ملخص البحث
تُعدّ مسألة تحديد المراتب الوجودية للحكم من المسائل المؤثرة في كثير من مباحث علم الأصول. والشاهد على هذا الادعاء هو تشتت هذه المسألة في كثير من أبواب علم الأصول؛ بحيث طُرحت وتكررت في مناسبات مختلفة على امتداد هذا العلم. وقد ذكر مشهور علماء الأصول للحكم مراتب متعددة. وفي هذا السياق، يرى المحقق الخراساني أن للحكم أربع مراتب: ١. مرتبة الاقتضاء؛ ٢. مرتبة الإنشاء؛ ٣. مرتبة الفعلية؛ ٤. مرتبة التنجز. وفي المقابل، يرى بعض المحققين أن أصل تعدد المراتب أمر غير ممكن.
تسعى هذه المقالة بالمنهج الوصفي التحليلي إلى إثبات أنه، من خلال التفكيك بين المراحل والمراتب، وعلى خلاف مسألة تعدد المراحل (التي أجمع الكل على قبولها ثبوتاً وإثباتاً)، فإن فرضية تعدد المراتب الوجودية ليست محالة فحسب، بل يُحتمل أن يكون أصل النزاع المذكور لفظياً وغير حقيقي. في ختام المقالة، وبناءً على جميع المباني الموجودة في تحليل ماهية الحكم، يتضح أي مرحلة من بين المراحل المتعددة يجب أن تُعتبر الظرف الوجودي للحكم.
مقدمة
أهمية المسألة وضرورتها
يطرح الأصوليون مسألة تعدد مراتب الحكم في مباحث متنوعة من علم الأصول، ويستعينون بتعدد هذه المراتب في تحليل أو حل بعض الأبحاث الأصولية. ويمكن العثور في علم الأصول على خمس مسائل أصولية على الأقل استُخدم فيها بحث «مراتب الحكم»:
١. في مسألة الأمر بالشيء واقتضائه النهي عن ضده؛ كما استعان الإمام الخميني في رده على شبهة الشيخ البهائي القائلة بعدم جدوى النزاع في العباديات، بمسألة مراتب الحكم (الإمام الخميني، ١٣٨٢، ج ١، ص ٢٤٠).
٢. في مسألة اجتماع الأمر والنهي؛ حيث يطرح المحقق الخراساني في تبيين محدودة الضدية بين الأحكام، بحث مراتب الحكم (الخراساني، ١٤٠٩، ص ١٥٨).
٣. في مسألة حجية القطع؛ حيث يتحدث البعض كالمحقق الأصفهاني وغيره، في تحديد نطاق حجية القطع الذاتية، عن مراتب الحكم (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٤؛ البروجردي، ١٤١٥، ص ٣٩٥).
٤. في مسألة إمكان أخذ القطع في موضوعات الأحكام؛ حيث يجيز البعض كالمحقق الخراساني، بطرح بحث مراتب الحكم، أخذ القطع في بعض الموارد (الخراساني، ١٤٠٩، ص ٢٦٧).
٥. في مسألة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري؛ حيث يرى المحقق الخراساني في شبهة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، أن مسألة مراتب الحكم تمثل حلاً للمشكلة (نفس المصدر، ص ٢٧٧).
خلفية البحث
قبل المحقق الخراساني، لم تكن هناك بحوث مفصلة ومنهجية حول مراحل الحكم أو مراتبه؛ بل أُشير في بعض الكلمات فقط إلى كون الحكم الشرعي ذا مرحلتين، وعُبّر عنه بتعابير مثل «الحكم الواقعي والحكم المنجز» أو «الحكم الشأني والحكم الفعلي» وأحيانًا «الحكم الواقعي والظاهري» (الموسوي القزويني، ١٢٩٩، ج١، ص٧). على سبيل المثال، يطلق صاحب هداية المسترشدين على الحكم غير المنجز اسم «الحكم الشأني»:
ما هو موجود في نفس الأمر ومشترك بين جميع المكلفين، هو الحكم الشأني الذي تتوقف فعليته وتنجزه على وصوله إلى المكلف؛ ومن هنا يترتب العقاب على خصوص مخالفة الطريق الواصل، لا على ذات الحكم الشأني (الأصفهاني النجفي، طبعة قديمة، ص٧١٩).
ويذكر المرحوم الآشتياني في بحر الفوائد، في سياق بحث البراءة العقلية، في توضيح أن حتى أهل التصويب يقبلون كبرى البراءة العقلية، الحكم الفعلي والإنشائي:
نفي العقاب بمعنى نفي الحكم الفعلي؛ لأن الحكم الفعلي، إنشاء وجعل مستقل وجديد، منفصل عن الحكم الإنشائي؛ بل كلاهما من مراتب [وانتزاعات] عقلية للجعل والإنشاء الصادر من المولى؛ لأنه إذا وصل إنشاء المولى إلى مرحلة يحكم العقل بتنجزه، تنتزع عناوين مثل الحكم الفعلي، والخطاب، والتكليف، وإلا فإنه يسمى الحكم الإنشائي (الآشتياني، ١٣٨٨، ج٤، ص٦).
ويشير المحقق الرشتي في بدائع الأفكار في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي إلى ما يلي:
بما أن مدلول الأدلة الاجتهادية هو الحكم الشأني ومفاد الأصول العملية هو الحكم الفعلي، فلا ينشأ أي تضاد أو محذور من اجتماعهما؛ لأن الشأنية لا تتنافى مع الفعلية (الرشتي، ص ٤٠٧).
بالطبع، يوجد اختلاف في كلام المرحوم الشيخ، ويذكر في الغالب كون الحكم ذا مرحلتين بعنوان «الحكم الشأني والفعلي»؛ كما يكتب في فوائد الأصولية:
«والحاصل أن الحسن والقبح نظير الحكم الشرعي من أن الواقعي منه الذي لا يتغير بالعلم والجهل عند المخطئة هو الحكم الشأني، أي ما من شأنه أن يتنجز على المكلف، وأما التكليف المنجز الفعلي فلا إشكال ولا خلاف في تعدده وتغيره بالاعتقاد، ولذا اتفق الكل على تعدد الحكم الظاهري» (الأنصاري، ١٤٢٦، ص٥٨٧).
ولكن ظاهر بعض كلماته في فرائد الأصول يشير إلى كون الحكم ذا ثلاث مراحل بالعناوين: الحكم الشأني (مرحلة الاقتضاء)، والحكم الفعلي (مرحلة الإنشاء)، والحكم المنجز:
«الثاني [من وجوه التصويب]: أن يكون الحكم الفعلي تابعاً لهذه الأمارة، بمعنى أن لله في كل واقعة حكماً يشترك فيه العالم والجاهل لولا قيام الأمارة على خلافه، بحيث يكون قيام الأمارة المخالفة مانعاً عن فعلية ذلك الحكم؛ لكون مصلحة سلوك هذه الأمارة غالبة على مصلحة الواقع، فالحكم الواقعي فعلي في حق غير الظان بخلافه، وشأني في حقه، بمعنى وجود المقتضي لذلك الحكم لولا الظن على خلافه» (الأنصاري، ١٤٢٨، ج ١، ص ١١٤).
وكذلك المحقق النهاوندي في تشريح الأصول بعد أن عرّف الحكم التكليفي بأنه الإرادة التشريعية: «الحكم ليس إلا الإرادة» (النهاوندي، ١٣٢٠، ص٢٨٢)، يعدد لهذه الإرادة التشريعية ثلاث مراتب:
«نعم، يتفاوت موضوع الإرادة التكليفية من حيث التقييد بالعلم بها وعدمه بحسب مراتبها الثلاثة. الأولى ذات الإرادة التي تسمى شأنية تامة وهي تستكشف بالخطاب وملازمة لها كما مر في تحقيق الإرادة والإنشاء، والثانية هي الفعلية أعني الإرادة المعبر عنها بالخطاب من حيث هي كذلك لصيرورتها فعلية بإشرافها على بيان نفسها وهذا الخطاب هو الحكم الشأني والتكليف الشأني، والثالثة هي المنجزة أعني المعلومة للمكلف لمعلومية الخطاب ودلالته عليها وهذه هي الحكم الفعلي والتكليف الفعلي» (النهاوندي، ١٣٢٠، ص٢٨٢).
