قاعدة حجية الانصراف وتطبيقاتها في المسائل المستحدثة

الملخص

تُعدّ قاعدة الانصراف من المباحث المهمة في باب الألفاظ من علم الأصول، ولها تطبيقاتها في مختلف أبواب الفقه ومسائله، وتعتبر من الموضوعات التي هي محطّ ابتلاء الفقهاء. وهي من جملة الاستظهارات اللفظية. تسعى هذه المقالة، في مقام إعادة قراءة «قاعدة الانصراف»، إلى دراسة حجية أقسام الانصراف بعد تبيين ودراسة تعريفه وأقسامه ومناشئه. كما تحاول، ضمن الإشارة إلى بعض تطبيقات هذه القاعدة في بعض المسائل المستحدثة، أن تتناول كيفية توظيفها في الفقه. وقد انتظم هذا البحث في قسمين: القسم الأول، ذو الطبيعة الأصولية، حيث قُدِّم فيه تنظيم منهجي لآراء الأصوليين، وأُضيفت نقاط تحليلية للمبحث، وصولاً في النهاية إلى خلاصة جامعة في ضوء الرؤى الجديدة. أما القسم الثاني، ذو الطبيعة الفقهية، فيبيّن فاعلية قاعدة حجية الانصراف في حل المسائل المستحدثة مع ذكر بعض النماذج التوضيحية.

تُعدّ قواعد الاستظهار اللفظي من أهم القواعد الأصولية لتنقيح دلالة النصوص، ويأتي بعدها في الأهمية الاستظهار من فعل وسيرة المعصوم العملية. في المصادر الأصولية، يُخصَّص جزء كبير من المباحث لدراسة الدلالة في إطار المباحث الصغروية، ثم لبيان وجه حجيتها في إطار المباحث الكبروية. وفي القسم الأول، أي المباحث الصغروية، ينصبّ التركيز الأكبر على دلالة الأدلة اللفظية؛ ذلك لأن حصة الأدلة اللفظية وحجمها أكبر بين الأدلة الشرعية. فالقرآن كله دليل لفظي، والسنة النبوية يتجلى معظمها في قالب السنة القولية، أي الأحاديث والأخبار. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي إغفال السنة الفعلية والتقريرية، والحاجة إلى توسيع المباحث المتعلقة بدلالة فعل المعصوم وسيرته.

إننا في هذا البحث بصدد إعادة قراءة «قاعدة حجية الانصراف» التي هي من جملة الاستظهارات اللفظية، ومن ثم نطرح تطبيقات هذه القاعدة في الفقه، مما يدل على فاعليتها وأهميتها.

في البحث الأول ذي الطبيعة الأصولية، قمنا بتقديم تنظيم منهجي لآراء الأصوليين وأضفنا نقاطًا تحليلية، ثم توصلنا في النهاية، في ضوء الرؤى الجديدة، إلى خلاصة جامعة. وفي البحث الثاني ذي الطبيعة الفقهية، عرضنا فاعلية قاعدة حجية الانصراف في حل المسائل المستحدثة مع ذكر بعض النماذج.

وجدير بالذكر أن الرجوع إلى الإطلاقات في حل المسائل المستحدثة شائع جدًا، وقبول الانصراف يعني وجود قرينة على التقييد، وهو ما قد يُغفل عنه أحيانًا. لذا، عند استنباط الإطلاق من الأدلة اللفظية، يجب دراسة احتمال وجود الانصراف بدقة، وإلا ابتعدنا عن الاستظهار العرفي.

تعريف الانصراف

الانصراف يعني «أُنس الذهن بحصة خاصة من حصص معنى الموضوع له».
[1] عبد الساتر، بحوث في علم الأصول، ج 7، ص 527؛ الهاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 431.

وبالطبع، نادرًا ما نجد في آثار الأصوليين تعريفًا للانصراف، ولعلهم اعتبروه مستغنيًا عن التعريف واكتفوا بالفهم العرفي لمعنى لفظ «الانصراف» لانتقال المخاطب إلى المعنى المقصود لديهم.

الانصراف والظهور

إذا بلغ انصراف الذهن إلى بعض مصاديق المعنى أو انصرافه عن بعض مصاديق المعنى حدًّا يكشف عن حصول الوضع، فإن هذا الأمر يعني نقل اللفظ من المعنى المطلق إلى المعنى المقيد وتكوّن ظهور ثانوي للفظ. ويجب أن يكون هذا الانصراف مستندًا إلى ذهن عامة الناس والعرف العام، بحيث لا يؤثر تغيير المخاطب أو الموقف في حصول الانصراف أو عدمه.

أما إذا كان الانصراف لفرد أو أفراد معينين وفي ظروف خاصة، ومستندًا إلى قرينة، فإن هذا الانصراف لا يُنشئ ظهورًا لفظيًا؛ لأن الظهور اللفظي ظهور نوعي وعام، لا شخصي وخاص.

أقسام الانصراف ومناشئه

أ) التقسيم الثنائي

يرى بعض الأصوليين، في مقام التفريق بين أقسام الانصراف وتبيين منشئه، أن الانصراف إما أن يكون ناشئًا عن كثرة استعمال اللفظ المطلق وإرادة المقيد، مثل استعمال لفظ «حيوان» في معنى الكائنات الحية غير الإنسان، وإما أن يكون ناشئًا عن سبب خارجي (مثل غلبة وجود فرد خاص من المعنى أو ممارسة المخاطب لفرد خاص من المعنى)، مثل انصراف لفظ «الماء» إلى ماء الفرات لسكان ضفاف نهر الفرات.
[1] ر.ك: المظفر، أصول الفقه، ج 1، ص 189.

القسم الأول مانع من التمسك بالإطلاق، أما القسم الثاني فليس بمانع، ويُعد من قبيل الانصراف البدوي.

ب) التقسيم الثلاثي

بالطبع، يمكن تفكيك القسم الأول إلى قسمين، فيقال: إذا كان الانصراف ناشئًا عن كثرة استعمال اللفظ وإرادة حصة من المعنى بطريق تعدد الدال والمدلول، أو أدى هذا الأمر إلى نقل وتحقق وضع تعييني، أو أقل من ذلك وبحد وجود قرينة على إرادة التقييد، فالقسم الأول في الواقع خارج عن بحث الانصراف، والقسم الثاني هو ذلك النوع من الانصراف المانع من إثبات الإطلاق بالاستعانة بقرينة الحكمة.
[2] ر.ك: الصدر، دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية، ج 1، ص 240؛ الخراساني، كفاية الأصول، ص 289.

