تحليل انحلال العلم الإجمالي بواسطة الأصل المصحِّح

المستخلص

تُعدّ المباحث المتعلقة بالعلم الإجمالي من أكثر المباحث ثمرة في علم أصول الفقه، حيث يرى علماء الأصول وجوب الاحتياط في أطرافه؛ ولكن تم طرح سبل لانحلاله. إحدى هذه السبل هي انحلال العلم الإجمالي بواسطة الأصل المصحِّح، وهو ما لم يُبحث بشكل مستقل في علم الأصول، وإنما ذُكر ضمن بعض المباحث الفقهية. توضيح ذلك أنه إذا جرى في أحد الأطراف الأصل المصحِّح، وكان الطرف الآخر مورداً للأصل المتمِّم، فإن العلم الإجمالي ينحل ويجري الأصل المصحِّح وحده بلا معارض. في هذا البحث، تم استعراض وجوه تقديم الأصل المصحِّح على الأصل المتمِّم وانحلال العلم الإجمالي، وتوصلنا في النهاية إلى أنه إذا كانت فائدة الأصل المتمِّم تقتصر على نفي الوجوب الضمني، فإن الأصل المتمِّم لا يجري لكونه لغواً، ويجري الأصل المصحِّح؛ أما إذا كان له أثر في نفي وجوب نفسي، ولم يكن الأصل المتمِّم قاعدة التجاوز، فإن التعارض يبقى قائماً، وبالتالي لا ينحل العلم الإجمالي.

مقدمة

ثبت في علم الأصول أنه في حالة العلم الإجمالي بوجود تكليف، يكون الاحتياط واجباً، ومن ثم لا مجال لجريان الأصول العملية الترخيصية في جميع الأطراف. إلا أن علماء الأصول قد ذكروا حلولاً لجريان أصل واحد لا معارض له. على سبيل المثال، يرى الشيخ الأنصاري أنه في حالة العلم الإجمالي بنجاسة شيئين، تتعارض قاعدة الطهارة في كليهما؛ ولكن إذا كانت الحالة السابقة لأحد الطرفين هي الطهارة، فإن ذلك الطرف يجري فيه استصحاب الطهارة أيضاً، وتكون قاعدة الطهارة في ذلك الطرف مصداقاً للأصل الطولي الذي يجري بلا معارض. (الأنصاري، ١٤١٩، ج٢، ص ٢٤٢)

من الطرق الأخرى لسلامة الأصل في موارد العلم الإجمالي، والتي طُرحت في كلمات الفقهاء، هي أن يكون أحد الأصلين مصحِّحاً والآخر متمِّماً، فيُقدَّم الأصل المصحِّح على الأصل المتمِّم. المقصود بالأصل المصحِّح هو الأصل الذي يكون أثره إثبات صحة العمل، وموضوعه الشك في الإخلال بجزء أو شرط مضر بصحة العمل. أما موضوع الأصل المتمِّم، فهو الشك في شيء لا تتفرع عليه صحة العمل، ونتيجة لذلك إذا لم يجرِ الأصل المتمِّم، يُحكم على العمل بالصحة، وهذا الأصل يجري فقط لإثبات تمامية العمل.

على سبيل المثال، يشير صاحب العروة في الفرع الرابع عشر من فروع العلم الإجمالي في “كتاب الصلاة” إلى أنه إذا علم شخص بعد الصلاة أنه نسي سجدتين من الصلاة، ولكنه لا يعلم ما إذا كانتا من ركعة واحدة أو كل منهما من ركعة مستقلة، ففي هذه الحالة إذا كانت السجدتان المنسيتان من ركعة واحدة، تبطل الصلاة؛ ولكن إذا كانت كل منهما من ركعة مستقلة، فالصلاة صحيحة، وتحتاج فقط إلى قضاء السجدتين بعد الصلاة لجبران النقص. (اليزدي، ١٣٨٨، ج٩، ص ١٦٢)

إذا لوحظت قاعدة التجاوز وحدها، ففي الحقيقة توجد أربع قواعد تجاوز، كل واحدة منها مرتبطة بإحدى السجدتين في الركعات. من هذه القواعد الأربع، القاعدتان اللتان تجريان في السجدة الأولى من كل ركعة هما أصل مصحِّح، لأنه إذا لم يجرِ هذا الأصل، فإن مقتضى قاعدة الاشتغال وكذلك استصحاب عدم الإتيان بالسجدة الأولى هو أن الصلاة فاقدة لسجدتين، وبالتالي تكون باطلة. أما قاعدتا التجاوز المرتبطتان بالسجدة الثانية في كل ركعة، فهما أصل متمِّم، حيث إنه في حالة عدم جريانهما، لا تبطل الصلاة، وإنما يلزم قضاء السجدتين فقط.

صاحب العروة والمحقق الحائري وكذلك الإمام الخميني يرون أن التعارض يقع بين هذه الأصول بسبب وجود العلم الإجمالي. (اليزدي، ١٣٨٨، ج٩، ص ١٦٢)

في المقابل، يرى آخرون مثل المحقق العراقي (اليزدي، ١٣٨٨، ج٩، ص ١٦٣)، والمحقق الإيرواني (الإيرواني، بي تا، ص١٧)، وآية الله الخوئي (اليزدي، ١٣٨٨، ج٩، ص ١٦٤) أن الأصل المتمِّم ليست له صلاحية التعارض مع الأصل المصحِّح، وأن قاعدتي التجاوز في السجدة الأولى تجريان بلا معارض.

تجدر الإشارة إلى أن طرح هذه المسألة مبنيٌّ على نظرية اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية بشكل واضح، لأنه وفقاً لهذه النظرية، لا مانع من جريان الأصل الترخيصي في أطراف العلم الإجمالي ما لم يؤدِّ إلى الترخيص في المخالفة القطعية.

ولكن وفقاً لنظرية المحقق العراقي الذي يعتبر العلم الإجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية ويستحيل الترخيص في أحد أطرافه، يجب الانتباه إلى أنه وفقاً لرأيه أيضاً، لا يوجد مانع من جريان أصول مثل قاعدة التجاوز. وتوضيح ذلك أن المحقق العراقي يرى أن الأصول التي تكون نتيجتها جواز ارتكاب الطرف المشكوك فيه فقط هي التي تخالف قاعدة “الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني”؛ أما إذا كان هناك أصل مصحِّح في مقام الامتثال ويقول إن الإتيان بهذا العمل هو امتثال لتكليف المولى، فإنه في الحقيقة يهيئ الموضوع لهذه القاعدة ويبيّن أن الفراغ التعبدي قد تحقق. إن قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز وكذلك الاستصحاب المثبت للامتثال هي من هذا القبيل من الأصول في رأي المحقق العراقي، وبالتالي لا مانع من جريانها في أحد أطراف العلم الإجمالي. (العراقي، ١٤١٧، ج ٣، ص ٣١٢) وإن كان جريان هذه الأصول في جميع الأطراف يواجه مشكلة بسبب العلم الوجداني بوجوب الإعادة، وبالتالي كذب أحد الأصول.

مع كل هذا، يجب أن نعلم أنه وفقاً للرأي الصحيح، لا يوجد فرق في روح الترخيص بين الأصل الترخيصي مثل البراءة والأصل المصحِّح في مقام الامتثال مثل قاعدة الفراغ، وأن جعل البدل بدون ترخيص مولوي غير ممكن، ولكن على أي حال، يرى أصحاب مسلك العلية أنه لا مانع من جريان الأصول المصحِّحة في مقام الامتثال في أطراف العلم الإجمالي؛ لذا نتغاضى عن الإشكال على هذا الرأي.

١. أثر الأصل المتمِّم

إن البحث في جريان الأصل المتمِّم يقتصر على الحالة التي يكون فيها لترك الجزء غير الركني أثر عملي، مثل وجوب القضاء أو سجود السهو. أما إذا لم يترتب عليه أي أثر عملي، فإن جريان الأصل المتمِّم يكون لغواً، ويجري الأصل المصحِّح دون أي إشكال، كما لو علم المكلّف بعد فوات محل القراءة أنه إما ترك قراءة صلاته أو فاته ركوع تلك الصلاة، فبناءً على الرأي القائل بأن الزيادة والنقيصة في الصلاة لا تستلزم سجود السهو، فإن ترك القراءة ليس له أي أثر عملي.