ولكن لم يتطرق أي من هؤلاء الأعلام إلى ما إذا كانت هاتان أو هذه المراحل الثلاث من مراتب وجود الحكم أم أنها مجرد بيان لمراحل وعملية تشكل الحكم؟
أما المحقق الخراساني، فلأول مرة وبشكل رسمي، طرح هذه المسألة – بأربع مراتب – وكان ذلك نقطة تحول لدخول هذه المسألة في أدبيات علم الأصول؛ بحيث لا تزال محل بحث ونقاش بين مفكري الأصول. بالطبع، كما مر، على الرغم ازدهار هذه المسألة على يد المتأخرين، إلا أنها لم تستطع بعد أن تجد مكانة محددة ومدونة في علم الأصول، بمعنى هل هي من مبادئ علم الأصول أم من مسائله؟ وهل يجب إدراجها في مباحث الألفاظ أم في مباحث الأمارات و…؟ بل تم البحث فيها بشكل متفرق وحيثما دعت الحاجة، وبقدر الحاجة.
في أصول الفقه المعاصر، أصبح أصل تحليل ماهية الحكم التكليفي وحتى مسألة مراتب الحكم في بؤرة الاهتمام، ولكن المؤلفات التي حددت مكانة مناسبة لهذا البحث، أو المقالات التي تناولت هذا الموضوع بشكل مستقل، قليلة جداً، ولا يمكن ذكر سوى ستة أعمال:
كتاب دروس في علم الأصول (الصدر، ١٤٠٥، ج ٢، ص ١٢) الذي تطرق للدخول في تحليل حقيقة الحكم الشرعي، إلى بحث مراحل أو بتعبيره، مبادئ الحكم.
كتاب الكافي في أصول الفقه (حكيم، ١٤٢٨، ج ١، ص ٥٠) الذي تطرق في خاتمته إلى بحث ماهية الحكم الشرعي.
مقالة «مراتب الحكم از دیدگاه محقق خراسانی»، تأليف سيد حميدرضا حسني التي نشرت في مجلة «پژوهشهای اصولی» (عام ١٣٩١، العدد ١٣).
مقالة «بازخوانی نقش حقیقت حکم شرعی در کشف مراتب آن»، تأليف بلال شاكري التي نشرت في مجلة «جستارهای فقهی و اصولی» (السنة الثانية، العدد ١).
أطروحة جامعية بعنوان «مراتب حکم از دیدگاه آخوند خراسانی و امام خمینی و آثار مترتب بر آن»، تأليف علي أكبر زال بور، التي نوقشت عام ١٣٩٣ في جامعة الشهيد مطهري.
كتاب حكم، حقیقت، اقسام، قلمرو، تأليف سيد مجتبى نور مفيدي الذي خصص قسمه الثاني لمسألة مراتب الحكم.
في المقالة الحالية، يتمثل الادعاء الرئيسي للكاتب في التأكيد على التمييز بين المراتب والمراحل وتقديم استدلال جديد لنفي تعدد المراتب. تتلخص ابتكارات هذه المقالة مقارنة بالأعمال المذكورة أعلاه في عدة نقاط، تصحح أو تكمل بعض أوجه القصور السابقة:
١. ترتيب جديد ومنطقي لطرح المسألة.
٢. تحرير جديد لمحل النزاع في بحث مراتب الحكم، وفي النهاية اعتباره نزاعاً لفظياً؛ بينما في كلمات الآخرين، يظهر النزاع المذكور حقيقياً.
٣. تحرير دقيق لمحل النزاع في بحث تحليل ماهية الحكم التكليفي؛ بينما في بعض الكلمات، تم الخلط بين مبادئ الحكم وحقيقته. على سبيل المثال، في مقالة «بازخوانی نقش حقیقت حکم شرعی در کشف مراتب» (شاكري، ١٣٩٥، ص ٥٠) بالخلط بين روح الحكم وماهيته، يُدعى أن عبارات المرحوم البروجردي غير متوافقة مع بعضها البعض؛ في حين أن تفاوت العبارات وحتى اختلاف المذهبين (التكوين والاعتبار) يتعلق بالصياغة والشكل الظاهري للحكم، ولا يوجد اختلاف في تحليل لب وروح الحكم التكليفي.
٤. اهتمام جاد بالتمييز بين المراحل والمراتب؛ بينما في كلمات الآخرين إما تم الخلط بينهما أساساً، أو تم تقديمه بشكل باهت. على سبيل المثال، في مقالة «بازخوانی نقش حقیقت حکم شرعی در کشف مراتب» (نفس المصدر، ص ٣٨) تم إحصاء ما يصل إلى عشرة اختلافات بين الأصوليين؛ في حين أن هذا التكاثر في الأقوال ناتج بشكل أساسي عن الخلط بين المراتب والمراحل.
٥. تبيين جديد للمراحل.
٦. استدلال جديد على امتناع تعدد المراتب؛ على الرغم من أن إجماله يمكن استظهاره من كلمات المرحوم البروجردي.
٧. استدلال جديد لإثبات مرحلة الفعلية وتعريف جديد أو واضح لمرحلة الفعلية.
٨. تبيين جديد أو واضح لرأي المحقق النائيني الذي انعكس في تقريرات فوائد الأصول.
موضوع المسألة
في مسألة مراتب الحكم التكليفي، توجد أربع وجهات نظر:
وجهة النظر الأولى تنكر تعدد المراتب. بالطبع، في تحديد المرتبة التي هي الظرف الوجودي للحكم التكليفي، يوجد اختلاف في الرأي. المشهور، مثل المحقق الداماد، يعتبرون مرتبة الإنشاء هي الظرف الوجودي للحكم (الطاهري الأصفهاني، ١٣٨٢، ج ١، ص ٣١٠). في المقابل، وفقاً لتقرير فوائد الأصول، يرى المحقق النائيني أن محل تحقق الحكم هو مرحلة الفعلية (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٥).
وجهة النظر الثانية تقول بوجود مرتبتين. وهناك اختلاف في الرأي حول ما إذا كانت هاتان المرتبتان هما الإنشاء والفعلية، كما يقول المرحوم الإمام والمرحوم الخوئي (الإمام الخميني، ١٤١٥، ج ١، ص ٣٩؛ الخوئي، ١٤٢٢، محاضرات، ج ٣، ص ٤)، أو مرتبة الفعلية والتنجز؛ كما طبقه المرحوم الشاهرودي (الحسيني الشاهرودي، ١٣٨٥، ج ٣، ص ٣٢).
وجهة النظر الثالثة (وهي الرأي الصريح للمحقق الأصفهاني) تعتبر أن الحكم يشتمل على ثلاث مراتب (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٧ و ج ٤، ص ٢٣١).
وجهة النظر الرابعة، وهي رأي المحقق الخراساني، تدعي أن الحكم يتضمن أربع مراتب هي: مرتبة الوجود الاقتضائي، والوجود الإنشائي، والوجود الفعلي، والوجود التنجزي (الخراساني، ١٤٠٧، ص ٨١).
تهدف هذه المقالة إلى إثبات أن النزاع المذكور لا محل له من الطرح أساساً؛ لأن أصل فرضية تعدد المراتب الوجودية للتكليف الشرعي – بأي عدد ومقدار – محال ثبوتاً. ولتحقيق هذا الادعاء وحتى تحرير دقيق لمحل النزاع، من الضروري دراسة الفرق بين المراحل والمراتب وماهية التكليف نفسه.
١. الفرق بين المراتب والمراحل
في المصطلحات الفلسفية (جوادي آملي، ١٣٩٥، ج ٥، ص ٥٦٩)، يطلق على المفهوم والعنوان اسم «ذو مراتب» إذا كان له سمتان:
أ) أن تكون كل مرتبة من مراتب الوجود مصداقاً مستقلاً وصغرى خارجية لذلك العنوان (وبعبارة أخرى، أن تكون العلاقة بين العنوان والمراتب علاقة الكلي بالفرد)؛
ب) أن يكون تفاوت هذه المصاديق مع بعضها البعض تشكيكياً؛ أي أن التعدد والتمايز بينها ينشأ من الشدة والضعف أو النقص والكمال في نفس مصداقية المصداق، لا بسبب اختلاف في العوامل الخارجية والعوارض والخصائص الخارجية، مثل عنوان النور، حيث المقصود من كونه ذا مراتب هو أن صدق النور على الأفراد الخارجيين مثل نور الشمس ونور القمر ونور الشمعة ليس متساوياً، ومصداقية النور في نور الشمس أشد بكثير من مصداقية النور في نور الشمعة؛ أو مثل عنوان الخط الذي هو مفهوم كلي له مصاديق خارجية متعددة أو متكثرة؛ مثل خطوط بطول سنتيمتر واحد ونصف متر ومتر واحد، ووجه التمايز بينها يعود إلى الاختلاف في الكم والكيف لنفس وجه الاشتراك.