ج) التقسيم الرباعي

بمزيد من الدقة، يمكن إيجاد منشأ آخر للانصراف، وهو الفهم العرفي حول مناسبة الحكم للموضوع. فعندما يحصل أُنس ذهني بحصة معينة من حصص المعنى، وتكون تلك الحصة مناسبة للحكم، فإن هذه المناسبة تسبب الانصراف. ومثال ذلك انصراف المسح في آية الوضوء إلى المسح باليد، وانصراف الماء في «الماء مطهر» إلى «الماء الطاهر». هذا النوع من الانصراف حجة ومانع من الإطلاق؛ لأن مناسبة الحكم والموضوع بمنزلة القرينة المتصلة اللبية.
[1] ر.ك: عبد الساتر، بحوث في علم الأصول، ج 7، ص 527؛ الإمام الخميني، المكاسب المحرمة، ج 1، ص 38، حول انصراف تحريم الدم إلى نوع خاص من الانتفاع.
[2] الهاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 432.
وقد يُرجع أحيانًا هذا التناسب إلى الارتكاز،
[3] نفس المصدر، ج 5، ص 291؛ الإمام الخميني، الاستصحاب، ج 1، ص 347؛ التعادل والتراجيح، ج 1، ص 57.
وأحيانًا نرى في بعض المصادر أن الارتكاز يُعدّ سببًا مستقلاً من أسباب الانصراف.
[4] الخراساني، كفاية الأصول، ص 289.

د) التقسيم الخماسي

يُستفاد من كلام المحقق الخراساني أن للانصراف خمس مراتب:

المرتبة الأولى: وهي أضعف المراتب، وهي الانصراف البدوي.

المرتبة الثانية: الانصراف المستند إلى القدر المتيقن في مقام التخاطب، وهو على مبنى المحقق الخراساني مانع من التمسك بالإطلاق.

المرتبة الثالثة: أن يظهر المطلق في المقيد بسبب كثرة الاستعمال، استعمالاً حقيقيًا، بحيث يكون له منصرف إليه.

المرتبة الرابعة: الانصراف الذي يسبب حصول الاشتراك اللفظي، أي أن المطلق يكتسب ظهورًا في المقيد بسبب كثرة الاستعمال، مع احتفاظه بظهوره في معناه المطلق أيضًا، فينشأ عن ذلك إجمال يمنع من التمسك بالإطلاق.

المرتبة الخامسة: الانصراف الذي يسبب النقل، بحيث يُهجر المعنى الأول.
[1] ملكي أصفهاني، أصول فقه الشيعة، ج 6، ص 549.

وقد عدّ بعض الأساتذة الآخرين أقسام الانصراف الخمسة على النحو التالي:

1. الانصراف البدوي: مثل انصراف المأكول إلى المأكول المتعارف. هذا الانصراف لا اعتبار له، ولذا أفتى فقهاؤنا بحصول الإفطار بأكل المأكول غير المتعارف كورق الشجر.

2. الانصراف الناشئ عن كثرة الاستعمال: مثل انصراف «أهل العلم» في زماننا إلى «عالم الدين». هذا الانصراف لا يزول بالتأمل.

3. انصراف اللفظ إلى أكمل الأفراد في الماهيات المشككة: كما أن العلية المستفادة من أدب الشرط منصرفة إلى العلية المنحصرة، ولأن أكمل الأفراد نادر، فهذا النوع من الانصراف غير ثابت.

4. الانصراف إلى القدر المتيقن: وهذا أيضًا غير ثابت.

5. الانصراف الناشئ عن كثرة الاستعمال مع حصول النقل.
[2] القدسي، أنوار الأصول، ج 2، ص 189.
[3] نفس المصدر، ص 190.

هـ) العودة إلى التقسيم الثنائي بصيغة أخرى

في التقسيم الخماسي المذكور، يجب القول إن القسم الخامس خارج أساسًا عن بحث الانصراف؛ لأنه قد نشأ معنى حقيقي للفظ. وأما بقية الأقسام، فهي في الواقع تشير إلى منشأ الانصراف. لذا، فالحق أن نقول إن الانصراف نوعان: بدوي وثابت. إذا حددنا الحالات الخاصة التي يوجد فيها الانصراف الثابت، أمكننا اعتبار بقية الانصرافات بدوية. ولذا، عرّف المحقق الخوئي حالتين يكون فيهما الانصراف ثابتًا، واعتبر الباقي بدويًا.

حسب رأيه، إذا كان صدق الماهية على أفرادها لدى العرف العام ذا حالة تشكيكية، أو كان هذا التشكيك سببه علو مرتبة بعض أفراد الماهية، مما يوجب انصراف اللفظ عن ذلك الفرد، مثل لفظ «حيوان» الذي ينصرف في العرف العام عن الإنسان، ولذا فإن المتفاهم العرفي من حديث «لا تصلِّ فيما لا يؤكل لحمه» هو شعر الحيوان لا الإنسان. هنا يكون الظهور الانصرافي بمنزلة القرينة المتصلة المانعة من انعقاد الإطلاق.
[1] الواعظ الحسيني البهسودي، مصباح الأصول، ج 2، ص 603.

أو أن يكون سببه دنو مرتبة بعض أفراد الماهية، مثل صدق اسم الماء على ماء الكبريت. هنا أيضًا لا وجه للتمسك بالإطلاق؛ لأن أصل صدق الاسم على هذا الفرد غير محرز، وهو من قبيل الكلام المحفوف بما يصلح للقرينية. في غير هاتين الحالتين، يكون الانصراف بدويًا ولا يمنع من التمسك بالإطلاق.
[2] الرشتي، بدائع الأفكار، ص 54؛ عبد الساتر، بحوث في علم الأصول، ج 6، ص 626.

قال مشهور الأصوليين إنه إذا كان منشأ الانصراف هو أكملية بعض مصاديق المعنى، فإن هذا الانصراف غير معتبر، بل هو انصراف بدوي.
[3] الخوئي، أجود التقريرات، ج 1، ص 533.

وقد ذُكرت أقسام أخرى للانصراف، ولكن المحقق النائيني يعتقد أن ذكر هذه الأقسام التي قد تبلغ عشرة أو أكثر، لا فائدة مهمة فيه.
[4] الفاني، آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول، ج 2، ص 403.

يُطلق على الانصراف البدوي أحيانًا اسم الانصراف الخطوري في مقابل الانصراف الظهوري الذي هو الانصراف الثابت؛ كما أن التبادر يُقسم أحيانًا إلى ثلاثة أقسام: التبادر الباقي، والإطلاقي، والانصرافي.
[5] الشفيعي، بدائع الأصول، ص 85.

ويرى الشهيد الصدر أن التبادر قد يكون بسبب الانصراف لا الوضع، ولذا فإن التبادر الانصرافي الذي ينشأ من كثرة الاستعمال ليس بحجة.

