نقد ودراسة نظرية الاستعمال عند الشهيد الصدر بالاستناد إلى آراء بعض فلاسفة اللغة

ملخص

من خلال مقارنة نظرية الاستعمال عند الشهيد الصدر بآراء فلاسفة اللغة، تظهر انتقادات جديدة من منظور الشهيد الصدر. يمكن تحديد أربع خصائص لنظرية الاستعمال عند الشهيد الصدر؛ أولاً، أنها تستند إلى رؤية خاصة في باب الوضع، والتي ترى أن دلالة اللفظ على المعنى تنشأ بسبب القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى وتقيُّد المعنى باللفظ، معتمدة على قانون تكويني في النفس. وعادة ما تُطرح هذه الرؤية في شرح نظرية السلوكيين في فلسفة الذهن. ومن أتباع هذه الرؤية سكينر، الذي واجه انتقادات جادة من تشومسكي بسبب لوازمها غير المقبولة في بحث اللغة (مثل نفي وجود لغة عالمية وكلية). الخاصية الثانية، هي أنه في تعريف الاستعمال، تُستخدم ثلاث إرادات: الإرادة الاستعمالية، والإرادة التفهيمية، والإرادة الجدية، والتي يمكن أن تتسلسل طولياً عند استعمال اللفظ. وقد انتقد غرايس هذه النظرة؛ لأنه يرى أن متعلق إرادة المتكلم هو إيجاد الاعتقاد لدى المخاطب، وإرادة إيجاد الاعتقاد ليست أياً من الإرادات الثلاث المذكورة. الخاصية الثالثة، هي أن إرجاع الألفاظ في الاستعمال يشبه النظرية الوصفية لا الإرجاع المباشر. وقد انتقد كرييكي هذه النظرة، معتبراً أن الرأي الصحيح هو نظرية الإرجاع المباشر للألفاظ. الخاصية الرابعة، هي أن هوية المعنى في الاستعمال من وجهة نظره هي هوية ذهنية. وهذه النظرة انتقدها ديفيدسون؛ لأنه يدافع عن كون المعنى غير ذهني.

المقدمة

كانت مسألة الألفاظ ومعانيها محط اهتمام الفلاسفة منذ القدم، على سبيل المثال، ما ورد في بداية محاورة كراتيلوس لأفلاطون، وهو نزاع بين شخصين حول معاني الأسماء، حيث رفعا نزاعهما إلى سقراط ليحكم بينهما. (أفلاطون، ١٣٦٦، ج ٢، ص ٧٣٣). وبين المسلمين أيضاً، وبسبب كون إعجاز النبي الخاتم (ص) من نوع اللفظ والكتاب، كانت مسألة اللفظ والمعنى دائماً محط اهتمام المتكلمين والمفسرين والفقهاء والفلاسفة؛ ولكن لأن المسألة الأساسية لدى الفلاسفة المسلمين كانت وجودية (لا مبحث الألفاظ)، فإن الاهتمام المستقل والجدي بهذه المسألة تم من قبل الفقهاء وعلماء الأصول؛ وذلك لأنهم كانوا يسعون إلى اتخاذ مبنى للوصول إلى المعنى الظاهري للآيات والروايات لإصدار الفتوى. وعلى عكس فلاسفتنا، أولى فلاسفة الغرب في القرن العشرين اهتماماً خاصاً بالمباحث المتعلقة باللغة.

إن طرح موضوعات مقارنة بين أصول الفقه وأبحاث الفلسفة الجديدة، مثل: أبحاث فلاسفة اللغة، له أهمية كبيرة ويعزز جوانب من مباحث الأصول، ويمكن أن يكون بداية لتقديم آراء علماء الأصول إلى مجالات العلوم الإنسانية الأخرى. وفي هذا السياق، يفتح بحث الوضع والاستعمال في مباحث متنوعة من الفقه والتفسير والبلاغة وغيرها آفاقاً جديدة. على سبيل المثال، في التفسير، إذا تحددت ماهية الاستعمال (خاصة مسألة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد)، فسيقدم ذلك مساعدة مهمة لبحث معنى بطون القرآن وتوجيهها. وكذلك من ثمرات بحث استعمال اللفظ في الفقه أنه إذا ورد أمر يتعلق بأفعال متعددة مثل غسل الجمعة والجنابة، فهل يدل الأمر على الوجوب أم الاستحباب أم هو مشترك بينهما؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على معرفتنا بما إذا كان فعل الأمر مثل «اغسل» يمكن أن يدل على معنيين مختلفين في وقت واحد في استعمال واحد أم لا.

الهدف من تناول رؤية الشهيد الصدر في باب الاستعمال هو أننا إذا أردنا التوصل إلى نظريات جديدة في الاستعمال، فإن دراسة آرائه ضرورية؛ وذلك لأنه بالإضافة إلى كون الشهيد الصدر شخصية بارزة ومؤثرة في علم أصول الفقه وقدم آراء مبتكرة في هذا العلم، فقد كان على دراية بآراء بعض الفلاسفة الجدد. إن إظهار نقاط القوة والضعف في نظريته يؤدي إلى التوصل إلى نظرية أكثر تبريراً وتناغماً وتطبيقاً في أصول الفقه. لذلك، قارنا رؤيته ببعض النظريات المطروحة في فلسفة اللغة (مبحث الإرجاع ومبحث المعنى).

وبما أن الدراسات المقارنة في باب ألفاظ علم الأصول وفلسفة اللغة ليست ذات شأن كبير؛ يمكن القول إنه لا يوجد أثر مكتوب يقارن بين رؤية الشهيد الصدر وفلاسفة اللغة؛ ولكن من المفيد ذكر بعض الآثار التي قدمت دراسة مقارنة بين هذين التيارين. كتاب ‘الدلالة والضرورة’ للأستاذ لاريجاني (لاريجاني، ١٣٧٥، ص ١١٣)، ومقالة ‘تبار شناسي مباحث لفظي علم اصول’ و’مباحث ألفاظ علم أصول در ميان دانش‌هاى زبانى’ للسيد ملكيان، ومقالة ‘نظريات شيء انگارانه معنا در فلسفة تحليلى وعلم أصول’ للدكتور مرواريد، هي مصادر مرتبطة بموضوع هذه المقالة.

بين الأصوليين، توجد آراء مختلفة في تبيين حقيقة الاستعمال. المرحوم المظفر والمحقق الأصفهاني يريان أن حقيقة الاستعمال هي إيجاد المعنى في الخارج، (المظفر، ١٤٣٤، ص ٢٩؛ الأصفهاني، ١٤٢٩، ص ١٥٢). صاحب الفصول يرى أن حقيقة الاستعمال هي وضع اللفظ كعلامة للمعنى، وصاحب الكفاية يرى أن حقيقة الاستعمال هي إفناء اللفظ في المعنى وجعله وجهاً له. (الخراساني، ١٤٤٠، ص ٥٦). المحقق النائيني يرى أن حقيقة الاستعمال هي إلقاء المعنى في الخارج، (النائيني والخوئي، ١٣٦٩، ص ٣٤) أو في موضع آخر يراها من قبيل قوس الصعود والنزول، (الحلي، ١٤٣٢، ج١، ص ١٧١). المحقق الرشتي يرى أن حقيقة الاستعمال هي ذكر اللفظ لتفهيم المعنى، (الرشتي، ١٣٦٣، ص ٢٥٩). السيد مصطفى الخميني يرى أن حقيقة الاستعمال هي الاستفادة من العلاقة الثابتة بين الألفاظ والمعاني. (الخميني، ١٤١٨، ص ٢٩٥).

تأثير نظريات الوضع في الاستعمال

لكي ندخل في بحث الاستعمال، لا بد من التطرق إلى بحث الوضع؛ لأنه في تبيين الاستعمال، يستفيد العلماء من النظريات التي اختاروها في الوضع، وإن لم نقل إن الوضع والاستعمال هما في الواقع شيء واحد، فإن هناك قرابة كبيرة بين هذين البحثين. من بين النظريات الموجودة في الوضع، هناك ثلاثة مسالك أهم من غيرها، وهي:

١. مسلك التعهد: الذي يتبعه السيد الخوئي (الخوئي، ١٤١٠، ص ٤٨)، والحائري (الحائري اليزدي، ١٤١٨، ص ٣٥)، والنهاوندي ومحمدرضا الأصفهاني (النجفي الأصفهاني، ١٤١٣، ص ٦٥).

