الملخص
يعد التحكيم أحد الأساليب الهامة لحل النزاعات في القانون المحلي والدولي. ويمكن العثور على آثار هذه المؤسسة القانونية في فقه الإمامية أيضاً، حيث اشتهرت بين الفقهاء بعنوان «قاضي التحكيم». وقد استند فقهاء الإمامية لإضفاء المشروعية على التحكيم بعنوان قاضي التحكيم إلى الأدلة الشرعية من القرآن والسنة والإجماع. يجيب هذا البحث، باستخدام المنهج التحليلي-الوصفي وأدوات جمع المعلومات المكتبية، على هذا السؤال: ما هو أساس التحكيم في فقه الإمامية؟ وهل يجب أن تتوفر في قاضي التحكيم جميع شروط القاضي المنصوب، أم يكفي توفر بعضها؟ تُظهر نتائج هذا البحث أن مشهور الفقهاء، استناداً إلى الآية 35 من سورة النساء، قد اعتبروا أساس التحكيم هو التعيين كحكم، واشترطوا لقاضي التحكيم جميع شروط القاضي المنصوب. والجدير بالذكر أن أدلة مشهور الفقهاء لا تملك القدرة على إثبات جميع شروط القاضي المنصوب، بما في ذلك الاجتهاد، لقاضي التحكيم. كما تدل الروايات المشهورة، مثل رواية أبي خديجة والحلبي، على عدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم. وعليه، لا يمكن اشتراط شروط القاضي المنصوب لقاضي التحكيم، بل يكفي أن يكون للحَكَم معرفة فقهية-قانونية، وهو ما ينسجم مع الاجتهاد وعدمه. من هنا، تُطرح رواية أبي خديجة كدليل خاص منفصل يخصص الروايات التي تشترط الاجتهاد وعلم القاضي بشكل عام. وعليه، فإن القاسم المشترك بين قاضي التحكيم والتحكيم هو في المسائل الشرعية، حيث يعتمد كل من التحكيم بمعناه التقليدي والتحكيم بمعناه الحديث على هذا المعنى.
المقدمة
بدأ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعد هجرته من مكة إلى المدينة فصلاً جديداً في تبليغ رسالته. وقد قام في أول خطوة له بعد وصوله إلى المدينة بتأسيس المجتمع والحكومة الإسلامية. والمجتمع الإسلامي منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا يمر بمراحل تطوره، وفي عصرنا تشكل مجتمعٌ ناهض ذو نظام حكم موحد ومنسجم. إن أحد الأهداف السامية للنبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) في المجتمع الإسلامي هو تحقيق العدالة، وتقليل الخلافات والتوترات بين المواطنين، وتسوية دعاوى الناس المتعلقة بحقوقهم. ويتطلب تحقيق هذا الأمر المهم تشكيل نظام قضائي، بالإضافة إلى معالجة دعاوى الناس، يقلل من كثرة مراجعاتهم للمحاكم. ومن الموضوعات التي ستؤدي إلى انخفاض كبير في مراجعة المحاكم هو اللجوء إلى المحكّم في الدعوى، والذي سيكون له آثاره المهمة في مسار القضية. إن ما بُحث في فقه الإمامية حول التحكيم يعادله قاضي التحكيم. فمن خلال تهيئة البيئات المناسبة لتحقيق قاضي التحكيم بناءً على الضوابط الفقهية والمقررات القانونية للبلاد، يمكن نشر ثقافة العدالة المحورية في المجتمع وتقليل المراجعات للمحاكم إلى الحد الأدنى. في هذا التحقيق، وبموضوع التحكيم في فقه الإمامية الذي يعني قاضي التحكيم، تم السعي لاتخاذ خطوة في تحقيق وإقامة العدالة القضائية. من هنا، فإن السؤال الرئيسي في هذا البحث هو أنه من خلال دراسة الأسس النظرية في فقه الإمامية، يتم تبيين مكانة قاضي التحكيم لتحديد مدى التماثل بين مصطلحي التحكيم وقاضي التحكيم، وبالتالي تحديد العلاقة بين التحكيم بمعناه التقليدي والتحكيم بمعناه الحديث. حتى الآن، كُتبت العديد من الدراسات حول التحكيم والتحكيم، خاصة من منظور فقهي وقانوني؛ منها:
1. دراسة المفهوم
من المفاهيم الرئيسية في هذا البحث مصطلح «المحكّم» و «قاضي التحكيم». المحكّم في الأصل «دادور»، أي صاحب العدل. المحكّم هو من يحكم ويقضي بين الناس (معين، د.ت، ج 2، ص 1493) أو من يُختار للتحكيم. وفي الاصطلاح هو: «فصل الخصومة بواسطة شخص أو عدة أشخاص، بطريقة فصل خصومات المحاكم الرسمية. وموضوع الإحالة إلى التحكيم أعم مما يمكن إحالته إلى القضاء أو لا» (جعفري لنگرودي، 1383، ص 283). أما المراد بقاضي التحكيم فهو القاضي الذي يعينه أطراف الدعوى. وهو شخص يقوم بالنظر في الخصومات والمنازعات بناءً على تراضي الطرفين دون إذن من الإمام أو تنصيب من قبله. ويُطلق على قاضي التحكيم اسم «المحكّم» أيضاً (جعفري لنگرودي، 1383، ص 511). وقد حمل بعض الفقهاء مفهوم قاضي التحكيم على معانيه اللغوية والعرفية وقالوا: «من يجعله المتخاصمان حكماً بينهما ويرضيان بحكمه»؛ أي الشخص الذي يجعله طرفا الدعوى حكماً بينهما ويرضيان بحكمه (السبزواري، 1413، ج 10، ص 27).