الانصراف والقدر المتيقّن

بما أن القدر المتيقن يُتصور على عدة أنحاء، فإن علاقة الانصراف بوجود القدر المتيقن تستدعي مزيدًا من الدقة.

في المرحلة الأولى، قُسِّم القدر المتيقن إلى نوعين: الأول، القدر المتيقن في مقام التخاطب والمحاورة؛ والثاني، القدر المتيقن بلحاظ العالم الخارجي. القسم الثاني لا يضر بالإطلاق، والانصراف اللفظي إليه من قبيل الانصراف البدوي. أما القسم الأول، فيرى بعض الأصوليين أنه مضر، ولذا عُدّ انتفاؤه من مقدمات الحكمة. وقد فصّل الأصوليون اللاحقون في هذا الأمر.
[1] عبد الساتر، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 153.
[2] الخراساني، كفاية الأصول، ص 287؛ المظفر، أصول الفقه، ج 1، ص 186.

يعتقد المحقق النائيني، بالنظر إلى كلام المحقق الخراساني الذي يعتبر انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب من مقدمات الحكمة، أن القدر المتيقن في مقام التخاطب يجب أن يكون بحسب الدلالة وظهور اللفظ، لا بحسب الحكم والمراد الواقعي؛ لأنه بحسب المعنى الثاني، لا يُتوهم أصلاً أن يكون له مدخلية في محل البحث.

أما وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، فإذا كان مرجعه إلى الانصراف، أمكن أن يكون له مدخلية في صحة إطلاق القول، وإلا فلا اعتبار له، والاعتماد على الإطلاق صحيح مع فرض أن المتكلم في مقام بيان مراده، بمعنى أنه في مقام بيان جميع الأمور الدخيلة في متعلق وموضوع الحكم النفس الأمري، أو في مقام بيان جميع الأمور الدخيلة في جعل وتشريع القانون. مثلاً، رواية «خلق الله الماء طهورًا»، وإن وردت في معرض سؤال عن ماء البئر، لكنها لما كانت في مقام جعل القانون، فإن مورد السؤال الذي هو القدر المتيقن لا يخصصها.
[3] الخراساني، كفاية الأصول، ص 287؛ الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، ج 2، ص 575.

وقد أورد المرحوم المظفر هذا التفصيل ببيان آخر، حيث جعل كون الشيء موضوعًا على نحوين: الأول، أن يكون المولى في مقام بيان تمام موضوع حكمه وما يفهمه المخاطب من الخطاب. الثاني، أن يكون المولى في مقام بيان ذات موضوع حكمه، وإن لم يفهم المكلف حدوده وتفاصيله. في النوع الأول، لا يضر وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب بالإطلاق؛ لأن وجود القدر المتيقن ليس بمعنى وجود بيان. ولكن في النوع الثاني، يكون وجود القدر المتيقن مضرًا؛ لأن المولى يمكنه الاعتماد عليه.
[1] المظفر، أصول الفقه، ص 187.

والآن، يُطرح هذا السؤال: كيف يكون المولى في مقام البيان؟ يعتقد المحقق الخراساني في جوابه على هذا السؤال أنه لإثبات «كونه في مقام البيان» لا يلزم أكثر من النوع الثاني، وهو يفي بغرض المولى الذي هو امتثال العبد. ولكن بالطبع، إذا كان غرضه بيان تمام الموضوع، وكان لفظه مطلقًا، وعلم المكلف أن القدر المتيقن هو تمام الموضوع، فلرفع هذا التوهم، يجب عليه أن يفهم بطريقة ما أن المطلق هو تمام الموضوع، وإلا لكان قد أخل بغرضه.

بناءً على هذا، يمكن القول إن القدر المتيقن إجمالاً ثلاثة أنواع:

الأول: القدر المتيقن بحسب العالم الخارجي؛ أي الحصة أو الحصص من المطلق التي يصدق عليها الامتثال قطعًا. هنا، لا يكون لانصراف الذهن إلى القدر المتيقن منشأ لفظي، بل إن مصطلح الانصراف المتعلق بالاستظهارات اللفظية لا ينبغي استعماله إلا بنوع من التسامح. بل يجب القول إن لدينا هنا قدرًا متيقنًا ولكن ليس لدينا انصراف؛ لأن تيقن بعض المصاديق هنا ليس بلحاظ الفهم العرفي من اللفظ، بل بسبب خصوصيات العالم الخارجي، ولذا يتغير هذا الفهم بتغير المخاطب والظروف الخارجية، فهو ليس ظهورًا نوعيًا عامًا.

الثاني: القدر المتيقن بحسب الإرادة الواقعية للمولى. هنا أيضًا لا يوجد انصراف لفظي، أو بتعبير تسامحي، لا يكون لانصراف الذهن إلى القدر المتيقن منشأ لفظي، بل بلحاظ الإدراك العقلي للمصاديق القطعية للامتثال. إلا إذا كشفنا عن الإرادة القطعية للمولى بطريق آني من المدلول القطعي للفظ؛ أي أن يكون هناك انصراف لفظي، ثم من وجود الانصراف نفهم القدر المتيقن من المراد الواقعي.

الثالث: القدر المتيقن بحسب الدلالة وظهور اللفظ؛ أي أن توجد في مقام التخاطب بين المتكلم والمخاطب قرائن يفهم منها المخاطب من اللفظ المطلق إرادة قطعية لبعض المصاديق. هنا يكون للانصراف إلى القدر المتيقن منشأ لفظي، وهو وجود القرائن في مقام التخاطب.

الشك في الانصراف

الشك في الانصراف إما أن يعني الشك في وجود ما يصلح للقرينية، ولذا يمكن أن يكون من تطبيقات «أصالة الحقيقة عند الشك في القرينة»، أو أن يعني الشك في قرينية الموجود، وهو من تطبيقات «قاعدة حصول الإجمال عند الشك في قرينية الموجود».

يعتقد المحقق الخوئي في بيان أقسام الانصراف أن الانصراف قد يكون ناشئًا عن التشكيك في الماهية في نظر العرف؛ لأن العرف يرى بعض المصاديق خارجة عن الماهية، مثل «غير مأكول اللحم» الذي ينصرف عن الإنسان، وهذا الانصراف حجة. وأحيانًا تكون بعض المصاديق مشكوكة من حيث المصداقية، مثل مصداقية ماء الزاج وماء الكبريت لـ«الماء». هنا لا يوجد انصراف قطعي، ولكن هذا الانصراف المشكوك له صلاحية القرينية، ولذا لا ينعقد الظهور الإطلاقي.
[1] الخوئي، أجود التقريرات، ج 1، ص 532؛ ج 2، ص 471.

