إعادة قراءة كيفية جعل الأحكام الشرعية بمنهج القضية الخارجية والحقيقية بالاستناد إلى رأي المحقق النائيني

ملخص

يؤدي التنوع في موضوع القضية إلى تنوع في القضايا، مقسماً إياها إلى عناوين مختلفة كالخارجية والحقيقية. وقد أدت ديناميكية القضية الخارجية، بل وسائر القضايا، إلى توظيفها كأساس لوضع أصول كلية وثابتة في مختلف المسائل والعلوم. في الواقع، إذا أغفلنا القضايا الخارجية والحقيقية، لتعذر علينا بطبيعة الحال التوصل إلى كثير من الأصول المهمة في علم الأصول، مثل ثبوت الأحكام، والشك في التكليف أو المكلف به، ودور القضايا في تشخيص العام من المطلق، وكثير من المسائل الأخرى. يتناول هذا البحث، بأسلوب وصفي-تحليلي وبالاستفادة من المصادر المكتبية، دراسة مقارنة للقضايا الخارجية من وجهة نظر المحقق النائيني، وقد أسفرت الدراسات التي أجريت في هذا المجال عن نتائج، منها أن المحقق النائيني يتفق مع العلماء الآخرين في موضوعات تتعلق بالقضايا الخارجية، كتعريف القضايا الخارجية والمخاطب فيها، وكذلك امتيازات هذه القضايا على القضايا الحقيقية. أما في بعض الموضوعات، فقد اختلف معهم وطرح مباحث لم يتناولها العلماء الآخرون، مثل علاقة القضايا الخارجية بالمجعولات الشرعية، وامتناع الواجب المعلق بناءً على خارجية الموضوع، والتخصيص في القضايا الخارجية وغيرها.

مقدمة

للقضايا الخارجية في المباحث الفقهية والأصولية فاعلية كبيرة، لذا من الضروري دراسة آراء الأصوليين حول هذا النوع من القضايا. ومن بين الأعلام الذين تناولوا هذه القضايا بشكل موسع المحقق النائيني. ونظراً لكونه من أشهر العلماء في علم الأصول، فإن دراسة رأيه تكتسب أهمية أكبر. وفي هذا الخصوص، تطرقت جميع دروس البحث الخارج في الحوزات العلمية تقريباً في بحث مقدمة الواجب والشرط المتأخر وشرائط المأمور به إلى هذا البحث، ولكن لم يتم تناول مباحث مستقلة في تعريف وحدود القضايا ودورها في استنباط الحكم الشرعي. لذا، يتناول هذا البحث دراسة مقارنة لوجهة نظر المحقق النائيني حول القضايا الخارجية، ويحاول، بالاستفادة من المصادر المكتبية والإلكترونية، تقديم إجابات مناسبة للأسئلة المطروحة في هذا المجال؛ أسئلة من قبيل:

١) ما هي المباحث المشتركة المطروحة في مجال القضايا الخارجية بين المحقق النائيني والمحقق الخوئي؟

٢) ما هي امتيازات القضايا الخارجية على القضايا الحقيقية من وجهة نظر المحقق النائيني والمحقق الخوئي؟

٣) ما هي المباحث الخاصة التي طرحها كل من هذين العلمين حول القضايا الخارجية؟

إن لدراسة المسار التاريخي لتطورات المباحث العلمية تأثيراً لا يمكن إنكاره في فهم المطالب العلمية. وبما أن الموطن الأصلي لنشأة هذا البحث هو علم المنطق، وهدف هذا البحث هو تحديد مكانة هاتين القضيتين في علم الأصول، فلا بد من تتبع جذورهما من منظورين:

أ) علم المنطق: يبدو أن تاريخ كل من هاتين القضيتين يعود إلى عصر أرسطو. وليس من المبالغة القول إن أرسطو هو المعلم الأول ومؤسس علم المنطق. ولو قيل إن الإرهاصات الأولى لتقسيم القضية إلى خارجية وحقيقية قد شوهدت في كلماته؛ لأنه في مبحث التناقض، بعد إنكار تحقق التناقض في القضيتين الموجبة والسالبة المهملتين، يقبل التناقض في القضايا الماضية والحالية وينكر التناقض بين القضايا المستقبلية؛ إذ يجب أن تُستخدم القضايا المتعلقة بالمستقبل بشكل مقيد لا مطلق، فمثلاً في قضية «غداً ستمطر السماء» لا ينبغي أن تُقال بشكل مطلق ويقيني، بل يجب أن تُستخدم مع كلمة «ربما» تمطر السماء، خلافاً لقضايا الماضي والحال (أرسطو، ١٩٤٨، الجزء ١، ص ٦٣).

ب) علم الأصول: يعتقد الشهيد المطهري أن الشيخ الأنصاري هو أول أصولي أدخل المطالب المتعلقة بالقضية الحقيقية والخارجية إلى علم الأصول واستفاد منها (مطهري، ١٣٧٧، ج ٩، ص ٢٣١). وقد طرح الشيخ الأنصاري بحث القضية الحقيقية والخارجية في مباحث الألفاظ في «مطالع الأنظار» في مبحث الطهارة في مواضع منها نجاسة الكلب ونقض الطهارة بخروج وعدم خروج ماء المذي (الأنصاري، ١٤١٥، ج ٤، ص ١٧٦-٣٨١). بعد الشيخ الأنصاري، تناول الآخوند الخراساني في بحث استصحاب أحكام الشرائع السابقة قضية الحقيقية والخارجية (الآخوند، ١٤٠٩، ج ٢، ص ٢٤٢). وبعد صاحب الكفاية، تناول تلامذته، ومنهم الآقا ضياء العراقي والمحقق النائيني، جوانبها المختلفة بتفصيل أكبر ورسخوا مقدماتها بحيث يمكن القول إنها من الامتيازات البارزة لهما في علم الأصول، حتى إن البعض يعتبره أبا القضية الحقيقية والخارجية، كما أنه أب لبعض المباني الأصولية الأخرى مثل الترتب (العراقي، ١٣٦١، ج٣، ص ٣٩٧). وبعدهما، قسم معظم علماء الأصول القضية إلى حقيقية وخارجية واتفقوا مع آراء المحقق النائيني، إلا بعض الأعلام مثل الآقا ضياء العراقي (العراقي، ١٣٦١، ج٣، ص٣٩٢) والإمام الخميني (الخميني، ١٤٢٣، ج٢، ص ٣٧). وفي العصر الحاضر، على الرغم من أن بعض الفضلاء، ومنهم السيد مرتضى ميرزاده أهري، قد أجروا تحقيقات قيمة (فاضل لنكراني، ١٣٩٥، ج ١٧٢)، إلا أن هذا البحث لا يزال يحتمل المزيد من الدراسات.