2. أسس مشروعية التحكيم في فقه الإمامية
من البديهي أن تشخيص أي مؤسسة فقهية منوط ببحث وتعيين أسسها الفقهية. وفيما يتعلق بأسس التحكيم، فقد استند فقهاء الإمامية لإضفاء المشروعية عليها إلى الآيات، والسنة، والإجماع. وفيما يلي، سيتم بحث الأدلة ذات الصلة فقهياً، ثم سيتم بيان النظرية المختارة.
1-2. القرآن الكريم
أول دليل استُدل به على مشروعية قاضي التحكيم والتحكيم هو الآية 35 من سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾. يرى مشهور فقهاء الإمامية، مع الأخذ في الاعتبار هذه الآية، أن أساس التحكيم هو قاضي التحكيم (الطوسي، 1387، ج 8، ص 367؛ البحراني، 1405، ج 24، ص 629). وقد بلغت شهرة هذه النظرية حداً يصعب معه العثور على مخالف لها. وكما اعتبرها الشيخ الطوسي في المبسوط موافقة ومقتضى للمذهب (الطوسي، المبسوط، ج 4، ص 340). ويستدل في ذيل الآية المذكورة قائلاً: «ظاهر الآية الشريفة هو التحكيم لا التوكيل. وفي التحكيم، يملك الحكمان صلاحية اتخاذ أي قرار يصب في مصلحة الزوجين وقوام حياتهما، وفقط عندما يؤدي قرارهما إلى التفريق والطلاق، يجب أن يحصلا على إذن خاص من الزوجين، وفيما عدا ذلك لا حاجة لإذن أو إجازة منهما. ذلك أن الآية لم تقل أن يختار الطرفان وكيلاً، والخطاب أساساً ليس موجهاً للطرفين لكي يصح فهم الوكالة، بل الخطاب موجه للأقارب والمقربين من الطرفين. بينما لو كان البحث عن الوكالة، لكان الخطاب موجهاً للطرفين. وبعد ذلك، يعزز رأيه بالإجماع والأخبار، خاصة خبر عبيدة بن سليمان، ويثبته» (الطوسي، 1407، ج 4، ص 415). كما اعتبر العلامة الحلي أن ظاهر قول الإمامية في تحليل الآية الشريفة هو انتصاب الحكمين من قبل الحاكم والقاضي، ونقل عن الشيخ الصدوق قوله: «يختار الرجل رجلاً والمرأة رجلاً. والأصل في ذلك أن البعث إن كان على سبيل التحكيم، تولاه الحاكم، وإن كان على سبيل التوكيل، تولاه الزوجان.» (الحلي، 1417، ج 7، ص 395). ويواصل في تتمة كلامه نقل رأيين عن القاضي ابن البراج، أحدهما من كتاب «المهذب» مبني على أن موضوع الآية من باب التحكيم، والآخر من كتاب «الكامل في الفقه» الذي يعتقد بأن الآية تفيد التوكيل. وقد بيّن المرحوم العلامة في نقد كلام القاضي أن الأشخاص الراشدين يُجبرون على سداد ديونهم إذا امتنعوا، ويمكن للحاكم التصرف في أموالهم، والزوجان وإن كانا راشدين، فإن الحكمين اللذين يبديان رأيهما كقاضيين للتحكيم يمكنهما البت في أموالهما دون إذن وإجازة منهما (الحلي، نفسه، ص 396). وفي الختام، قال بعض الفقهاء في خصوص مستند مشروعية قاضي التحكيم إن أصل مشروعية التحكيم وقاضي التحكيم في القرآن هو بحكم الآية الشريفة ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء/35). (كاشف الغطاء، د.ت، ج 2، ص 196؛ النجفي، 1404، ج 2، ص 196). فيما يتعلق بالرأي الأخير، يجب القول: إذا كان مراد المرحوم كاشف الغطاء هو حصر مشروعية قاضي التحكيم في آية النشوز، فهو غير تام؛ لأن هناك إشكالات على هذه الآية، مبنی على أن قاضي التحكيم والمحكّم يعينهما أصحاب الدعوى، بينما تشهد ألفاظ مثل «إن خفتم» و«فابعثوا» على أن تعيين الحكم يتم من قبل جماعة مكلفة بموجب الآية الشريفة بإيجاد الصلح والتسوية، وأن قاضي التحكيم بوصفه القضائي الذي يحمله، يمكنه اتخاذ قرار في الطلاق والتفريق أيضاً؛ وإن قيل إن التفريق والطلاق هو نوع من التسوية. وعليه، فإن التحكيم الذي تشير إليه الآية ليس بالضرورة مرادفاً لقاضي التحكيم، بل يعني ممارسة نوع من التحكيم العام بهدف إيجاد الصلح والتسوية أو فصل الخصومة عن طريق إيجاد التسوية. ومن هذا المنطلق، ستكون الآية الشريفة خروجاً موضوعياً عن محل البحث. على أي حال، أقام أنصار هذه النظرية الأدلة التالية لإثبات وجهة نظرهم:
1. دليل تطبيق التحكيم على التحكيم هو كلمة «حكم» الواردة في الآية 35 من سورة النساء: «دليلنا هو قول الله تعالى: ﴿فابعثوا حكماً…﴾». هذه الجملة ظاهرة في تحكيم التحكيم؛ لأن الله لم يقل: ﴿فابعثوا وكيلاً﴾ (الطوسي، 1417، ج 4، ص 416).