النقطة المهمة هنا هي أنه أحياناً يكون أثر الأصل المتمِّم استحبابياً، كما يرى البعض أن سجود السهو مستحب للزيادة والنقيصة في الصلاة. (اليزدي، ١٣٨٨، ج٩، ص٧٢) في هذه الحالة، يكون جريان الأصل المتمِّم فقط لنفي استحباب سجود السهو، ويتعارض مع الأصل المصحِّح بناءً على قبول فرضيتين:

الأولى: قبول جريان الأصل العملي في المستحبات؛ فاستحباب سجود السهو نفسي، وكما قال بعض العلماء، فإن إجراء أصل حكمي مثل البراءة لنفيه لا أثر له؛ لأن أثر احتمال الاستحباب هو حسن الاحتياط، وحسن الاحتياط باقٍ حتى مع جريان البراءة، وبالتالي لا أثر للأصل الحكمي. (الخوئي، ١٤٤٠، ج٤٧، ص٣١٣) الآن يقال إن جريان الأصل الموضوعي، مثل قاعدة التجاوز، لنفي استحباب سجود السهو هو كذلك أيضاً ولا أثر له.

في تبرير جريان الأصل، يجب القول: كما أنه في حالة الشك في صحة النافلة يمكن إجراء قاعدة الفراغ ويكون أثرها نفي اهتمام المولى وكذلك ضمان ثواب العمل الصحيح لهذا العمل، فكذلك هنا يمكن إجراء قاعدة التجاوز التي يكون أثرها نفي اهتمام المولى بسجود السهو وإعطاء الثواب للمكلف، حيث ورد في الرواية أن قاعدة التجاوز تجري في حالة الشك في أداء القراءة في الصلاة (الحر العاملي، ١٤٢٩، ج ٨، ص٢٣٧)، مع أن الصلاة صحيحة حتى مع اليقين بعدم إتيانها؛ إذن يمكن إيجاد الأثر في هذه النقطة وهي أن إتمام الصلاة على وجهها له نصيب من الثواب، والذي يُضمن للمكلف بجريان قاعدة التجاوز.

الثانية: تنجيز العلم الإجمالي في أطراف المستحبات؛ يرى بعض علماء الأصول أن تعارض الأصول في أطراف العلم الإجمالي مستند فقط إلى قبح أو مخالفة الارتكاز لمخالفة التكليف الإلزامي القطعي، وبناءً على هذا الرأي، إذا كان أحد الأطراف مستحباً، فإن العلم الإجمالي لا يكون منجزاً؛ ولكن كما أفاد آية الله الخوئي (الخوئي، ١٤٤٠، ج٦، ص ١٠٠)، فقد ثبت في محله أن هذا المحذور يتجاوز الترخيص في مخالفة التكليف الإلزامي، بل المحذور هو نقض غرض المولى، وهذا النقض للغرض موجود في المستحبات أيضاً. إذن، كون أحد الأطراف مستحباً، والذي يجري فيه الأصل العملي، لا يمنع من تنجيز العلم الإجمالي.

٢. تبيين تعارض الأصول

في المثال المذكور، توجد أربع سجدات معلوم فوات اثنتين منها. يتبادر إلى الذهن أولاً أن هناك تعارضاً رباعياً، وأن الأصل في كل طرف يتعارض مع الأطراف الثلاثة الأخرى، مثل وجود أربعة أوانٍ من الماء وحصول علم إجمالي بنجاسة إناءين منها، حيث يتعارض أصل الطهارة في كل إناء مع مجموع أصول الطهارة الثلاثة في الأطراف الأخرى.

ولكن بعد التدقيق، يتضح أنه لا يوجد هنا سوى تعارضين: التعارض الأول، يقع بين السجدة الأولى من الركعة الأولى والسجدة الثانية من الركعة الثانية. والتعارض الثاني، يقع بين قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الأولى وقاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الثانية.

توضيح ذلك أنه في التعارض الأول، تكون قاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الأولى أصلاً مصحِّحاً، وإذا أتى بها المكلف فإنه يتيقن أنه لم يأتِ بالسجدة الثانية من الركعة الثانية، وقاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الثانية هي أصل متمِّم. أما في التعارض الثاني، فإن قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الأولى هي أصل متمِّم، وقاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الثانية هي أصل مصحِّح، وهنا أيضاً يوجد علم إجمالي بكذب أحدهما.

من ناحية أخرى، لا يقع تعارض آخر بين قاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الأولى وقاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الثانية، لوجود احتمال أن يكون المكلف قد أتى بكلتا السجدتين. نعم، لدى المكلف علم إجمالي بأنه إما ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى أو السجدة الثانية من الركعة الثانية، ولكن لا يوجد تعارض بينهما؛ لأنه إذا جرى الأصل المصحِّح في التعارضين المذكورين وقُدِّم، انكشف أن الأصل المتمِّم في السجدة الثانية لا يجري، وبالتالي يفقد صلاحية المعارضة.

إذن، يمكن في الحقيقة استنتاج أنه لا يُلاحظ أبداً تعارض بين الأصول المتمِّمة في خضم تعارض الأصول المصحِّحة والأصول المتمِّمة، ولا تتسع دائرة التعارض.

٣. صور المسألة المختلفة

في تقسيم ما، تنحصر صور المسألة في ثلاثة أنواع:

الصورة الأولى: الشك بين الإخلال بجزء ركني والإخلال بجزء غير ركني قد فات محل تداركهما، مثل الفرع الذي ذُكر أنه بعد الصلاة، علم بالإخلال بسجدتين.

الصورة الثانية: الشك بين الإخلال بجزء ركني والإخلال بجزء غير ركني لم يفت محل الشك، مثل أن يعلم قبل التشهد في الركعة الثانية أنه إما فاتته سجدتان من الركعة الأولى، أو فاتته سجدتان من هذه الركعة، أو أنه ترك سجدة واحدة في كل من الركعتين. هنا، لم يدخل في التشهد، وبالتالي لا يزال محل الشك في سجدتي الركعة الثانية باقياً. حكم هذه الصورة واضح؛ لأنه بالنسبة لسجدتي الركعة الثانية، يجري استصحاب عدم الإتيان بهما، ولا مجال لجريان قاعدة التجاوز بسبب بقاء محل الشك؛ وعليه، تجري قاعدة التجاوز في سجدتي الركعة الأولى.

الصورة الثالثة: الشك في الإخلال بجزأين ركنيين لم يفت محل تدارك أحدهما، مثل أن يعلم في حال التشهد أنه إما ترك ركوع الركعة الأولى أو أخل بسجدتين في الركعة الثانية. هنا أيضاً، يظهر بحث تعارض الأصل المصحِّح والأصل المتمِّم، لأن قاعدة التجاوز بالنسبة للركوع هي أصل مصحِّح، وبعدم الإتيان به، تُحكم الصلاة بالبطلان؛ أما في مقابل قاعدة التجاوز في السجدتين، فهي أصل متمِّم، وعليه إذا لم يجرِ هذا الأصل، لا تُحكم الصلاة بالبطلان، ويكون المكلف قادراً على إعادة السجدتين.

٤. نتيجة الحكم بناءً على نظرية التعارض

إذا قُبلت نظرية التعارض بين الأصل المصحِّح والأصل المتمِّم، فإن بعض العلماء، مثل المحقق العراقي، يعتقدون أنه إذا طرأ هذا العلم الإجمالي في ذهن المكلف بعد الصلاة، يمكن إجراء قاعدة الفراغ بالنسبة للصلاة الماضية والحكم بصحتها. (العراقي، ١٤١٤، ص ٣٦)

وفقاً لهذه النظرية، تقتصر ثمرة هذا البحث على فرض حصول العلم الإجمالي في أثناء الصلاة، وكذلك الصورة الأولى؛ لأنه إذا حصل العلم الإجمالي في أثناء الصلاة، فلا مجال لقاعدة الفراغ، وكذلك إذا حصل العلم الإجمالي بعد الصلاة في الصورة الثالثة المذكورة، تُحكم الصلاة بالبطلان بسبب العلم بفقدان ركن.