بنوع من التسامح العرفي، يمكن تعميم هذا المصطلح الفلسفي واعتبار تعبير «المرتبة» ظاهراً في أن العنوان ذا المراتب في كل مرتبة، له حقيقة وواقعاً درجة وحظ من الوجود الخارجي؛ سواء كانت كل مرتبة من مراتب الوجود تعتبر مصداقاً عرفياً للعنوان، مثل عنوان النور والخط، أو لا تعتبر عرفاً مصداقاً، بل يكون العنوان صادقاً على مرتبة واحدة فقط، وتكون سائر المراتب مؤشراً على المسار التكاملي والارتقائي لوجود العنوان الواحد، مثل وجود النطفة التي هي حقيقة وواقعاً مرتبة ودرجة دنيا من وجود الإنسان؛ على الرغم من أن عنوان الإنسان لا يصدق عليها عرفاً.
هذا التسامح في عنوان «المرتبة» وتعميمه يُستفاد من كلام المحقق الأصفهاني. فهو لتصحيح ثبوت الحكم في مرحلة الاقتضاء والملاك، يذكر توجيهين. التوجيه الثاني هو أن نسبة ثبوت الملاك إلى ثبوت الحكم تشبه نسبة وجود النطفة إلى وجود الإنسان. لذلك، كما أن النطفة تُعتبر مرتبة من الوجود الخارجي للإنسان، يجب اعتبار الملاك أيضاً مرتبة من الوجود الواقعي للحكم؛ وإن كان يناقش في هذا القياس والتشبيه لاحقاً ويعتبره قياساً مع الفارق (بهذا الاستدلال أن نطفة الإنسان من جنس الاستعداد المادي، ولكن ملاك الحكم من سنخ الاستعداد الماهوي)؛ ولكنه لا يشكل إشكالاً في المشبه به (أي أن نطفة الإنسان مرتبة وحظ من الوجود الخارجي للإنسان) (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٤).
القدر المشترك بين المصطلح الفلسفي والمصطلح العام العرفي من تعبير «المراتب» هو أن ذات ووجود عنوان الحكم محفوظ في جميع المراتب؛ مع هذا الفارق أنه بناءً على المصطلح الفلسفي، تكون نسبة العنوان إلى المراتب نسبة الكلي إلى الفرد؛ ولكن بناءً على المصطلح العام، يمكن استخدام تعبير «المراتب» في المفاهيم والعناوين الجزئية أيضاً.
أما في تعبير «المراحل»، فليس من الضروري أن يكون واقع ووجود عنوان الحكم ثابتاً ومتحصلاً في جميع المراحل؛ بل قد يتحقق واقع عنوان الحكم في مرحلة واحدة فقط، وتكون المراحل الأخرى إما مؤشراً على مقدمات ومبادئ تحقق العنوان، أو بياناً لآثار ولوازم تحقق العنوان؛ مثل مراحل تحقق الفعل الاختياري للإنسان. للقيام بعمل ما، يحتاج الإنسان أحياناً إلى اجتياز مراحل وعملية ليتمكن من إيجاد ذلك الفعل في الخارج؛ على سبيل المثال: يتصور فوائد الفعل ويصدق بها؛ يوفر المقدمات ويزيل الموانع. من الواضح أن الفعل الخارجي لا يتحقق في أي من هذه المراحل بأي شكل أو درجة من الوجود – وإن كان وجوداً ضعيفاً أو ناقصاً.
٢. ماهية الحكم التكليفي
في تحليل ماهية الحكم التكليفي، يوجد هذا البحث: هل هو أمر تكويني أم اعتباري؟ تبنى كبار العلماء مثل المحقق الإيرواني والمحقق العراقي مذهب التكوين، ويعتقدون أن التكليف الواقعي هو نفس الإرادة التشريعية والمبرزة للمولى (الإيرواني، ١٤٢٢، ج ٢، ص ٩٠ و ٢٨٩؛ البروجردي النجفي، ١٤١٧، ج ٤، ص ١٦٣). بناءً على هذه النظرية، فإن العناصر الثلاثة للحكم، أي الإرادة والإبراز والمبرِز، هي من الأمور التكوينية (الحسيني الميلاني، ١٤٢٨، ج ٢، ص ٣١٤).
في المقابل، يعتبر مشهور الأصوليين التكليف أمراً اعتبارياً وجعلياً؛ أي أن الحكم التكليفي، إما بالشكل الذي يشرحه المحقق الأصفهاني، هو اعتبار البعث والزجر (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٢٨٣)؛ أي أن الشارع يعتبر ويفرض أنه يدفع المكلف نحو إيجاد الفعل أو يمنعه منه (شبيه بالبعث والزجر التكويني ودفع أو إبعاد المكلف قسراً عن القيام بعمل ما)، أو بالطريقة التي يفسرها المرحوم الخوئي، هو اعتبار «جعل الفعل أو بعد الفعل في ذمة المكلف»؛ أي أن الشارع يعتبر ويفرض أن مسؤولية عمل ما تقع على عاتق المكلف؛ شبيه بوضع ثقل تكويني على عاتق المكلف (الخوئي، ١٤٢٢، ج ١، ص ٥٨٢).
بناءً على مذهب الاعتبار، يقوم الشارع المقدس في عالم الاعتبار وبمجرد فرض وتصور تحقق الموضوع، باعتبار البعث أو اعتبار جعل الفعل؛ على الرغم من أن موضوع هذا الاعتبار لم يتحقق بعد في الخارج؛ ولكن بما أن جعل الأحكام يتم على نحو القضايا الحقيقية، فإن فعلية (أو بتعبير آخر فاعلية هذا الاعتبار واستقراره في ذمة المكلف) منوطة ومشروطة بتحقق الموضوع بجميع قيوده في الخارج.
يجب ملاحظة أن جميع الأصوليين، حتى القائلين بمذهب الاعتبار، يعتبرون لب وروح الحكم التكليفي أمراً تكوينياً (أي الإرادة التشريعية)؛ لأنه ما لم تكن للمولى إرادة تشريعية، فلن يصح الحكم. محل النزاع بين المذهبين (التكوين والاعتبار) يتعلق بصياغة وشكل الحكم التكليفي الظاهري. يدعي أصحاب مذهب التكوين أنه لا توجد صياغة خاصة غير تلك الروح، أو أن صياغته هي نفس مرحلة إبراز الإرادة؛ ولكن أصحاب مذهب الاعتبار يعتقدون أن المولى لهذه الإرادة التشريعية، ينظم قالباً وشكلاً خاصاً يتناسب مع إرادته في عالم الاعتباريات.
يبدو، كما ذكر الشهيد الصدر، أن الشارع المقدس ثبوتاً للوصول إلى أهدافه، لا يحتاج إلى صياغة الجعل والاعتبار، وبنفس إبراز الإرادة التشريعية وبدون وساطة الاعتبار، سيصل إلى مقصوده؛ ولكن إثباتاً، اعتبار الحكم الشرعي أمراً تكوينياً يخالف الارتكاز العقلائي؛ لأنه في عرف العقلاء – وخاصة عرف المشرعين – المتبادر والمرتكز من القانون هو أمر جعلي واعتباري يُجعل لحفظ المصالح العامة أو الخاصة، ويعتبرون الإرادة والقصد من مقدماته، ولا يوجد فرق بين القوانين البشرية والقوانين الإلهية من حيث طريقة التشريع (لا من جهات أخرى مثل الضعف والكمال) (الروحاني، ١٤١٣، ج ٢، ص ١٤٩).
«وليس الاعتبار عنصراً ضرورياً في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالباً كعمل تنظيمي وصياغي اعتاده المشرعون والعقلاء، وقد سار الشارع على طريقتهم في ذلك» (الصدر، ١٤٠٥، ج ١، ص ١٢).
٣. مراحل الحكم التكليفي
خلافاً لمسألة تعدد المراتب، لا يمكن إنكار أصل ثبوت التعدد لمراحل القانون؛ لأن التردد في ذلك ينشأ قطعاً من عدم الإلمام بأسلوب التشريع، بل بأصل ماهية القانون.