2. كلما كانت خطابات القرآن في مقام تبيين الأحكام مطلقة، فإنها تنصرف إلى الأئمة والقضاة. مثل خطاب ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما…﴾ (المائدة/38) و﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما…﴾ (النور/2). في الآية محل البحث، الخطاب مطلق أيضاً والمخاطب ليس الزوجين. وبناءً على ذلك، فإن المحكّمين ليسوا وكلاء الزوجين. وكذلك الخطاب في الآية محل البحث ليس موجهاً للزوجين؛ لأنه لو كان موجهاً لهما لكان يجب أن يقول: «فابعثوا وكيلاً» بينما قال: «فابعثوا حكماً».
3. في جزء من الآية المباركة محل البحث، قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء/35). من هذا الجزء يُستنبط أن الحكمين أو المحكّمين ليسوا وكلاء للزوجين؛ لأنه في مصطلح علم النحو، فاعل فعل «يريدا» في هذه الجملة هم الحكمان، بينما لو كان الحكمان وكيلين للزوجين، لكان من لوازمه أن يضاف فعل الإرادة إلى الزوجين، وهو ما لم يحدث.
4. حكم الحكمين نافذ إلا في التفريق، وهذه الميزة هي الدليل على أن الحكمين ليسا وكيلين للزوجين؛ لأنهما لو كانا وكيلين للزوجين، لكان عليهما أن يعملا في جميع قراراتهما بناءً على رأي ونظر موكليهما. (الطوسي، 1417، ج 4، ص 416).
5. حسب رأي بعض الفقهاء، التحكيم هو مقتضى المذهب وتسمية الحكم، وما ورد في الكتاب والسنة والفتوى هو التحكيم (النجفي، 1404، ج 3، ص 214). بعبارة أخرى، في مذهب الإمامية، هذا النوع من التحكيم هو من نوع التحكيم واختيار الحاكم، وليس اختيار الوكيل، وما يُفهم من لفظ الحكم والتحكيم ليس توكيلاً بل تحكيماً واختياراً للحاكم.
6. الوكيل ملزم بحفظ مصالح وغبطة وصلاح موكله، بينما الحكمان مكلفان بالحق والعدل. (جعفري لنگرودي، 1372، ج 3، ص 437).
7. الوكيل نائب عن موكله؛ أما الحكم وقاضي التحكيم فيتمتعان بشخصية مستقلة أمام أطراف الدعوى (نفسه). بناءً على ذلك، وبالنظر إلى الأدلة المذكورة، لا يمكن أن يكون للتحكيم ماهية التوكيل.
1-1-2. مقتضيات نظرية قاضي التحكيم
إذا قُبلت نظرية التحكيم كأساس للتحكيم، فستترتب عليها الآثار التالية:
1. مراعاة شروط القضاء؛ أي يُشترط في قاضي التحكيم نفس شروط القضاة المنصوبين من قبل الإمام (الحلي، 1385، ج 4، ص 861؛ نفسه، 1410، ج 2، ص 138؛ الشهيد الأول، 1417، ج 2، ص 68؛ نفسه، 1410ق، ج 3، ص 68؛ الموسوي الأردبيلي، 1423، ج 12، ص 17).
2. الاعتبار القضائي لرأي الحكمين؛ آراء الحكمين لها اعتبار قضائي (كاتوزيان، 1373، ص 137)؛ لأن هذا الرأي أولاً نافذ ولازم الإجراء على طرفي الدعوى، وثانياً عندما يصدر القاضي حكماً، لا يمكنه التراجع عنه إلا في حالات خاصة. ثالثاً، لا يمكن للقضاة الآخرين نقض الحكم الصادر أو إعادة النظر في نفس الموضوع وإصدار حكم. الآن، إذا كان للتحكيم والتحكيم ماهية قضائية، فإن رأي الحكمين سيكون له نفس الاعتبار (هدايت نيا، 1393، ص 176).
2-1-2. نقد نظرية التحكيم
يبدو أنه على الرغم من أن مشهور فقهاء الإمامية يؤيدون نظرية التحكيم كأساس لمشروعية التحكيم، إلا أنه لا يمكن قبولها للأسباب التالية:
1-2-1-2. ضعف الدليل
يبدو أن الأدلة المقدمة لإثبات كون ماهية التحكيم تحكيماً لا تملك القدرة على إثبات ذلك. في النهاية، يمكنها أن تثبت أن الحكمين ليسا وكيلين للطرفين. وكما يُستنبط من لهجة كلام بعض الفقهاء (الشيخ الطوسي)، فإنه كان أكثر تركيزاً على نفي احتمال الوكالة. ومن البديهي أنه بنفي احتمال الوكالة لا يمكن استنباط نظرية القضاء؛ إذ لا يوجد تلازم بين هذا النفي والإثبات. قد يقول قائل إن ماهية التحكيم ليست تحكيماً ولا توكيلاً، بل لها ماهية ثالثة. بعبارة أخرى، ليس الأمر أنه كلما قال شخص: الحكمان ليسا قاضيين، يجب أن نقبل أنهما وكيلان.