في هذه النظرية، تتعارض قاعدتا التجاوز مع بعضهما البعض، وبمقتضى قاعدة «كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»، يُحكم بصحة الصلاة؛ ومع ذلك، يلزم قضاء السجدة المنسية في المثال المطروح، لأنه إذا لم يقضِ السجدة، يكون قد خالف علمه الإجمالي بشكل قطعي.

تجدر الإشارة إلى أن قاعدة الفراغ لا تتعارض مع قاعدة التجاوز كأصل متمِّم، لأن قاعدتي التجاوز كخطاب مشترك، وعدم إطلاقهما بالنسبة لفرض الترخيص في المخالفة القطعية مخصص لبي، قد تعارضتا داخلياً وأُجملتا، ونتيجة لذلك تجري قاعدة الفراغ في أحد الطرفين كخطاب مبيّن ولا تتعارض مع الخطاب المجمل.

على الرغم من وجود تبرير آخر لتقديم قاعدة الفراغ، مثل كونها أصلاً طولياً، فإننا نتغاضى عنه.

نقد ودراسة

جريان قاعدة الفراغ يعتمد على دراسة موضوعها؛ توضيح ذلك أن بعض العلماء مثل آية الله الخوئي يعتقدون أن موضوع قاعدة الفراغ هو الشك في الصحة، وبهذا تختلف عن قاعدة التجاوز، حيث إن قاعدة التجاوز تجري كأصل مصحِّح وكأصل متمِّم، ولكن قاعدة الفراغ تعني أنه في حالات الشك في صحة العمل وفساده، يُبنى على أن العمل صحيح (الخوئي، ١٤٤٠، ج١٨، ص٣٢٨)؛ ونتيجة لذلك، فإن قاعدة الفراغ التي تجري بعد العمل هي وحدها التي تصحح الصلاة، ولا يوجد أصل متمِّم كقاعدة فراغ ليتعارض مع الأصل المصحِّح.

بالطبع، يُقال أحياناً إن موضوع قاعدة الفراغ عام ولا يختص بحالة الشك في الصحة، بل في حالة احتمال نقصان الصلاة أيضاً تجري قاعدة الفراغ ويُحكم بتمامية الصلاة؛ ونتيجة لذلك، تتعارض قاعدة الفراغ بالنسبة للجزء غير الركني مع قاعدة الفراغ في الجزء الركني.

ولكن يمكن القول إنه في بعض الروايات، أُشير إلى قاعدة الفراغ فقط لصحة الصلاة، مثل روايتي محمد بن مسلم الصحيحتين: «في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال: لا يعيد ولا شيء عليه» و«كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد» (الحر العاملي، ١٤٢٩، ج٨، ص٢٤٦)؛ ومن هذا المنطلق، بعد تعارض الخطابات الأخرى، يمكن الرجوع إلى هذه الروايات كخطاب مختص.

إذن، نتيجة لذلك، في حالة عدم قبول تقديم الأصل المصحِّح على الأصل المتمِّم، يمكن أيضاً إثبات صحتها في فرض حصول العلم الإجمالي بعد الصلاة.

٥. الأقوال في المسألة

١-٥. النظرية الأولى: عدم تعارض الأصل المصحِّح والأصل المتمِّم مطلقاً

وفقاً لهذه النظرية، يواجه جريان قاعدة التجاوز كأصل متمِّم إشكالاً، وبالتالي لا يجري؛ إذن، يجري الأصل المصحِّح بلا معارض. لعدم جريان الأصل المتمِّم، طُرح استدلالان في كلمات العلماء:

١-١-٥. الاستدلال الأول

يعتقد بعض العلماء أن الأصل المتمِّم فاقد للأثر، وأن الأصول العملية تجري فقط في فرض وجود الأثر.

هذا الاستدلال قُرِّب في قالبين:

التقريب الأول: جريان الأصل المتمِّم إذا تزامن مع جريان الأصل المصحِّح، يخالف العلم الإجمالي بفقدان أحد الأجزاء، ونتيجة لذلك، يحصل علم تفصيلي ببطلان الصلاة، مما يوجب تعارض الأصول؛ أما إذا جرى الأصل المتمِّم ولم يجرِ الأصل المصحِّح، فإن الصلاة تُحكم بالبطلان بسبب فقدان أحد الأجزاء التي تعتمد عليها صحة الصلاة، والذي يثبت باستصحاب عدم الإتيان بذلك الجزء، ولا يعود لجريان الأصل المتمِّم أثر عملي، لأنه في النهاية يجب عليه إعادة الصلاة.

التقريب الثاني: جريان الأصل المتمِّم في كل الأحوال لغوٌ وبلا أثر، لأنه إذا أتم المكلف الصلاة، فيجب عليه إعادتها بسبب علمه بفقدان سجدتين، ونتيجة لذلك، يكون جريان قاعدة التجاوز في جميع الأطراف لغواً.

وفقاً لهذا التقريب، حتى لو جرت قاعدة التجاوز كأصل مصحِّح، فإنها تكون لغواً أيضاً.

نقد ودراسة: قاعدة التجاوز قد جُعلت بشكل مطلق لأثر حيثي لا يكون عادةً لغواً، وفقدان الأثر الفعلي في مورد واحد لا يسبب لغوية إطلاق الخطاب، بل إن الأثر التعليقي لصحة الإطلاق كافٍ، بحيث لو حُلَّت المشكلة من جهات أخرى، لحلَّت قاعدة التجاوز المشكلة من هذه الناحية.

تجدر الإشارة إلى أن مثل هذا البحث مطروح أيضاً في شمول التكاليف للناسي والغافل، حيث أثار البعض إشكال اللغوية، ولكن الإمام الخميني وكذلك الشهيد الصدر أجابا عن طريق الخطابات القانونية أو عدم وجود مؤونة زائدة في الإطلاق، بأن مجرد الأثر التعليقي، أي التحريك في حالة الوصول والانقياد، يصحح إطلاق الخطاب. (الخميني، ١٤٣٢، ج٣، ص ٣٤٧؛ الصدر، ١٤٣٣، ج٤، ص ٢٠٦)

ولكن الإنصاف هو أن الأثر الحيثي حول الأصول العملية ليس عرفياً، بل إن الأصول العملية جاءت لتحديد الموقف العملي للمكلف، وفي حالة الحكم ببطلان الصلاة، فإن تحديد تمامية الصلاة من حيثية خاصة لا يحدد الموقف العملي للمكلف.

ولكن يجب الانتباه إلى أن هذا التوضيح يحتاج إلى تفصيل في إجراء الأصل المتمِّم، وهو ما سيأتي توضيحه في النظرية الرابعة.١

١. بعبارة فنية أدق: لا وجه للمعارضة بين هذين الأصلين، إذ لا يتصور للأثر الحيثي روح للبراءة ما لم يتحقق شرطه، وإنما يمكن التمسك بالإطلاق لعدم وجود مؤونة زائدة فقط، والأصل الفاقد للروح لا قدرة له على التعارض مع الأصل المصحِّح.

٢-١-٥. الاستدلال الثاني

أفاد المحقق العراقي أن موضوع قاعدة التجاوز هو الشك في امتثال الأمر الضمني، ومع اليقين بعدم امتثال الأمر الضمني في مورد الأصل المتمِّم، لا يبقى مجال للأصل المتمِّم، لأن المكلف إما لم يأتِ بمورد الأصل المتمِّم أو لم يأتِ بمورد الأصل المصحِّح؛ إذن، في الحقيقة، إما أن لديه علماً بعدم امتثال الأمر الضمني لمورد الأصل المتمِّم، أو أنه بسبب علمه ببطلان الصلاة، لديه علم بعدم امتثال الأمر الضمني. على سبيل المثال، إذا علم إجمالاً أنه إما ترك ركوع الركعة الأولى أو السجدة الثانية من الركعة الثانية، فهناك علم تفصيلي بأنه لم يمتثل الأمر الضمني للسجدة في الركعة الثانية، لأنه إما ترك ركوع الركعة الأولى، فتكون الصلاة باطلة، ولا معنى لامتثال الأمر الضمني للسجدة، أو أنه أتى بركوع الركعة الأولى، ونتيجة لذلك يكون قد ترك السجدة الثانية، ولا يعود هناك شك في امتثاله، بل يقين بعدم الامتثال.