٢. مسلك الاعتبار: الذي يعد أهم تقرير له منسوباً إلى المحقق الأصفهاني. (الأصفهاني، ١٤٢٩، ص ٤٧ – ٤٨).

٣. مسلك القرن الأكيد: الذي تطرق إليه الشهيد الصدر. خلافاً للمسلكين الأولين اللذين يركزان أكثر على الجانب غير التكويني للوضع؛ فإن الشهيد الصدر يركز على الجانب التكويني للوضع، وهذا وجه تمييز بارز لنظريته. وقد بيّن لوضع قانوناً أصلياً وقانونين فرعيين: ١. القانون الأصلي هو أن الله خلق الإنسان بحيث يكون إدراك شيء علة لانتقال صورته إلى الذهن، وهذا الانتقال الذهني هو استجابة طبيعية لحواس الإنسان. ٢. أما القاعدة الفرعية الأولى، فهي أنه عندما يُدرَك ويُحَسُّ بمشابه لشيء ما، ينتقل الذهن بإدراك مشابه ذلك الشيء إلى الشيء نفسه؛ مثلاً، عندما يشاهد صورة تشبه صورة حيوان مفترس، ينتقل إلى صورة ذلك الحيوان المفترس. ٣. القانون الفرعي الثاني، هو أن الذهن ينتقل إلى صورة شيء يكون قد شُرط به وقُرن به بنحو أكيد: «… أحدهما: قانون انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك مشابهه، كانتقال صورة الحيوان المفترس إلى الذهن بسبب رؤية رسم مشابه له على الورق. ثانيها: قانون انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك الذهن لما وجده مشروطاً ومقترناً بذلك الشيء على نحو أكيد بليغ فيصبح هذا القرين في حكم قرينة من حيث إيجاد نفس الأثر والاستجابة الذهنية التي كان يحدثها على الذهن عند الإحساس به وهذا هو ما يسمى في المصطلح الحديث بالمنبه الشرطي والاستجابة الحاصلة منه بالاستجابة الشرطية.» (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ٨١).

في النظرة الأولى، تظهر مشكلات في هذه النظرية؛ مثل أنه عندما تُدرَك صورة عن طريق الحواس (مثل حاسة البصر)، هل ينتقل الذهن إلى صورة ذهنية مشابهة أم إلى صورة خارجية مشابهة لتلك الصورة المحسوسة؟ على سبيل المثال، عندما يشاهد شخص صورة مشابهة للأسد في دفتر رسم، هل ينتقل إلى صورة ذهنية للأسد أم إلى صورة خارجية للأسد؟ أو أن الأمر يختلف في الحالات المختلفة. في بعضها ينتقل إلى صورة خارجية وفي بعضها إلى صورة ذهنية. هذا سؤال مهم سنتناوله أكثر في قسم النقد والدراسة.

نظرية الاستعمال

كما أشرنا في بداية بحث الوضع، فإن بحث الوضع مقدمة لبحث الاستعمال. ولكن خلافاً لبحث الوضع الذي له مكانة محددة في أصول الفقه، لم يُبحث الاستعمال بشكل مستقل في كتب الأصول؛ بينما يبدو أن هناك حاجة ماسة لذلك. ما يُطرح عادة تحت عنوان بحث الاستعمال هو «استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد»، وهو لا يغطي سوى جزء من بحث الاستعمال. وتجدر الإشارة إلى أن السيد الشاهرودي، مقرر دروس الشهيد الصدر، خلافاً للسيد عبد الساتر والسيد الحائري، خصص فصلاً مستقلاً من كتاب ‘بحوث’ لنظرية الاستعمال، وهو ما يبدو عملاً ذكياً وضرورياً؛ ولكن بعض المباحث التي لها ارتباط وثيق ببحث الاستعمال ونظريته لم ترد في هذا الفصل؛ مثل بحث الاستعمال المجازي. ما سيُطرح ضمن بحث نظرية الاستعمال هو تعريف وشروط الاستعمال.

٢-١. تعريف الاستعمال

من وجهة نظر الشهيد الصدر، عندما تُستخدم الألفاظ، يمكن دراسة علاقة اللفظ والمعنى من جهتين: جهة تتعلق بالسامع وجهة تتعلق بالمتكلم. يُعبَّر عن ارتباط اللفظ والمعنى من حيث صلته بالمتكلم بالاستعمال؛ أي أن المتكلم يستعمل لفظاً في معنى ويجعله وسيلة لتفهيم المخاطب. ما يميز الاستعمال عن الدلالة التصورية هو أن الدلالة التصورية تنشأ بمجرد إطلاق اللفظ؛ أما الاستعمال فيحتاج إلى إرادة استعمالية. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣١). في كتاب ‘دروس’، يبيّن أن الاستعمال هو «توظيف اللفظ من قبل المتكلم بقصد إخطار المعنى في ذهن السامع». (الصدر، ١٤٣٥، ج ١، ص ٨٦). من عباراته في ‘بحوث’ يمكن استخلاص نقطتين؛ الأولى: أن الاستعمال هو ارتباط اللفظ والمعنى من حيث صلته بالمتكلم. الثانية: أن الاستعمال مثل الدلالة التصورية، مع فارق أن نوع الإرادة الموجودة في الاستعمال (الإرادة الاستعمالية) يختلف عن نوع الإرادة في الدلالة التصورية. نقطة أخرى تُستفاد من مقارنة بيانه في كتاب ‘بحوث’ وكتاب ‘دروس’؛ هي أنه في كتاب ‘بحوث’ استُخدم مصطلح «تفهيم» المخاطب لتوضيح الاستعمال، أما في كتاب ‘دروس’ فقد استُخدم مصطلح «إخطار المعنى» في ذهن المخاطب. مصطلح «تفهيم» في توضيح الاستعمال مضلل؛ لأنه قد يقع الخلط بين الإرادة الاستعمالية والإرادة التفهيمية. لقد استخدم في ‘بحوث’ مصطلح «تفهيم»؛ ولكنه أوضح لاحقاً الفرق بين الإرادة التفهيمية والاستعمالية؛ أما في كتاب ‘دروس’ فلم يستخدم مصطلح «تفهيم» لتعريف الاستعمال. في الأصل، في كتاب ‘دروس’، الإرادة نوعان؛ إرادة استعمالية وإرادة جدية، ولم تُذكر الإرادة التفهيمية. (الصدر، ١٤٣٥، ج ١، ص ٩٤). نقطة مهمة أخرى هي أنه في كتاب ‘دروس’، ركز على الجانب الفعلي للاستعمال وبيّن الاستعمال بأنه «استخدام اللفظ»، خلافاً لكتاب ‘بحوث’ الذي ركز فيه على الجانب غير الفعلي للاستعمال من خلال مقارنته بالدلالة التصورية.

لتوضيح دور الإرادة في الاستعمال بشكل أكبر، يشير إلى ثلاثة أنواع من الإرادة: الإرادة الاستعمالية، والإرادة التفهيمية، والإرادة الجدية، ويطرح وينقد احتمالات مختلفة حول ماهية الإرادة الاستعمالية:

١. الإرادة الاستعمالية هي إرادة تفهيم المعنى وخطوره في ذهن المخاطب بالفعل. يرفض هذا الاحتمال؛ لأنه في بعض الحالات، تُستعمل الألفاظ دون وجود قصد التفهيم منها؛ مثلما يستخدم المتكلم الألفاظ المشتركة ويتلفظ بها بشكل مجمل وبدون قرينة. في هذه الحالات، يتم الاستعمال ولكن الإرادة التفهيمية ليست موجودة. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣٢). النقطة المهمة التي يجب ملاحظتها في هذا الاحتمال هي قيد «بالفعل»، حيث أن هذا القيد يُحذف في التعريف الذي يقدمه في النهاية في كتاب ‘بحوث’ للإرادة الاستعمالية.