2-2-1-2. عدم إثبات تساوي شروط الحكمين والقضاة
لا يوجد دليل يثبت أن شروط الحكمين هي نفس شروط القضاة، بل يجب القول بأنه لا يمكن اشتراط جميع شروط القضاة للحكمين (السبزواري، 1413ق، ج 25، ص 231؛ الفاضل اللنكراني، 1421ق، ص 497). بناءً على نظرية التحكيم، يجب أن يكون الحكم مجتهداً، وقبول ذلك سيواجه التحكيم بصعوبة. وبناءً عليه، إذا اعتبر أحدهم التحكيم هو نفسه القضاء، فيجب عليه الالتزام بهذا الحل وهو مراعاة شروط القضاة في اختيار وتعيين الحكم؛ بالطبع إلى الحد الذي لا يؤدي إلى العسر والحرج (هدايت نيا، 1387، ص 78)، وفي أي مكان يتعارض مع قاعدة العسر والحرج، فإن قاعدة العسر والحرج ستحكم عليه. كذلك، لا يمكن تصور القاضي إلا في مكان يوجد فيه مدعٍ خاص ليكون هناك مجال للتراضي والاتفاق بين المدعي والمدعى عليه، وإلا فإن قاضي التحكيم سيكون بلا معنى (الشهيد الثاني، 1413، ج 13، ص 323). وقد استدل بعض الفقهاء في هذا الخصوص: «صلاحية قاضي التحكيم تتعلق بحقوق الإنسان. من هنا، فإن هذه المؤسسة مبنية على تنصيب طرفي الدعوى. ولهذا السبب، في حقوق الله تبارك وتعالى، حيث لا يوجد خصم معين، لا يمكنه أن يحكم. على الرغم من أن بعض الفقهاء وسّعوا نطاق صلاحية قاضي التحكيم ليشمل حقوق الله. فقد استدل المرحوم الفاضل الهندي في هذا الخصوص: «حكم قاضي التحكيم نافذ في جميع الأحكام، سواء حقوق الناس أو حقوق الله، حتى في العقوبات؛ لأن دليل مشروعية قاضي التحكيم عام» (الهندي، 1416، ج 2، ص 320). في المقابل، استثنى البعض حقوق الله وذكروا: «باستثناء حق الله، لقاضي التحكيم صلاحية الدخول في سائر الدعاوى ولا فرق بين الدعاوى الحقوقية والجنائية.» (الحلي، 1385، ج 4، ص 861) لأن أدلة مشروعيته عامة، ولإثباتها يمكن الاستناد إلى رواية أبي خديجة عن الإمام الصادق (عليه السلام). وفي هذه الرواية عبارة تفيد العموم وإطلاقها «فتحاكموا إليه» وتشمل جميع الدعاوى. وفي هذا السياق، الدعوى التي لا يوجد فيها مدعٍ خاص هي وحدها القابلة للاستثناء (الشهيد الثاني، 1410، ج 3، ص 332). بالطبع، اعترض البعض على صلاحية قاضي التحكيم في المسائل الجنائية (المرواريد، 1410، ج 11، ص 394). وفي رأيهم، فإن صلاحية قاضي التحكيم تقتصر على المسائل الحقوقية والمالية، وفي المسائل التي لها جانب جنائي أو تشمل جانباً مدنياً وجنائياً معاً، لا يمكن لقاضي التحكيم التدخل فيها (الموسوي الأردبيلي، 1365، ص 5).
3-2-1-2. عدم انطباق اختيارات الحكمين بالتحكيم
إن صلاحيات الحكمين لا تنطبق على التحكيم؛ لأن الحكمين يمكنهم فقط إصدار حكم في نطاق الصلاحيات الممنوحة لهم. فإذا كنا نؤيد نظرية التحكيم، فإن للقاضي ولاية على الحكمين، ويصبح بحث الصلاحيات بلا معنى.