يبدو أنه من حيث عدد المراحل، في عملية وضع القانون حتى تنجزه، لا يوجد مخالف في أنها لا تقل عن أربع مراحل:
أ) مرحلة مبادئ الحكم: في المرحلة الأولى التي يريد فيها المولى والمشرّع وضع قانون للقيام بفعل أو تركه، يدرس ويقيّم الملاكات الواقعية لذلك الفعل لتحديد ما إذا كان فيه مصلحة أو مفسدة، وفي حالة تزاحم الملاكات، أي من الملاكات درجته وشدته أكبر. بعد تصور وتصديق الفائدة (التي يمكن التعبير عنها بحب وبغض المولى)، يجد المولى إرادة البعث والزجر، والتي تسمى اصطلاحاً «الإرادة التشريعية» (الإمام الخميني، ١٤١٥، ج ١، ص ٤١٢ و ج ٢، ص ٢٧)؛ أي أن إرادته تتعلق بأن يطلب من الرعية والمكلفين القيام بالفعل أو تركه، ويرغبهم أو يهددهم بالقيام به أو تركه.
ب) مرحلة الإنشاء وتشريع الحكم: في هذه المرحلة، يقوم الشارع المقدس، بسبب المصلحة التي يراها، بإنشاء طلبه ليوجد لإرادته التشريعية وجوداً إنشائياً.
هذه المرحلة مقبولة فقط وفقاً لمذهب كون الحكم اعتبارياً؛ أما وفقاً لمذهب التكوين (الذي يعتبر ماهية الحكم إبرازاً للإرادة التشريعية)، فيجب إما حذف هذه المرحلة أو، مثل المرحوم الروحاني، اعتبار مرحلة انقداح الإرادة التشريعية بدلاً من مرحلة الإنشاء، المرحلة الثانية (الروحاني، ١٤١٣، ج ٣، ص ٨١).
ج) مرحلة الصدور وإيصال الحكم: في هذه المرحلة، يقوم المولى والمشرع بإبلاغ وإبراز القانون الموضوع للمكلفين عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب، مع التفسير والتوضيح عند اللزوم. بالطبع، المقصود من الإيصال هو وضعه في معرض الوصول، لا الإيصال الفعلي؛ أي ليس من الضروري أن يصل الحكم مباشرة وبالفعل إلى كل مكلف؛ بل يجب على المكلفين أنفسهم أن يتولوا عناء الفحص ويبحثوا عن الحكم الواقعي في مظانه.
يجب ملاحظة أنه بناءً على هذا المبدأ (الذي يعرف ماهية الإنشاء بالإبراز؛ كما سيأتي في المستقبل)، ستكون مرحلة الصدور والإبراز تعبيراً آخر عن مرحلة الإنشاء.
د) مرحلة الوصول وتنجز الحكم: قد يصدر المولى حكماً ويكون متصدياً لإيصاله، ولكن بسبب عوامل مثل جعل الجاعلين وإخفاء الظالمين لم يصل بعد إلى المكلف؛ لذا لكي يكون حكم المولى مشمولاً لحكم العقل بالتنجز واستحقاق العقاب، من الضروري أن يصل بعد الصدور بالفعل إلى المكلف.
المقصود من الوصول المعتبر في هذه المرحلة ليس مجرد العلم بكبرى الحكم؛ لأنه في هذه المرحلة من المفترض أن يتنجز الحكم الواقعي، ومن الواضح أنه في موضوع التنجز بالإضافة إلى العلم بالكبرى، يجب أن يوجد علم بتطبيق الصغرى أيضاً؛ لأنه ما لم ير المكلف نفسه مشمولاً لموضوع الحكم الواقعي، حتى لو كان يعلم بأصل الحكم، فلن يتنجز ذلك الحكم في حقه.
أضاف مشهور الأصوليين بين مرحلة الصدور والوصول، مرحلة أخرى باسم «الفعلية» وهي من حيث الرتبة متأخرة عن مرحلة الصدور ومتقدمة على مرحلة التنجز؛ وإن كان من الممكن من حيث زمان الحدوث أن تحدث بالتزامن مع كلتا المرحلتين؛ كما أشار المرحوم الحلي إلى تأخر رتبة مرحلة الفعلية عن مرحلة الإنشاء، والمرحوم الخوئي إلى إمكان الاتحاد الزماني لكليهما (الحلي، ١٤٣٢، ج ٢، ص ٩؛ النائيني، ١٣٥٢، ج ١، ص ١٢٨).
يبدو أنه لا مفر من قبول مرحلة الفعلية، ويجب عد مراحل الحكم خمس مراحل. التوضيح: كما أشير، يتوقف ثبوت مرحلة التنجز على حصول علمين: العلم بكبرى الحكم والعلم بتطبيق صغرى الحكم. لذلك، يجب أن تتشكل واقع الكبرى وواقع تطبيق الصغرى في مرحلة سابقة على التنجز وعلم المكلف حتى يمكن أن تكون في رتبة متأخرة، معروضاً ومتعلقاً لعلم المكلف.
كما اعتبر الأصوليون مرحلة الإنشاء أو الإبراز موطن واقع الكبرى، فمن الضروري أن نعتبر موطناً لواقع تطبيق الصغرى أيضاً. لهذا السبب، لبيان مرحلة تحقق وتطبيق صغرى الحكم، أضيفت واصطلح على مرحلة «الفعلية»؛ أي أن ما يحدث في مرحلة الفعلية هو أن موضوع الحكم بجميع قيوده (التي تشمل متعلق المتعلق أيضاً وتسمى اصطلاحاً «شرائط اتصاف الملاك») يصل إلى الفعلية ويتحقق تحققاً عينياً وخارجياً.
«فباب المجعول ليس أكثر من باب الانطباق [أي المجعول ليس إلا تطبيق الجعل حينما يتحقق موضوعه في الخارج] … إن الحكم الفعلي … إنما هو من باب تطبيق الجعل المنكشف بالخطاب على مصاديقه وإحراز صغراه المستلزم لتولد الحكم الفعلي» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج٢، ص١٨١ و ج٣، ص٣١٩).
بتعبير المحقق الأصفهاني، تخرج فعلية الموضوع الحكم من حد الكلية والقضية الحقيقية؛ بحيث يصبح شبيهاً بالقضايا الخارجية وينطبق على شخص مكلف معين (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج٣، ص ١٣٣).
يبدو أن الذين ينكرون مرحلة الفعلية قد وقعوا في نزاع لفظي؛ لأنهم إما مثل المحقق العراقي في بعض الكلمات يعتبرون فعلية الحكم بمعنى جعل وإنشاء الحكم (الآملي، ١٣٧٠، ص ٢٢٤) ولذا يعتبرونها متحدة مع مرحلة الإنشاء، أو مثل المحقق الأصفهاني يفسرون الفعلية بتنجز الحكم ويعتبرونها متحدة مع مرحلة التنجز (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٩٧ و ١٠٥)، أو مثل الشهيد الصدر، يناقشون فقط في تسمية هذه المرحلة بفعلية الحكم ويعرفونها بالفاعلية (الحسيني الحائري، ١٤٠٨، ج ١، ص ٤١٣).
مع هذه التوضيحات، لا ينبغي الشك في أصل وجود مرحلة الفعلية. بالطبع، هل يتغير وضع الحكم بجانب فعلية الموضوع ويحدث تحول في الحكم أو نفس المولى، أم أن الموضوع فقط يصبح فعلياً ويوجد بوجود خارجي، فهذا محل بحث ونقاش.
ظاهر كلمات المرحوم الخوئي (بهذه القرينة أنه في مباحث الاستصحاب قائل باتحاد وعينية حقيقة الحكم الإنشائي والفعلي، ويعتبر الفرق بينهما فقط في تحقق وعدم تحقق الموضوع) يدل على أنه لا يحدث أي وضع أو حدث جديد غير التحقق الخارجي للموضوع؛ أي أن المقصود من فعلية الحكم هو خصوص فعلية ووجود خارجي للموضوع؛ وإلا فإن الحكم نفسه في نفس مرتبة الإنشاء والجعل قد وصل إلى الفعلية ووجد وجوداً خارجياً؛ ولهذا السبب، فإن اتصاف الحكم بوصف الفعلية في هذه المرتبة سيكون مجازياً ومن باب الوصف بحال المتعلق، مثل وصف زيد بـ «إن أباه قائم»؛ لأن الموضوع هو الذي يصبح فعلياً، لا الحكم.
«… وحينئذ فالحكم الإنشائي هو عين الحكم الفعلي، ولا فرق بينهما أصلاً إلا وجود الموضوع وعدمه، فإن صيرورة الحكم فعلياً بوجود موضوعه أمر قسري، وإلا فالحكم في عالم الإنشاء هو صرف الاعتبار، وفي عالم الفعلية هو صرف الاعتبار» (الجواهري، ١٤٢٨، ج ٢، ص ٢٤٩).