بل إن آية الله الحكيم، تلميذ المحقق العراقي، قد ادعى أن موضوع وجوب قضاء السجدة أيضاً ليس تركها، بل موضوعه ترك امتثال الأمر الضمني للسجدة في الصلاة الصحيحة. (الحكيم، ١٣٧٤، ج ٧، ص ٦١٤)

يجب أن نعلم أن هذا الاستدلال في جميع الفروع لا يسبب انحلال العلم الإجمالي وجريان الأصل المصحِّح؛ على سبيل المثال، في الفرع المذكور في بداية هذا البحث، إذا تجاوز المكلف محل السجدتين الركنيتين من الركعة الثانية ودخل في الركعة الثالثة، فإن قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الثانية لا تجري بسبب العلم التفصيلي بعدم امتثال أمرها الضمني، ولكن قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الأولى وكذلك السجدة الأولى في الركعة الثانية لها مقتضٍ للجريان، لأنه من المحتمل امتثال الأمر الضمني للسجدة الثانية في الركعة الأولى بسبب الإتيان بالسجدة الأولى، وبعد تعارض هاتين القاعدتين، لا يُحرز الإتيان بالركن، أي السجدة الأولى من الركعة الثانية، بل استصحاب الحكم بعدم الإتيان به، ونتيجة لذلك، لزوم إعادة الصلاة. (العراقي، ١٤١٤، ص ٣٦) وإن كان المحقق العراقي لم يلتفت إلى هذه اللازمة.

في الحقيقة، يبيّن المحقق العراقي أنه يجب التفصيل بين الجزء الركني السابق واللاحق؛ بهذا البيان أنه إذا كان الجزء الركني لاحقاً، مثل المثال أعلاه حيث السجدة الأولى من الركعة الثانية ركن، فإن التعارض قائم.

نقد ودراسة: ظاهر الأدلة أن موضوع قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الجزء، ومع تحققه، يوجد مجال لجريان قاعدة التجاوز.

علاوة على ذلك، في بعض الموارد، لا يكون البحث عن امتثال الأمر الضمني، مثل أن يشك المكلف أنه ترك ركوع الركعة الأولى أو أتى بسجدة إضافية في الركعة الثانية، فيجري استصحاب عدم إضافة سجدة إلى الركعة الثانية، ويتعارض مع قاعدة التجاوز في ركوع الركعة الأولى.

إضافة إلى أن تفصيل المحقق العراقي لا يبدو صحيحاً أيضاً، لأنه هنا أيضاً لدى المكلف علم تفصيلي بأنه لم يمتثل الأمر الضمني للسجدة في الركعة الأولى، لأنه إذا أتى بالسجدة الثانية من الركعة الأولى، فإن الصلاة محكومة بالبطلان بسبب ترك ركن في المستقبل، أي في الركعة الثانية، وإذا أتى بالسجدة الأولى من الركعة الثانية، فإنه يتيقن بترك السجدة الثانية من الركعة الأولى.

٣-١-٥. الاستدلال الثالث

يُستفاد من بعض كلمات آية الله الخوئي أن موضوع وجوب قضاء سجود السهو هو ترك سجدة في صلاة صحيحة واقعاً، وتلك الصحة قد أُحرزت. فإذا لم يجرِ الأصل المصحِّح، لا يثبت موضوع وجوب قضاء السجدة لينفيه الأصل المصحِّح، بل يوجد علم بعدم وجوب قضاء سجود السهو، وبالتالي لا يوجد تعارض بين الأصل المصحِّح والأصل المتمِّم. (الخوئي، بي تا، ص٣٦)

نقد ودراسة: هذا الاستدلال مخالف لإطلاق الأدلة التي تقول: «من نسي سجدة فليقضها»، حيث إن غاية تقييد هذه الأدلة هي أن قضاء السجدة في حالة الترك السهوي للسجدة في صلاة صحيحة واقعاً لازم؛ ولكن كون موضوعها مقيداً بالصحة الظاهرية للصلاة خلاف إطلاق هذه الأدلة ولا يوجد دليل واضح عليه.

تجدر الإشارة إلى أن آية الله الخوئي نفسه قد قبل في بعض أبحاثه أن موضوع وجوب القضاء هو الصحة الواقعية للصلاة (الخوئي، ١٤٤٠، ج١٩، ص ٢٧٢)، وبالتالي يمكن القول إن استدلاله يرجع إلى الاستدلال الرابع، حيث إن جريان الأصل المتمِّم يتفرع على إحراز صحة الصلاة، وهو ما سيأتي توضيحه.

٤-١-٥. الاستدلال الرابع

ينقل المحقق الحائري عن بعض أساتذة عصره أن موضوع وجوب قضاء السجدة أو وجوب سجود السهو هو أداء صلاة صحيحة واقعاً؛ وبما أن هذا الوجوب تابع لصحة الصلاة، فما لم تُحرز صحة الصلاة، لا مجال لجريان الأصل المتمِّم، لأنه إذا كان هناك احتمال بطلان الصلاة ولم تُحرز صحتها، فإن هذه الصلاة محكومة بالبطلان الظاهري، وهذا البطلان الظاهري كافٍ للحكم بعدم الوجوب الظاهري لقضاء السجدة أو سجود السهو، ولا حاجة بعد ذلك إلى أصل متمِّم. إذن، جريان الأصل المتمِّم يكون ضرورياً فقط في حالة ثبوت الصحة الظاهرية للصلاة، ونتيجة لذلك، يتوقف على جريان الأصل المصحِّح في الركن، وبالتالي يستحيل فرض التعارض بينهما. (الحائري، ١٤٠٤، ص ٣٤٠)

الفرق بين هذا الاستدلال والاستدلال السابق هو أن موضوع وجوب القضاء في الاستدلال السابق كان متوقفاً على جريان الأصل المصحِّح؛ ولكن في هذا الاستدلال، ليس موضوع وجوب قضاء السجدة متوقفاً على الأصل المصحِّح، بل إن جريان الأصل المتمِّم متوقف على جريان الأصل المصحِّح.

يُستفاد من كلمات آية الله الخوئي أيضاً أنه قبل هذا الاستدلال؛ لأنه كما أُشير، وإن كان قد بيّن في جزء من عبارته أن الحكم بالقضاء متفرع على صحة الصلاة من سائر الجهات، ويجب إحراز صحة الصلاة في الرتبة السابقة، إلا أنه في مواضع أخرى صرّح بأن موضوع وجوب القضاء هو الصحة الواقعية للصلاة، وأن جريان قاعدة التجاوز كأصل متمِّم يتفرع على إحراز صحة الصلاة. ثم شبّه محل البحث بمثالين (الخوئي، ١٤٤٠، ج١٩، ص ١٦٩):

المثال الأول: إذا شك شخص في أنه في الركعة الثانية من الصلاة أم الثالثة، ومع ذلك تيقن أنه ترك السجدة الثانية من الركعة السابقة، فلا أحد يقول بوجوب قضاء السجدة، لأن هذه الصلاة محكومة بالبطلان. وكذلك إذا شك في فقدان سجدة، فلا مجال لجريان قاعدة التجاوز.

ولكن يبدو أن هذا التنظير غير صحيح؛ لأنه في هذا المثال يوجد علم تفصيلي ببطلان الصلاة، فلا يبقى احتمال للصحة الواقعية للصلاة، أما في محل البحث، فيوجد احتمال للصحة الواقعية للصلاة، وبالتالي يوجد احتمال لوجوب قضاء السجدة أيضاً.

المثال الثاني: إذا علم شخص بعد الدخول في السجدة الأولى إجمالاً أنه إما ترك قراءة الركعة السابقة من صلاته أو أنه أخل بركوع هذه الركعة، فإن قاعدة التجاوز تجري بالنسبة للركوع ولا يمكن أن تتعارض مع قاعدة التجاوز في القراءة؛ (بناءً على الرأي القائل بوجوب سجود السهو في حالة الترك السهوي للقراءة) لأنه إذا جرت قاعدة التجاوز في القراءة في فرض جريان قاعدة التجاوز في الركوع، فإن ذلك جمع بين ضدين وهو محال؛ أما إذا جرت بدون قاعدة التجاوز في الركوع، فإن استصحاب عدم الإتيان بالركوع يجري، ونتيجة لذلك يجب عليه ترك السجدة وأداء الركوع، وفي هذا الفرض، يعلم المكلف بعدم وجوب سجود السهو بسبب ترك القراءة. توضيح ذلك أنه إما أن يكون ما تركه هو القراءة، ونتيجة لذلك تكون الصلاة مشتملة على ركوعين ومحكومة بالبطلان، أو أن ما تركه هو الركوع، وقد أتى الشخص بالقراءة ولا حاجة لسجود السهو. إذن، لا يمكن أن يكون أثر قاعدة التجاوز في القراءة نفي وجوب سجود السهو، وبالتالي تكون بلا أثر.