4-2-1-2. الترديد في مشروعية قاضي التحكيم
أثار بعض الفقهاء المعاصرين أيضاً إشكالاً على مشروعية قاضي التحكيم، وفي رد على استفتاء حول قاضي التحكيم قالوا: «قاضي التحكيم غير مقبول حتى تُبيّن تفاصيله» (الفاضل اللنكراني، 1421، ص 497). والذين يؤيدون عدم مشروعية قضاء التحكيم، استندوا إلى الأدلة التالية: أ) جواز التحكيم خلاف الأصل؛ لأن الأصل هو عدم تنفيذ حكم شخص على شخص آخر إلا بدليل. ب) جواز التحكيم والتحكيم من غير القاضي يؤدي إلى زوال ولاية القاضي المنصوب وزوال رأيه ونظره (هذا الدليل طرحه بعض فقهاء العامة) (الشهيد الثاني، 1413، ج 13، ص 332). في رد الدليل الأول، يجب القول: الدليل يأتي بالجواز، والأدلة التي تمنح المشروعية لقاضي التحكيم تسبب الخروج من الأصل المذكور. وفي رد الدليل الثاني، يمكن الاستدلال على أنه لا يوجد تلازم بين جواز الحكم وزوال ولاية ورأي القاضي المنصوب؛ لأن القاضي منصوب للقضاء وله ولاية على الحكم، وحتى لو لم يراجعه أحد، فإن ولايته تظل قائمة. كما أن رأي القاضي غير قابل للزوال؛ لأن زوال الرأي والحكم هو أن يصدر حكم ولا يُعمل به، وفي حالة لم يصدر فيها حكم بعد، فإن الزوال لا معنى له (التسخيري، 1376، ص 196). ويبدو أنه يمكن التغاضي عن الإشكال على عدم مشروعية قاضي التحكيم؛ لأن جمعاً كبيراً من الفقهاء قبلوا مشروعية قاضي التحكيم ونفوذ حكمه. وادعى البعض عدم وجود خلاف (النجفي، 1404، ج 40، ص 23) وادعاء الإجماع في هذه المسألة (الطوسي، 1417، ج 1، ص 241؛ الراوندي، 1405، ص 193)، والبعض بتعبير «جاز عندنا» (الهندي، 1416، ج 10، ص 6)، والبعض الآخر لإثبات مشروعية قاضي التحكيم استندوا إلى بناء العقلاء وسيرة المسلمين وعدم نهي المعصومين (العاملي، 1413، ج 13، ص 332).
5-2-1-2. الترديد في إمكانية تحقق قاضي التحكيم في عصر الغيبة
يرى بعض الفقهاء أن قاضي التحكيم خاص بعصر النبي (صلى الله عليه وآله) أو عصر حضور الإمام المعصوم، ولا يمكن تصوره في عصر الغيبة؛ لأنه في عصر الغيبة، نصب الإمام المعصوم جميع الفقهاء نصباً عاماً للقضاء، وعليه، فإن كل مجتهد في العصر الحاضر هو قاضٍ منصوب، وفي هذه الحالة، لا مصداق لقضاء التحكيم (الشهيد الثاني، 1410، ج 3، ص 70؛ نفسه، 1413، ج 13، ص 333؛ السبزواري، 1413، ص 262؛ الخوانساري، ج 6، ص 10). بينما في مسألة التحكيم والتحكيم لم يُبدَ مثل هذا الرأي. وقد طُرح عدم تصور قاضي التحكيم في عصر الغيبة من قبل عدد كبير. منهم الشهيد الثاني الذي قال: «اعلم أنه في زمن الغيبة لا يمكن تصور قاضي التحكيم، سواء كان مستوفياً للشروط أم لا؛ لأن قاضي التحكيم إذا كان مجتهداً، فحكمه نافذ بدون تحكيم، وإذا لم يكن مجتهداً، فحكمه غير نافذ مطلقاً (حتى لو تراضى طرفا الدعوى على تحكيمه). إن قاضي التحكيم لا يُتصور إلا في زمن حضور الإمام المعصوم لمن لم يُنصّب للقضاء من قبل الإمام مع كونه مستوفياً لشروط القضاء» (الشهيد الثاني، 1410، ج 3، ص 70). وقد طُرح هذا الاستدلال من قبل آخرين أيضاً واعتُبر موضع وفاق (السبزواري، 1413، ص 665). كما أن البعض، استناداً إلى الإجماع والنص المتعلق بنفوذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط، يعتبرون القاضي المنصوب في عصر الغيبة منصوباً بالنصب العام (الأنصاري، 1415، ص 47). وبعد بيان هذه العبارة القائمة على عدم تصور قاضي التحكيم في عصر الغيبة، يقول المرحوم صاحب الجواهر: «مقصودهم من زمن الغيبة هو زمن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي هو عصر الحضور أيضاً. لأنه منذ ذلك الوقت، تم تنصيب جميع المجتهدين للقضاء بالنصب العام» (النجفي، 1404، ص 28-29). ويواصل بيانه بأن مجرد حكم قاضي التحكيم على أساس الحق والعدل كافٍ. إذن، قاضي التحكيم يمكن تصوره في عصر الغيبة (نفسه، ص 30 و 40). وبناءً على نظريته، فإن مؤسسة قاضي التحكيم تتعلق بالزمن الذي سبق صدور روايات النصب العام (هدايت نيا، 1387، ص 83). وقد انتقد بعض الفقهاء