في المقابل، توجد تفسيرات أخرى، مثل التعريف بانقداح الإرادة التشريعية للمولى (الطاهري الأصفهاني، ١٣٨٢، ج ١، ص ٣١٠)، أو التأويل بالفاعلية والمحركية (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٢٦، ج ٢، ص ١٨١ و ١٩٤)، أو الإرجاع إلى مقام لزوم الإجراء للقانون (مؤمن القمي، ١٤١٩، ج ٢، ص ٣٧).
تتطلب دراسة وتحليل التعاريف المذكورة مجالاً آخر؛ ولكن في هذا البحث يمكن الادعاء بأنه في مرحلة الفعلية، مع تحقق فعلية الموضوع، يدخل الحكم التكليفي في ذمة المكلف؛ كما يلتزم الفقهاء في مقام العمل والفتوى بهذا المعنى من الفعلية؛ أي بعد أن يتحقق موضوع الحكم الإنشائي (الذي كان مفروض الوجود) في الخارج ويصبح فعلياً، يصبح الحكم الإنشائي أيضاً فعلياً في حق المكلفين، ويستقر، ولا يكون لعلم وجهل المكلف أي تأثير في فعلية الحكم؛ ولكن في حالة الجهل بالحكم، لن يصل ذلك الحكم الشرعي إلى مرحلة التنجز، وفي النهاية سيكون المكلف الجاهل معذوراً في عدم الامتثال. على سبيل المثال، يجد حكم وجوب الصلاة فعليته ويستقر في ذمة المكلف عندما يتحقق الموضوع بجميع قيوده (أي وجود مكلف عاقل بالغ قادر، مع قيد دخول الوقت) في الخارج؛ حتى لو كان هذا المكلف جاهلاً أو كافراً (بناءً على قاعدة أن الكفار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالأصول). بناءً على ذلك، إذا كان ذلك الحكم الفعلي من الواجبات التي لها قضاء، فبناءً على القاعدة يجب على المكلف بعد حصول العلم أو بعد تشرفه بالإسلام، بأي طريقة كانت، أن يبرئ ذمته ويقضي ما فاته، لأنه كان مستقراً في ذمته؛ إلا إذا وجد نص خاص مثل حديث الرفع أو قاعدة الجب؛ أي نصوص خاصة دالة على أن «الإسلام يجب ما قبله»، والتي بمقتضاها، إذا أسلم الكافر، لا يلزمه قضاء صلاته وصيامه؛ مع أن حكم وجوب الصلاة والصيام كان فعلياً ومستقراً في حقهم؛ بخلاف غير البالغ أو غير المستطيع (بالنسبة لوجوب الحج) أو الغافل (بناءً على واقعية الرفع في سائر فقرات حديث الرفع)، حيث لم يصبح أي تكليف فعلياً ومستقراً في حقهم أصلاً. وقد اختار المرحوم الشاهرودي هذا المعنى للفعلية:
«… مرتبة الفعلية عبارة عن تحقق الحكم بنحو وجودي يترتب على وجود الموضوع الذي وجد بجميع أجزائه وقيوده. وميزة هذه المرتبة هي أن موضوع حكم الشارع بوجوب القضاء يكون؛ ولهذا السبب، بما أن موضوع وجوب القضاء هو «فعلية الحكم بمجرد فعلية الموضوع» وليس من الضروري تنجز الحكم، يتضح وجه وجوب قضاء الصلاة الفائتة حتى على أمثال فاقد الطهورين أو الشخص النائم في جميع الوقت أو الغافل في جميع الوقت، [مع أن وجوب الصلاة لم يكن منجزاً في حق هؤلاء الأفراد]؛ لأنه في هذه الحالات الثلاث، موضوع الحكم أي «البالغ العاقل» قد تحقق بالكامل في الخارج، وبالتالي وصل وجوب الصلاة أيضاً إلى الفعلية» (الحسيني الشاهرودي، ١٣٨٥، ج ١، ص ٢٥٨).
٤. نقد فرضية تعدد مراتب الحكم التكليفي
من التوضيحات السابقة، اتضح أنه في بحث تعدد المراتب، يجب تحرير محل النزاع بهذا الشكل: هل يمكن اعتبار المراحل المذكورة للحكم مراتب وجودية له أيضاً؟
بالتوضيح الذي مر حول تعبير «المراتب»، تبين أنه لتصحيح صدق المراتب الوجودية على مراحل الحكم، إما يجب إثبات أن نسبة الحكم إلى المراحل تشبه نسبة النور إلى المصاديق، أو تشبه المسار التكاملي والمادي من النطفة إلى الإنسان؛ بحيث أن كل مرحلة من مراحل الحكم، شبيهة بمراحل نمو الجنين، لها حقيقة وخارجياً حظ من الوجود الخارجي للحكم.
بناءً على ذلك، للوصول إلى صحة أو خطأ تطبيق المراتب على مراحل الحكم، يجب أن نبدأ من دراسة الإمكان في نفس ماهية الحكم، ونثبت ما إذا كانت حقيقة الحكم أساساً قابلة لتعدد الوجود الخارجي بعدد المراحل، أم أنها بحيث لا يمكن أن يكون لها إلا مرحلة واحدة كظرف وجودي؟
يستدل المرحوم البروجردي لنفي تعدد المراتب بأن الحقيقة الوجودية للحكم ليست مشككة، ولإثبات عدم كونها مشككة، دون أن يدرس نفس حقيقة الحكم، يدرس مراحل الحكم، وبإثبات أن بعض المراحل خالية من أي نوع من وجود الحكم (حتى الوجود الضعيف أو الناقص)، يستنتج أن الحكم الكلي ليس مشككاً؛ لأنه لصدق الكلي المشكك، يجب أن تكون نسبة الحكم إلى المراحل نسبة الكلي إلى الفرد (البروجردي، ١٤١٥، ص ٣٩٥). ظاهراً، مقصوده من عدم كون الحكم مشككاً هو التشكيك بمعنى الوجود التدريجي الذي يقابل الأمر البسيط والدفعي الوجود، لا التشكيك مقابل المتواطئ؛ لأن نتيجة استدلاله القائمة على خلو بعض المراحل من وجود الحكم، هي أن ماهية الحكم أساساً خارجة عن مقسم التشكيك والتواطؤ، بالإضافة إلى أن علاقة الحكم بالمراحل ليست على نحو الكلي المشكك، ولن تكون على نحو الكلي المتواطئ أيضاً.
على أي حال، باعتقاد الكاتب، كما أشار المرحوم البروجردي لأول مرة (وستأتي توضيحاته في القسم التالي)، فإن كون الحكم ذا مراتب (بكل من المصطلحين الخاص والعام للتشكيك) محال ثبوتاً وعقلاً. أما وفقاً للمصطلح الفلسفي للتشكيك، فمن الواضح أن ليس فقط الصياغة الظاهرية للحكم (وهي اعتبار البعث أو اعتبار الفعل على الذمة) ليست مشككة فلسفياً، بل حقيقة وروح الحكم، أي إرادة وطلب المولى النفساني، ليست مثل حقيقة النور ليكون وجه امتياز مراحله يعود إلى الشدة والضعف في وجه الاشتراك؛ لأن اعتبار مراحل الحكم تشكيكية لا يخالف فقط ارتكاز عرف المشرعين، بل لا يوجد له مؤيد عقلي أيضاً.
قد يُستشهد لإثبات كون الإرادة التشريعية مشككة بتفاوت الوجوب والاستحباب؛ لأن تغاير الوجوب والندب ناتج عن الاختلاف في شدة وضعف الإرادة التشريعية للمولى؛ ولكن من الواضح أن هذا الاستشهاد خارج عن موضوع البحث؛ لأن الادعاء ليس أن صدق الإرادة والطلب على الأفراد الوجوبية والندية مشكك، بل موضوع البحث هو ما إذا كان صدق كل من هاتين الإرادتين الشديدة والضعيفة على مراحلها (التي تشمل من الاقتضاء إلى التنجز) على نحو مشكك؟
أما وفقاً للمصطلح العام للتشكيك (وهو أن تكون مراحل الحكم علامة على التدرج الوجودي للحكم)، فمن الواضح أن ماهية الحكم وفقاً لكلا المذهبين (الاعتبار والتكوين) أمر دفعي الوجود؛ لأن الوجودات الاعتبارية لا تتحقق بشكل تدريجي (بل الأمر الاعتباري قبل اعتبار المولى عدم محض، وبعد الاعتبار، بمجرد الاعتبار يوجد بشكل دفعي وكامل)، ولا انقداح الإرادة التشريعية أو إبراز الإرادة يحدث بشكل تدريجي (بل يحدث بشكل دفعي، في نفس المولى أو في الخارج).