١. المفاهيم

١-١. مفهوم «القضية»

مع وجود أقوال متعددة ومختلفة في تعريف «القضية»، فإن ما اتفق عليه معظم علماء المنطق في تعريفها هو أن: «القضية مركب تام له بذاته قابلية الصدق والكذب». ربما بعد عرض الأقوال المتعددة حول تعريف القضية، يمكن الإذعان بأن أفضل تعريف للقضية هو هذا التعريف نفسه (مطهري، ١٣٧٧، ج ٩، ص ١٢٥). يقول أرسطو في تعريف القضية: «القضية عبارة قابلة للصدق والكذب»، كما يسمي القضية «قولاً جازماً»، أي القول الذي يقبل الصدق والكذب، والأقوال التي لا تتمتع بهذه القابلية لا تعد «قولاً جازماً» (أرسطو، ١٩٤٨، الجزء ١، ص ٦٣). هذا التعريف هو جوهر جميع التعاريف التي قُدمت بعد أرسطو تقريباً. وبالطبع، أضاف كل منهم كلمات أخرى لإزالة نقاط ضعف هذا التعريف. على سبيل المثال، أضاف الفارابي في كتاب «المنطقيات» قيد «لذاته» (الفارابي، ١٤٠٨، ص ٩٨).

١-٢. القضية الخارجية

يقول المحقق النائيني إنه بحسب اعتقاد علماء المنطق والفلاسفة، تنقسم القضية إلى أربعة أقسام: عقلية، وطبيعية، وحقيقية، وخارجية (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٠). وبما أن القضية العقلية والطبيعية ليس لهما تطبيق كبير في علم الأصول، فإنه لم يبحثهما، ووجه البحث نحو تعريف وشرح القضية الخارجية والحقيقية.

تعريف القضية الخارجية: «القضية الخارجية عبارة عن ثبوت وصف أو حكم على شخص خاص بحيث لا يتعدى ذلك الوصف والحكم عن ذلك الشخص إلى غيره وإن كان مماثلاً له في الأوصاف» (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٠). وقد ذكر في هذا التعريف نقاطاً مهمة تتعلق بالقضية الخارجية، منها: ١. من وظائف القضية ثبوت وصف أو حكم لفرد خاص لا يثبت لغيره، وإن اشتركا في الأوصاف والخصائص. ٢. يمكن تصور القضية الخارجية بصورتين: أ) بصيغة جملة خبرية مثل «زيد قائم» ب) بصيغة جملة إنشائية مثل «أكرم زيداً». ٣. اختصاص الحكم في القضية الخارجية أعم من أن يكون جزئياً مثل «زيد قائم» أو كلياً مثل «كل من في العسكر قُتل». ٤. الملاك والضابطة في القضية الخارجية هو أن الحكم يتعلق بالأفراد، والملاك في القضية الحقيقية هو أن الحكم يتعلق بالعنوان؛ بمعنى أنه إذا تعلق الحكم بأفراد مختلفين في القضية الخارجية، فهذا لا يعني أن لديهم وجهاً مشتركاً وجامعاً عنوانياً يدور الحكم عليه، بل إن اجتماع الأفراد في القضية الخارجية هو من باب الاتفاق، خلافاً للقضية الحقيقية التي يتعلق فيها الحكم بالعنوان والملاك الجامع. وقد غير تعريفه في الدورة الثانية من تدريس الأصول فقال: «القضية الخارجية و هي ما حكم فيها على نفس الافراد الخارجية ابتداء من دون توسط عنوان في ذلك بل ربما لا يكون بينها جامع ينطبق عليها…» (النائيني، ١٣٥٢، ج ١، ص ٤٤٢). هذا التعريف وإن اختلف في بعض الألفاظ عن التعريف الأول، إلا أنه لا يوجد تغيير جوهري في المحتوى. ويستفاد من كلام المحقق النائيني أن القضية الخارجية تتميز بخصائص منها: ١. الحكم أو الصفة تتعلق بالشخص أو الأشخاص، لا بالعنوان الكلي. ٢. لا يتجاوز الحكم الأفراد الموجودين في الخارج والذين وقع عليهم الموضوع. ٣. لا يوجد عنوان جامع بين الأشخاص والأفراد الذين وقع عليهم موضوع الحكم.

١-٣. القضية الحقيقية

التعريف: «وأما القضية الحقيقية فهي عبارة عن ثبوت وصف أو حكم على عنوان أخذ على وجه المرآتية لأفراده المقدرة الوجود» (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٠). وقد أشار في هذا التعريف إلى بعض خصائص القضية الحقيقية، منها: أ) في القضية الحقيقية، المحمول هو ثبوت وصف أو حكم تعلق بعنوان هو بمثابة مرآة عاكسة للأفراد الموجودين أو المقدرين، بمعنى أن ١. العناوين لها قابلية أن تكون مرآة للأفراد، سواء كانوا موجودين بالفعل أو مقدري الوجود. ٢. هذه القابلية موجودة أيضاً للقضايا التي ليس لها أفراد خارجيون وأفرادها مقدرو الوجود. ب) في القضية الحقيقية، يجب ألا يكون العنوان الذي هو موضوع الوصف والحكم مأخوذاً بما هو هو، وبعبارة أخرى، ألا يكون كلياً عقلياً، لأنه في هذه الحالة لا يمكن للعنوان أن يكون مرآة عاكسة للأفراد. ج) في القضية الحقيقية، لا فرق بينها وبين الخارجية في أن تكون الجملة إنشائية مثل: «كل عاقل بالغ مستطيع يجب عليه الحج»، أو جملة خبرية مثل: «كل جسم ذو أبعاد ثلاثة». ويقول المحقق النائيني في أجود التقريرات في تعريف القضية الحقيقية: «القضية الحقيقية و هي ما حكم فيها على الطبيعية السارية الى ما في الخارج كقضية الانسان ضاحك و الخمر حرام» (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٠). هذان التعريفان لا يختلفان جوهرياً ومحتوىً إلا في استبدال «الطبيعة السارية» بـ«أخذ على الوجه المرآتية…».

٢. الفروق بين القضيتين

الفروق بين هاتين القضيتين كثيرة، وأهمها ما يلي:

٢-١. الفرق الأول

هو أن في القضية الحقيقية يوجد عنوان جامع للأفراد، ويتعلق الحكم بالعنوان الجامع الذي يشمل الأفراد الموجودين بالفعل وكذلك الأفراد الذين سيوجدون في المستقبل، والقضية الخارجية تفتقر إلى ذلك، ومن ثم فإن الحكم يتعلق بكل فرد من الأفراد الموجودين بالفعل فقط (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٠).
[الهامش ١: «أنه في القضية الخارجية ليس هناك ملاك جامع و عنوان عام ينطبق على الأفراد، بل كل فرد يكون له حكم يخصه بملاك لا يتعدى عنه».]