المعاصرين نظرية الشهيد الثاني وأنصاره وقالوا إن قاضي التحكيم يمكن تصوره في عصر الغيبة (الخوئي، 1407، ص 14). أساساً، هم لا يشترطون الاجتهاد في قاضي التحكيم، وفي عصر الغيبة كل من كان مجتهداً، بناءً على أدلة النصب العام، فهو قاضٍ منصوب، وكلما لم يكن شخص مجتهداً ولكن تم اختياره من قبل أطراف الدعوى، سيكون قاضي تحكيم. وقد بيّن البعض، بالتفريق بين القضاء في عصر الحضور وعصر الغيبة: «في زمن الحضور، بوجود قاضٍ منصوب من قبل الإمام (عليه السلام)، لا يمكن للقضاة الآخرين أن يحكموا وحكمهم غير نافذ، أما في زمن الغيبة، حيث لا يوجد معصوم مبسوط اليد، يمكن للناس اختيار أي فقيه كحكم» (الموسوي 1413، الكلبايكاني، ص 23). وبناءً على رأيه، فإن طلب أطراف الدعوى له دور في نفوذ حكم القاضي (هوشمند فيروز آبادي، بطحايي، 1396، ص 186). وتُلاحظ النظرية المذكورة في آثار بعض الفقهاء أيضاً (مؤمن، د.ت، ج 1، ص 67). وقال بعض الفقهاء الآخرين: «على الرغم من أن مقبولة حنظلة، التي استدل بها الشهيد الثاني، اشترطت الاجتهاد في جميع القضاة، إلا أنه يمكن استنباط عدم اعتبار الاجتهاد في قاضي التحكيم من رواية أبي خديجة. هذه الرواية تخصص قاضي التحكيم من لزوم كونه مجتهداً» (نفسه). على أي حال، بناءً على الاستدلال الذي تم، يمكن إثبات عدم لزوم الاجتهاد في قاضي التحكيم، واعتبار قاضي التحكيم في جميع الأزمنة، بما في ذلك عصر الغيبة. ومن بين فقهاء الإمامية، ابن البراج وحده في كتاب «الكامل في الفقه» أيّد نظرية التوكيل (ولكنه في آثاره اللاحقة تراجع عن هذه النظرية واعتنق نظرية المشهور، أي قاضي التحكيم) (ابن البراج الطرابلسي، 1406، ص 266).
2-2. الروايات
من الأسس الأخرى لمشروعية التحكيم هي الروايات التي منعت الرجوع إلى قاضي الجور وأحالت إلى قاضي التحكيم. ومن أهم الروايات في هذا الخصوص رواية أبي خديجة المشهورة: «الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) إِيَّاكُمْ أَنْ يُحَاكِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ» (الكافي، 1407، ج 7، ص 412). يقول الإمام (عليه السلام) في هذه الرواية: «إياكم والتقاضي عند جهاز الظلم وأهل الجور، ولكن للرجوع، اختاروا من بينكم رجلاً من الشيعة يعلم شيئاً من حلالنا وحرامنا». هناك خلاف بين الفقهاء حول دلالة هذه الرواية؛ فالبعض اعتبرها مختصة بالقاضي المنصوب، وفي المقابل، اعتبر البعض دلالتها مختصة بقاضي التحكيم، ورأوا أن مناسبتها لقاضي التحكيم أفضل من القاضي المنصوب، واستدلوا: «ظاهر الرواية أن المتخاصمين يعينون حكماً بينهم شخصاً يعلم شيئاً من قضايانا أهل البيت، بمعنى أنه عارف بمعظم الأحكام. ويبدو أن هذه الرواية ليست بمعنى القاضي الابتدائي؛ لأن هذه الرواية بقرينة «فاجعلوه بينكم» هي قاضٍ معين من قبل المتخاصمين وليس قاضياً منصوباً من قبل الإمام بمعنى القاضي الابتدائي» (الخوئي، 1422، ج 10، ص 41). يبدو أنه بالنظر إلى الخصائص والصفات المقدمة من جانب الإمام (عليه السلام)، فإنها تجيز تعيين القاضي من قبل المتداعين. وإذن الإمام (عليه السلام) يشمل كلاً من القاضي المنصوب (الفقيه الجامع للشرائط) وقاضي التحكيم. بناءً على ذلك، إذا كان الشخص الذي يرضاه طرفا الدعوى مستوفياً للشروط والصفات المذكورة في الرواية، وكان ملماً بأسلوب وعلم الفقه-القانون، فيمكن تعيينه حكماً؛ سواء كان في مستوى المجتهد الجامع للشرائط أم لا. ذلك أن قيد «يعلم» يمكن جمعه مع المعلومات الفقهية والقانونية لمجتهد جامع للشرائط ومع غيره أيضاً. بالإضافة إلى أن ما يمكن استنباطه بوضوح من هذه الرواية هو تفويض السلطة لأرباب الخصومة. وعليه، فإن تعيين مثل هذا الشخص هو من عوامل جلب نظر الإمام وإذنه في مشروعية التحكيم. رواية أخرى تتعلق ببحث رواية الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) رُبَّمَا كَانَ – بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُنَازَعَةُ فِي الشَّيْءِ – فَيَتَرَاضَيَانِ بِرَجُلٍ مِنَّا فَقَالَ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ – إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى حُكْمِهِ بِالسَّيْفِ وَالسَّوْطِ». يقول الحلبي: سألت الإمام الصادق (عليه السلام) أنه أحياناً يحدث نزاع بين رجلين من الشيعة، فيتراضيان على أن تُعرض المحاكمة على رجل من شيعتنا؛ فما حكم ذلك؟ فقال الإمام (عليه السلام) في الجواب: «قضاء هؤلاء الأشخاص لا مانع منه، والذي نهينا عنه ليسوا هؤلاء الأشخاص، بل هم الذين يجبرون الناس على الخضوع لحكمهم ويهددون الناس بالسيف والسوط (المقصود هم القضاة المنصوبون من قبل خلفاء الجور)» (العاملي، 1419، ج 15، ص 25). يرى فقهاء الإمامية أن دلالة هذه الرواية في سياق حجية أو عدم حجية قضاء ودعوى غير المجتهد، سواء كان مقلداً أو قاضي تحكيم، ويناقشون حولها نقاشات دقيقة. وقد ذكر المرحوم صاحب الجواهر في خصوص تفسير ودلالة هذه الرواية على مشروعية قضاء ودعوى المقلدين عموماً أو قاضي التحكيم، بعد بيان رأي بعض الأصحاب القائل بأن أحكام أهل البيت تُكتسب أحياناً بالاجتهاد الصحيح وأحياناً بالتقليد الصحيح، أن الروايات الدالة على الإذن قد تكون لجميع الشيعة الذين تمسكوا بولاية أهل البيت وحفظوا أحكامهم بين الناس. سواء توصلوا إلى الأحكام بالقطع أو بالاجتهاد الصحيح أو عن طريق التقليد. هذا الفقيه الكبير، يعتبر رواية الحلبي تأكيداً على وجود إذن لجميع الشيعة الذين يحصلون على الأحكام بالقطع أو الاجتهاد والتقليد الصحيح، فيقول: «ما يُستفاد من الكتاب والسنة هو أن القضاء على أساس العلم والمعرفة الصحيحة نافذ، ومن كان عالماً بمسائل القضاء ويحكم على أساسها، فهو مصداق للروايات؛ سواء اكتسب هذه العلوم عن طريق الاجتهاد أو أصبح عالماً عن طريق التقليد، إذ لم يشترط أي من النصوص الاجتهاد، بل الروايات دالة على العلم والمعرفة بالأحكام والقوانين والضوابط القضائية» (النجفي، 1404، ج 40، ص 16). ويتابع قائلاً: «الإذن العام الذي هو مقتضى الرئاسة العامة للفقهاء، لا ينافي قضاء فئة لديها علم ببعض الأحكام الخاصة، ولا ينافي الإذن لمن لا يملك هذه الرئاسة مثل قاضي التحكيم» (النجفي، 1404، ج 40، ص 18-19). من الفقهاء الآخرين الذين استدلوا بهذه الرواية، المرحوم الإمام الخميني، حيث قال: «إطلاق قول الراوي: «رجل منا» يشمل المقلد أيضاً، والتحكيم وقضاء المجتهد ليس له خصوصية، وكون الإمام (عليه السلام) لم يردع ذهنية الراوي ولم يفصل بين المجتهد والمقلد، هو بنفسه دليل على عموم الجواز بالنسبة للمحكّم المجتهد أو غير المجتهد. وكذلك من مفهوم حصر عدم جواز التحكيم بالنسبة لأهل الجور والظلم، هو بنفسه دليل على شمول المحكّم والقاضي غير المجتهد» (الخميني، 1422، ص 47). ثم يرد المرحوم الإمام الاستدلالات المذكورة في الرواية والتي تثبت جواز الرجوع إلى غير المجتهد، ويقول: «ظاهراً من كلام الإمام (عليه السلام) حيث قال: «ليس هو ذاك» إشارة إلى أمر ذهني بين الراوي والإمام لم يُنقل إلينا، لأنه يجب على المولى أن يكون في مقام البيان ويجب توفير مقدمات الحكمة حتى يمكن التمسك بإطلاق كلام الإمام. ومفهوم الحصر نسبي وإضافي، لأن عدم الجواز بالنسبة للقضاة العامين الذين ليسوا أهل سيف وسوط ممنوع أيضاً؛ وعليه، فالحصر ليس حقيقياً حتى يمكن العمل بمفهومه» (نفسه). يبدو أن رأي صاحب الجواهر أقرب إلى مضمون الرواية؛ لأن أولاً، الادعاء بعدم وجود مقام البيان هو نفسه مخالف لبداهة الرواية، وإثبات الاجتهاد من الرواية أصعب. ثانياً، المقصود بالسيف والسوط هو كناية عن ظلم جهاز الظلم في تنصيب القاضي، وهو يمنع حصراً التقاضي عند جهاز الظلم، والذي يُفهم منه بالقدر المتيقن صحة التقاضي والتحكيم بين أصحاب الإمامية. وعليه، فإن رواية الحلبي في مقام حجية قاضي التحكيم وتفيد بأن الأصحاب يمكنهم مراجعة من كان إمام المذهب وتوفرت فيه شروط خاصة من العدالة والمعرفة الكافية بالمسائل القضائية.