٢. الإرادة الاستعمالية هي إرادة إيجاد المعنى بواسطة اللفظ على نحو الإيجاد العرضي، بمعنى أنه بواسطة اللفظ، يُوجد المعنى في الخارج. هذا الاحتمال أيضاً ليس صحيحاً من وجهة نظره؛ لأنه بناءً على هذا الاحتمال، يكون الوضع عبارة عن اعتبار اللفظ وجوداً للمعنى، ووفقاً لهذا الاحتمال، يكون الاستعمال يعني إرادة نفس اللفظ بصورة وجود تنزيلي للمعنى، وهذا المبنى في وضع الألفاظ غير مقبول، بالإضافة إلى أن وضع الألفاظ هو في مقام توضيح الدلالة، وبعد اختيار نظرية في بحث الوضع، لا يلزم أن يكون استعمال الألفاظ مطابقاً لتلك النظرية. (الأصفهاني، ١٤٢٩، ص ٢٧٥).

٣. الإرادة الاستعمالية هي إرادة التلفظ باللفظ المنبثقة عن تعهد نفساني، وهذا التعهد النفساني يقتضي التلفظ باللفظ في ظرف خاص كما تقول نظرية التعهد. هذا الاحتمال أيضاً ليس صحيحاً لأنه مبني على نظرية التعهد التي ليست مقبولة.

٤. الإرادة الاستعمالية هي إرادة إفناء اللفظ في المعنى. قد يكون المراد من هذا الاحتمال أن الإرادة الاستعمالية هي إرادة آلية وغير استقلالية للفظ، وهذا من مقومات الاستعمال وسيتم توضيحه بتفصيل أكبر لاحقاً. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣١-١٣٢).

الشهيد الصدر بعد نقد ورد الاحتمالات المختلفة في تعريف الإرادة الاستعمالية، يعرف الإرادة الاستعمالية كالتالي: «الإرادة الاستعمالية عبارة عن إرادة التلفظ باللفظ، ولكن ليس من حيث إنه صوت مخصوص؛ بل من حيث طبعه وصلاحيته الذاتية لإيجاد صورة المعنى في الذهن، فإرادة الإتيان بما له صلاحية الدلالة على المعنى بسبب صلاحيته، هي الإرادة الاستعمالية، والمراد من هذه الإرادة هو نفس الاستعمال. بعبارة أخرى، إرادة الإتيان باللفظ كمقدمة إعدادية للانتقال إلى صورة معنى معين، هي الإرادة الاستعمالية.» (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣٢ – ١٣٣).

الإرادة الاستعمالية طبقاً لبيان الشهيد الصدر لها خاصيتان: الأولى أن متعلق هذه الإرادة هو التلفظ باللفظ الذي له صلاحية (شأنية، قوة) انتقال معنى معين. الثانية: أن ذلك اللفظ قد أُريد كمقدمة إعدادية للانتقال إلى المعنى. بواسطة الخاصية الأولى، رد الاحتمال الأول، ورد الاحتمال الثاني والثالث لاتباعهما نظرية في الوضع غير مقبولة لديه. بصرف النظر عن الإشكال الذي أورده على الاحتمال الثاني والثالث؛ (والذي هو قابل للنقد من وجهة نظر الكاتب) فإن الإشكال الذي أورده على الاحتمال الأول يرد عليه هو نفسه؛ لأن الاستعمالات التي لا يمتلك فيها اللفظ صلاحية وشأنية انتقال معنى معين يمكن أن تسمى استعمالاً أيضاً، بالإضافة إلى أنه لا يوجد ملاك ومعيار يحدد صلاحية لفظ لانتقال معنى معين.

غير الإرادة الاستعمالية، ذكرنا نوعين آخرين من الإرادة؛ إحداهما الإرادة التفهيمية والأخرى الإرادة الجدية. الإرادة التفهيمية هي أن يريد المتكلم أن يفهم المخاطب المعنى ويخطره في ذهنه بواسطة إيجاد تصور اللفظ. الفرق بين هذه الإرادة والإرادة الاستعمالية هو أن الإرادة التفهيمية فعلية؛ بينما الإرادة الاستعمالية شأنية. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣٣). يبدو أن المراد بالفعلي والشأني هو أن الألفاظ في الإرادة الاستعمالية تكتسب استعداد وقابلية إيجاد المعنى؛ أما في الإرادة الفعلية، فإن الألفاظ توجد هذا المعنى، وفي النهاية الإرادة الجدية هي أن الشخص عند إدلاء الألفاظ وإيجاد المعنى في ذهن المخاطب، لا يقصد اللغو والمزاح؛ لأنه قد تكون الحالة النفسية للمتكلم غير متناسبة مع ما يقوله ويكون في حالة مزاح؛ مثل جعل الحكم وقصد الحكاية وغيرها من الموارد. الإرادة الجدية تختص بالموارد التي تكون فيها الجمل كاملة، والكلمات المفردة والجمل الناقصة لا تصلح للاستعمال إلا مع الإرادة التفهيمية والاستعمالية.

نقطة جديرة بالذكر هي أن الأنواع الثلاثة من الإرادات المذكورة يمكن أن تعمل معاً في استعمال واحد. على سبيل المثال: لنفترض أن شخصاً عطشان ويطلب الماء من شخص آخر ويقول: «أحضر لي ماء». بهذه الجملة، يكون قد قصد التلفظ بهذه الألفاظ التي لها صلاحية إيجاد المعنى، وقصد استعمال هذه الألفاظ لإيجاد تصور المعنى في ذهن المخاطب وتفهيمه، وقصد أيضاً قصداً جدياً في هذا الاستعمال. يمكن الحديث عن ارتباط هذه الإرادات بتعبيرين: أحدهما أن تكون في طول بعضها البعض، والآخر أن يكون الشخص قد جمع هذه الإرادات بنحو عطفي؛ أي بإرادة واحدة قام بالاستعمال والتفهيم والفعل الجدي، وفي كلتا الحالتين ستنشأ مشكلة شبيهة بالمشكلة التي نواجهها في نظرية التعهد، وهي أن الشخص يجب أن يريد الإرادة، وهذا لا يبدو صحيحاً ومخالفاً للشهود. ربما يمكن حل هذه المشكلة بالقول إن الشخص يريد بإرادة واحدة فعل الاستعمال وفعل التفهيم وفعل جدي، ولكي تتحقق هذه الأفعال في الخارج، فإنها تتحقق في طول بعضها البعض، أي الواحد تلو الآخر.

٢-٢. شروط الاستعمال

نقطة أخرى يجب التنويه بها هي أنه من وجهة نظر الشهيد الصدر، للاستعمال شروط ومقدمات يجب مراعاتها لتحققه:

١. الألفاظ التي تُستعمل يجب أن تكون لها صلاحية الدلالة على معنى ما؛ لأنه إذا لم تكن للألفاظ هذه الصلاحية، فإن قصد تفهيم المعنى الذي هو غرض الاستعمال لن يكون معقولاً، ولهذا السبب يمكن القول إن وضع الألفاظ بواسطة الاستعمال بناءً على بعض المباني في الوضع لا يمكن أن يكون صحيحاً؛ لأن اللفظ لم يكتسب بعد صلاحية انتقال المعنى.

٢. يجب أن يكون هناك تغاير بين المستعمَل (اللفظ) والمستعمَل فيه (المعنى)، وليس من المعقول أن يكونا واحداً. يجب أن يدل أحدهما على الآخر، أي أن يكون أحدهما دالاً والآخر مدلولاً، والدال والمدلول متقابلان، وصدقهما على شيء واحد غير معقول. قد يُشكل وفقاً لرأي صاحب الكفاية بأن التعدد والتغاير الاعتباري يكفي للدلالة، ولا يلزم وجود تغاير حقيقي بين الدال والمدلول. يمكن الإجابة على ذلك بأن الدال والمدلول في الاستعمال لا يمكن أن يكون بينهما حتى تغاير اعتباري. كما أن العلة والمعلول مفهومان متضايفان، ومحال صدقهما على شيء واحد ولو كان تغايرهما اعتبارياً، وذلك لأنه يلزم أن يكون الشيء علة لنفسه. طبقاً لبيان السيد الشاهرودي، لا حاجة لطرح هذا الشرط، والشرط الأول يكفي. (الشاهرودي، ١٤٣٣، ص ٤١).