ولكن دراسة المسألة تحتاج إلى مزيد من التأمل. قال الأصوليون إن الشك في القرينة نوعان: الأول، الشك في أصل وجود القرينة؛ والثاني، الشك في قرينية الموجود. هذان القسمان من الشك لا يجتمعان؛ لأن وجود أحدهما في طول عدم الآخر، ورتبتهما ليست واحدة.
[2] الفرحي، تحقيق في القواعد الفقهية، ص 389، القاعدة رقم 50.

أما في مورد الشك الأول، فيجب التفريق بين القرائن المتصلة والمنفصلة. المشهور بين الأصوليين في القيود المتصلة عند الشك في أصل وجود القرينة، أنهم يجرون أصالة عدم القرينة ويحكمون بحجية الظهور، وفي موارد الشك في قرينية الموجود، يعتقدون أن العام يُجمل.
[1] عبد الساتر، بحوث في علم الأصول، ج 7، ص 177.
ولكن يمكن أن نقول إن في القيود المتصلة كلا نوعي الشك يوجب الإجمال.
[2] نفس المصدر، ج 9، ص 319.

أما في القيود والقرائن المنفصلة، فلأن القرينة المنفصلة معارضة للحجية، فعند الشك في قرينية القيد المنفصل، لن يكون لهذا الشك أثر، وبمجرد احتمال وجود المعارض، لن نرفع اليد عن الظهور الذي وصل إلى مرتبة الحجية.

يُشار أيضًا إلى أصل عدم وجود القرينة بعنوان الاستصحاب العدمي.
[3] الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، ج 4، ص 718؛ الواعظ الحسيني البهسودي، مصباح الأصول، ج 1، ص 120؛ البروجردي، نهاية الأفكار، ج 3، ص 88؛ الطباطبائي القمي، آراؤنا في أصول الفقه، ج 2، ص 81.

الآن، حيث إن محل البحث هو الانصراف، فالشك ليس في كون الانصراف من قبيل القيود المتصلة. فإذا اعتبرنا الظهور الإطلاقي حجة عند الشك في أصل وجود الانصراف، وأجرينا أصل «عدم وجود القرينة عند الشك في القرينة» في القيود المتصلة، فبها ونعمت. وإلا، فإننا نرفع اليد عن الظهور الإطلاقي؛ لأنه إذا لم يكن لدينا أصل باسم «أصالة عدم القرينة» في القيود المتصلة، فإن الشك سيترك أثره ونصل إلى الإجمال. أما في الموارد التي يوجد فيها شك في قرينية الانصراف الموجود، فبالطبع سيظهر الإجمال.

ولكن يبدو أنه فيما يتعلق بإجراء الأصل المذكور، يجب أن نفصّل ونحكم بظهور الإجمال ونحلل ونبحث. يجب أن نقول: إذا كان هناك ظهور عرفي فعلي، سواء كان ظهورًا إطلاقيًا أو ظهورًا عامًا، والشك في وجود القرينة بعد تحقق الظهور العرفي وكونه مسلمًا، فإن أصالة الحقيقة تجري. ولكن تحقق هذا الفرض غير متصور في الخارج؛ لأنه في القيود المتصلة، مع فرض اتصالها بالكلام، لا معنى لتصور تحقق مثل هذا الشك بعد تحقق الظهور.

ولكن إذا لم يكن هناك ظهور عرفي فعلي، ففي هذه الحالة لا معنى للبحث عن الشك في القيود، ولذا ينتفي هذا البحث موضوعًا؛ أي لا يمكن تصور حصول شك في وجود قرينة متصلة أو قرينية أمر متصل. ولذا، يجب أن نقول: بما أننا نشك في تحقق الانصراف أو نشك في قرينية الانصراف الموجود، فإنه لا يوجد أساسًا ظهور إطلاقي.

رؤية جديدة

بعض المحققين، في نظرة جامعة، عدّوا للانصراف الناشئ عن الأمور الخارجية أربعة مناشئ:
[1] مبلغي، قاعدة الانصراف، ص 117.

الأول، غلبة الوجود؛ الثاني، كثرة الاستعمال (وهذان القسمان قد عدهما غيرهم أيضًا)؛ الثالث، الظروف السياسية والاجتماعية الخاصة، كما أن لفظ «جائزة» في عصر الأئمة المعصومين (ع) كان منصرفًا إلى جوائز سلاطين الجور؛ الرابع، ظهور مصداق جديد للموضوع، مثل الروايات المتعلقة بحرمة استعمال الدم التي تنصرف عن المصاديق الجديدة للاستعمال (إنتاج مشتقات الدم) وتُحمل على المصداق القديم (الأكل أو الشرب)، وهذا الانصراف حجة. ومثل انصراف لفظ «النعل» في الروايات المتعلقة بتطهير أسفل النعل بالمشي، إلى النعال الموجودة في زمن التشريع، وهذا الانصراف ليس بحجة.

وقد وضع هؤلاء في مقابل الانصراف الناشئ عن الأمور الخارجية، قسمًا آخر بعنوان الانصراف الناشئ عن الارتكاز، وعدّوه ثلاثة أنواع: الارتكاز على خلاف النص، والارتكاز على وفق النص، والارتكاز على أساس مناسبة الحكم والموضوع.
[2] مبلغي، قاعدة الانصراف، ص 134.

معنى هذا القول هو أن الانصراف في هذه الموارد يرجع إلى الارتكاز، والارتكاز أحيانًا يرجع إلى الفهم العرفي حول مناسبة الحكم ومناسبة الحكم والموضوع.

وهذا في حين أنه يبدو لنا أولاً، يجب إرجاع فهم مناسبة الحكم والموضوع إلى الارتكاز؛ لأن المناسبة ليست أمرًا تكوينيًا أو طبيعيًا، بل إن الفهم الارتكازي الخفي في العرف هو الذي يكشف عن هذه المناسبة.

ثانيًا، لا يوجد وجه واضح لتقسيم الأنواع الثلاثة المذكورة وجعلها أقسامًا متقابلة، وعلاقتها ببعضها غير واضحة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون لكل تقسيم دور في نتيجة البحث، وبدون النظر إلى الثمرة النهائية، لا وجه للتقسيم.

أما في الموارد التي ينصرف فيها اللفظ المطلق إلى حصة من المعنى وسبب الانصراف هو غلبة وجود تلك الحصة، فقد توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه يمكن التفريق بين الحالات التي تكون فيها الحصة الأخرى النادرة الوجود ذات ندرة كيفية، أو ندرة كمية. في الحالة الأولى، يكون الانصراف حجة، مثل انصراف لفظ «المسح» إلى المسح باليد؛ لأن هذا النوع من المسح هو المصداق الأكمل والأبرز. ولكن في الحالة الثانية، يكون الانصراف حجة فقط إذا كانت الغلبة غير عادية بل شديدة، والطرف الآخر ذو ندرة ملحقة بالعدم، مثل انصراف أدلة كفاية أذان الغير للإنسان إلى أذان الرجل، لا أذان المرأة.
[1] ر.ك: عبد الساتر، بحوث في علم الأصول، ج 6، ص 626؛ الرشتي، بدائع الأفكار، ص 206.
[2] نفس المصدر، ص 127.