٢-٢. الفرق الثاني

تقع القضية الحقيقية كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي، خلافاً للقضية الخارجية؛ توضيح ذلك أن القضية الخارجية في حكم القضية الجزئية عند علماء المنطق، فلا هي كاسبة ولا مكتسبة؛ فبالتالي، قضية «كل من في العسكر قتل» لا تنتج أن زيداً قد قُتل، لأن «كل من في العسكر قتل» لا تصدق إلا إذا كان هناك علم بمقتل زيد الموجود في العسكر، ومع هذا العلم يكون استنتاج القضية تحصيلاً للحاصل وهو لغو. أما القضية الحقيقية فتقع كبرى للقياس؛ فمثلاً في قضية «زيد مستطيع وكل مستطيع يجب عليه الحج» نستنتج «فزيد يجب عليه الحج»، لأن العلم بكلية الكبرى «كل مستطيع يجب عليه الحج» لا يتوقف على العلم باستطاعة زيد، بل إن كلية الكبرى مستفادة من الآية «ولله على الناس حج البيت…» (آل عمران، ٩٧).
[الهامش ٢: «و من هنا لا تقع القضية الخارجية كبرى القياس و لا تقع في طريق الاستنباط، لأن القضية الخارجية تكون في قوة الجزئية لا تكون كاسبة و لا مكتسبة، فلا يصح استنتاج مقتولية زيد من قوله: كل من في العسكر قتل، لأنه لا يصح قوله: كل من في العسكر قتل، إلا بعد العلم بمن في العسكر و ان زيدا منهم، و بعد علمه بذلك لا حاجة إلى تأليف القياس لاستنتاج مقتولية زيد».]
هذا الفرق من الثمرات المهمة والأساسية لتقسيم القضية إلى خارجية وحقيقية. وبناءً على هذا الفرق، يجيب النائيني على إشكال الدور المعروف في الشكل الأول من القياس، فيقول: إن هذا الإشكال ناشئ من الخلط بين القضية الخارجية والحقيقية؛ لأنه بناءً على ما تقدم، يلزم الدور في القضية الخارجية، ولا تقع القضية الخارجية كبرى في قياس الاستنباط، بل بالإضافة إلى ذلك، لا يتشكل بالقياس الحقيقي قياس خارجي، بل ما يتشكل هو صورة القياس لا حقيقته (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٢).

وجدير بالذكر أن إشكال الدور بالنسبة للشكل الأول مطروح منذ القدم وقدمت له إجابات متنوعة، منها الإجابة الإجمالية والتفصيلية، أما إجابة المحقق النائيني فليست مسبوقة، لأن إجابته متجذرة في بيان تعريف القضية الخارجية، حيث عرفها بحيث يكون مصداقها القضية الشخصية؛ فالقضية الخارجية في تعريفه بمثابة عنوان مشير إلى قضايا شخصية متعددة، فمثلاً لو كان مئة شخص في «العسكر» وقُتلوا جميعاً، فبدلاً من أن يقول مئة مرة إن فلاناً وفلاناً قُتل، يستخدم عنوان «قُتل كل من في العسكر».

٢-٣. الفرق الثالث

في القضية الخارجية، يجب على الآمر بالتكليف أن يعلم بوجود الشرائط مثل العقل والقدرة والبلوغ في المأمور به، فلو لم يعلم الآمر، لكان حكمه مشروطاً ومعلقاً على تحقق الشرائط، مثلاً لو كان مجيء زيد وحضوره دخيلاً في وجوب إكرامه، يقول: «إن جاء زيد فأكرمه»، في هذه الحالة تكون القضية الخارجية شبيهة بالقضية الحقيقية (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٣).
[الهامش ١: «إن العبرة في القضية الخارجية، هو علم الأمر باجتماع الشروط و ما له دخل في حكمه، فلا يوجه التكليف على عمرو مثلا بوجوب إكرام زيد إلا بعد علمه باجتماع عمرو لجميع الشروط المعتبرة في حكمه: من العقل، و البلوغ، و القدرة، و غير ذلك مما يرى دخله في مناط حكمه».]
ملاحظة: ملاك صحة الأمر في القضية الخارجية هو علم الآمر بوجود الشرائط الدخيلة في الحكم، سواء كان هذا العلم مطابقاً للواقع أم لا؛ فإذا وُجد العلم بوجود الشرائط، صح الأمر بالتكليف، وإن كان العلم مخالفاً للواقع وجهلاً مركباً. وعلى العكس، إذا كان جاهلاً بالشرائط، فالتكليف غير صحيح، وإن كانت الشرائط موجودة في الواقع. أما صحة الأمر في القضايا الحقيقية فتتوقف على وجود الموضوع، الذي هو عبارة عن وجود الأفراد؛ فلو قال المولى: «العاقل البالغ المستطيع يجب عليه الحج»، فهذه قضية حقيقية؛ لأن الحكم تعلق بالعاقل البالغ المستطيع الواقعي الموجود في عالم الخارج، ولم يتعلق بشخص يعلم الآمر أنه يمتلك هذه الشرائط (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٣).
[الهامش ١: «إن المدار في صدور الحكم في القضية الخارجية إنما هو على علم الأمر باجتماع شروط حكمه و عدم علمه، فإن كان عالما بها فلا محالة يصدر منه الحكم و لو فرض خطأ علمه و عدم اجتماع الشروط واقعا، إذ لا دخل لوجودها الواقعي في ذلك، بل المناط في صدور الحكم هو وجودها العلمي».]

٢-٤. الفرق الرابع

في القضايا الحقيقية، يُوكَل إحراز وتطبيق موضوع الحكم إلى المكلف، أما في القضايا الخارجية، فبيان الشرائط وتشخيص الموضوع على عهدة الشارع (الخوئي، ١٣٥٢، ج ١، ص ٤٧٦).
[الهامش ٢: «إذا كانت القضية المتكفلة بإثبات الحكم للعام من القضايا الحقيقية التي يكون تطبيق الموضوع على افراده موكولا فيها بنظر نفس المكلف و اما فيما إذا كانت القضية خارجية فان كان المخصص فيها لفظيا لم يمكن أيضاً التمسك بالعموم في موارد الشبهة المصداقية لأن التخصيص اللفظي يكون قرينة على ان المولى و كل إحراز انطباق موضوع حكمه إلى نفس المكلف فلا يصح التمسك بعموم كلامه مع العلم بتقيد موضوع حكمه بقيد لم يحرز تحققه في الخارج».]
توضيح: في القضايا الحقيقية، لا يتوقف ثبوت الحكم على العلم، بل على وجود وبقاء الموضوع، خلافاً للقضايا الخارجية التي لا يتبع فيها الحكم الوجود الواقعي للموضوع، بل يتوقف على علم الآمر بالموضوع والشرائط الدخيلة في الحكم، ومن ثم فإن تطبيق موضوع الحكم في القضايا الحقيقية يُوكَل إلى المكلف، وفي القضايا الخارجية إلى الشارع.