مع هذا التوضيح، عُلم أن جريان قاعدة التجاوز في القراءة من الأمور التي يكون لازم وجودها عدمها الوجداني.

ولكن يجب أن نعلم أن هذا المثال يختلف عن محل البحث، لأنه في مثال محل البحث الذي يطرأ فيه العلم بفوات سجدتين بعد إتمام الصلاة، لا يزال احتمال صحة الصلاة قائماً، وبالتالي يلزم قضاء السجدتين المنسيتين، ولا يوجد علم بخلاف ذلك.

١-٤-١-٥. الإشكال الأول

المحقق الحائري نفسه لم يقبل هذا الوجه، وبيّن أن موضوع وجوب قضاء السجدة ليس الصلاة الصحيحة، بل وجوب قضاء السجدة حكم حيثي. توضيح ذلك أن الصلاة مركبة من أجزاء، والأمر بكل جزء من حيث كونه في صلاة صحيحة أو ضمن صلاة فاسدة مطلق، ولكن هذا الأمر نفسه لا يثبت صحة الصلاة من سائر الجهات؛ مثل أن يأمر المولى بإعداد معجون من عشرة أجزاء، ففي هذه الحالة، الأمر بالجزء العاشر ليس مقيداً بإتيانه ضمن معجون صحيح، ولكن إذا أتى به المكلف ولم يأتِ بسائر الأجزاء، فإن المركب يواجه مشكلة بسبب الخلل في سائر الأجزاء. إذن، الأمر بقضاء السجدة ليس مقيداً بقضائها ضمن صلاة صحيحة، بل هو مطلق، وإذا كانت الصلاة باطلة، فإن هذا الأمر لا يثبت صحة الصلاة، وتكون الصلاة باطلة من ناحية الخلل في غير هذا الأمر.

مع هذا التوضيح، لا حاجة لإحراز صحة الصلاة لجريان قاعدة التجاوز، لأن موضوع وجوب قضاء السجدة ليس الصلاة الصحيحة؛ بل هذا الأمر موجود بشكل مطلق. (الحائري، ١٤٠٤، ص ٣٤٠)

نقد ودراسة: في البداية، يجب التفريق بين الواجب النفسي والواجب الضمني، لأن الأصل المتمِّم أحياناً يقتضي عدم لزوم سجود السهو، والذي يُعد واجباً نفسياً بناءً على قبوله، وذلك لزيادة أو نقيصة أي جزء في الصلاة، وأحياناً يكون أثر الأصل المتمِّم نفي وجوب قضاء جزء بعد الصلاة.

في الحالة الأولى، لا يرد إشكال المحقق الحائري، لأن موضوع وجوب سجود السهو منصرف إلى الصلاة الصحيحة، وفي فرض فساد الصلاة، لا شك في عدم وجوب سجود السهو، والإهمال في موضوع الحكم غير معقول.

أما في الحالة الثانية، فيوجد خلاف حول ما إذا كان قضاء الجزء في دليل مثل «من نسي سجدة فليقضها» واجباً نفسياً، ونتيجة لذلك يكون موضوعه نسيان السجدة في صلاة صحيحة، أم أنه واجب ضمني فقط؟

يبدو أن الرأي الثاني هو الصحيح، لأنه في الحقيقة، على كل مكلف، يجب عليه الجامع بين الصلاة المشتملة على سائر الأجزاء وسجدتين في كل ركعة، والصلاة المشتملة على سائر الأجزاء وسجدة واحدة داخل الركعة وسجدة واحدة بعد الصلاة في فرض نسيان السجدة داخل الوقت. في هذه الحالة، يكون النسيان قيداً للمتعلَّق وليس موضوعاً لتكليف جديد.

مع هذا التوضيح، يمكن القول إن الموضوع في هذا التكليف بالجامع ليس الصلاة الصحيحة، بل المكلف هو الموضوع، والصلاة هي متعلَّق تكليف المولى فقط.

تجدر الإشارة إلى أن إشكال اللغوية، الذي قُرِّب في الاستدلال الأول، لا يُجاب عنه بهذا التوضيح؛ ولكن أُشير إلى أن قاعدة التجاوز في رأي المحقق الحائري حيثية، وتصحح العمل من هذه الحيثية، وهذا القدر من الأثر الحيثي والتعليقي كافٍ لعدم لغوية الإطلاق.

٢-٤-١-٥. الإشكال الثاني

على الرغم من أن موضوع وجوب القضاء هو الصحة الواقعية للصلاة، إلا أن موضوع جريان قاعدة التجاوز ليس إحراز صحة الصلاة من سائر الجهات، لأن ذلك يستلزم الدور المحال، ونتيجة لذلك، تجري قاعدة التجاوز في فرض عدم إحراز صحة الصلاة، ويتعارض الأصلان المصحِّح والمتمِّم مع بعضهما البعض.

توضيح ذلك أنه إذا شك شخص بعد الصلاة أنه أتى بالركوع في الركعة الأولى، واحتمل أيضاً أنه لم يأتِ بسجدتين، فإن جريان قاعدة التجاوز في ركوع الركعة الأولى، وفقاً لهذا الرأي، متوقف على إحراز صحة الصلاة من سائر الجهات؛ وعليه، فإن قاعدة التجاوز هذه متوقفة على جريان قاعدة التجاوز في السجدة، والتي بدورها متوقفة، بناءً على الفرض المذكور، على جريان قاعدة التجاوز في ركوع الركعة الأولى، مع أنه في فرض عدم وجود علم إجمالي، لا يوجد أي إشكال في جريان قاعدة التجاوز. ومن هذا يُعلم أن موضوع قاعدة التجاوز ليس إحراز صحة الصلاة من سائر الجهات. (الهاشمي الشاهرودي، بي تا، ص ٢٤٦)

نقد ودراسة: الدور المطروح في المثال أعلاه ليس دوراً حقيقياً؛ لأن جريان قاعدة التجاوز في الركوع متوقف على إحراز صحة الصلاة من سائر الجهات، أي جريان قاعدة التجاوز في السجدة على طول جريان قاعدة التجاوز الأولى. في الحقيقة، المتوقف عليه قضية شرطية، وهي أنه إذا جرت قاعدة التجاوز في السجدة، فإن قاعدة التجاوز في الركوع تجري أيضاً، وهذه القضية الشرطية صادقة في كلا الطرفين؛ إذن، الدور المطروح هنا هو دور معي وليس دوراً حقيقياً. بعبارة أخرى، جريان قاعدة التجاوز في الركوع ليس متوقفاً على الجريان الفعلي لقاعدة التجاوز في السجدة، بل متوقف فقط على تلك القضية الشرطية التي تتحقق أيضاً على طول جريان قاعدة التجاوز في الركوع.

أما في مثال محل البحث، فالمشكلة هي أن جريان الأصل المتمِّم بمعنى إبطال الأصل المصحِّح، ولا تُحرز صحة الصلاة من سائر الجهات أبداً؛ لأنه على طول جريان الأصل المتمِّم، يوجد استصحاب عدم الإتيان بالجزء الركني.

٣-٤-١-٥. الإشكال الثالث

جريان الأصل المتمِّم يكون فقط لهذا السبب، وهو وجود احتمال صحة الصلاة، والمكلف يجري هذا الأصل لنفي وجوب سجود السهو أو نفي وجوب القضاء؛ وبما أن هذا الاحتمال موجود، فلا يوجد دليل على عدم جريان الأصل المتمِّم ولو في فرض الحكم بالبطلان الظاهري للصلاة، بل إن أثره حيثي، وفقط بالحكم بتمامية الصلاة من جهة هذا الجزء، يُحكم بعدم وجوب سجود السهو أو قضاء هذا الجزء بعد الصلاة. إذن، موضوع الأصل المتمِّم هو فقط الشك في تمامية الصلاة، وهو موجود هنا، ولا يوجد دليل على لزوم إحراز صحة الصلاة من سائر الجهات.