٣. ما يُلحظ في جانب المعنى يجب أن يُلحظ بنحو استقلالي، وما يُلحظ في جانب اللفظ بالنسبة للمعنى يجب أن يكون له جانب آلي. المقصود باللحاظ الآلي هو أن يكون اللفظ فانياً في المعنى ومرآة له، وبهذه الصورة تتميز دلالة العلامة على مدلول العلامة. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣٤ – ١٣٥).

٢-٢-١. تفاسير مختلفة للشرط الثالث للاستعمال (مرآتية اللفظ)

ما المقصود بمرآتية اللفظ للمعنى (كشرط ثالث للاستعمال)؟ هناك خمسة تفاسير لتوضيح هذه المسألة، بيّنها الشهيد الصدر ونقدها، وفي النهاية بيّن رأيه الخاص (التفسير الخامس):

التفسير الخامس ورأي الشهيد الصدر المختار: هذا التفسير هو تكملة للتفسير الرابع، وتوضيحه أن الانتقال الذهني إلى مدلول اللفظ يمكن أن يتم بصورتين. الصورة الأولى: حالة ينتقل فيها الشخص من تصور اللفظ إلى المعنى، وهذا النوع من الانتقال عادة ما يكون خاصاً بالسامع. الصورة الثانية: حالة يتم فيها الانتقال قبل تصور اللفظ، بعبارة أخرى، في الحالة الأولى يكون الانتقال بعد تصور اللفظ؛ أما في الحالة الثانية فيكون الانتقال قبل تصور اللفظ. قد يُسأل كيف يمكن أن يحدث الانتقال إلى المعنى قبل تصور اللفظ؟ الجواب هو أن الانتقال الثاني عادة ما يكون انتقالاً يقوم به ذهن المتكلم. لنفترض أن شخصاً ينوي ترجمة جمل من لغة إلى أخرى. في البداية، يأخذ في اعتباره محتوى جملة ينوي تفهيمها للمخاطب، وفي المرحلة التالية يحول هذا المحتوى إلى صور من الألفاظ التي هي لغة ثانية، وبهذا التوضيح ينتقل الشخص من المعنى إلى تصور اللفظ، وهذا هو الانتقال من النوع الثاني.

المرآتية والانعكاس في الانتقال من النوع الأول الذي قيل في التفسير الخامس إنه من الخارج إلى الداخل، في هذا النوع من الانتقال، يكون اللفظ مغفولاً عنه من جانب النفس على الرغم من أن صورته موجودة في الذهن. يمكن بيان هذا الادعاء بطريقتين: إما أن يكون الانتقال من اللفظ إلى المعنى بسبب الاستجابة وإرضاء الحس (مثل حاسة السمع) والذي يتم بشكل مباشر وبدون وساطة صورة ذهنية، أو أن يكون الانتقال من اللفظ إلى المعنى في طول تصور اللفظ وبسبب الاستجابة وإرضاء التصور؛ ولكن اللفظ هنا مغفول عنه وكل انتباه النفس منصب على المعنى. إذا قال أحدهم إنه لا يمكن أن تكون الصورة الذهنية للفظ مغفولاً عنها ويتم الانتقال منها إلى المعنى، فالجواب هو أن هذا الانتقال يتم بسبب الاشتراك والاقتران الأكيد الموجود بين الصورة الذهنية للفظ والمعنى، تماماً كما ينظر شخص إلى المرآة ويرى فيها صورة، فإن ما يهمه هو الصورة الموجودة في المرآة، والمرآة نفسها ليست ذات موضوعية له.

أما المرآتية في الانتقال من النوع الثاني الذي قيل في التفسير الخامس إنه من الداخل إلى الخارج؛ أي أن الشخص يقصد انتقال المفهوم والمعنى ويستخدم اللفظ لانتقال المعنى بينما لا يلتفت إلى اللفظ نفسه إلا بصورة تبعية، تماماً كما يستخدم الإنسان القلم للكتابة، فإن انتباهه ينعطف إلى المعنى، والقلم نفسه ليس له موضوعية، والانتباه إلى القلم يكون فقط بصورة تبعية وآلية. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٣٦ – ١٤٠).

لو أن الشهيد تطرق إلى أن المعنى نفسه قد يكون أحياناً موضع غفلة، وأن ما يهم هو الفعل الذي سيتم تنفيذه بذلك اللفظ، لكان قد اقترب من نظريات المعنى الاستعمالية؛ ولكن ما يؤكد عليه الشهيد أكثر في نظرية الاستعمال هو الغفلة عن اللفظ أو تصور اللفظ، وليس الغفلة عن المعنى.

يستنتج الشهيد الصدر من التوضيحات المذكورة عدة نقاط:

١. الجانب الآلي للفظ لا يعني أن عملية التفهيم تتوقف عليه؛ بل قد تتم عملية التفهيم ويُلحظ اللفظ والمعنى بشكل مستقل، والنفس لديها القدرة على ملاحظة شيئين في عرض بعضهما، وبساطة النفس لا تمنع ذلك، تماماً كما تلاحظ النفس في قضية واحدة الموضوع والمحمول بشكل مستقل في زمن واحد.

٢. الانتقال الذي يتم من اللفظ إلى المعنى يختلف عن الانتقال من العلامة إلى المدلول؛ لأنه في الانتقال الذي يتم بواسطة اللفظ، يكون اللفظ مغفولاً عنه، أما في الانتقال الذي يتم بواسطة العلامة، مثلاً دلالة اللافتة على المسافة، فلا يمكن أن تكون مغفولاً عنها. بعبارة أخرى، الانتقال الأول هو انتقال تصوري، أما الانتقال الثاني فهو انتقال تصديقي، بمعنى أنه في الانتقال الثاني، مجرد الإحساس بالعلامة لا يكفي للانتقال إلى مدلولها، لأن الدلالة التصديقية تتوقف على تصديق أحد المتلازمين بتصديق الآخر، وهذا لا يحدث عندما يواجه الشخص علامة. من وجهة نظر مسلك التعهد والسيد الخوئي، تُنفى المرآتية في الاستعمال لأن الدلالة الوضعية هي أيضاً دلالة تصديقية. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٤٠).

الأدلة التي أوردها الشهيد الصدر للتمييز بين الانتقال الذي يحدث في العلامات والانتقال الذي يحدث في الألفاظ غير مقبولة ولا يمكن اعتبار فرق بينهما، إلا أن يكون الانتقال في أحدهما من حاسة السمع إلى معنى، وفي الآخر الذي هو العلامات – مثل اللافتة – من حاسة البصر إلى معنى. الفرق الوحيد الذي يؤدي إلى أن يكون اللفظ أحياناً مغفولاً عنه في الانتقال إلى المعنى هو أن الاقتران والمصاحبة بين اللفظ والمعنى يكونان في بعض الموارد شديدين جداً، وبمجرد سماع اللفظ، ينتقل الإنسان إلى المعنى، وهذا الاقتران والمصاحبة إذا حدثا في اللافتات، فبمجرد رؤية علامة لافتة، ينتقل الذهن إلى المدلول. وقد اعترض السيد الشاهرودي أيضاً على رأي الشهيد بأن المرآتية هي نفس المغفولية. (الشاهرودي، ١٤٣٣، ص ٤٢).