وهنا أيضًا يجب أن نضيف أن الأصوليين المتأخرين يصرحون بأن مجرد الأكملية لا يوجب الانصراف.

خلاصة البحث

حول جميع أقسام الانصراف، يمكن القول: حيثما وجد ظهور عرفي عام، سواء عُرف سببه أم لم يُعرف، وسواء وصل المعنى المنصرف إليه إلى حد المعنى الموضوع له بالوضع التعييني أم لا، وسواء كان المعنى المنصرف عنه متروكًا ومنقولاً عنه أم لا، في جميع هذه الحالات، يكون الظهور حجة.

لكن ما قاله الأصوليون عن الظهور المعتمد على الانصراف يتعلق بالانصراف الناشئ عن وجود قرينة عرفية وفهم عام لحصة من المعنى، وذلك في موضع يكون فيه المعنى الحقيقي اللغوي موجودًا وإمكان إرادة الإطلاق من اللفظ غير منتفٍ. ولأن الانصراف من قبيل القيود المتصلة، فإن الشك في أصل تحقق الانصراف بالمعنى الذي ذكرناه سابقًا، مساوق للشك في الظهور الأولي للفظ، إلا إذا اعتبرنا الظهور الانصرافي ظهورًا ثانويًا لم يسبب بعد اشتراكًا أو نقلاً، واعتبرنا الظهور الأولي متعلقًا بالمعنى الحقيقي والموضوع له الذي لم يُترك بعد.

وهذا يعني وجود نوعين من الظهور المتزامن والمتعاضد دون أن نقول بالاشتراك أو النقل، وبالطبع فإن الظهور الثاني متأخر عن الظهور الأول في التشكل. على أي حال، تصور تحقق الظهور الانصرافي مع الحفاظ على الظهور الإطلاقي دون قبول الاشتراك أو النقل أمر مشكل.

أما ما قيل عن مناشئ الانصراف، فهو في الواقع نوع من البحوث التحليلية التي تشكلت في العصور المتأخرة، وكان الأصوليون السابقون بطرحهم قاعدة الانصراف يشيرون فقط إلى وجود نوع من الظهور ليس له منشأ وضعي ويرجع إلى قرينية الفهم العرفي.

في دراسة الانصراف الناشئ عن الارتكاز، يمكن القول إن هذا الارتكاز نفسه ناشئ عن فهم عرفي لا يتعلق بعالم الألفاظ، ولكن بما أن الناس يدخلون باب الألفاظ بهذا الفهم، فإن قرينيته تسبب تشكل ظهور جديد غير الظهور الأولي اللغوي. إذن، الانصراف يكشف عن قرينية الفهم العرفي التي أثرها ظاهر ولكن تفاصيل وجودها خفية.

أما عن الانصرافات الناشئة عن الأمور الخارجية التي أشار إليها بعض المحققين، فيمكننا القول في هذا التقسيم الرباعي إن القسمين الثالث والرابع يرجعان في الواقع إلى القسمين الأول والثاني؛ لأن الظروف السياسية والاجتماعية أو ظهور مصداق جديد للمعنى كلاهما يتعلق بغلبة وجود حصة من المعنى أو كثرة الاستعمال في فترة زمنية خاصة، لا أكثر.

تطبيقات فقهية

فيما يلي بعض المسائل الفقهية الجديدة المترتبة على قاعدة حجية الانصراف.

المسألة الأولى

في جميع التحديدات الشرعية، مثل تحديد ماء الكر بمقدار ثلاثة أشبار ونصف، وتحديد أقصى مسافة بين صفوف الجماعة وأفرادها بمقدار شاة راقدة، أو المسافة بين قدمي المصلي ورأسه في حالة السجود، أو تحديد حد الترخص بعدم سماع صوت الأذان وعدم رؤية جدار المدينة، أو تعيين أوائل الشهور القمرية برؤية الهلال وما شابه، يجب حمل الشبر على الشبر المتعارف، والقدم على القدم المتعارف، وكذلك السمع والبصر على السمع والبصر المتعارف. بناءً على ذلك، فإن رؤية الهلال بالأدوات والأجهزة الجديدة والمتطورة التي تفوق قدرة بصر الإنسان في حالته الطبيعية والمتعارفة، لا تشملها أدلة اعتبار الرؤية، وإطلاق الرؤية منصرف عنها.

سر المسألة هو أن التحديد لا ينسجم مع الإبهام والتردد والإجمال. وإذا أخذنا بإطلاق الدليل، فسينشأ تردد وإجمال في بيان الحد والمقدار، وفي مقام التحديد، يعتبر هذا الأمر خلافًا لمقتضى التحديد؛ لأن أفرادًا مختلفين يمكن تصورهم للمطلق، بينهم اختلاف فاحش، والتخيير بين هؤلاء الأفراد في مقام التحديد غير مقبول. لا بد في هذه الموارد من القول بأن المراد هو الفرد الشائع، والاختلاف الطفيف بين الأفراد الشائعين قابل للتسامح ولا يتنافى مع التحديد. ونتيجة لذلك، فإن الإطلاق في مثل هذه الموارد التي يُلحظ فيها الاختلاف الطفيف الموجود بين الأفراد، حاكم ومعتبر. وهذا الإطلاق يقتضي الاكتفاء بالفرد الأقل بين الأفراد الشائعين، وما زاد عليه لا يعتبر واجبًا. ففي الأشبار المتعارفة، يمكن الاكتفاء بأقلها من حيث المقدار. وهكذا، مثلاً، في صفوف الجماعة، إذا حدثت مسافة بمقدار أطول شخص بين الأفراد الشائعين، فإن الاتصال قائم، والمسافة التي تزيد عن ذلك تخل بالاتصال. خلاصة القول، يجب على المكلف أن يرفع يده عن إطلاق اللفظ، وأن يلحظ الإطلاق بين الأفراد الشائعين الذين ينصرف إليهم اللفظ، وفي فترة هذا الإطلاق الثاني، يمكنه الاكتفاء بالفرد الأدنى أو الأقصى، بحسب ما يسبب التعذير أو التنجيز. من هنا، في رؤية الهلال، إذا رُئي الشهر بأقوى عين من العيون المتعارفة، يتنجز التكليف. وفي صفوف الجماعة، إذا حدثت مسافة بمقدار أطول شخص شائع، يمكن للمكلف أن يتمسك بإطلاق الدليل كمعذّر، وينفي عن نفسه قصد الفرادى ووجوب قراءة الحمد والسورة.
[1] ر.ك: القائيني، المبسوط، الحج والعمرة، ج 1، ص 501.