بناءً على ذلك، يتضح أن أصل ماهية الحكم ليس محفوظاً ومتحققاً في جميع المراحل المذكورة، ولا ينبغي اعتبار كل مرحلة علامة على مصاديق أو وجودات خارجية يجب أن تبدأ من وجود ضعيف وناقص لتصل إلى وجودات أخرى وأكمل؛ بل ماهية الحكم تتحقق فقط في مرحلة واحدة بشكل كامل ودفعي، ولا يبقى فيها من حيث الوجود نقص أو ضعف ليحتاج إلى أن يكتمل أو يرمم في المراحل التالية؛ بحيث أن أول وجود للحكم مساوٍ لآخر وجود له. أما باقي المراحل، فإما هي في سلسلة علل ومبادئ الحكم، أو هي في رتبة معاليل ولوازم الحكم.
في النهاية، يمكن طرح هذا الادعاء أيضاً: بما أنه لم يتم التمييز بين المراحل والمراتب في كلمات الأصوليين، فليس من المستبعد أن يكون النزاع المذكور أساساً لفظياً وناشئاً فقط من سوء الفهم أو سوء التعبير.
منشأ بحث وحدة وتعدد مراتب التكليف هو تعابير استخدمها المحقق الخراساني في كتابي فوائد الأصول ودرر الفوائد. فهو في توضيح مراحل الحكم، يستخدم تعبير «المراتب الوجودية» الذي له تعريف خاص وفقاً للمصطلحات الفلسفية (الخراساني، ١٤٠٧، ص ٨١ و ١٤١٠، ص ٧٠). وقد استظهر المتأخرون (خاصة المحقق الأصفهاني) بحمل تعبير «المراتب الوجودية» على معناه المصطلح، أن مقصود المرحوم الآخوند هو أن لوجود الحكم مساراً تكاملياً؛ أي أنه في نفس مرحلة الملاكات، يجد حظاً من الوجود، وهذا الوجود يتقوى على طول المراحل حتى يصل إلى كماله في المرحلة الأخيرة (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٧)؛ بينما من المحتمل جداً أن يكون مقصود المحقق الخراساني هو نفس المراحل التي توجد بإجماع الجميع في عملية التشريع. ولهذا الاستظهار شاهدان ومؤيدان:
المؤيد الأول هو أن المحقق الخراساني نفسه في حاشية الرسائل، في توضيح مرتبة الاقتضاء، يصرح بعدم التحقق الخارجي للحكم:
«فاعلم أن الحكم بعد ما لم يكن شيئاً مذكوراً يكون له مراتب من الوجود: (أولها) أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل بموجود أصلاً» (الخراساني، ١٤١٠، ص ٧٠).
وقد احتمل المحقق الأصفهاني أيضاً أن يكون مقصود المرحوم الآخوند من مرتبة الاقتضاء، كما صرح في درر الفوائد، مرتبة لا يكون للحكم فيها وجود خارجي بأي نحو وجودي؛ بل هي مجرد من مبادئ ثبوت الحكم (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٥).
المؤيد الثاني هو أن جميع الأهداف التي يطرحها المحقق الخراساني، بل وحتى سائر الأصوليين، من بحث تعدد المراتب (مثل حل مشكلة أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، أو حل شبهة جمع الحكم الواقعي والظاهري)، قابلة للوصول بالالتزام بتعدد المراحل أيضاً، ولا حاجة للالتزام بتعدد المراتب بالإضافة إلى تعدد المراحل.
٥. تحديد الظرف الوجودي للحكم
بعد إثبات أن مراحل الحكم المتعددة لا يمكن اعتبارها مراتب للحكم، حان الوقت لتحديد أي من المراحل المذكورة تُعتبر المرتبة الواقعية والظرف الوجودي للحكم.
يبدو أن خروج مرحلتي الاقتضاء والتنجز من المرتبة الوجودية للحكم واضح، والجميع متفقون أساساً على أن واقع الحكم لا يتحقق في أي من هاتين المرحلتين؛ لأنه كما أشار المحقق النائيني، التنجز من الآثار واللوازم العقلية المترتبة على حكم المولى (النائيني، ١٣٥٢، ج ٢، ٧٤). ولهذا السبب، لا يمكن أن يكون داخلاً في حقيقة الحكم ومن مراتب وجوده؛ لأن الحكم بناءً على أي مذهب ومبنى، هو ما يكون إيجاده في يد وسيطرة الشارع؛ بينما مرحلة التنجز أمر جعلي أو إرادي ليست؛ بل هي مرتبطة بحكم العقل وخارجة عن سيطرة الشارع، وبتعبير واضح من المرحوم البروجردي، التنجز من آثار وعوارض العلم بالحكم، لا من مراتب نفس الحكم.
«وأما التنجز … ليس صدقه من جهة صيرورة الحكم في مرتبته قوياً، بل من جهة مقارنة الحكم لأمر خارج عن حقيقته أعني العلم وما يقوم مقامه» (البروجردي، ١٤١٥، ص ٣٩٥).
أما في مرحلة الاقتضاء، فبمقتضى ارتكاز عرف المشرعين، لا يتحقق الحكم والقانون بأي نوع من الوجود؛ بل هو في النهاية يمتلك شأنية واستعداد الوجود، دون أن يجد حتى مثل النطفة حظاً من الوجود. لذلك، فإن تسمية هذه المرحلة بالحكم الاقتضائي أو الشأني تحتاج إلى درجة عالية من التسامح.
بالإضافة إلى ذلك، بناءً على توضيح المرحوم البجنوردي، فإن اعتبار مرحلة الاقتضاء مرتبة وجودية للحكم، وفقاً لمذهب الاعتبار، يواجه إشكالاً آخر؛ لأنه إذا كانت هذه المرحلة من مراتب وجود الحكم، فيلزم أن تُعد من المجعولات الشرعية؛ بحيث يجعل الشارع أولاً الحكم الاقتضائي ثم يكمله بالمراحل التالية؛ مع أن هذه المرحلة بناءً على مذهب العدلية أمر تكويني وعبارة عن اقتضاء جعل الحكم، لا جعل الحكم الاقتضائي (البجنوردي، ١٣٨٠، ج ٢، ص ٧١). كما أورد صاحب العروة إشكالين نقضيين على القول بكون الاقتضاء مرتبة وجودية:
أولاً، الأشاعرة، مع أنهم ينكرون مرحلة الاقتضاء وتبعية الأحكام للمصالح النفس الأمرية، يعتبرون حقيقة وجود الحكم التكليفي كما يقبلها العدلية، ولا يختلفون إلا في سلسلة من المقدمات والشروط. من هنا يمكن استنتاج أن مرحلة الاقتضاء ليست داخلة في وجود وقوام حقيقة الحكم التكليفي؛ وإلا لكان يجب أن يكون سنخ وحقيقة الحكم عند الأشاعرة مختلفاً عن حقيقة الحكم عند العدلية. ثانياً، إذا تغاضينا عن مذهب الأشاعرة، فحتى بناءً على مذهب العدلية، فإن مرحلة الاقتضاء من مقدمات وجود الحكم، لا من مراتب وجوده؛ لأنه ليس كل مقدمة وجودية لشيء تُحسب مرتبة وجودية لذلك الشيء أيضاً؛ وإلا [فإن مرحلة الاقتضاء سهلة] يجب أن يُحسب وجود الشارع المقدس نفسه [الذي هو من مقدمات وعلل وجود الحكم] من مراتب وجود الحكم (اليزدي، ١٤٢٦، ج ٣، ص ٤٦).