٢-٥. الفرق الخامس

في القضية الخارجية، يتحد زمان الإنشاء والجعل مع زمان فعلية الحكم، لأن الحكم في القضية الخارجية يتعلق بأشخاص معينين وموجودين في الخارج؛ فبالتالي، يتزامن مع الإنشاء وجود الموضوع، وهو الأفراد الخارجيون، في الخارج؛ لذا في القضية الخارجية، بمجرد صدور الحكم الشرعي من الشارع، يصبح الحكم فعلياً ويجب امتثاله، أما في القضية الحقيقية، فالحكم يتعلق بالعنوان، ومتى تحقق مصداقه في الخارج، أصبح الحكم فعلياً ووجب امتثاله.

ويستثني المحقق النائيني حالة واحدة، وهي الصورة التي يكون فيها الحكم في القضية الخارجية مشروطاً بشرط لم يحرزه الآمر، ففي هذه الحالة تصبح القضية الخارجية كالقضية الحقيقية فعليةً عندما يوجد ذلك الشرط (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٤).
[الهامش ١: «إن القضية الخارجية لا يتخلّف فيها زمان الجعل و الإنشاء عن زمان ثبوت الحكم و فعليته، بل فعليته تكون بعين تشريعه و إنشائه، فبمجرد قوله: أكرم زيدا، يتحقق وجوب الإكرام، إلا إذا كان مشروطا بشرط لم يحرزه الأمر فتلحق بالقضية الحقيقية من هذه الجهة كما أشرنا إليه، وإلا لا يعقل تخلّف الإنشاء عن فعلية الحكم زمانا، و ان كان متخلفا رتبة نحو تخلّف الانفعال عن الفعل. و اما فى القضية الحقيقية: فالجعل و الإنشاء انما يكون أزليا، و الفعلية أنما تكون بتحقق الموضوع خارجا، فانّ إنشاءه أنما كان على الموضوع المقدر وجوده، فلا يعقل تقدم الحكم على الموضوع، لأنه أنما إنشاء حكم ذلك الموضوع، و ليس للحكم نحو وجود قبل وجود الموضوع حتى يسمى بالحكم الإنشائي في قبال الحكم الفعلي».]
ملاحظة: يصر النائيني على نقد نظرية تقسيم الحكم إلى إنشائي وفعلي؛ لأن حقيقة الحكم في نظره عبارة عن شيء أُنشئ في الأزل حتى قبل خلق البشر، ويوجد بتحقق الموضوع، أي المكلف، بحيث لو لم يُخلق أي مكلف تتوفر فيه الشروط، لما وجد حكم، حتى الحكم الإنشائي؛ وبعبارة أخرى، التفريق بين الحكم الإنشائي والفعلي غير صحيح؛ لأن حقيقة الحكم وتمام مراحله تتحقق بعد تحقق الموضوع.

ولتوضيح هذه النظرية أكثر، يشير إلى مثال: في الوصية المالية، تنشأ ملكية الموصى به بعد موت الموصي، وليس من المعقول أن توجد ملكية للموصى له في حياة الموصي؛ لأن ذلك يوجب الخلف. فكما أنه في هذا المثال لا توجد ملكية للموصى له قبل موت الموصي، مع أن إنشاء الملكية تم قبل موت الموصي، فكذلك الأحكام الشرعية الأخرى (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٤).

٢-٦. الفرق السادس

هذا الفرق مبني على قاعدة تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. بناءً على هذه القاعدة، يُتصور لجعل الأحكام مرحلتان: أ) مرحلة المصالح والمفاسد، التي يُعبر عنها أحياناً بعلل التشريع وأحياناً بحكم وملاكات الأحكام. ب) مرحلة موضوع الحكم. بناءً على هذا، لدينا في القضية الحقيقية شيئان: موضوع الأحكام وعلة التشريع، أما في القضية الخارجية فلا يوجد إلا شيء واحد.

ويطبق هذا الفرق في مثال: إذا أذن صاحب البيت لزيد بدخول البيت واستضافته لكونه صديقه، فالموضوع في هذا المثال هو زيد فقط، ولا شيء آخر دخيل فيه. لذا، أجمع الفقهاء على أنه لو لم يكن زيد في الواقع صديق الآمر، جاز له دخول البيت والإكرام؛ لأن تمام الموضوع هو كونه زيداً، أما عنوان الصداقة فلا دخل له كوجود خارجي، بل له تأثير كوجود علمي وداعٍ. وأما إذا قال صاحب البيت: «من كان صديقي فليدخل» أو قال: «يا زيد ادخل الدار إن كنت صديقي»، فالحكم في هذا المثال يتعلق بعنوان الصديق، لأن عنوان الصداقة الواقعي دخيل في الإذن؛ فلو لم يكن زيد صديق صاحب البيت، لم يجز له الدخول، وإن لم يعلم صاحب البيت بصداقته. الفرق بين الصورتين الأولى والثانية هو أن الصداقة في المثال الأول داعٍ ووجودها الخارجي ليس دخيلاً في الحكم، أما في المثال الثاني، فعنوان الصداقة الواقعي هو الدخيل.

في القضية الخارجية، ليس لدينا أمران مستقلان، فكل ما هو دخيل في صدور الحكم يندرج تحت عنوان علل التشريع، خلافاً للقضية الحقيقية التي فيها أمران مستقلان: علل تشريع الأحكام وموضوع الحكم (النائيني، ١٣٧٦، ص ٢٧٩). وبعبارة أخرى، عنوان الصداقة في القضية الحقيقية، لكونه دخيلاً في الحكم، يندرج تحت عنوان علل التشريع، أما في القضية الخارجية، فلأنه ليس دخيلاً، لا يُحسب من علل التشريع.
[الهامش ١: «ليس في القضايا الخارجية طائفتان: طائفة تسمى بموضوعات الأحكام، وطائفة تسمى بالعلل الفائتة وعلل التشريع، كما كان في القضايا الحقيقية كذلك، أي كان لكل قضية طائفتان: موضوع الحكم، وعلة التشريع، بناء على ما ذهبت إليه العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. وهذا بخلاف القضية الخارجية، فإن جميع العناوين فيها تكون من علل التشريع، وليس لها موضوع يترتب الحكم عليه سوى شخص زيد، وما عدا شخص زيد لا دخل له في الحكم بوجوده العيني، وإنما يكون له دخل بوجوده العلمي».]

