذه الشروح يمكن الإشارة إلى «فتح الوصيد» تأليف علي بن محمد السخاوي (ت. 643هـ)، و«كنز المعاني» تأليف الجعبري (ت. 732هـ)، و«سراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي» تأليف ابن قاصح البغدادي (ت. 801هـ) [23].

النتيجة

1. نزل القرآن من لدن الله سبحانه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصورة واحدة وبألفاظ واحدة.

2. ظهر شكل كتابة كلمات القرآن على مر القرون الإسلامية الأولى متأثرًا بالقراءات المختلفة الخاصة بكل منطقة، وفي الواقع، فإن نوع القراءة يظهر عملية التأثير في منهجية كتابة القرآن. وفي بعض الأحيان، كان العكس هو الصحيح. وبالطبع، هذه المسألة في اختيار القراءة وليست في اجتهاد القراءة، ولكن على أي حال، يمكن قبول تأثير معين لمنهجية خاصة في كتابة القرآن على القراءة بشكل عام.

3. بالنظر إلى الأدلة التي مرت، اتضح أن القراءات لم تكن متواترة بشكل عام، بل القراءة الأصلية واحدة وهي موجودة بين القراءات المشهورة. أصلًا، سبب الالتزام بالقراءات والاهتمام بها الذي أدى إلى بقائها ومناقشتها هو هذا الأمر نفسه، أي وجود قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأصلية بينها. وبالطبع، ثبت أن القرآن نفسه متواتر، وإن كان هذا التواتر لا يستلزم بالضرورة تواتر القراءات. ومن ناحية أخرى، قُبل أن ما ورد في كتب الفقه حول تواتر القراءات عن الأئمة المعصومين عليهم السلام هو صحيح ويقيني.

4. كان ابن مجاهد أول من طرح مصطلح «القراءات السبع»، وكما هو مشهود، لم يكن هناك في الفترة التي سبقته اهتمام بقراءة معينة أو عدد محدد من القراءات، بل بناءً على ذوق ورأي ابن مجاهد الشخصي، تم اختيار وذكر قراءات معينة.

5. إن تصور المطابقة الكاملة لقراءة عاصم برواية حفص مع قراءة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بمعنى أن هذه القراءة والرواية كانت دائمًا متداولة بين الناس منذ صدر الإسلام، ليس إلا وهمًا. والشواهد التاريخية مثل كتابة تفاسير القرآن بقراءات متنوعة غير قراءة عاصم ورواية حفص، أو المصاحف التي كُتبت بناءً على روايات أخرى مثل مصحف ابن البواب في القرن الرابع الهجري، والاختلافات بين حفص وشعبة وسائر القراء، توضح هذا الأمر بجلاء.

6. يجب اعتبار السبب الأهم للإقبال على قراءة حفص هو سهولة هذه القراءة وسلاستها، واختيار الأزهر لها في العصر الحديث، وطباعتها ونشرها وتوزيعها على نطاق واسع في الدول الإسلامية بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية.

الهوامش

1. ابن الجزري، شمس الدين محمد (د.ت)، النشر في القراءات العشر، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.

2. ابن قتيبة، محمد بن مسلم (1954م)، تأويل مشكل القرآن، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

3. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل (1347هـ)، فضائل القرآن، مطبعة المنار، مصر.

4. ابن مجاهد، أبو بكر أحمد بن موسى (1972م)، كتاب السبعة في القراءات، تحقيق الدكتور شوقي ضيف، دار المعارف، مصر.

5. ابن هشام (ت. 218هـ) (1375ش)، السيرة النبوية، ترجمة سيد هاشم رسولي، طهران، انتشارات كتابجي، الطبعة الخامسة.

6. ابن واضح اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب) (1366ش)، تاريخ اليعقوبي، ترجمة محمد إبراهيم آيتي، وزارة الثقافة والتعليم العالي، طهران، شركة المنشورات العلمية والثقافية.

7. أحمد مختار عمر، عبد العال سالم مكرم (1412هـ)، معجم القراءات القرآنية، طهران، انتشارات أسوة.

8. أعراب، سعيد (1990م)، القراء والقراءات بالمغرب، بيروت، دار الغرب الإسلامي، بيروت.

9. الأندلسي أبو حيان، محمد بن يوسف (1420هـ)، البحر المحيط في التفسير، بيروت، دار الفكر.

10. حاجي اسماعيلي، محمدرضا (1384ش)، بررسي تعامل و تقابل بين دو حوزه قرائت و كتابت قرآن از عصر نزول تا تسبيع قرائات (دراسة التفاعل والتقابل بين مجالي القراءة وكتابة القرآن من عصر النزول إلى تسبيع القراءات)، مجلة الدراسات الإسلامية، مشهد، كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، جامعة مشهد، العدد 68.

11. الحبش، محمد (1407هـ)، كيف تحفظ القرآن، بيروت، دار الخير.

12. حجتي، سيد محمد باقر (1386ش)، پژوهشي در تاريخ قرآن كريم: كاوش هاى مربوط به علوم قرآنى (بحث في تاريخ القرآن الكريم: تحقيقات متعلقة بعلوم القرآن)، طهران، دفتر نشر الثقافة الإسلامية.

13. الخوئي، أبو القاسم (د.ت)، البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي.

14. الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد (ت. 444هـ) (1406هـ)، التيسير في القراءات السبع، تحقيق وتصحيح أوتو برتزل، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة.

15. الزركشي، بدر الدين محمد (1947م)، البرهان في علوم القرآن، تحقيق مصطفى عبد القادر عطاء، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

16. السجستاني، ابن أبي داود (1971م)، المصاحف، بيروت، دار الكتب العلمية.

17. السيوطي، جلال الدين (1414هـ)، الإتقان في علوم القرآن، بيروت، دار ابن كثير.

18. الشاطبي الرعيني، قاسم بن فيره بن خلف بن أحمد (ت. 590هـ) (1407هـ)، حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع، بيروت، دار الكتاب النفيس.

19. شاهين، عبد الصبور (1966م)، تاريخ القرآن، ترجمة الدكتور حسين سيدي، القاهرة.

20. الضباع، علي محمد (د.ت)، الإضاءة في بيان أصول القراءة، مطبعة عبد الحميد أحمد حنفي، القاهرة.

21. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1417هـ)، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الخامسة.

22. العلامة الحلي، حسن بن يوسف (1387ش)، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، مؤسسة تحقيقات ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام، مشهد.

23. فضلي، عبد الهادي (1980م)، القراءات القرآنية، دار القلم، بيروت.

24. القمي، محمد حسين بن بهاء الدين محمد (1386ش)، قوانين الأصول، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.

25. الكليني، محمد بن يعقوب (1365ش)، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران.

26. معرفت، محمد هادي (1365ش)، التمهيد في علوم القرآن، طهران، مؤسسة النشر الإسلامي.

27. المقدسي، محمد بن أحمد (1385ش)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ترجمة علي نقي منزوي، کوشش، طهران.

Scroll to Top