بالطبع، يجب اعتبار الإشكال الأول له في حد المؤيد؛ لأنه لا يوجد مانع من الالتزام بالنقض المدعى، ويمكن الالتزام بأن نزاع الأشاعرة والعدلية ناظر إلى أصل ماهية الحكم؛ ولكن الإشكال الثاني – الذي ورد بشكل آخر في كلمات المحقق الأصفهاني – وارد قطعاً؛ لأنه على الرغم من أن علية الشارع المقدس من نوع العلة الفاعلية وعلية المصالح والمفاسد من سنخ العلة الغائية، فكما أن العلة الفاعلية لا يمكن أن تدخل في وجود الحكم، فإن العلة الغائية (أي ذو الغاية) لا يمكن أن تدخل في المرتبة الوجودية لذات الغاية؛ إلا إذا اعتبرنا ملاك الحكم علة مادية للحكم. التوضيح: في العلة المادية، يكون المعلول في نفس مرتبة وجود العلة، متصفاً بنوع من الوجود؛ مثل الإنسان الذي في نفس مرحلة وجود النطفة له وجود خارجي، ولكن في حد النطفة.
ولكن كما أشار المحقق الأصفهاني، فإن اعتبار الملاك علة مادية يخالف الوجدان؛ لأنه ليس الأمر أن الملاك بدون تدخل الجاعل، إذا سار في مساره المادي والطبيعي، يصبح مجعولاً ويظهر في صورة حكم (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢٤).
بناءً على ذلك، من بين المراحل الأربع، ما هو محل البحث هو مرحلتا الإنشاء والفعلية، اللتان في باب الاستصحاب وباتباع المحقق النائيني تسميان «مرحلة الجعل والمجعول» (النائيني، ١٣٧٦، ج ٤، ص ٣٩٨).
مر سابقاً أن مشهور الأصوليين يعتبرون مرحلة الإنشاء ظرفاً وجودياً للحكم. في المقابل، يدعي المحقق النائيني بناءً على نقل تقريرات فوائد الأصول أن واقع الحكم يتحقق فقط في مرحلة الفعلية. بالطبع، المرحوم الخوئي أيضاً في تقريراته، مثل رأي المشهور، يعتقد أن الحكم الواقعي في نفس مرحلة الإنشاء، قد وجد وجوداً اعتبارياً بالكامل وبيد الشارع المقدس، ويأخذ اسم الحكم الإنشائي، ولا يترك الشارع المقدس بعد مرحلة الإنشاء والصدور عملاً متبقياً ليريد إكماله في مرحلة الفعلية (النائيني، ١٣٥٢، ج ١، ص ٢٧؛ الحلي، ١٤٣٢، ج ١٢، ص ٩).
للإجابة على هذا السؤال، هل يمكن أن تكون مرحلة الإنشاء هي المرتبة الواقعية والظرف الوجودي للحكم، من الضروري دراسة المباني الموجودة في ماهية الإنشاء. بناءً على تقرير صاحب منتقى الأصول (الروحاني، ١٤١٣، ج ١، ص ١٢٣)، توجد أربع وجهات نظر في ماهية «الإنشاء»:
وجهة النظر الأولى: الإنشاء هو واسطة في ثبوت المعنى أو هو نفس الإيجاد الاعتباري للمعنى. إنشاء الحكم بهذا المعنى هو أن الشارع المقدس، ذلك المفهوم الذي تصوره وصدّق بفائدته سابقاً (وهو إما مفهوم إلزامي، مثل يجب ولا يجب في موارد الوجوب والحرمة، أو مفهوم قيمي، مثل حسن وقبيح في موارد الاستحباب والكراهة)، يخلقه ويوجده بواسطة التلفظ واستخدام اللفظ في ذلك المفهوم أو بأي وسيلة أخرى؛ ولكن على نحو الوجود الاعتباري وفي فضاء الاعتبارات الافتراضي، لا على نحو الوجود الخارجي وفي العالم الخارجي (اليزدي، ١٤٢٦، ج ٣، ص ١٣٧).
وجهة النظر الثانية: واسطة في الإثبات وإبراز المعنى. الإنشاء هو مجرد إبراز وإظهار الأمر النفساني الموجود في ذهن المتكلم، عن طريق استعمال الكلام الدال عليه، أو بأي طريقة ممكنة أخرى؛ سواء كان ذلك الأمر القلبي والنفساني من نوع الأحاسيس الداخلية والأوصاف الحقيقية النفسانية (مثل التمني والاستفهام، أو الطلب والإرادة)، أو كان اعتباراً نفسانياً، (مثل اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف) (البروجردي النجفي، ١٤١٧، ج ١، ص ٥٨).
وجهة النظر الثالثة: واسطة في عروض الوجود على المعنى. المراد من الإنشاء هو الإيجاد اللفظي للمعنى، لا الإيجاد الاعتباري له؛ لأن إنشاء معنى هو استعمال اللفظ في معنى، بهذا القصد والغرض أن يجد ذلك المعنى في العالم الخارجي وجوداً لفظياً. ومن جهة أخرى، الإيجاد اللفظي للمعنى هو إيجاد تكويني وخارجي، لا إيجاد اعتباري؛ لأن الوجود اللفظي هو وجود خارجي وتكويني ومن مقولة الكيف المسموع (الأصفهاني، ١٤٢٩، ج ١، ص ٢٧٤).
وجهة النظر الرابعة: الإنشاء التسبيبي. أي إيجاد المعنى في موطن الإنشاء، بداعي تسبيب تحقق المعنى في عالم الاعتبار؛ كما أن إنشاء المعاملة فعل تسبيبي للعقلاء، والشارع المقدس لا دور له (غير الإمضاء أو الرد). كذلك، إنشاء الحكم التكليفي هو فعل تسبيبي للعقلاء، والشارع المقدس هنا، غير الإنشاء المحض للحكم [بدون حصول حكم اعتباري] الذي يكون بداعي التسبيب وتمهيد طريق تحقق الاعتبار للعقلاء، لا يقوم بدور آخر؛ لأن الحكم وإن كان أمراً اعتبارياً، فهو من نوع الاعتبار العقلائي، لا الاعتبار الشرعي؛ كما أن المعاملات من سنخ الاعتبارات العقلائية. وهذا الاعتبار العقلائي مشروط بتقدم إنشاء الشارع والتحقق الخارجي للموضوع (الروحاني، ١٤١٣، ج ١، ص ١٣٠).
وفقاً لمذهب التكوين (الذي يعتبر ماهية الحكم إبرازاً للإرادة التشريعية)، إذا اخترنا في تعريف الإنشاء وجهة النظر الثانية، أي إبراز المعنى (كما يلتزم المحقق العراقي بكليهما)، فسيكون بالضرورة نفس مرحلة الإنشاء موطن تحقق الحكم. وفي غير هذه الصورة، يجب البحث عن موطن الحكم في مرحلة أخرى، أي مرحلة الصدور والإبلاغ.
وفقاً لمذهب الاعتبار (أي كون ماهية الحكم اعتبارية)، لا يمكن اعتبار مرحلة الإنشاء ظرفاً وجودياً للحكم إلا إذا اعتبرنا الإنشاء أمراً اعتبارياً أيضاً. وفي غير هذه الصورة، يجب النظر في وعاء آخر للحكم.
بهذه التوضيحات، يتضح أن واقع الحكم يتشكل قبل تحقق الموضوع وفي رتبة سابقة على مرحلة الفعلية. يعتقد المحقق النائيني في تقريرات فوائد الأصول أن واقع الحكم التكليفي يتحقق فقط في مرحلة الفعلية وبعد التحقق الخارجي للموضوع، وفي مرحلة الإنشاء، يحدث مجرد إنشاء للحكم، ولا يوجد نفس الحكم بأي نحو وجودي.
«والحاصل أنه فرق بين إنشاء الحكم وبين الحكم الإنشائي، والذي تتكفله القضايا الحقيقية الشرعية إنما هو إنشاء الحكم … فتحصل أنه ليس قبل تحقق الموضوع شيء أصلاً حتى يسمى بالحكم الإنشائي في قبال الحكم الفعلي، … بل الحكم هو عبارة عما يتحقق بتحقق موضوعه، وهذا هو الذي أنشأ أزلاً قبل خلق عالم وآدم، فلو فرض أنه لم يتحقق في الخارج عاقل بالغ مستطيع فلم يتحقق حكم أيضاً أصلاً» (النائيني، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٥).
تستند وجهة النظر هذه إلى تحليل لماهية الحكم الاعتباري. التوضيح: بناءً على مذهب الاعتبار، حول حقيقة الحكم الاعتباري، يروي المرحوم الروحاني نظريتين (الروحاني، ١٤١٣، ج ٦، ص ١٩٦):
١. الحكم الشرعي هو اعتبار مولوي مطلق؛ أي أن الشارع في عالم الاعتبار وبمجرد فرض وتصور تحقق الموضوع، يعتبر البعث أو اعتبار جعل الفعل، على الرغم من أن موضوع هذا الاعتبار لم يتحقق بعد في الخارج. بالطبع، فعلية أو بتعبير آخر فاعلية هذا الاعتبار واستقراره في ذمة المكلف منوطة ومشروطة بالتحقق الخارجي للموضوع.