مما قلناه، يتضح أنه حيثما ادُّعي الانصراف، فلن يكون للإطلاق اعتبار، بل الإطلاق المعتبر هو بالمقدار الذي ينصرف إليه.

بالإضافة إلى مسألة رؤية الهلال بالأدوات الفلكية، في مسألة اشتراط اتحاد الآفاق التي هي رأي مشهور الفقهاء، تم التمسك أيضًا بانصراف الأدلة. وقد أورد الملا أحمد النراقي في رسائل ومسائل ما يلي:

«كلما كان هناك اختلاف فاحش في طول المدينتين… فإن رؤية الهلال في البلد ذي الطول القصير لا توجب ثبوت أول الشهر في البلد ذي الطول الكبير… وهكذا، رؤيته في مصر لا تكفي لبغداد… من القواعد المسلمة أن المطلق منصرف إلى الفرد الشائع، وثبوت الرؤية في بغداد (بالرؤية) في كشمير مثلاً من الفروض النادرة. فالمراد من الشارع أمر شائع، وهو ثبوت الرؤية في الولايات القريبة من بعضها. وبهذا يمكن القول: مطلقًا، كلما كانت مدينتان بعيدتين جدًا عن بعضهما، فإن رؤية إحداهما لا تكفي للأخرى مطلقًا، سواء علمنا عرضهما وطولهما أم لا، كما هو ظاهر من كلام مشهور علماء الدين، حسب تصريح بعض العلماء».
[1] مختاري، مجموعة رؤية هلال، ج 3، ص 2217.

إن إطلاقات الأدلة الموجودة حول اعتبار الرؤية، مثل «صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية»، منصرفة إلى الرؤية العادية وبالعين المجردة. وبما أن هذه الأدلة ظاهرة في الحصر (أي حصر سبب الحكم بتحقق وحلول الشهر)، فإنها تنفي الرؤية بالأدوات أو إثبات أول الشهر عن طريق الحسابات الفلكية.
[2] ر.ك: القائيني، المبسوط، الحج والعمرة، ج 1، ص 485.

في مقابل هذا الانصراف، توجد عدة استظهارات أخرى:

1. الرؤية أعم من الرؤية الحسية بدون أداة، والرؤية الحسية بالأداة والآلات الفلكية، والرؤية العلمية والعقلية عن طريق الحسابات والقطع بالولادة التكوينية للقمر وخروجه من المحاق. إذن، الإطلاق حاكم ولا وجود للانصراف.

2. اعتبار الرؤية على أساس الأدلة اللفظية وانصرافها إلى الرؤية بدون أداة مقبول، ولكن هذه الأدلة لا ظهور لها في الحصر، بل تعرضت فقط للرؤية المتعارفة والعامة البلوى، وهي ساكتة بالنسبة لقبول أو رد الطرق الأخرى.

3. على الرغم من أن الأدلة ظاهرة في الرؤية الحسية بدون أداة، إلا أنها لا ظهور لها في موضوعية هذه الرؤية، بل إن الرؤية الحسية بدون أداة طريقية، ويمكن إثبات اعتبار الطرق الأخرى من باب الأولوية؛ لأن الرؤية الحسية قابلة للخطأ وظنية، وإذا قبلت حجيتها، فإن الحسابات الفلكية الجديدة تُقبل من باب أولى.
[1] القائيني، المبسوط، الحج والعمرة، ج 1، ص 486.

4. على فرض وجود الانصراف ووجود التقييد، يجب القول إن هذا التقييد ليس له مفهوم، وعلى الأقل لا يوجد إطلاق، إذن كفاية الرؤية بالتلسكوب تحتاج إلى دليل خارجي خاص.

المسألة الثانية

هناك نقاش بين الفقهاء حول اعتبار الطرق العلمية الجديدة لإثبات النسب واختبارات الجينات والحمض النووي (DNA). فمن ناحية، وصلت هذه الطرق العلمية من خلال التجربة والمحك إلى درجة تورث اليقين أو الاطمئنان، ولا تتخلف. ومن ناحية أخرى، لإثبات النسب، ثبتت طرق شرعية معتبرة عن طريق النصوص، مثل حديث النبي (ص): «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

السؤال الآن هو: إذا ولد طفل من امرأة هي في فراش رجل (أي زوجته الشرعية)، ولكن الاختبارات العلمية أظهرت أن هذا الطفل لا يمكن أن يكون من هذا الرجل، ولا يوجد أي دليل على زنا الأم، فهل الطريق العلمي القطعي أو المطمئن به هو ملاك الحكم، وعلى القاضي أن ينفي الولد بناءً عليه، أم أن الحديث الشريف هو محل العمل ولا اعتبار للطريق العلمي؟

فهم بعض فقهاء أهل السنة من الحديث النبوي الشريف أن الفراش دليل شرعي على النسب بشكل مطلق، سواء كان النسب مشكوكًا لدينا أم لا، وسواء وجدنا ما يخالفه قطعًا عن طريق العلم أم لا.

ولكن بعض فقهاء الشيعة قالوا في الجواب إن الحديث النبوي الشريف، وإن كان مطلقًا، إلا أنه ظاهر في أمارية الفراش الظنية للنسب في موارد الشك، أي أنه لا يبيّن الحكم الواقعي، بل هو مسوق لبيان الحكم الظاهري في موارد الشك، فلا يشمل الموارد التي يكون فيها إثبات النسب عن طريق العلم القطعي محالاً. فكما أن الأصول العلمية ليست حجة في فرض وجود الأمارات، فإن الأمارات أيضًا ليست معتبرة في فرض وجود القطع. ولذا، فإن ما أفتى به أهل السنة من أن الاختبارات العلمية ليست حجة بالإجماع، وأن النسب لا يثبت إلا بالفراش أو البينة أو الإقرار، هو قول غير مقبول.
[1] محسني، الفقه والمسائل الطبية، ص 30-32.

المسألة الثالثة

يعتقد بعض الفقهاء أنه إذا كان مهر المرأة مبلغًا معينًا من العملة الرائجة في البلاد وموضوع المطالبة، فمع وجود التضخم وانخفاض القوة الشرائية للنقود، يجب دفع نفس المبلغ المسمى. ولكن في المقابل، يعتقد آخرون أنه يجب دفع ما يعادل القيمة الحقيقية لذلك المبلغ وقت التسمية.
[2] هدايت نيا، حقوق مالي زوجه، ص 160.