٢-٧. الفرق السابع

في القضية الخارجية، يختص الخطاب الشفاهي بالحاضرين ولا يشمل الغائبين، فضلاً عن المعدومين، إلا إذا نُزّل الغائبون أو المعدومون منزلة الحاضرين (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ٥٥٠). وأما في القضايا الحقيقية، فالخطاب الشفاهي يشمل الغائبين والمعدومين. منشأ هذا الاختلاف هو أن الموضوع في القضية الحقيقية مفروض الوجود. ولذلك يشمل الحاضرين والغائبين والمعدومين الذين سيوجدون في المستقبل، لأن موضوع مفروض الوجود يشمل الأقسام الثلاثة. وبعبارة أخرى، في القضية الحقيقية، كون الموضوع مفروض الوجود يدل على أن الغائبين والمعدومين نُزّلوا منزلة الحاضرين. خلافاً للقضية الخارجية، فالموضوع في القضية الخارجية ليس مفروض الوجود بل هو أمر خارجي (الخوئي، ١٣٥٢، ج٢، ص ٤٤٢).
[الهامش ١: «أما في القضايا الخارجية – فاختصاص الخطاب بالحاضر المشافه مما لا سبيل إلى إنكاره، لوضوح أنه لا يمكن توجيه الكلام ومخاطبة الغائب الغير الملتفت إلى الخطاب، فضلا عن المعدوم، إلا بتنزيل الغائب والمعدوم منزلة الحاضر».]
[الهامش ٢: «و أما في القضايا الحقيقية: فحيث أنها متكفّلة لفرض وجود الموضوع و كان الخطاب خطابا لما فرض وجوده من افراد الطبيعة في موطنه، كانت الأفراد متساوية الأقدام في اندراجها تحت الخطاب، فيستوى في ذلك الأفراد الموجودة في زمن الخطاب الحاضرون فى مجلس التخاطب أو المعدومون الغير الحاضرين».]

٢-٨. الفرق الثامن

مفهوم وماهية الموضوع في القضية الخارجية والحقيقية مختلفان. توضيح ذلك أن حقيقة الموضوع في القضية الحقيقية هي الطبيعة الناظرة والفانية في الأفراد، سواء كانوا حاضرين أم غائبين أم معدومين، وأما في القضية الخارجية، فالموضوع هو نفس الأفراد، والعنوان قد أُخذ للإشارة إلى الأفراد. ثمرة هذا الفرق هي أن متعلق التخصيص في القضايا الخارجية هو الفرد أو الأفراد؛ لأن الموضوع هو الفرد أو الأفراد أيضاً، أما التخصيص في القضايا الحقيقية فأكثر الأحيان يكون للعنوان، مثل «لا تكرم العالم الفاسق» حيث وقع التخصيص على عنوان الفاسق، وإن كان التخصيص في القضية الحقيقية قد يكون للأفراد أحياناً. يقول النائيني إن تخصيص الأفراد لا يزيد عن حالة واحدة، وهي قصة الشخص الذي أقر باللواط أربع مرات في محضر الإمام علي (ع) فقال: «رفع الله الحد عنه» (الخوئي، ١٣٥٢، ج٢، ص ٤٤٢).
[الهامش ١: «و أما في القضايا الحقيقية فحيث أنها متكفّلة لفرض وجود الموضوع و كان الخطاب خطابا لما فرض وجوده من افراد الطبيعة في موطنه، كانت الأفراد متساوية الأقدام في اندراجها تحت الخطاب، فيستوى في ذلك الأفراد الموجودة في زمن الخطاب الحاضرون فى مجلس التخاطب أو المعدومون الغير الحاضرين».]

٢-٩. الفرق التاسع

القضايا الحقيقية قابلة للانحلال، خلافاً للقضايا الخارجية. بمعنى أن الموضوع في القضية الحقيقية «مفروض الوجود»، فإذن له أفراد ومصاديق مختلفة على مر الأزمنة، وبالتالي يتعدد الحكم بتعدد أفراد الموضوع. مثلاً في قضية «صدق العادل» التي هي قضية حقيقية، سيكون لدينا وجوب تصديق بعدد الأفراد العادلين الموجودين، خلافاً للقضية الخارجية (الخوئي، ١٣٥٢، ج٢، ص ٥١٤). انحلال القضايا الحقيقية شرطي؛ فمثلاً قضية «الخمر مسكر» موضوعها الخمر بالحمل الأولي، ولكن مردها إلى أن «كل ما صدق عليه الخمر فهو مسكر». وفي هذا المطلب، لا فرق بين القضية الحقيقية التي تكون بصيغة خبرية مثل «الخمر مسكر» أو بصيغة إنشائية مثل «ولله على الناس حج البيت».
[الهامش ٢: «العموم كما يتصور في موضوع القضية الحقيقية يتصور في موضوع القضية الخارجية إلا ان بينهما فرقا وهو ان الموضوع في القضية الحقيقية انما هي نفس الطبيعة الملحوظة فانية في افرادها المقدرة و المحققة و هذا بخلاف القضية الخارجية فان موضوع الحكم فيها حقيقة نفس الافراد و العنوان الجامع المأخوذ في الموضوع على تقدير وجوده انما أخذ في الموضوع للإشارة به إلى نفس الافراد».]

٣. الثمرات الفقهية لـ«القضية الحقيقية» و«القضية الخارجية»

الدافع الأصلي لهذا البحث هو الثمرات الفقهية المترتبة على الفروق والافتراقات بين القضية الخارجية والحقيقية في علم الأصول. بعض ثمرات هذا البحث الأصولي تشمل جميع المباحث الفقهية، ويظهر أثرها في المباني الموافقة والمخالفة، مثل مباني المحقق النائيني والإمام الخميني (ره). لذا، من المناسب إيلاء هذا القسم اهتماماً أكبر. الثمرات الفقهية لهذا البحث كثيرة، والتعرض لها جميعاً خارج عن نطاق هذه المقالة. بعضها كالتالي:

٣-١. الثمرة الأولى

التوسعة أو التضييق في الأماكن الزيارية؛ توضيح: أ) بعض الأماكن الزيارية مثل مكة والمدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة والحائر الحسيني وغيرها، كانت في عصر الشارع موضوعاً لحكم من الأحكام الشرعية، كحكم التخيير بين القصر والتمام أو جواز الاعتكاف. ب) كيفية جعل الحكم في هذه الأماكن تؤثر في توسعة أو تضييق موضوع الحكم؛ فإذا كان جعل الحكم على نحو القضية الخارجية، فإن نطاق الحكم يقتصر على نفس المساحة التي كانت عليها وقت صدور الروايات. وإذا كانت كيفية الجعل على نحو القضية الحقيقية، فإن نطاق الحكم يكون بالقدر الذي توسعت به هذه الأماكن في عصرنا، ويصدق اسم ذلك المكان عرفاً على التوسعة الجديدة. مثل التوسعات الجديدة في المسجد الحرام ومسجد النبي ومسجد الكوفة ومسجد السهلة، ما لم يثبت التضييق بأدلة خارجية. لهذه الثمرة مصاديق كثيرة في الفقه من باب الطهارة إلى الديات، ويمكنها أن تحدث تحولاً في الفقه بهذه النظرة.

نقد الثمرة الأولى: قد يقال إن تشخيص موضوع الأحكام الفقهية، ومنها موضوع التخيير في الصلاة في الأماكن الأربعة، هو أمر عرفي ولا علاقة له بالقضية الخارجية والحقيقية؛ وبعبارة أخرى، حيثما شخص العرف صدق أحد هذه الأماكن، يكون موضوعاً للحكم الشرعي.