٢. الحكم الشرعي هو اعتبار عقلائي مشروط بتقدم إنشاء الشارع والتحقق الخارجي للموضوع؛ أي أنه يجب أولاً أن ينشئ الشارع المقدس في موطن الإنشاء (الذي يُفترض أنه غير عالم الاعتبار) معنى بداعي البعث والتحريك، لكي يعتبر العقلاء أصل الحكم في عالم الاعتبار. وهذا الاعتبار العقلائي بالإضافة إلى تقدم إنشاء الشارع، مشروط بتحقق الموضوع في الخارج أيضاً. ولهذا، ما لم يوجد إنشاء الشارع وما لم يتحقق موضوع الحكم بجميع قيوده، فلن يعتبر أي حكم ولن يوجد.
بناءً على وجهة النظر الثانية، إسناد جعل الحكم إلى الشارع مجازي؛ لأن الحكم نفسه ليس مجعولاً مباشراً للشارع؛ بل الشارع جعل فقط شرط ومقدمة اعتبار الحكم.
يؤكد المحقق النائيني (بناءً على تقرير فوائد الأصول) خلافاً لمشهور الأصوليين على وجهة النظر الثانية. بناءً على الفرضيات المسبقة لوجهة النظر الثانية، التي تعتبر إنشاء الشارع المقدس مجرد إنشاء تسبيبي، وماهية الحكم اعتباراً عقلائياً مشروطاً بتحقق الموضوع، من الواضح أنه في مرحلة الإنشاء، لن يتحقق أي نوع من الحكم حتى باسم الحكم الإنشائي، بأي نحو وجودي، وسيوجد فقط بعد تحقق الموضوع.
لكن كلتا الفرضيتين المسبقتين قابلتان للنقاش:
إشكال الفرضية الأولى هو أن كون عمل الشارع المقدس إنشاءً تسبيبياً يخالف الارتكاز العرفي؛ لأن ظاهر كون الحكم اعتبارياً ومناسباً لتأسيسية الأحكام (بخلاف المعاملات التي هي إمضائية) هو أن الشخص المعتبر هو الشارع المقدس نفسه، وزمام الجعل ووضع الأحكام بيده مباشرة، دون أن يكون للآخرين أي تدخل.
إشكال الفرضية الثانية هو أن مشروطية اعتبار الحكم تخالف مقتضى اعتبار جعل الأحكام قضية حقيقية؛ لأنه في القضايا الحقيقية، في حين الجعل والاعتبار، تُلحظ الموضوعات على نحو مفروض الوجود؛ بينما وفقاً للاشتراط المذكور، يجب أن يتحقق الموضوع بالفعل حين الاعتبار.
الخلاصة النهائية
يمكن تلخيص ما سبق في نتيجتين:
النتيجة الأولى: إذا كان المقصود من مراتب الحكم هو مراحل الحكم، فمن الواضح أنه لا يمكن تصديق إنكار التعدد، وإذا كان المقصود هو المراتب الوجودية المصطلحة، فلا ينبغي الشك في إنكار التعدد.
النتيجة الثانية: بناءً على جميع المباني الموجودة في تحليل ماهية الحكم والإنشاء، يجب اعتبار ثلاث مراحل (الاقتضاء والفعلية والتنجز) خارجة عن ماهية التكليف، والبحث عن الظرف الوجودي للحكم في مرحلة الإنشاء أو الإبراز. فقط بناءً على الفرضيات المسبقة غير الصحيحة للمحقق النائيني (الواردة في تقريرات فوائد الأصول) يتحقق واقع الحكم في مرحلة الفعلية.
المصادر
١. الأصفهاني النجفي، محمد باقر (١٤٢٧هـ). شرح هداية المسترشدين، الطبعة الأولى، قم: عطر عترت.
٢. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية، الطبعة الثانية، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٣. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٦هـ). الفوائد الأصولية، الطبعة الأولى، طهران: شمس تبريزي.
٤. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨هـ). فرائد الأصول، الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٥. الإيرواني، علي (١٤٢٢هـ). الأصول في علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: دفتر تبليغات إسلامي.
٦. الآشتياني، محمد حسن (١٣٨٨ش). بحر الفوائد في شرح الفرائد، الطبعة الأولى، قم: ذوي القربى.
٧. الآملي، ميرزا هاشم (١٣٧٠هـ). بدائع الأفكار، الطبعة الأولى، النجف الأشرف: المطبعة العلمية.
٨. البجنوردي، السيد حسن (١٣٨٠ش). منتهى الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة العروج.
٩. البروجردي النجفي، محمد تقي (١٤١٧هـ). نهاية الأفكار، الطبعة الثالثة، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
١٠. البروجردي، السيد حسين (١٤١٥هـ). نهاية الأصول، الطبعة الأولى، قم: نشر تفكر.
١١. جوادي آملي، عبد الله (١٣٩٣ش). رحيق مختوم، الطبعة الأولى، قم: مركز نشر إسراء.
١٢. الجواهري، محمد تقي (١٤٢٨هـ). غاية المأمول، الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
١٣. الحسيني الحائري، السيد كاظم (١٤٠٨هـ). مباحث الأصول، الطبعة الأولى، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
١٤. الحسيني الشاهرودي، السيد محمود (١٣٨٥ش). نتائج الأفكار في الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل مرتضى.
١٥. الحسيني الميلاني، السيد علي (١٤٢٨هـ). تحقيق الأصول، الطبعة الثانية، قم: الحقائق.
١٦. الحلي، حسين (١٤٣٢هـ). أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة.
١٧. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٧هـ). فوائد الأصول، الطبعة الأولى، طهران: وزارة الإرشاد.
١٨. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ). كفاية الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
١٩. الخراساني، محمد كاظم (١٤١٠هـ). درر الفوائد في حاشية على الفرائد، الطبعة الأولى، طهران: وزارة الإرشاد.
٢٠. الخميني، السيد روح الله (١٣٨٢ش). تهذيب الأصول، الطبعة الأولى، قم: دار الفكر.
٢١. الخميني، السيد روح الله (١٤١٥هـ). أنوار الهداية، الطبعة الثانية، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
٢٢. الخميني، السيد روح الله (١٤١٥هـ). مناهج الوصول إلى علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
٢٣. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤٢٢هـ). محاضرات في أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار السيد الخوئي.
٢٤. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤٢٢هـ). مصباح الأصول، الطبعة الأولى، قم: مكتبة الداوري.
٢٥. الرشتي، ميرزا حبيب الله (بلا تاريخ). بدائع الأفكار، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٢٦. الروحاني، السيد محمد (١٤١٣هـ). منتقى الأصول، الطبعة الأولى، قم: دفتر آية الله روحاني.
٢٧. الشاكري، بلال (١٣٩٥ش). «بازخوانی نقش حقیقت حکم شرعی در کشف مراتب آن»، جستارهای فقهی و اصولی، السنة الثانية، العدد الثاني، ص ٣٥ – ٥٥.
٢٨. الصدر، السيد محمد باقر (١٤٠٥هـ). دروس في علم الأصول، الطبعة الأولى، بيروت: دار المنتظر.
٢٩. الطاهري الأصفهاني، السيد جلال الدين (١٣٨٢ش). المحاضرات، الطبعة الأولى، أصفهان: انتشارات مبارك.
٣٠. الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم (١٤٢٦هـ). حاشية فرائد الأصول، الطبعة الأولى، قم: دار الهدى.
٣١. الموسوي القزويني، السيد علي (١٢٩٩هـ). الحاشية على قوانين الأصول، الطبعة الأولى، قم: مطبعة حاجي إبراهيم تبريزي.
٣٢. المؤمن القمي، محمد (١٤١٩هـ). تسديد الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٣٣. النائيني، محمد حسين (١٣٥٢ش). أجود التقريرات، الطبعة الأولى، قم: مطبعة العرفان.
٣٤. النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش). فوائد الأصول، الطبعة الأولى، قم: انتشارات جامعة مدرسين.
٣٥. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (١٤٢٦هـ). بحوث في علم الأصول، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
٣٦. اليزدي، السيد محمد كاظم (١٤٢٦هـ). حاشية فرائد الأصول، الطبعة الأولى، قم: دار الهدى.