الفريق الثاني تمسك بانصراف الأدلة.

وجدير بالذكر أنه في باب القرض أيضًا، حيث تطرح شبهة الربا، تمسك البعض بإطلاقات أدلة حرمة الربا، بينما رأى آخرون في المقابل أن هذا النوع من الزيادة الناتجة عن انخفاض قيمة النقود خارج عن أدلة حرمة الربا، وبتعبير آخر، اعتبروا الأدلة منصرفة عنها. كان الجواب على المسألة مبنيًا على ما إذا كانت للنقود قيمة اعتبارية مستقلة أم لا.

وهنا، عبّروا عن نفس النقطة بصيغة أخرى وقالوا: المسألة مبنية على ما إذا كان المبلغ المسمى من قبيل المثليات أم من قبيل القيميات. الذين يعتبرون المبلغ المسمى كمهر من القيميات توصلوا إلى نفس نتيجة الذين تمسكوا بالانصراف. الآن، هل الانصراف هو منشأ اعتبار النقود قيمية، التي هي المهر المسمى، أم أن اعتبار النقود قيمية هو منشأ انصراف أدلة وجوب الأداء؟ الظاهر أن الاحتمال الثاني هو الصحيح؛ لأن الانصراف من قبيل الدلالة اللفظية، ودلالة اللفظ على معنى معين فرع على تعين وتقرر ذلك المعنى قبل الدلالة.

آية الله السيد علي السيستاني وآية الله ميرزا جواد التبريزي يعتبران النقود من المثليات. وفي المقابل، يعتبرها البعض مثل آية الله حسين نوري الهمداني وآية الله محمد هادي معرفت أساسًا من القيميات. والبعض مثل آية الله محمد مهدي الآصفي يعتبرونها أحيانًا مثلية وأحيانًا قيمية. ويعتقد آية الله محمد تقي بهجت أن المنصرف من الوجه الرائج هو مصرف زمان تعيين المهر.
[1] ر.ك: يوسفي، ربا و تورم، ص 263، ص 315؛ هدايت نيا، حقوق مالي زوجه، ص 161-166.

وبعضهم الآخر، في حالة الانخفاض الكبير في قيمة النقود، ألزموا الزوج بدفع القيمة الحقيقية وقت العقد، مثل آيات الله جعفر السبحاني، وصالحي المازندراني، وعلي المشكيني، وناصر مكارم الشيرازي، وكذلك آية الله محمد تقي بهجت.

من الملاحظ أن الفقهاء قد تناولوا المسائل المتعلقة بانخفاض قيمة النقود من ثلاثة طرق:

الأول: عن طريق دراسة وجود إطلاق أو انصراف في الأدلة اللفظية.

الثاني: عن طريق دراسة كون النقود قيمية أو مثلية.

الثالث: عن طريق دراسة امتلاك النقود لقيمة اعتبارية مستقلة.

من بياناتهم يمكن فهم أن دراسة الطريق الثالث تمهد للوصول إلى نتيجة في الطريق الثاني، وسلوك الطريق الثاني يوصل إلى النتيجة النهائية حول إطلاق وانصراف الأدلة. إذن، اختلاف تعابيرهم يرجع إلى أن كل واحد منهم قد اهتم بمرحلة معينة من المراحل الثلاث.

المسألة الرابعة

حول اشتراط وحدة الآفاق أو عدم اشتراطها، أشرنا سابقًا إلى أن بعض الفقهاء تمسكوا بإطلاق لفظ «شهر». والآن، ننظر إلى الأدلة الأخرى التي تمسك بها أصحاب القول غير المشهور بإطلاقها، ولكن الرأي المشهور هو أن جميع هذه الإطلاقات منصرفة إلى البلاد المتحدة الأفق مع بلد الرؤية.

من جملة الأدلة التي تمسك بها المخالفون للمشهور لإطلاقها، روايات استخدم فيها لفظ «رؤية»، مثل التوقيع الشريف: «لا صوم من الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».
[2] الحر العاملي، وسائل الشيعة، باب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، حديث 1.

وكذلك صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق (ع) أنه سُئل عن الأهلة، فقال: «هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فأفطر».
[1] نفس المصدر، باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، حديث 1.

وكذلك رواية الفضل بن عثمان عن الإمام الصادق (ع): «ليس على أهل القبلة إلا الرؤية وليس على المسلمين إلا الرؤية».
[2] نفس المصدر، حديث 12.

ومن الأدلة الأخرى، روايات تتحدث عن اعتبار البينة، وإطلاقها يقتضي أنه إذا قامت البينة عند شخص فهي حجة، سواء كان ذلك الشخص من أهل البلاد المتحدة الأفق مع بلد الشاهدين أم من بلاد مختلفة الأفق. من جملة هذه الروايات، صحيحة أبي بصير عن الإمام الصادق (ع) أنه سئل عن اليوم الذي يُقضى من شهر رمضان، فقال: «لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر. وقال: لا تعلم ذلك اليوم الذي يُقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار، فإن فعلوا فصمه».
[3] نفس المصدر، باب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان، حديث 1.

في هذه الرواية، التعبير بـ«شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة» يعني أن الشاهدين من أي بلد كانوا، يكفي.

وكذلك رواية صحيحة عبد الرحمن التي يقول فيها: سألت أبا عبد الله (ع) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: «لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه».
[4] نفس المصدر، حديث 2.

ولكن المشهور القائل باعتبار وحدة الأفق، قالوا في مقابل هذه النصوص إن جميع الإطلاقات في هذه النصوص منصرفة إلى البلاد المتحدة الأفق والقريبة من بعضها، ولا تثبت الهلال لجميع البلاد.

وبالطبع، يواجه الاعتماد على الانصراف إشكالات:

الأول: أنه انصراف بدوي.

الثاني: أن الانصراف ليس في جميع النصوص. والشاهد على ذلك أنه في صدق عنوان السبت أو الأحد على الأيام، لا يُشترط اتحاد الأفق، بل يوم السبت في كل مكان في العالم هو يوم السبت. فإذا ثبت في بلد أن يوم السبت هو يوم العيد، فسيكون ذلك اليوم هو يوم العيد في جميع البلاد.

الثالث: أن الانصراف، على فرض ثبوته، لا يكفي لإثبات اشتراط وحدة الآفاق؛ لأن هذه النصوص تثبت أول الشهر في جميع البلاد القريبة من بعضها، ولا تثبته في غيرها. ولكن اشتراط وحدة آفاقها أو عدم اشتراطها أمر آخر يتطلب دليلاً خاصًا به.
[1] ر.ك: القائيني، المبسوط، الحج والعمرة، ج 1، ص 371-428.