3-2. الإجماع
الإجماع هو المستند الثالث لمشروعية قاضي التحكيم. قال المرحوم الشيخ الطوسي: «إذا اختار شخصان شخصاً ثالثاً حكماً بينهما، ففي حالة التحكيم بينهما، يلزم متابعته، ودليلنا هو إجماع الطائفة» (الطوسي، 1407، ج 6، ص 241). وقد عدّ صاحب الجواهر الإجماع من أسس مشروعية قاضي التحكيم (النجفي، 1404، ج 40، ص 28 و 29)، ونسب الشهيد الثاني جواز الرجوع إلى قاضي التحكيم إلى المشهور، ثم قال إنه لم يُذكر أي مخالف له. لأن هذه القضية وقعت في زمن الصحابة ولم يخالفها أحد (العاملي، 1433، ج 13، ص 332). ويبدو أن مستند المجمعين هو نفس الآيات والروايات التي تشكل أساس مشروعية قاضي التحكيم، وبعبارة أخرى، الإجماع مدركي. وفي هذه الحالة، لا يُطرح الإجماع كدليل، بل يكون مجرد مؤيد لمشروعية قاضي التحكيم. على أي حال، إذا لم يكن هناك إجماع، يمكن اعتبار الحكم بالعدل من قبل الصحابي الشيعي كافياً في مشروعية التحكيم (النجفي، 1404، ج 40، ص 29)؛ ولكن رأي بطلان الإجماع المدركي هو رأي مبنائي، حيث إن بعض الفقهاء المعاصرين مثل آية الله الزنجاني يعتبرون حجية الإجماع بشروط بناءً على تقرير المعصوم (عليه السلام) ويعتقدون أنه لا غير المدركي بودن الإجماع هو دليل اعتبار الإجماع ولا مدركي أو محتمل المدركية بودن له دور في عدم اعتبار الإجماع ولا يضر باعتباره؛ لأن الدليل الوحيد والأساسي لحجية الإجماع هو تقرير المعصوم. وفي نظرهم، إذا نقل أصحاب المجتهد فتواه في ظروف لا يوجد فيها مانع من ردها، في حضوره للآخرين وسكت، فإن هذا السكوت والتقرير هو علامة على إمضائه وموافقته. وهذا الأمر ينطبق تماماً على المعصوم (عليه السلام). عندما تصدر مجموعة من الفقهاء في زمن المعصوم فتوى ولا يصدر رد من الإمام (عليه السلام)، فإن هذا السكوت والتقرير يكفي لإثبات اعتبار الفتوى ورأي المجمعين، ولا فرق بين ذكر وعدم ذكر مستند الفتوى من قبل المجمعين. ومن الواضح أن اعتبار الفتوى من جهة يعتمد على إحراز اتصالها بزمن المعصوم، ومن جهة أخرى مشروط بأن تكون الفتوى محل ابتلاء الناس وعام البلوى. والسكوت وعدم الردع يكونان علامة على الإمضاء إذا لم يكن ذلك بسبب التقية (الزنجاني، 1419، ج 20، ص 6420). على أي حال، حتى مع فرض حجية الإجماع المدركي، يمكن الإشكال على هذا الإجماع بأنه دليل لبي ويجب الاكتفاء بالقدر المتيقن، حيث إن معقد الإجماع هو الرجوع إلى قاضي التحكيم الذي هو محل اتفاق، ولكن حدود وثغور الإجماع، أي ما هو مستوى علم القاضي، لم تكن محل إجماع. وعليه، فإن القدر المتيقن من معقد الإجماع هو حيث يكون القاضي والمحكّم مجتهداً. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التمسك بالإجماع في جميع الحالات.
الخاتمة
إن مشروعية التحكيم في فقه الإمامية في المسائل الشرعية أمر مقبول لدى جميع الفقهاء. ولكن هناك خلاف بين الفقهاء في حدود وثغور المشروعية. من وجهة نظر مشهور فقهاء الإمامية، أساس مشروعية قاضي التحكيم هو الآية 35 من سورة النساء. وبناءً على هذه الآية الشريفة، فإن انتصاب الحكمين من قبل الحاكم والقاضي، وكذلك اشتراط شروط القاضي المنصوب لقاضي التحكيم، هو أمر مفروغ منه. وهذا الأمر ناتج عن إطلاقات أدلة شروط القاضي؛ ولكن ذُكر أن قبول قاضي التحكيم له مقتضيات، وفي حالة قبول تلك المقتضيات، سنواجه صعوبات كثيرة. ولهذا السبب، لا يمكن للأدلة ذات الصلة أن تشترط شروط القاضي المنصوب، بما في ذلك الاجتهاد، لقاضي التحكيم أيضاً، وإلا فسيواجه التحكيم صعوبات كثيرة. ومن مضمون الآية أيضاً، لا يمكن تحميل شروط القاضي المنصوب على قاضي التحكيم؛ لأن أدلة الفقهاء لا تملك القدرة على إثباتها. وبناءً على ذلك، ما يمكن فهمه واستنباطه من الآيات والروايات هو أن مجرد العلم والمعرفة الفقهية-القانونية كافٍ لحل وتسوية نزاعات التحكيم، ويكفي أن يكون للمحكّم هذا القدر من العلم والمعرفة بأمر الحلال والحرام وأن يكون قادراً على دراسة الدعوى بشكل صحيح وإصدار الحكم. ولهذا السبب، فإن وجود شرط الاجتهاد لقضاء قاضي التحكيم هو محل نقد. وعليه، فإن التحكيم في المسائل الشرعية يتعلق بشخص ملم بأمر الحلال والحرام ويمتلك القدرة على فصل الخصومات والمنازعات، وهو بحد ذاته يرتبط بالتحكيم بمعناه الحديث؛ لأن التحكيم في القانون المحلي والدولي يعتمد أيضاً على التخصص والاستفادة العلمية.