ومن المثير للاهتمام أن آية الله الخوئي قد أفاد في جزء من أبحاثه أنه إذا علم المكلف أنه إما ترك ركوع الركعة الأولى أو أتى بسجدة إضافية في صلاة الركعة الثانية، فإن قاعدة التجاوز في الركوع تتعارض مع استصحاب عدم زيادة السجدة في الركعة الثانية، حيث إن استصحاب عدم زيادة السجدة ينفي وجوب سجود السهو ويتنافى مع قاعدة التجاوز في الركوع التي تهدف إلى تصحيح الصلاة، بسبب العلم الإجمالي. (أبو القاسم الخوئي، ١٤٤٠، ج١٩، ص٢٧٢) مع أن استصحاب عدم الزيادة في هذا الفرض يجري في فرض الحكم ببطلان الصلاة، إلا أنه قُبل كمجرد أثر لنفي وجوب سجود السهو، ونتيجة لذلك، يتعارض مع قاعدة التجاوز في الركوع.

٥-١-٥. الاستدلال الخامس

يجري الأصل العملي في حالة وجود احتمال مطابقته للحكم الواقعي، ومع عدم وجود هذا الاحتمال، لا يجري الأصل العملي بعد ذلك، بمعنى أنه إذا جرى الأصل العملي كأصل موضوعي، فيجب أن يسبب تحقق ذلك الحكم، ومع العلم بعدم استناد الحكم إلى هذا السبب، لا يبقى مجال لجريان الأصل العملي. الآن، في محل البحث، حيث علم المكلف إجمالاً أنه إما ترك ركوع الركعة الأولى أو السجدة الثانية من الركعة الثانية، لا يوجد احتمال لتأثير الإتيان بالسجدة في نفي وجوب قضاء السجدة لكي تتعارض قاعدة الحكم بالإتيان بها مع قاعدة التجاوز في الركوع، لأنه إما أن هذه الصلاة صحيحة بسبب الإتيان بالركوع، فيكون قضاء السجدة واجباً، أو أنه ترك الركوع، فيكون عدم وجوب قضاء السجدة مستنداً إلى بطلان الصلاة، لا إلى الإتيان بالسجدة الثانية في الركعة الثانية.

إذن، في الحقيقة، لا يجري الأصل المتمِّم أبداً؛ لأن مفاده، وهو الإتيان بالجزء غير الركني، ليس سبباً واقعياً لنفي آثاره وأحكامه أبداً. (الهاشمي الشاهرودي، بي تا، ص٢٤٧)

نقد ودراسة: جريان الأصل العملي لا يحتاج إلى أكثر من احتمال وجوب تكليفي، مثل وجوب قضاء السجدة، وهنا أيضاً، بسبب احتمال الصحة الواقعية للصلاة والإتيان بالركوع فيها، يوجد احتمال وجوب قضاء السجدة، وبهذا الأصل يمكن نفي هذا الوجوب. من هذا المنطلق، فإن القول بأن عدم وجوب القضاء في فرض عدم الإتيان بالركوع مستند إلى بطلان الصلاة، لا إلى الإتيان بالسجدة، لا يبدو صحيحاً أيضاً، لأنه بسبب الإتيان بالسجدة، لم يتحقق مقتضي قضاء سجود السهو؛ مثل أن يأتي شخص بجميع سجدات صلاته، ثم بعد الصلاة، يدرك جريان استصحاب الحدث في أثناء الصلاة، ففي هذه الحالة، لا يمكن القول بأن عدم وجوب قضاء السجدة وكذلك سجود السهو مستند إلى بطلان الصلاة، بل الوجوب يحتاج إلى مقتضٍ، وهو ترك السجدة.

٦-١-٥. الاستدلال السادس

يعتقد بعض العلماء مثل الشهيد الصدر أنه في بحث التعارض، يكون التساقط بسبب الترجيح بلا مرجح، وإذا وُجد مرجح، فلا تصل النوبة إلى التساقط، مثل وجود أربعة أدلة، حيث لا يتعارض الدليلان الأول والثاني مع بعضهما البعض، ويتعارض الدليل الأول فقط مع الدليل الثالث، والدليل الثاني مع الدليل الرابع، فإذا تعارض الدليلان الثالث والرابع أيضاً، فلا مشكلة في تقديم الدليلين الأول والثاني، لأنهما في كل الأحوال متعارضان وليسا سالمين، إذن ترجيح الدليل الأول على الدليل الثالث، وكذلك الدليل الثاني على الدليل الرابع، له مرجح. (الصدر، ١٤٣٣، ج ٥، ص ١٩٩، ص ٥٠٧)

الآن، يمكن تطبيق هذه الكبرى في محل البحث؛ على سبيل المثال، في فرض العلم بترك سجدتين في الصلاة، الذي وُضّح في بداية هذا البحث، تتعارض قاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الأولى مع قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الثانية، وكذلك تتعارض قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الأولى مع قاعدة التجاوز في السجدة الأولى من الركعة الثانية، ولكن قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من كل ركعة لها معارض آخر، وهو قاعدة التجاوز في السجدة الثانية من الركعة الأخرى، لأن المصلي يعلم أنه إما ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى أو أنه لم يأتِ بالسجدة الثانية من الركعة الثانية؛ إذن، تقديم قاعدة التجاوز في السجدتين الأوليين له مرجح، لأن تقديمهما يسبب سلامتهما من التعارض. (الهاشمي الشاهرودي، بي تا، ص٢٥٢)

نقد ودراسة: الترجيح بلا مرجح في مسألة التعارض يعني أن شمول الدليل لأحد الطرفين وحده ادعاء بلا دليل، ومجرد إيجاد ميزة لا فائدة منه، لأنه لا يجعل الادعاء مدللاً؛ وهنا أيضاً، مجرد وجود معارض واحد مقابل معارضين ليس معياراً عقلائياً للفرار من التعارض.

علاوة على أنه فيما يتعلق بجريان قاعدة التجاوز كأصل متمِّم، يوجد فقط علم بعدم جريان كليهما، وفي الطرف المقابل، يوجد إمكان الأخذ بإطلاق القاعدة بالنسبة لأحد الطرفين بشكل غير معين، ونتيجة لذلك، يتعارض مع مجموع الأصلين المصحِّحين.

٧-١-٥. الاستدلال السابع

أفاد المحقق الإيرواني أن موضوع وجوب قضاء السجدة أو سجود السهو هو العلم وتذكر نسيان السجدة، ومع وجود العلم الإجمالي، لا يكون نسيان السجدة معلوماً، ونتيجة لذلك، لا يتحقق موضوع الوجوب أبداً لكي يتشكل العلم الإجمالي المنجز؛ لأنه على سبيل المثال، في فرض العلم الإجمالي بترك ركوع أو ترك سجدة، وإن كان لترك الركوع أثر لزوم إعادة الصلاة، إلا أن ترك السجدة، بسبب عدم العلم بموضوعه، ليس له أي أثر، ونتيجة لذلك، يكون هذا العلم الإجمالي جامعاً بين ما له أثر وما ليس له أثر، وهو غير منجز. (الإيرواني، بي تا، ص١٧)

نقد ودراسة: لازمة هذا القول هي صحة الصلاة بسبب جريان قاعدة التجاوز في الركوع، وعدم الحاجة إلى قضاء السجدة، وهو أمر غريب جداً، لأن الإنسان يعلم بنقصان صلاته.

كإشكال على المحقق الإيرواني، يمكن طرح مطلبين:

الأول: فيما يتعلق بوجوب قضاء السجدة، كما مر، يُستفاد أن ملاكه ضمني، وليس له أمر استقلالي لازمه وجود أمر بالجامع، وما لم يُحرز هذا الجامع، تكون قاعدة الاشتغال حاكمة، ومع عدم جريان قاعدة التجاوز في السجدة وكذلك قضاء السجدة، لا يمكن إحراز هذا الجامع.

الثاني: ظهور عناوين مثل “تذكر” و”تبين” هو أنها مجرد طريق محض، وأن واقع ترك السجدة له هذا الأثر، لا أن العلم بترك السجدة هو موضوع الأثر.