المسألة الخامسة

بيع أو إهداء أعضاء الجسم للجراحة والزرع للآخرين محل سؤال من الفقهاء. في الحالات التي يوصي فيها الشخص بالقيام بهذا العمل بعد وفاته، أو يرغب أولياء المتوفى في وضع أعضائه تحت تصرف الآخرين، يبدو في الوهلة الأولى أن أدلة احترام بدن المؤمن حيًا وميتًا تدل على حرمة هذا العمل؛ لأن تقطيع بدن الميت هتك لحرمته. ولكن الفقهاء قالوا إن هذه الأدلة ليس لها إطلاق، وهي منصرفة إلى موارد أخرى لا يكون فيها إنقاذ حياة إنسان وأهداف خيرة وصحيحة وعقلانية في العمل. إذن، إهداء أعضاء بدن الميت بوصيته أو باختيار أوليائه خارج عن شمول أدلة الاحترام؛ لأن هذا العمل أساسًا ليس إهانة للميت. إلا إذا كان هناك دليل آخر من جهة أخرى يمنع من هذا العمل؛ مثلاً، قد يقول قائل إن الميت لا يملك بدنه، وبعد الموت أيضًا ليست له نسبة ذي حق به، وبالطريق الأولى، أولياء الميت أيضًا ليس لهم حق التصرف، حتى الفرد الحي الذي له حق التصرف في بدنه، هذا الحق لا يعني ملكية البدن أو جواز التصرف الذي يوجب نقص عضو، ومن الممكن أن يُستظهر من أدلة الاحترام مثل «حرمة المؤمن ميتًا كحرمته حيًا» أن احترام بدن الميت هو في نفس الحدود التي كان لجسده الحي احترام، وهذا الاحترام ثابت بالجعل الإلهي وغير قابل للإسقاط. في هذه الحالة، إذا كانت أدلة وجوب حفظ النفس المحترمة قوية لدرجة أنها تقدمت على أدلة الاحترام، بحيث يمكن كشف أن ملاك وجوب حفظ النفس المحترمة من ملاك تحريم تقطيع بدن الميت أقوى وأهم، في هذه الحالة يمكن تقديم الملاك الأقوى في حالة تزاحم الملاكين. وإلا، فلا دليل لدينا على تجاهل أدلة الاحترام، ولا يمكننا أن نعتبر احترام الحي أقوى من احترام الميت.
[2] اليزدي، مسائل فقهي جديد، ص 190.
[3] الحر العاملي، وسائل الشيعة، باب 25 من أبواب ديات الأعضاء، ص 249.

وجدير بالذكر أن انصرافًا آخر هنا جدير بالاهتمام. يمكن القول إن رواية «حرمة المؤمن ميتًا كحرمته حيًا» منصرفة إلى جسد الميت، لا روحه. فإذا قال أحدهم إن دليل الاحترام معناه تجليله وتكريمه وعدم الإساءة إليه، لا تكريم جسده، نقول: أولاً، تكريم الجسد نوع من تكريم شخصية المؤمن. وثانيًا، دليل الاحترام منصرف أساسًا إلى الجسد الذي يجب ألا يُمثّل به، أو أن يُجهّز ويُدفن بشكل جيد.

المصادر والمراجع

1. الإمام الخميني (1375هـ ش)، التعادل والتراجيح، طهران، نشر مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

2. _______________ (1381هـ ش)، الاستصحاب، طهران، نشر مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

3. _______________ (1410هـ)، المكاسب المحرمة، قم، نشر اسماعيليان.

4. البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار (تقريرات درس الشيخ ضياء الدين العراقي)، قم، نشر جامعة المدرسين.

5. الحر العاملي، محمد بن حسن (1386هـ ق)، وسائل الشيعة، طهران، المكتبة الإسلامية.

6. الخراساني، محمد كاظم (1414هـ ق)، كفاية الأصول، قم، نشر جامعة المدرسين.

7. الخوئي، السيد أبو القاسم، أجود التقريرات (تقريرات درس المحقق النائيني)، قم، نشر مطبعة عرفان.

8. الرشتي، ميرزا حبيب الله، بدائع الأفكار، قم، نشر مؤسسة آل البيت (ع).

9. الشاهرودي، السيد محمود، بحوث في علم الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر)، قم، نشر مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.

10. الشفيعي، السيد علي (1395هـ ش)، بدائع الأصول (تقريرات درس آية الله السيد علي موسوي البهبهاني)، نشر خوزستان.

11. الصدر، السيد محمد باقر، دروس في علم الأصول، قم، نشر مؤسسة النشر الإسلامي، (جامعة المدرسين).

12. الطباطبائي القمي، تقي، آراؤنا في أصول الفقه، قم، نشر محلاتي.

13. عبد الساتر، حسن، بحوث في علم الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر)، بيروت، نشر الدار الإسلامية.

14. الفاني الأصفهاني، علي (1401هـ)، آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول، قم، نشر رضا مظاهري.

15. الفرحي، السيد علي (1430هـ)، تحقيق في القواعد الفقهية، قم، نشر جامعة المدرسين.

16. القائيني، محمد (1430هـ)، المبسوط في فقه المسائل المعاصرة، قم، نشر مركز فقه أئمة أطهار (ع).

17. القدسي، أحمد (1414هـ)، أنوار الأصول (تقريرات درس آية الله مكارم الشيرازي)، قم، نشر مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).

18. الكاظمي الخراساني، محمد علي، فوائد الأصول (تقريرات درس المحقق النائيني)، قم، نشر جامعة المدرسين.

19. مبلغي، أحمد، قاعدة الانصراف، مجلة فقه أهل البيت، شماره 26، سال 7.

20. محسني، آصف، الفقه والمسائل الطبية، نشر مؤلف.

21. مختاري، رضا، مجموعة ميراث فقهي: رؤيت هلال، قم، بوستان كتاب.

22. المظفر، محمد رضا (1386هـ ق)، أصول الفقه، النجف، دار النعمان.

23. الملكي الأصفهاني، محمود (1428هـ)، أصول فقه الشيعة (تقريرات درس آية الله فاضل اللنكراني)، قم، نشر مركز فقهي أئمة أطهار (ع).

24. الواعظ الحسيني البهسودي، محمد سرور، مصباح الأصول (تقريرات درس آية الله الخوئي)، قم، نشر مكتبة الداوري.

25. هدايت نيا، فرج الله (1385هـ ش)، حقوق مالي الزوجة، قم، پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي.

26. اليزدي، محمد (1380هـ ش)، مسائل فقهي جديد، قم، انتشارات نصايح.

27. اليوسفي، أحمد علي (1381هـ ش)، الربا والتضخم، طهران، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه إسلامي.

Scroll to Top