الرد على النقد: الأصل الكبروي الكلي – وهو أن تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية، عدا الموارد الخاصة التي فسرها الشارع، هو من المباحث الاستنباطية – مقبول ولا مفر منه؛ لكن لا ينبغي إغفال تأثير كيفية بيان الشارع في فهم العرف، بناءً على المفهوم والنطاق الذي حدده الشارع المقدس لموضوع الحكم الشرعي.

٣-٢. الثمرة الثانية

التوسعة والتضييق في أجناس الربا المعاملي؛ توضيح: أ) من الشروط القطعية للربا المعاملي أن يكون المبيع مكيلاً أو موزوناً. ب) لا شك أن تشخيص مصاديق الأجناس المكيلة والموزونة يرتبط ارتباطاً مباشراً بكيفية بيان الشارع؛ فإذا كان على نحو القضية الخارجية، فإن كل عنوان من هذه العناوين يختص بالموارد التي كانت في عصر صدور الروايات مكيلة وموزونة. وإذا كان على نحو القضية الحقيقية، فإن صدق المكيل والموزون يتسع، ويكون ملاك صدق كل منهما مختلفاً في الأزمنة المختلفة؛ فبناءً عليه، كل سلعة تُباع وتُشترى في زماننا بالكيل والوزن – وإن لم تكن في الماضي تُباع بالكيل أو الوزن – هي مصداق للأجناس الربوية. ونتيجة لذلك، إذا لم يُراعَ التساوي في الوزن والكيل، فهي مصداق للربا المعاملي، وإن لم تكن هذه السلعة موجودة خارجياً في عصر صدور الروايات.

وقد اهتم الفقهاء بهذه الثمرة من القديم إلى العصر الحاضر، ولذلك اختار كثير من الفقهاء المتقدمين مبنى القضية الخارجية. وقد ادعى صاحب الجواهر الإجماع بناءً على آراء هؤلاء الفقهاء، على أن كل سلعة كانت في عصر رسول الله (ص) مكيلة وموزونة، تُعتبر في عصرنا من أجناس الربا المعاملي، وإذا لم تكن في عصر الشارع مكيلة وموزونة فلا يصدق عليها الربا المعاملي (النجفي، ١٤٠٤، ج ٢٣، ص ٣٦٢). وفي المقابل، سار بعض الفقهاء المتأخرين والمعاصرين، ومنهم الشيخ الأنصاري، على أساس ملاك القضية الحقيقية، وادعوا أن ملاك صدق المكيل والموزون هو عرف نفس المكان والزمان الذي تتم فيه المعاملة (الشيخ الأنصاري، ١٤١٥، ج٤، ص ٢٣١). وقد صرح بعض الفقهاء المعاصرين، بعد قبول مبنى الشيخ، بهذه الثمرة الفقهية المهمة في مقام الاستدلال. يقول المحقق الروحاني: إن جعل الحكم في مورد الربا المعاملي هو على نحو القضية الحقيقية لا القضية الخارجية (الروحاني، ١٤٢٩، ج٥، ص ٦١).
[الهامش ١: «إن المدار في اعتبار الكيل والوزن على ما هو مكيل أو موزون في زمان البيع وبلده، فما كان مكيلا أو موزونا في زمان البيع وبلده اعتبر في صحة بيعه ذلك، وما لم يكن كذلك وان كان في زمان الشارع مكيلا أو موزونا لا يعتبر في صحته ذلك… و بعبارة اخرى: قوله (ع)… من القضايا الحقيقية المتضمنة لإنشاء الحكم فيها على الموضوعات المقدر وجودها، فكل ما صدق عليه هذا العنوان يشمله هذا الحكم، من غير فرق بين الأزمنة والأمكنة…. فلأن الظاهر من هذه القضية كسائر القضايا الشرعية كونها قضية حقيقية لا خارجية، ألا ترى انه لم يتوهم احد اختصاص ما دل على حرمة تنجيس المسجد بالمساجد الموجودة في عهد الشارع. وبالجملة: ما ذكرناه واضح».]

٣-٣. الثمرة الثالثة

بحث الشيخ الأنصاري في جواز وعدم جواز التقليد الابتدائي بالتفصيل، وذكر الأدلة المختلفة في النفي والإثبات. ومن جملة أدلة جواز التقليد الابتدائي استصحاب بقاء حجية قول المجتهد المتوفى. يقول: كان قول المجتهد حجة قبل وفاته، وبعد وفاته نشك هل هو حجة أم لا، فنستصحب الحجية. وبالطبع، له تقريرات مختلفة في هذا الصدد؛ منها:
[الهامش ١: «تقريره من وجوه، فإنه تارة يراد انسحاب الحكم المستفتى فيه، وأخرى يراد انسحاب حكم المستفتى، وثالثة يراد انسحاب حكم المفتي. فعلى الأخير يقال: إن المجتهد الفلاني كان ممن يجوز الأخذ بفتواه والعمل مطابقا لأقواله وقد شك بعد الموت أنه هل يجوز اتباع أقواله أو لا فيستصحب كما أنه يستصحب ذلك عند تغير حالاته من المرض والصحة والشباب والشيب ونحوها. وعلى الثاني يقال: إنّ للمقلّد الفلاني كان الأخذ بفتوى المجتهد الفلاني حال الحياة وبعد الموت نشك فيه، فنستصحب الجواز المعلوم في السابق وعلى الأول يقال: إن هذه الواقعة كان حكمها الوجوب بفتوى المجتهد الفلاني ونشك في ذلك فنستصحب … إلى غير ذلك من وجوه تقريراته، فإنه يمكن أن يقال: المكتوب في الرسالة الفلانية كان جائز العمل، فنستصحب جواز العمل به بعد الموت».]