٣. في تفسير المرآتية، يُظن أحياناً أن اللفظ هو نفس المعنى، لا أن اللفظ يقع مورد غفلة، بل بصورة أن الانتباه إلى اللفظ هو نفس الانتباه إلى المعنى، واللفظ مندك في المعنى، وهذا الرأي غير معقول لأن فناء شيء في شيء آخر يمكن تصوره بصورتين لا يصدق أي منهما على اللفظ والمعنى. الصورة الأولى من فناء شيء في شيء آخر هي أن يكون وجود أحدهما تابعاً لوجود الآخر، بحيث يكون لكل منهما وجود في عالم يكون فيه أحدهما فانياً في الآخر، ولكن ليس بحيث يكون لأحدهما نسبة وجود تعلقي محض بالآخر، مثلما يقال في وجود الرابط وطرفيه، وكذلك في الممكنات بالنسبة لواجب الوجود. أما الصورة الثانية التي يمكن تصور الفناء فيها، فهي أن الشيء الفاني ليس له وجود في عالم الفناء، وما هو موجود هو الموجود الفاني. الصورة الثانية من الفناء والمرآتية ليست صحيحة أيضاً، لأن تعقل شيء بصورة يكون فيها شيئاً آخر لا يكفي لكون شيء عين الآخر؛ لأن الذهن باعتبار وعناية يلحظ اللفظ كمعنى، لا أن يكون الأمر كذلك حقيقة، واللفظ بهذا اللحاظ فانٍ في المعنى. يجب تعقل هذا التصور من المرآتية والفناء مثل الوحدة الواقعية الموجودة بين الصورة الذهنية وصاحب الصورة، ووحدة العنوان مع المعنون. وكذلك عندما يلتفت الشخص إلى صورة إنسان في ذهنه، فإنه في الواقع يلتفت إلى شيئين: أحدهما صورة ككيف نفساني في ذهنه، والآخر إنسان ليس هو ذلك الكيف النفساني. في هذه الحالة، يمكن أن يلحظ الشخص التصور عين المتصور، ويلاحظ الإنسان لا الصورة، وفي هذه الحالة يمكن القول إن الصورة فانية في المتصور وتُلحظ كمرآة. المرآتية في هذا التفسير تتوقف على وجود عينية وواقعية بين شيئين، وهو ما لا يوجد في حالة اللفظ والمعنى. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٤١).

٤. لقد ادُّعي أن ما يصحح الاستعمال الحقيقي هو الوضع، وما يصحح الاستعمال المجازي هو الوضع مع علاقة خاصة. هذا الادعاء ليس صحيحاً، لأن ما يصحح الاستعمال المجازي هو صلاحية يكتسبها اللفظ عند الاقتران بالمعنى الحقيقي للدلالة على المعنى المجازي، أي أن الاقتران بالمعنى الحقيقي يمكن أن يوجب صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي سواء كانت هناك علاقة ومشابهة بينهما أم لا. بالنظر إلى نظرية القرن الأكيد، كما أنه في استعمال المعنى الحقيقي لا حاجة لوساطة نفس الوضع للدلالة على المعنى الحقيقي، ففي الاستعمال المجازي أيضاً لا حاجة لوساطة علاقة للدلالة على المعنى المجازي. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٤٢).

٥. لقد ادُّعي أن من شروط الاستعمال أن يكون اللفظ موضوعاً، سواء كان وضعاً شخصياً للاستعمال الحقيقي أو وضعاً نوعياً للاستعمال المجازي. هذا الادعاء مبني على أن مجرد صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى لا تكفي في الاستعمال، بل يجب أن يكون الوضع قد تم. هذا الادعاء أيضاً ليس صحيحاً في نظر الشهيد. (الصدر، ١٤١٧ ألف، ص ١٤٣).

النقد والدراسة

٣-١. إشكال على الوظيفة الشرطية للذهن في وضع الألفاظ

أهم عنصر يؤكد عليه الشهيد الصدر في بحث الوضع ويستخدمه أيضاً في الاستعمال، هو بحث الاشتراط وتداعي المعاني، والذي يوجد في آثار أرسطو (Olson & Hergenhahn, 2012, p. 30)، وأشار إليه المفكرون المسلمون في المباحث المنطقية والأخلاقية (مثل هذه الوصية للتخلص من الذنب بأن تضع لنفسك عقوبة عند ارتكابه)، ويوجد أيضاً في آثار فلاسفة العصر الحديث مثل هوبز وهيوم ولوك وميل (Olson & Hergenhahn, 2012, pp. 32-36). وفي القرن العشرين، كان أيضاً محط اهتمام علماء النفس السلوكيين وأُثبت تجريبياً من خلال تجارب بافلوف وسكينر (Nolen-Hoeksema, Fredric, & Loftus, 2014, p. 227). الفرق الأساسي بين رؤية الشهيد الصدر وعلماء النفس السلوكيين هو أنه طرح الاشتراط في نطاق الذهن لا السلوك. توضيح ذلك أنه وفقاً لرؤية السلوكيين الذين ذكرناهم، فإن السلوك والمحفز الخارجي هما طرفان يُشترط أحدهما بالآخر؛ ولكن خلافاً لهم الذين يتجاهلون الحالات الذهنية للأفراد، يرى الشهيد الصدر أن الطرفين اللذين يُشترطان ببعضهما هما الحالات (التصورات) الذهنية وحواس البدن. هذه النظرة للشهيد الصدر تختلف اختلافاً جوهرياً أيضاً عن نظرة السلوكيين التحليليين، فالسلوكيون التحليليون لا يقبلون الذهن كشيء، خلافاً للشهيد الصدر الذي يقبل الذهن كأمر نفساني، وبافتراض الثنائية الديكارتية، يطرح اشتراط حالات الذهن بالحواس. مع ذلك، فإن تعميم اشتراط الذهن في جميع الألفاظ ليس بالأمر السهل. كما ورد في تحليل العلامة الطباطبائي للألفاظ في حاشية الكفاية، فإن بعض الألفاظ تُنتج بشكل طبيعي، مثلاً: بكاء الرضيع عند الجوع أو الصراخ عند الخوف، هي أصوات لا يبدو أن لها علاقة باشتراط ذهن الإنسان، وهذه الأصوات نفسها يمكن أن تكون أساساً لبناء ألفاظ أخرى. يبدو أن دلالة الألفاظ على المعاني هي عملية معقدة تتكون من مزيج من العوامل النفسية والذهنية والاجتماعية وما شابه ذلك. وقد أشار راسل أيضاً إلى هذه النقطة: «… المعنى، كما يبدو لي، هو مفهوم مركب بشكل مربك من عناصر منطقية ونفسية.» (Russll, 2010, p. 48). بعض الإشكالات التي تُطرح على رؤية السلوكية (behaviourism) ترد أيضاً على نظرية الشهيد الصدر. من وجهة نظر تشومسكي – في مقالة كتبها عن كتاب سكينر – كانت للسلوكية مشكلات أدت إلى التخلي عنها. من وجهة نظر تشومسكي، فإن طريقة المحفز-الاستجابة (stimulus-response) التي يقول بها السلوكيون لا تكفي على الإطلاق لتوضيح بعض قدراتنا المعرفية؛ مثلاً، لنأخذ قدرة اكتساب اللغة (language acquisition)، فقدرة الأطفال على تعلم اللغة بسهولة على الرغم من تعقيدات قواعدها، هذه القدرة لا يمكن تفسيرها بنظرة ضعيفة وباهتة مثل المحفز-الاستجابة؛ بل يجب وضع آلية قادرة على تفسير قدرة الأفراد على فهم وإدراك اللغة. هذه الآلية، مثلاً من وجهة نظر تشومسكي، هي أن القواعد، أي القواعد الكلية والعالمية المشتركة بين جميع اللغات، تُخزن بشكل داخلي وجيني في جميع الأفراد. (Chomsky & Skinner, 1959, p. 43).

٣-٢. نقص الإرادات الثلاث في الاستعمال

يبدو أن البيان الذي قدمه الشهيد الصدر في الإرادات الثلاث (الإرادة الاستعمالية، الإرادة الجدية، الإرادة التفهيمية) ليس كاملاً؛ لأنه بالإضافة إلى تفهيم المخاطب، فإن أحد دوافع وقصود المتكلم هو إيجاد الاعتقاد لدى المخاطب نفسه. بعبارة أخرى، بالإضافة إلى أن المتكلم يقصد أن يفهم المخاطب معنى الجملة التي استعملها، فإنه يريد أن يصدق المخاطب هذا الكلام ويخلق حالة نفسانية في المخاطب، تماماً كما توجد لديه حالة اعتقاد بالنسبة لهذا القول المستعمل. وقد اهتم غرايس في نظرية معنى المتكلم بهذه النقطة وفسر المعنى بأنه إرادة المتكلم، وهي إرادة مكونة من ثلاثة اعتقادات. (Grice, 1957, p. 384). الجواب على الإشكال: ربما لو قال أحدهم إن إرادة المتكلم هي لإيجاد الظن أو القطع لدى المخاطب بكلام المتكلم، والقطع والظن هما أيضاً من الحالات النفسانية، فإن هذا البيان يشبه بيان غرايس. لدينا في بحث الأوامر أن الأمر يكون بداعي البعث والتحريك. إذا اعتبرنا البعث والتحريك حالة نفسانية؛ أي أن استعمال الأمر يجب أن يكون بقصد إيجاد حالة نفسانية لدى المخاطب، ففي هذه الحالة نقترب أيضاً من رؤية غرايس.