٢-٥. النظرية الثانية: التعارض بين الأصل المصحِّح والأصل المتمِّم مطلقاً

كما ذُكر سابقاً، يرى صاحب العروة والمحقق الحائري وكذلك الإمام الخميني أنه بسبب وجود العلم الإجمالي بكذب أصلين من هذه الأصول الأربعة، يقع التعارض بينها.

دليل هذه النظرية هو أن إطلاق قاعدة التجاوز يشمل مورد الأصل المتمِّم أيضاً، وأثره حيثي، أي من ناحية هذا المورد المشكوك، لا توجد مشكلة في الصلاة. الآن، قد يصبح هذا الأثر فعلياً أحياناً، وأحياناً لا يصبح فعلياً أبداً، ولكن جريان القاعدة لا يواجه إشكالاً، لأن المشكلة تكمن فقط في الجمع بين الأصلين المصحِّحين والأصل المتمِّم، وجريان كل منهما بمفرده له أثر حيثي خاص به.

٣-٥. النظرية الثالثة: التفصيل بين الأصول المتمِّمة

أحياناً يكون الأصل المتمِّم قاعدة التجاوز؛ وأحياناً يكون الأصل المتمِّم أصلاً آخر مثل الاستصحاب أو البراءة، مثل وجود علم إجمالي بوجود ركوع زائد في الصلاة أو سجدة زائدة، حيث يكون استصحاب عدم زيادة الركوع أصلاً مصحِّحاً، بينما استصحاب عدم زيادة السجدة هو أصل متمِّم فقط ينفي وجوب سجود السهو. والبراءة من وجوب سجود السهو لها أيضاً فعالية استصحاب عدم زيادة السجدة.

من مجموع كلمات آية الله الخوئي، كما أُشير، يُعلم أن قاعدة التجاوز فقط كأصل متمِّم لا تتعارض مع الأصل المصحِّح، ولكن استصحاب عدم زيادة السجدة أو البراءة من وجوب سجود السهو يتعارض مع استصحاب عدم زيادة الركوع الذي هو أصل مصحِّح.

في الحقيقة، تسعى هذه النظرية إلى إيجاد طريقة إثباتية لإثبات عدم التعارض بين الأصل المصحِّح والأصل المتمِّم، ولا تبني رفع التعارض على نقطة ثبوتية؛ وبناءً على هذه النظرية، إذا كان الأصل المتمِّم مثل الاستصحاب، فيمكن جعل الأصل المتمِّم بدون الأصل المصحِّح، حيث إنه ينفي وجوب قضاء الجزء أو وجوب سجود السهو، وإن كانت الصلاة محكومة بالبطلان الظاهري، ومن ثم يتعارض الأصلان المتمِّم والمصحِّح مع بعضهما البعض، لأن كليهما له مقتضٍ للجريان، وبسبب العلم الإجمالي والترخيص في المخالفة القطعية، يواجه فعلية جريانهما مشكلة.

أما لسان قاعدة التجاوز فهو أنه إما يصحح الصلاة أو أنه في صلاة محكومة بالصحة الظاهرية، يحكم بتماميتها. ونتيجة لذلك، إذا كانت الصلاة محكومة بالبطلان الظاهري، فإن قاعدة التجاوز لا تحكم بتمامية الصلاة. نقطة هذا الاستظهار هي أنه في صحيحة زرارة وصحيحة إسماعيل بن جابر: «إِنْ شَكَ فِي الركوع بَعْدَ مَا سَجَدَ فَلْيَمْضِ وَ إِنْ شَكَ فِي السُّجُودِ بَعْدَ مَا قَامَ فَلْيَمْضِ كُلُّ شَيْءٍ شَكٍّ فِيهِ مِمَّا قَدْ جَاوَزَهُ وَ دَخَلَ فِي غَيْرِهِ فَلْيَمْضِ عَلَيْهِ» (الحر العاملي، ١٤٢٩، ج ٦، ص ٣١٨)، يُعلم أن المكلف مأمور بمواصلة الصلاة، والأمر بالمضي في الصلاة مع لزوم إعادتها وعدم ثبوت سوى وجوب سجود السهو أو قضاء الجزء، غير متناسق. إذن، قاعدة التجاوز، سواء كأصل مصحِّح يحكم بالصحة الظاهرية للصلاة، أو كأصل متمِّم، تجري في حالة إمكان الاكتفاء بالصلاة.

١-٣-٥. الإشكال الأول

أحد أدلة قاعدة التجاوز هو موثقة ابن أبي يعفور؛ في هذا الدليل، ورد فقط هذا التعبير: «إِذَا شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْوُضُوءِ وَ قَدْ دَخَلْتَ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَ شَكُّكَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا الشَّكُّ إِذَا كُنْتَ فِي شَيْءٍ لَمْ تَجُزْهُ» (الحر العاملي، ١٤٢٩، ج ١، ص ٤٧٠)، ونتيجة لذلك، لم يأتِ الأمر بالمضي في الصلاة فيه، إذن يشمل الأصل المتمِّم أيضاً، وبالتالي يتعارض مع قاعدة التجاوز كأصل مصحِّح. كذلك في صحيحة زرارة ورد أيضاً: «إذا خرجت من شيء و دخلت في غيره فشككت فشكك ليس بشيء» (الحر العاملي، ١٤٢٩، ج٨، ص ٢٣٧)، وفي هذا التعبير أيضاً، لا يُرى أي أثر للأمر بمواصلة الصلاة لكي لا يجري كأصل متمِّم في فرض البطلان الظاهري للصلاة.

نقد ودراسة: حول موثقة ابن أبي يعفور، يمكن القول إنها على الأرجح ناظرة إلى قاعدة الفراغ، لأنه في قاعدة التجاوز، يُتجاوز فقط عن محل الشيء، وهو تجاوز مجازي عن الشيء نفسه، وظاهر التجاوز في موثقة ابن أبي يعفور هو التجاوز الحقيقي، وهو ما يتناسب مع قاعدة الفراغ.

أما فيما يتعلق بصحيحة زرارة، فيمكن القول إنه في بداية هذه الرواية، ورد تعبير «فليمض» عدة مرات، وهو نفسه له صلاحية كونه قرينة للذيل، ونتيجة لذلك، يكون شمولها للأصل المتمِّم في فرض الحكم بالبطلان الظاهري للصلاة مشكوكاً، وليس لها قدرة على التعارض مع الأصل المصحِّح.

٢-٣-٥. الإشكال الثاني

على الرغم من أن قاعدة التجاوز لا تجري كأصل متمِّم، إلا أنه بناءً على هذه النظرية، تجري سائر الأصول المتمِّمة مثل الاستصحاب وأصل البراءة، وهذا المقدار كافٍ لعدم صحة هذه النظرية. توضيح ذلك أنه إذا علم المكلف أنه إما ترك الركوع أو السجدة الثانية، فإن قاعدة التجاوز بالنسبة للركوع تجري، وإن لم تجرِ في السجدة الثانية وفقاً لهذه النظرية، ونتيجة لذلك، يثبت استصحاب عدم الإتيان بهذا الجزء موضوع وجوب سجود السهو أو وجوب قضائه؛ أما موضوع وجوب قضاء الجزء وكذلك وجوب سجود السهو فهو نسيان الجزء أو زيادته سهواً، وعليه إذا ترك الجاهل القاصر القراءة، فالصلاة صحيحة ولا حاجة لسجود السهو. إذن، يمكن القول على سبيل المثال إن استصحاب عدم الإتيان بالسجدة لا يثبت موضوع «من نسي سجدة فليقضها»، بل إما يجري استصحاب عدم النسيان كأصل موضوعي أو يمكن إجراء البراءة من وجوب سجود السهو، ونتيجة لذلك، يتعارض مع قاعدة التجاوز كأصل مصحِّح.