إن فتوى الميت كانت حجة في حق المكلفين على نحو القضية الحقيقية والأصل بقاؤها على ذلك العنوان ومن المعلوم أن المكلف توجه مصاديقه عبر الزمان تدريجاً، فلم يكن الحكم مقيداً بالموجودين أو ملحوظاً فيه الموجودون والمعدومون فإن ذلك كله خلاف معنى الإطلاق بل الموضوع هو مكلف بما هو هو؛ فينطبق على مصاديقه طول الزمان وهذا نظير قوله سبحانه والله على الناس حج البيت فكما أن الآية حجة على جميع المكلفين إلى يوم القيامة فهكذا عنوان المستصحب (فتوى الميت) حجة على كل المكلفين (كلانتري طهراني، ١٣٨٣، ج٢، ص ٤٦١). يُستفاد من هذه العبارة أن القضية الخارجية والحقيقية يمكن أن تؤثر في التقليد الابتدائي. وبعد الشيخ، صرح بذلك كثير من الأعلام، ومنهم الإمام الخميني، حيث يقول: «إن جواز التقليد (من الميت) لكل بالغ عاقل، إن كان بنحو القضية الخارجية بمعنى أن كل مكلف كان موجوداً في زمانه جاز له الرجوع إليه فلا يفيد بالنسبة إلى الموجودين بعد حياته في الأعصار المتأخرة» (خميني، ١٤٢٦، ص ١٢٠). وقد تبنى أحد المعاصرين هذا البيان مع اختلاف طفيف في العبارات (روحاني، ١٤٢٩، ج٦، ص ٢٣٢).
[الهامش ١: «أن فتوى الميت كانت حجة في حق المكلفين على نحو القضية الحقيقية، والأصل بقاؤها على ذلك العنوان. ومن المعلوم أن المكلف توجد مصاديقه عبر الزمان تدريجاً، فلم يكن الحكم مقيدا بالموجودين، أو ملحوظاً فيه الموجودون والمعدومون فإن ذلك كله خلاف معنى الإطلاق، بل الموضوع هو المكلف بما هوهو فينطبق على مصاديقه طول الزمان، وهذا نظير قوله سبحانه: وَ اللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً فلم يكن الحكم مقيدا بالموجودين ولا ملحوظاً فيه كونه أعم من الموجود والمعدوم، بل الموضوع المكلف بما هوهو، فالحكم يشمل المصاديق حسب سير الزمان فكما أن الآية حجة على جميع المكلفين إلى يوم القيامة فهكذا عنوان المستصحب فتوى الميت حجة على كل المكلفين، فكما لا ضيق في الآية فهكذا في المقام. وبذلك يظهر الجواب عن بعض الاعتراضات على هذا النوع من الاستصحاب».]

٣-٤. الثمرة الرابعة

من الثمرات الفقهية لهذا البحث القدرة على الإجابة على الإشكالات، ومنها كيفية جعل حكم الإرث. توضيح: أ) قد يتبادر إلى الذهن أن بعض الأحكام خاصة بعصر نزول الآيات أو صدور الروايات. مثلاً، آية: «للذكر مثل حظ الأنثيين» (النساء، ١١)، خاصة بعصر نزول الآية حيث كانت النساء في الغالب ربات بيوت ولا يتحملن مسؤولية الإنفاق، أما في العصر الحاضر حيث تتحمل كثير من النساء مسؤولية الإنفاق وإدارة الحياة الاقتصادية مثل الرجال، فإن أحكاماً من هذا القبيل منسوخة. ب) هذه الأفكار الخاطئة لها جذور متنوعة؛ منها هذا البحث نفسه عن القضية الخارجية والحقيقية، حيث يُظن أن كيفية جعل حكم الإرث في الآية المذكورة كانت على نحو القضية الخارجية؛ وبناءً على ذلك، تُفهم الآية دائماً على أنها ناظرة إلى النساء اللاتي هن ربات بيوت ولا دور لهن في كسب الدخل، وأن عبء إدارة الحياة كله على عاتق الرجال، ولذلك يجب أن يرث الرجال ضعف النساء.

ج) عدم صحة هذا الكلام واضح؛ لأن الآية صدرت على نحو القضية الحقيقية، وتدل على أن حكم الضعف نسبة إلى عنواني المؤنث والمذكر على نحو القضية الحقيقية لا الخارجية. فلا فرق إذن بين نساء عصر نزول الآية ونساء العصر الحاضر.

٣-٥. الثمرة الخامسة

في القضية الحقيقية، التمسك بالعام في شبهات المصداقية جائز مطلقاً، لا فرق بين أن يكون المخصص لفظياً أو لبياً. أما القضية الخارجية فلها صورتان: أ) إذا دلت قرينة على أن الشارع أوكل تطبيق الموضوع على الأفراد الخارجيين إلى المكلف، وكان المخصص لفظياً أو لبياً، فلا يجوز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية. ب) إذا لم تكن هناك قرينة دالة على أن الشارع أوكل تطبيق الموضوع على المصاديق الخارجية إلى المكلف، وكان المخصص لبياً، جاز التمسك بالعام (الخوئي، ١٤٢٢، ج ٢، ص ٣٥٥). توضيح: مثلاً في «أكرم جيراني»، هي قضية خارجية، وقامت قرينة لبية على أن عدو المولى خارج من هذا الحكم؛ لأنه في هذه القضية الخارجية، يوجد ظهور. أ) ظهور إكرام الجيران في وجوب إكرام جميع أفراد الجيران بنحو كلي. ب) ظهور القضية الخارجية في أن تطبيق الحكم على المصاديق الخارجية منوط بالمولى، فظاهر القضية هو أنه لا يوجد مانع مثل عداوة الجيران التي تستدعي تخصيصاً عقلياً للقضية، وأن إكرام جميع الجيران واجب. ومن جهة أخرى، في المخصص اللبي، لا يحكم العقل بوجود أو عدم وجود المانع. فإذن الظهور الثاني (القضية الخارجية) في عدم وجود المانع، أي عدم وجود عداوة بين الجيران، حجة. ونتيجة لذلك، يجب على المكلف إكرام جميع الجيران. وإذا كان المخصص لفظياً، مثل «لا تكرم عدواً من الجيران»، فإنه يمنع الظهور الثاني. ونتيجة لذلك، لا يجوز التمسك بالعام بالنسبة للظهور الثاني. توضيح: ظهور «لا تكرم عدواً من الجيران» ظهور لفظي وأقوى من ظهور القضية الخارجية القائم على أن تطبيق الحكم على المصاديق منوط بالمولى، وأنه من وجهة نظر المولى لا يوجد مانع بعنوان عداوة الجيران، فيسقط هذا الظهور عن الحجية، ونتيجة لذلك لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

٣-٦. الثمرة السادسة

إذا كان جعل الأحكام على صورة القضية الحقيقية، فإن فعلية الحكم وصحة العقاب والثواب تتوقف على التحقق الخارجي للموضوع؛ لأن القضية الحقيقية تنحل إلى قضية شرطية، مقدمها وجود الموضوع وتاليها وجود المحمول. ومن الواضح جداً أنه في القضايا الشرطية، إذا لم يوجد الموضوع خارجاً، لم يترتب عليه المحمول، ونتيجة لذلك، لن يكون الحكم فعلياً (النائيني، ١٣٧٦، ج٣، ص٣٩٢؛ البروجردي، ١٤١٥، ص ٣٥١). توضيح: ١. في القضية الحقيقية، يتعلق الحكم بالعنوان. ٢. العنوان دائماً ناظر إلى الأفراد الخارجيين، سواء المقدرين أو الموجودين، ومن ثم ينحل الحكم بتعدد الأفراد. أما إذا لم نعتبر جعل الأحكام على شكل القضية الحقيقية، بل قلنا بالقضية الطبيعية، مثل العراقي، فإن الفعلية وبالتالي الثواب والعقاب لا يتوقفان على وجود الأفراد خارجاً (العراقي، ١٣٦١، ج٣، ص٣٩٣). توضيح: ١. يرى المحقق العراقي أن حقيقة الحكم هي الإرادة المبرزة للشارع الموجودة منذ القدم. ٢. الإرادة أمر نفساني ومعلق على الوجود الخارجي للمكلف؛ لأن الوجود التصوري للموضوع كافٍ لفعلية الحكم. ٣. من ثم، ينكر انحلال القضايا المتكفلة بالأحكام الشرعية بتعدد الأفراد الخارجيين. ٤. طبقاً لنظر المحقق العراقي وكل من لا يرى أن قضايا الأحكام الشرعية حقيقية، فإن الفعلية وبالتالي الثواب والعقاب المترتب عليها لا يتوقفان على تحقق الوجود الخارجي للموضوع. مثلاً، طبقاً لنظر المحقق النائيني في قضية «ولله على الناس حج البيت من استطاع…»، ما لم تتحقق الاستطاعة في الخارج، يبقى حكم وجوب الحج في مرحلة الإنشاء ولا تجري عليه آثار الفعلية. ولكن طبقاً لنظر المحقق العراقي، فإن تصور الاستطاعة من قبل الشارع كافٍ لفعلية الحكم؛ لأن الوجود الخارجي للموضوع ليس شرطاً لفعلية الحكم، بل هو شرط لفاعلية وانبعاث الفاعل.