٣-٣. الإبهام في إرجاع الألفاظ في نظرية القرن الأكيد

قبل طرح الإشكال، من الضروري توضيح بعض الشيء عن نظريات الإرجاع التي تُبحث في فلسفة اللغة. هناك نظريتان مشهورتان في إرجاع ودلالة الألفاظ في الفلسفة التحليلية في القرن العشرين. إحداهما نظرية الإرجاع المباشر للمعنى، والأخرى نظرية وصفية للمعنى. نظرية الإرجاع المباشر لها تقريران؛ مقاربة بسيطة ومقاربة متطورة. المقاربة البسيطة تُنسب عادة إلى جون ستيوارت ميل (Mill, 1843) والمقاربة المتطورة إلى سول كريبكي. القاسم المشترك بين المقاربتين هو أن الأسماء الخاصة وحتى العامة تُرجع الألفاظ إلى الخارج، وهذا يجعل الألفاظ ذات معنى. على سبيل المثال: عندما يقال «القطة جالسة على السجادة»، فإن معنى هذه الجملة يشير بواسطة إرجاع «القطة» إلى قطة موجودة في الخارج، و«السجادة» إلى سجادة موجودة في الخارج، و«جالسة» إلى نسبة موجودة بينهما في الخارج. واجهت هذه النظرية أربع مشكلات أساسية تُعرف بمعضلة فريجه، والبعض مثل فريجه (Frege, 1949) وراسل (Russell, B., 1993) تخلوا عنها واعتنقوا النظرية الوصفية، والبعض مثل كريبكي بتبيين جديد في كتاب ‘التسمية والضرورة’ أحيا هذه النظرية (Kripke, 1980). طبقاً للنظرية الوصفية لراسل، فإن ما يشير إليه لفظ «أرسطو» هو وصف خاص مثل: «أبرز تلاميذ أفلاطون». أما طبقاً لنظرية كريبكي، فإن لفظ «أرسطو» هو لفظ صلب، وفي أي عالم ممكن يُرجع إلى ذات أرسطو الذي عاش في اليونان القديمة. وقد تبنى فريجه وسيرل (Searle, 1958) نسخاً أخرى من النظرية الوصفية، حيث يرى فريجه إرجاع اللفظ إلى المفهوم، ويرى سيرل مجموعة من الصفات كمرجع للفظ. بُحث موضوع إرجاع اللفظ إلى الخارج في عدة مواضع من الأصول. أحياناً يُبحث في قسم وضع الألفاظ، وأكثر ما يُبحث هو في قسم وضع الألفاظ على الصحيح والأعم. وفي موضع آخر، يسعى علماء الأصول إلى توضيح الموضوع له لألفاظ مثل: الصلاة (وهو لفظ عام)، وفي محاولة أخرى، يسعون إلى توضيح الموضوع له للأسماء الخاصة أيضاً؛ على سبيل المثال: عند تسمية شخص، على أي شيء يوضع الاسم؟ على جسمه أم روحه أم وجوده أم ماهيته أم…؟ وهذا يشبه النزاع الذي خاضه فلاسفة اللغة، وطُرحت نظريات مختلفة لحل هذه المعضلة من قبل علماء الأصول. هناك بعض النظريات غير المشهورة من الأصوليين التي تشبه نظرية الإرجاع المباشر الخام. وحاول بعض الأصوليين المعاصرين (لاريجاني، ١٣٧٥، ص ١١٣) أيضاً تبيين رؤية المحقق الأصفهاني بطريقة تعود إلى نظرية الإرجاع المباشر؛ ولكن على فرض نجاحهم في ذلك، فإنهم يصلون إلى نظرية الإرجاع المباشر الخام، وهي نظرية متروكة، على عكس رؤية كريبكي التي لها أنصار كثر.

ما قيل طبقاً لنظرية الشهيد الصدر حول دلالة الألفاظ، هو أنه بعد أن تواجه الحواس صوتاً، تحضر صورته في الذهن، وبقاعدة تكوينية في النفس تنتقل النفس من المشابه إلى المشابه، إلى شيء له مقارنة كبيرة معه ومشروط به. قد يحدث هذا الاقتران بواسطة حادثة عارضة، وقد ينشأ بواسطة استعمالات متكررة، فيجد لفظ ما قرابة كبيرة مع معنى ما. طبقاً للمقدمات التي طُرحت، المشكلة التي تواجهها هذه النظرية هي أنها لا تتخذ موقفاً محدداً بشأن إرجاع الألفاظ، بمعنى أنها لا تختار النظرية الوصفية ولا نظرية الإرجاع المباشر، بعبارة أخرى، يمكن القول إن هذه النظرية فيها إبهام في إرجاع الألفاظ. إذا أردنا أن نقول أي من النظريتين أقرب إلى رؤيته، يمكن القول إنها أقرب إلى النظرية الوصفية؛ وبالتالي، فإن الإشكالات التي أُثيرت على النظرية الوصفية ترد على هذه النظرية أيضاً.

الجواب على الإشكال: قد يُجاب على الإبهام بالقول إنه بهذه الرؤية يمكن التوصل إلى نظرية أعم من نظرية الإرجاع المباشر والنظرية الوصفية، بحيث إذا سألنا أحدهم: إلى أي شيء يُرجع اللفظ؟ إلى الخارج أم إلى وصف انتزاعي؟ سنجيب طبقاً للقرن الأكيد للشهيد الصدر بأنه إلى ما يكون الذهن مقارناً له أكثر. أي لا يمكن إعطاء قاعدة كلية بأن جميع الألفاظ الخاصة تُرجع بالضرورة إلى موجود خارجي. الأمر يختلف بحسب كيفية اشتراط الذهن والمقارنة الموجودة لدى الأفراد. بهذا البيان، ربما يمكن القول إن رؤية الشهيد الصدر أقرب إلى الأكسفورديين (مثل: أوستن ورايل وسيرل و…) وأبعد عن فلاسفة اللغة الكامبريدجيين (مثل: مور وراسل وفريجه و…).

٣-٤. الإبهام في ماهية المعنى في الاستعمال

وفقاً لتحليل قدمه فلاسفة اللغة لعبارة ما، يمكن تحليل العبارة اللغوية إلى قضية (proposition) وجملة (sentence) وحكم (بيان أو ادعاء) (statement). توضيح ذلك أنه في كل عبارة يوجد جانب انتزاعي من الجملة وجانب مادي وخارجي ورابط بينهما يُترجم عادة بالادعاء أو الحكم أو البيان، وهو رابطة بين المتكلم والجملة والقضية (Colin, 2015, pp. 2-3; Swinburne, 2007, pp. 8-9). هذا التصنيف يبدو تصنيفاً معقولاً، ولكن تطبيقه على نظرية استعمال الشهيد الصدر يثير مشكلات. عندما يقول الأفراد جملة، فماذا يعبرون في الواقع؟ بالتحليل الذي قدمناه للعبارة، يمكننا القول إن هناك إجابتين على الأقل لهذا السؤال؛ الأولى: يمكن أن نفترض أنها هوية ذهنية، مثل النظريات التصورية. الثانية: يمكن أن نفترض أنها هوية انتزاعية، مثل نظرية القضية. القضايا، على عكس التصورات، مستقلة عن الأذهان وكلية. لتوضيح أكثر، لنفترض أن لدينا سلسلة من الكلمات نسميها (أ) وهي ذات معنى، ولنفترض أن لدينا سلسلة من الكلمات نسميها (ب) وهي بلا معنى، فإن ما جعل (أ) ذات معنى هو الارتباط الذي أقامته مع محتوى ما، مثلاً: (ج)، وهذه (ج) هي نفسها القضية التي لها ماهية غير متغيرة وانتزاعية وغير ملموسة، على عكس التصورات في النظرية التصورية. (Lycan, 2019, p. 73).