نقد ودراسة: هذا الإشكال يختص فقط بسجود السهو، وإذا أنكر شخص وجوب سجود السهو عند الترك السهوي لأي من الأجزاء، فيمكنه القول بتقديم الأصل المصحِّح. أما فيما يتعلق بوجوب قضاء الجزء، فيمكن الدفاع عن هذه النظرية بهذا التوضيح، وهو أن النكتة الظاهرة من دليل وجوب القضاء هي استيفاء ملاك ذلك الجزء الفائت، وعليه، يُعلم من دليل وجوب القضاء تعدد المطلوب، بمعنى أن هناك ملاكاً في أصل طبيعة السجدة، وملاكاً آخر في الإتيان بالسجدة في محلها، فإذا فات الملاك الثاني، يقول دليل الأمر بالقضاء إن استيفاء الملاك في أصل الطبيعة لازم؛ الآن، يمكن القول إن هذه النكتة لا تختص بفرض النسيان، بل تشمل فرض الجهل أيضاً، وموضوع وجوب القضاء هو ترك السجدة في الصلاة الصحيحة الواقعية، وباستصحاب يمكن إثبات هذا الترك، ومع وجود هذا الاستصحاب، لا يبقى مجال لجريان الأصل المتمِّم لكي يقف في وجه الأصل المصحِّح. كما أنه وفقاً لتعلق الأمر بالجامع، يمكن إجراء استصحاب عدم الإتيان بعدله الجامع، أي السجدتين في المحل، والذي بموجبه يجب الإتيان بالعدل الثاني، أي قضاء السجدة بعد الصلاة.

٤-٥. النظرية الرابعة: التفصيل بين الواجب النفسي والواجب الضمني

بعض آثار ترك الجزء أو زيادته، مثل وجوب سجود السهو في نظر القائلين به، واجب نفسي؛ في هذا النوع من الآثار، يوجد احتمال صحة الصلاة بسبب احتمال الإتيان بالركن، ونتيجة لذلك، يمكن للشارع، بلحاظ هذا الاحتمال، أن يجعل أصلاً متمِّماً ويحكم بعدم وجوب سجود السهو، وإن كانت الصلاة محكومة بالبطلان، ونتيجة لذلك، يتعارض مع الأصل المصحِّح.

أما إذا كان أثر الأصل المتمِّم هو نفي واجب ضمني فقط، فيمكن القول إنه يجري فقط لغرض الاكتفاء بهذه الصلاة، ونتيجة لذلك، ينصرف عن الصلاة المحكومة بالبطلان الظاهري، وإن كان لسانه لا يوجب مواصلة الصلاة، ومثل الاستصحاب. نكتة الانصراف هي أنه، خلافاً لفرض الواجب النفسي، يكون الأصل المتمِّم بالنسبة للواجب الضمني لغرض تكميل الصلاة، وإذا كانت الصلاة محكومة بالفساد، فإن الحكم بتماميتها حيثياً يكون لغواً، ولا يترتب أي أثر عملي على هذا الحكم الظاهري الذي هو من سنخ الأصل العملي ويجب أن يحدد موقف المكلف العملي. بهذا التوضيح، يتضح أن مقارنة محل البحث بتكليف الناسي غير صحيحة، لأن اللغوية في المقام هي بسبب عدم وجود أثر عرفي، وهو ما يسبب انصراف الخطاب؛ بينما في بحث تكليف الناسي، فإن إطلاق خطاب التكليف من وجهة نظر العرف ليس لغواً.

يبدو أن وجوب قضاء السجدة أو التشهد من هذا القبيل أيضاً، وتركها يسبب بطلان الصلاة، لأن الواجب على كل مكلف هو الجامع بين الصلاة بأجزائها وسجدتين في المحل، أو سجدة في المحل وسجدة بعد إتمام سائر أجزاء الصلاة.

بهذا التوضيح، يمكن أن نعلم أنه إذا أنكرتم جريان الاستصحاب لإثبات وجوب القضاء، ولكن البراءة من وجوب القضاء لا تجري، ونتيجة لذلك، يجري الأصل المصحِّح بلا تعارض؛ بيان المطلب هو أنه إذا كان وجوب قضاء السجدة بشكل واجب ضمني، فإن معنى الأصل النافي للوجوب الضمني هو أن الصلاة صحيحة ولا تحتاج إلى قضاء السجدة، وهذا في الحقيقة يجري بهذا الدافع، وهو نفي توقف صحة الصلاة على قضاء السجدة، بينما إذا لم يجرِ الأصل المصحِّح، ومثلاً استصحاب عدم الإتيان بالركوع، فإن الصلاة محكومة بالبطلان، ويكون جريان الأصل النافي للوجوب الضمني لغواً.

علاوة على ذلك، في النظرية المختارة، البراءة من هذا الوجوب الضمني لا تجري، وتجري فقط قاعدة الاشتغال، ومن ثم لا يتعارض الأصل المصحِّح أبداً. توضيح ذلك أنه في الرأي المختار من خطاب «من نسي سجدة فليقضها»، يُكشف أنه منذ البداية، في صلاة الظهر مثلاً، كان جميع المكلفين مأمورين بالجامع بين صلاة أربع ركعات ذات سجدتين في كل ركعة، وصلاة أربع ركعات ذات سجدة واحدة في كل ركعة وسجدة أخرى بعد الصلاة، وإذا شك في الإتيان بالسجدة الثانية، فلا معنى للبراءة، بل الشك في الامتثال، فيجب الرجوع إلى قاعدة الاشتغال.

أما في مقابل ذلك، يعتقد آية الله الخوئي أن الصلاة الواجبة هي صلاة أربع ركعات ذات سجدتين في كل ركعة، فإذا نسي المكلف السجدة الثانية ودخل في الركن التالي، يتوجه إليه تكليف جديد بإتمام الصلاة مع قضاء السجدة الثانية بعدها؛ في هذا الرأي، وجوب قضاء السجدة الثانية ضمني، ولكن في الحقيقة، مع الشك في الإتيان بها، يُشك في توجه تكليف جديد، ومع فقدان الأصل الموضوعي الذي يحكم بالسجدة أو عدمها، تصل النوبة إلى البراءة.

إحدى ثمرات أخرى لهذه النظرية، مع ملاحظة صور المسألة المختلفة، تُعلم أيضاً؛ على سبيل المثال، إذا كان كلا الجزأين ركنيين، وبقي محل الجزء الثاني، فإنه لا يزال وجوبه ضمنياً، فلا يبقى مجال لجريان الأصل المتمِّم.

الاستنتاج

إحدى سبل انحلال العلم الإجمالي هي أن يكون أحد الأصول مصحِّحاً والآخر متمِّماً، فبناءً على الرأي المختار، إذا كان أثر الأصل المتمِّم هو نفي وجوب ضمني، فإن الأصل المتمِّم لا يجري بسبب اللغوية، ويجري الأصل المصحِّح بلا معارض. أما إذا كان أثره نفي وجوب نفسي، فلا يوجد وجه لعدم جريانه، ونتيجة لذلك، يتعارض مع الأصل المصحِّح. بالطبع، إذا كان الأصل المتمِّم هو قاعدة التجاوز، فإنه لا يجري بسبب نكتة إثباتية؛ أما سائر الأصول مثل البراءة أو الاستصحاب، فلها قدرة على التعويض، وتتعارض مع الأصل المصحِّح.

المصادر

١. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤١٩). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢. الإيرواني، علي، (بلا تاريخ). رسالة عقد اللئالي في فروع العلم الإجمالي. بدون مكان: بدون ناشر.

٣. الحائري، عبد الكريم (١٤٠٤). كتاب الصلاة. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.

٤. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٢٩). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٥. الحكيم، محسن (١٣٧٤). مستمسك العروة الوثقى. قم: دار التفسير.

٦. الخميني، روح الله (١٤٣٢). تهذيب الأصول. (جعفر سبحاني تبريزي، المحقق). قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (قدس سره).

٧. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤٤٠). موسوعة الإمام الخوئي. قم: مؤسسة الخوئي الإسلامية.

٨. الخوئي، سيد أبو القاسم (بلا تاريخ). الدرر الغوالي في فروع العلم الإجمالي. (رضا إبراهيم لطفي تبريزي، المحقق). قم: نشر مرتضى.

٩. الصدر، محمد باقر (١٤٣٣). بحوث في علم الأصول. (محمود هاشمي شاهرودي، المحقق). مؤسسة فقه ومعارف أهل البيت.

١٠. العراقي، ضياء الدين (١٤١٤). روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

١١. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧). نهاية الأفكار. (محمد تقي بروجردي نجفي، المحقق). قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

١٢. الهاشمي الشاهرودي، محمود (بلا تاريخ). قاعدة الفراغ والتجاوز. قم: مكتب آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي.

١٣. اليزدي، محمد كاظم (١٣٨٨). العروة الوثقى والتعليقات عليها. قم: مؤسسة السبطين: العالمية.

Scroll to Top