٣-٧. الثمرة السابعة

من جملة ثمرات البحث أننا إذا اعتبرنا جعل الأحكام على شكل القضية الحقيقية، يمكننا بسهولة الإجابة على إشكال الدور الذي يرد منذ القدم على الشكل الأول من القياس. وبما أن هذه الثمرة قد بُحثت بالتفصيل ضمن الفرق الثاني، نكتفي بالإشارة إليها هنا. هذه الثمرة وإن لم تكن ذات صبغة فقهية، إلا أن لها تطبيقاً كبيراً في الفقه؛ لأن معظم الاستدلالات في استنباط الأحكام الشرعية الفقهية تتم في قالب الشكل الأول.

الخاتمة

من خلال ما لوحظ في هذا البحث، تتضح أمور:

١. دار نقاش بين الفقهاء حول ما إذا كان جعل الأحكام الشرعية على نحو القضية الخارجية أم القضية الحقيقية أم أشكال أخرى. يرى المحقق النائيني أن جعل الأحكام الشرعية على شكل القضية الحقيقية، وفي المقابل، خالفه بعض الأعلام، ومنهم المحقق العراقي والإمام الخميني.

٢. في سبيل معرفة أعمق بالقضية الخارجية والحقيقية، بيّن المحقق النائيني الفروق والافتراقات بين هاتين القضيتين، والتي أُشير إلى عشرة منها في هذه المقالة.

تترتب على هذا البحث ثمرات فقهية وأصولية متعددة، أُشير إليها في مواضع متعددة من هذا البحث؛ منها أنه إذا كان جعل الأحكام على نحو القضية الحقيقية، فإن الحكم يدور مدار صدق العنوان. مثلاً، المسجد الحرام الذي هو موضوع لأحكام شرعية مختلفة، يشمل التوسعات الجديدة بناءً على هذا المبدأ، خلافاً لما لو كانت كيفية الجعل على شكل قضية خارجية، ففي هذه الحالة لا يشمل إلا المكان المحدد الذي يقع تحت عنوان موضوع القضية الخارجية.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

١. ابن سينا، الحسين بن عبد الله (١٣٨٣ هـ ش). المنطق: دانشنامه علائي، تصحيح: السيد محمد مشكاة، الطبعة الثانية، همدان: منشورات جامعة بوعلي سينا.

٢. أرسطو، أرسطوطاليس (١٣٩٠ هـ ش). منطق أرسطو (الأورغانون)، الطبعة الأولى، طهران: منشورات نگاه.

٣. الأصفهاني، الشيخ محمد حسين (الكمباني) (١٤١٦ هـ ق). بحوث في الأصول، الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٤. البروجردي، السيد حسين الطباطبائي (١٤١٥ هـ ق). نجف آبادي، حسين علي منتظري (مقرر)، نهاية الأصول، الطبعة الثانية، طهران: نشر تفكر.

٥. الخراساني، الآخوند محمد كاظم (١٤٠٩ هـ ق). كفاية الأصول، الطبعة الرابعة، قم: مؤسسة آل البيت.

٦. الخميني، السيد روح الله (١٤٢٦ هـ ق). الاجتهاد والتقليد، الطبعة الثالثة، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

٧. الخميني، السيد روح الله (١٤١٨ هـ ق). اشتهاردي، حسين تقوي (مقرر)، تنقيح الأصول، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

٨. الخوئي، السيد أبو القاسم؛ واعظ حسيني، بهسودي؛ سرور، محمد (١٤٢٢ هـ ق). مصباح الأصول (تقريرات درس أبو القاسم الخوئي)، قم: منشورات مكتبة الداوري.

٩. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٣٥٢ هـ ش) (مقرر). أجود التقريرات، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة صاحب الأمر (عج).

١٠. الروحاني، السيد صادق (١٤٢٩ هـ ق). منهاج الفقاهة، الطبعة الثانية، قم: أنوار الهدى.

١١. السبحاني، جعفر (١٣٩٠ هـ ش). المبسوط في أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).

١٢. الشيخ الأنصاري، مرتضى (١٤١٦ هـ ق). فرائد الأصول (مجلدان)، الطبعة الرابعة، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

١٣. الشيخ الأنصاري، مرتضى (١٤١٥ هـ ق). المكاسب، الطبعة الرابعة، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

١٤. الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٧ هـ ق). المعالم الجديدة للأصول، الطبعة الأولى، بيروت: الدار الإسلامية.

١٥. العراقي، ضياء الدين (١٣٦١ هـ ق). حاشية بر فوائد الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة نشر الإسلامي.

١٦. كلانتري الطهراني، ميرزا أبو القاسم (١٣٨٣ هـ ش). مطارح الأنظار، الطبعة الثالثة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

١٧. لنكراني، فاضل (١٤٢٣ هـ ق). معتمد الأصول (تقريرات درس أصول الإمام)، الطبعة الأولى، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

١٨. المطهري، مرتضى (١٣٧٧ هـ ش). شرح مبسوط منظومة (مجموعة آثار)، الطبعة الرابعة، قم: انتشارات صدرا.

١٩. ميرزاده أهري، السيد مرتضى (١٣٩٥ هـ ش). قضاياي حقيقية و خارجية، برداشتي از درس خارج شيخ محمد جواد فاضل لنكراني، قم: مركز فقهي أئمة أطهار.

٢٠. النائيني، ميرزا محمد حسين (١٣٧٦ هـ ش). فوائد الأصول، الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

٢١. النجفي، محمد حسن (١٤٠٤ هـ ق). جواهر الأحكام في شرح شرائع الإسلام، الطبعة الأولى، بيروت: إحياء التراث العربي.

Scroll to Top