عموم بيانات الشهيد الصدر، مثل الفلاسفة التقليديين، هي أن ما يُبيَّن هو تصور: «… والآخر: الانتقال السابق على تصوّر اللفظ والذى ينشأ منه الانتقال الى اللفظ، وهذا هو انتقال المتكلم، فانه ينقدح في نفسه أولاً المعنى و يقصد تفهيمه ثم ينتقل الى اللفظ. ولهذا فان المتكلم المطلع على لغتين بصورة متكافئة بعد أن يقصد التفهيم قد يفكر في اختيار احدى اللغتين، وقد يبقى يفتش عن اللفظة المناسبة لما يقصده من معنى حتى يجدها، وهذا يعنى ان انتقاله الى اللفظ في طول انتقاله الى المعنى.» (الصدر، ١٤١٧ الف، ص ١٣٩).

طبقاً لهذا البيان، فإن الشخص الذي يتحدث بعدة لغات، عندما يتحدث، يلحظ المعنى أولاً في نفسه، ثم يقصد التفهيم، وفي النهاية يختار اللغة التي سيعبر بها عنه. يبدو أن المعنى الذي يقصده الشهيد الصدر في هذه العبارات هو تصور يعتمد على الذهن، ومن هناك يُستخرج إلى الخارج، وهذا تقريباً هو نفس النظرية التصورية.

اعتقد ديفيدسون أنه لو كان المعنى ذهنياً، لما كان هناك سبيل لتفسير كلام الآخرين؛ لأن كل شخص يمكن أن ينسب المعنى الذي يريده إلى الأقوال. (Davidson, 1974, p. 197).

الجواب على الإشكال: يمكن القول، من وجهة نظر الشهيد الصدر، لا يوجد تلازم بين كون المعنى ذهنياً واختصاصه بشخص ما، أي أن المعنى يمكن أن يكون في الذهن ولا يكون شخصياً، ويكون مشتركاً بين الأذهان.

الاستنتاج

في هذا البحث، سعينا إلى كشف ونقد بعض المباني الفلسفية للشهيد الصدر في مبحثي الوضع والاستعمال:

١. في نظر الكاتب، في بحث علاقة الذهن والجسد، اعتمد على علاقة عرفية ثنائية بين الذهن والجسد، مفادها الوصول إلى المعنى بواسطة اشتراط حالات الذهن بالحواس عند الإدراك الحسي للألفاظ، وهذا يشبه رؤية علماء النفس السلوكيين، والتي واجهت نقد بعض الفلاسفة؛ مثل أنه بهذه النظرة لا يمكن تبرير وجود لغة عالمية.

٢. يتحدث عن ثلاث إرادات في استعمال الألفاظ: استعمالية، تفهيمية، جدية؛ ولكن في نظر غرايس، الإرادة الأساسية في الاستعمال هي إرادة إيجاد اعتقاد لدى المخاطب.

٣. في بحث إرجاع الألفاظ، رؤيته ليست واضحة، ولكنها أقرب إلى النظريات الوصفية من نظريات الإرجاع المباشر، والانتقادات التي تُطرح على النظريات الوصفية ترد على نظريته أيضاً؛ مثل أن الأسماء الخاصة والعامة تُرجع بالضرورة إلى مرجعها، بينما الأوصاف تُرجع بشكل ممكن.

٤. في بحث ماهية المعنى، رؤيته أقرب إلى الفلاسفة التقليديين الذين اشتهروا بنظرية المعنى التصورية، وبعض الانتقادات التي تُطرح على النظرية التصورية ترد على رؤيته أيضاً؛ فكون المعنى ذا هوية ذهنية يمنعنا من تفسير رؤى الآخرين بشكل صحيح، لأن الأشخاص لديهم أذهان مختلفة. والنقطة المهمة هي أن جميع رؤى نقاد رؤية الشهيد الصدر من جانب فلاسفة اللغة أُثيرت عليها إشكالات، وكثير من الانتقادات يمكن دفعها بواسطة نظريته. (لقد تناولنا ذلك في قسم النقد والدراسة). على فرض ورود الانتقادات على نظرية الشهيد الصدر، توجد نظريات أخرى بين الأصوليين قابلة للدراسة؛ مثل نظرية الإبراز والاعتبار، وإذا تجاوزنا رؤية الشهيد الصدر، فهذا لا يعني أنه يجب تجاوز نظريات الأصوليين.

الهوامش

١. لقد تناول في كتابه ‘فلسفة علم الأصول’ في القسم الرابع، مباحث المبادئ اللغوية لعلم أصول الفقه، والتي تشمل ثمانية مجلدات (المجلدات ١٥ إلى ٢٢)، وهذه المباحث تشمل: الهرمينوطيقا؛ المعنى والوضع؛ الموضوع له؛ الحقيقة الشرعية والصحيح والأعم؛ الدلالة؛ استعمال اللفظ في المعنى؛ الحقيقة والمجاز؛ الأفعال ضمن القول.

٢. إن استعمال أي لفظ في معنى إنما هو بمعنى إيجاد ذلك المعنى باللفظ، لكن لا بوجوده الحقيقي، بل بوجوده الجعلي التنزيلي، لأن وجود اللفظ وجود للمعنى تنزيلاً.

٣. أن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ.

٤. جعله وجهاً وعنواناً له.

٥. يرى السيد مكارم أن رأي صاحب الكفاية شعري، ويؤيد رأي صاحب الفصول. (ناصر، ١٤٢٨، صفحة ج ١، ص ١٥٠).

٦. حقيقة الاستعمال كما بيناه إلقاء المعنى في الخارج.

٧. أن حقيقة الاستعمال من قبيل قوس الصعود والنزول.

٨. حقيقة الاستعمال هو ذكر اللفظ لتفهيم المعنى.

٩. حقيقة الاستعمال هي الاستفادة من العلقة الثابتة بين الألفاظ والمعاني.

١٠. توجد نظريات أخرى في هذا المجال مثل: ١. الارتباط الذاتي بين اللفظ والمعنى المنسوب إلى عباد بن سليمان الصيمري. ٢. نظرية المناسبة الطبيعية المنسوبة إلى الصيمري. ٣. نظرية الجعل الإلهي التي طرحها المحقق النائيني (النائيني، فوائد الأصول، ١٤١٦، ج١، ص ٣٠). ٤. نظرية الملازمة التكوينية التي طرحها المحقق العراقي. ٥. نظرية الهوهوية للسيد السيستاني (السيستاني، ١٤١٤، صفحة ١٤٤).

١١. ظهر أن حقيقة الوضع هي التعهد والتباني النفساني.

١٢. العلاقة بين اللفظ والمعنى تكون نتيجة لذلك الالتزام.

١٣. أن الوضع هو تعهد الاستعمالات الآتية، فلا معنى للوضع إذا لم يلحقه الاستعمال.

١٤. أن كيفية الدلالة والانتقال في اللفظ وسائر الدوال على نهج واحد بلا إشكال، فهل ترى تعهداً من ناصب العلم على رأس الفرسخ.

١٥. بل الإرادة الاستعمالية عبارة عن إرادة التلفظ باللفظ ولكن لا بما أنه صوت مخصوص بل بما أنه دال بحسب طبعه وصالح في ذاته لإيجاد صورة المعنى في الذهن فإرادة الإتيان بما يصلح للدلالة على معنى بما أنه يصلح لذلك هي الإرادة الاستعمالية، والمراد بهذه الإرادة هو نفس الاستعمال.

١٦. لجون لوك عبارات شبيهة بإفناء اللفظ في المعنى، حيث باستعمال اللفظ الثابت، يرتبط اللفظ بالمعنى بطريقة تجعل اللفظ عند استخدامه لتمثيل شيء ما كأن الشيء نفسه حاضر للحواس، واللفظ يختفي: ‘by constant use, to be such a connexion between certain sounds and the ideas they stand for, that the names heard, almost as readily excite certain ideas as if the objects themselves, which are apt to produce them, did actually affect the senses’ (Locke, 1999, p. 392).

١٧. هذا المطلب منقول من كتاب علم النفس الشهير لهيلجارد، حيث تم شرح الاشتراط بمصطلحين: الاشتراط الكلاسيكي والاشتراط الفاعل. ولكن في الكتب المتعلقة بعلم الأحياء وعلم الأعصاب، توجد تصنيفات أكثر، على سبيل المثال، تصنيف إلى الاشتراط الانعكاسي الإرادي والاشتراط الانعكاسي غير الإرادي أو الاشتراط الطبيعي… في أعمال بافلوف، استخدم أيضاً مصطلح الاشتراط الانعكاسي: 1. P. Pavlov, Conditioned Reflexes, ed. G. V. Anrep (Mincola, N.Y: Dover Publications, 2003) 2. (Pavlov, Conditioned Reflexes and Psychiatry Lectures on Conditioned Reflexes, 2011).

١٨. 1. behaviourism, 2. stimulus-response, 3. language acquisition, 4. ‘…process information’ in a variety of very special and apparently highly complex ways which we cannot yet describe or begin to understand, and which may be largely innate, or may develop through some sort of learning or through maturation of the nervous system.

١٩. لقد بيّن غرايس نظريته في عدة أعمال. مقالتان له أهم من غيرهما؛ إحداهما مقالة ‘المعنى’ (١٩٥٧) والأخرى مقالة ‘معنى المتكلم والقصد’ (١٩٦٩) التي يعدل فيها رأيه ويعدل فيه بعض الشيء. تعرضت رؤية غرايس القصدية لانتقادات كثيرة وجادة، وأورد أفراد مثل بول زيف (١٩٦٧) انتقادات جادة، لكن أفراداً آخرين مثل شيفر (١٩٧٤) وأراميدس (١٩٨٩) دافعوا بقوة عن رؤية غرايس.

٢٠. direct reference theory.

٢١. Saul Kripke.

٢٢. proposition, sentence, statement.

٢٣. لقد وردت رؤية الشهيد الصدر بشكل أكمل في بداية المقالة، وهنا نأتي بمؤيد آخر للبحث السابق.

المصادر والمراجع

١. الأصفهاني، الميرزا مهدي (١٣٦٤ش). مصباح الهدى. مشهد.

٢. أفلاطون (١٣٦٦ش). دورة آثار، ترجمة محمد حسن لطفي. طهران: انتشارات خوارزمي.

٣. الحلي، حسين (١٤٣٢ق). أصول الفقه. قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة.

٤. الخميني، مصطفى (١٤١٨ق). تحريرات في الأصول. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

٥. الخوئي، أبو القاسم (١٤١٠ق). محاضرات في أصول الفقه (محمد إسحاق فياض). قم: أنصاريان.

٦. الرشتي، حبيب الله (١٣٦٣ش). بدائع الأفكار. قم: آل البيت.

٧. الصدر، محمد باقر (١٤١٧ ألف). بحوث في علم الأصول (الهاشمي الشاهرودي). قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.

٨. الصدر، محمد باقر (١٤١٧ب). بحوث في علم الأصول (عبد الساتر). بيروت: لبنان: الدار الإسلامية.

٩. الصدر، محمد باقر (١٤٣٥ق). دروس في علم الأصول. الطبعة التاسعة، قم: انتشارات إسلامي.

١٠. العراقي، ضياء الدين (١٤١٤ق). مقالات الأصول (محسن العراقي). قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١١. العراقي، ضياء الدين (۱۳۷۰). بدائع الأفكار في الأصول (ميرزا هاشم آملي). النجف الأشرف: المطبعة العلمية.

١٢. الحائري اليزدي، عبد الكريم (١٤١٨ق). درر الفوائد. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

١٣. النهاوندي النجفي، علي (۱۳۲۰ش). تشريح الأصول. طهران: مؤسسة مطبوعاتي شرق.

١٤. لاريجاني، صادق (١٣٧٥ش). دلالت وضرورت. قم: نشر مرصاد.

١٥. النائيني، محمد حسين والخوئي، أبو القاسم (١٣٦٩ش). أجود التقريرات. قم: مطبوعات ديني.

١٦. النجفي الأصفهاني، محمد رضا (١٤١٣ق). وقاية الأذهان. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

١٧. الروحاني، محمد (١٤١٣ق). منتقى الأصول (عبد الصاحب حكيم). قم: دفتر آية الله السيد محمد حسيني روحاني.

١٨. الخراساني، محمد كاظم (١٤٤٠ق). كفاية الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١٩. الصدر، محمد باقر (١٤٢٨ق). مباحث الأصول (سيد كاظم حسيني حائري). قم: دار البشير.

٢٠. الصدر، محمد باقر (١٤٣٦ق). دروس في علم الأصول. قم: انتشارات دار الصدر.

٢١. الصدر، محمد باقر (١٤٣٩ق). دروس في علم الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢٢. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ق). نهاية الدراية. بيروت: مؤسسة آل البيت.

٢٣. الطباطبائي، محمد حسين (۱۳۹۲ش). كفاية الأصول: مع حديقة الفحول. قم: ذوي القربى.

٢٤. المظفر، محمد رضا (١٤٣٤ق). أصول الفقه. قم: مؤسسة نشر إسلامي.

٢٥. الشاهرودي، محمود (١٤٣٣ق). أضواء وآراء. قم: مؤسسة الفقه ومعارف أهل البيت.

٢٦. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٨ق). أنوار الأصول. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب.

المصادر اللاتينية

1. Frege, G, (1949), ‘On Sense and Nominatum’, translated by Herbert Feigl .

2. Mill, J, (1843), A System of Logic .

3. Searle, J, (1958), Proper Names, Mind 67 ,73-166.

4. Chomsky, & Skinner, B, (1959), Verbal behavior, Language, 26-58.

5. Colin, M, (2015), Philosophy of Language, Massachusetts Institute of Technology.

6. Crane, T, (2016), The Mechanical Mind,New York: routledge.

7. cummmins, r, (1991), Meaning and Mental Representation, MIT.

8. Davidson, D, (1974), inquiries into Truth and interpretation, Oxford.

9. Grice, H, (1957), Meaning, Philosophical Review ,66 ,88-377.

10. Kripke, S, (1980), Naming and Necessity, Harvard University Press.

11. Locke, J, (1999), An Essay Concerning Human Understanding, The Pennsylvania State University(Electronic Classics Series).

12. Lycan, W, G, (2019), Philosophy of Language. Routledge.

13. Nolen-Hoeksema, S, Fredric, B, & Loftus, G, (2014), Atkinson & Hilgard’s Introduction to Psychology, Cengage Learning EMEA.

14. Olson, M, & Hergenhahn, B, (2012), An Introduction to Theories of Learning, Routledge.

15. Russell, B, (1993), Introduction to Mathematical Philosophy, United Kingdom: Dover Publications.

16. Russll, B, (2010), Principles of Mathematics. London and New York: Routledge.

17. Swinburne, R, (2007), Revelation From Metaphor to Analogy, Oxford University Press.

18. Chomsky, & Skinner, B, (1959), Verbal behavior, Language, 26-58.

19. Colin, M, (2015), Philosophy of Language, Massachusetts Institute of Technology.

20. Crane, T, (2016), The Mechanical Mind, New York: routledge.

21. Cummins, r, (1991), Meaning and Mental Representation, MIT.

22. Grice, H, (1957), Meaning, Philosophical Review, 66, 377–88.

23. Kripke, S, (1980), Naming and Necessity, Harvard University Press.

24. Locke, J, (1999), An Essay Concerning Human Understanding, The Pennsylvania State University(Electronic Classics Series).

25. Lycan, W, G, (2019), Philosophy of Language, Routledge.

26. Nolen-Hoeksema, S, Fredric, B, & Loftus, G, (2014), Atkinson & Hilgard’s Introduction to Psychology, Cengage Learning EMEA.

27. Olson, M, & Hergenhahn, B, (2012), An Introduction to Theories of Learning, Routledge.

28. Russll, B, (2010), Principles of Mathematics, London and New York: Routledge.

29. Swinburne, R, (2007), Revelation From Metaphor to Analogy, Oxford University Press.

Scroll to Top