العقلانية والنصانية في التشيع: دراسة مقارنة لآراء الشيخ الصدوق والشيخ المفيد

الملخص: مع بداية غيبة الإمام الثاني عشر، بدأت فترة الحيرة في المجتمع الشيعي. فمن جانب، واجه المجتمع الشيعي تساؤلات داخلية، ومن جانب آخر، واجه الشيعة شبهات وتساؤلات من فرق ومذاهب أخرى، وخاصة الزيدية والمعتزلة. وفي ظل هذا الفضاء الفكري، شكّلت مدرستان، قم وبغداد، بمنهجين نصي وعقلاني، منظومتين معرفيتين شيعيتين. وفي ضوء أزمات فترة الحيرة، سعى الشيخ الصدوق والشيخ المفيد من خلال ابتكاراتهما ضمن هذين المنهجين النصي والعقلاني، إلى إخراج المجتمع الشيعي من هذه الأزمة. وبناءً على ما ذُكر، يحاول هذا البحث الإجابة عن السؤال التالي: في دراسة مقارنة، ما هي مكانة العقل في منظومة معارف مدرسة بغداد العقلانية ومدرسة قم النصّانية؟ وما هي ابتكارات الشيخ الصدوق والشيخ المفيد في مكانة العقل؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، سنسعى لإظهار أن مكانة العقل في المعارف الشيعية، وتشكيل النصّانية والعقلانية في مدرستي قم وبغداد بعد عصر غيبة المعصوم، لم تواجه فجوة عميقة كما حدث في كلام وفقه أهل السنة بمنهجي الأشاعرة والمعتزلة، وذلك بسبب تعاليم أهل البيت. وبعد بداية عصر الغيبة وحاجة المجتمعات الشيعية في هذا العصر، قام الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، بابتكاراتهما في علم الحديث وعلم الكلام، بتنمية مكانة العقل في المعارف الشيعية، وانتقلت تأثيراتها من علم الحديث إلى علم الكلام، ثم إلى الفقه وأصول الفقه، وأصبح العقل دليلاً رابعًا في الفقه.

طرح المسألة

من أهم المسائل التي شغلت العلماء والباحثين في العالم الإسلامي منذ القدم حتى الآن هي مسألة العقل والنص، والتي أدت إلى ظهور توجهات متعددة بين الشيعة وأهل السنة. وفي هذا الصدد، يجب الانتباه إلى أنه بسبب تعاليم أهل البيت الأطهار النقية، يختلف طبيعة البحث في العقل والنص في العالم الشيعي عن أهل السنة. ففي العالم الشيعي، وفي الفترة الأولى من القرون الثلاثة، لم نشهد فجوة أو انقسامًا عميقًا في مسألة العقل والنص بسبب وجود الإمام المعصوم. ولكن بعد بداية فترة الغيبة، واجهت المجتمعات الشيعية من جهة أزمة عدم حضور الإمام المعصوم، ومن جهة أخرى تدفقت أمواج فكرية مختلفة من ثقافات متنوعة إلى العالم الإسلامي، وكان على المجتمع الشيعي أن يجيب على الشبهات والأسئلة المطروحة. في هذه الفترة، نما علم الكلام بشكل منهجي، وظهرت تأثيراته في العلوم الشيعية الأخرى، وخاصة الفقه. وأهم بحث في هذه الفترة هو مكانة العقل في المنظومة الفكرية الشيعية، والذي تجلى في اتجاهين: العقلانية والنصانية، في مدرستي بغداد وقم.

وفيما يتعلق بالمدرسة النصانية التي تأسست في قم، يُعد الشيخ الصدوق من الشخصيات المؤثرة والمهمة، ويُعرف بأنه آخر شخصية بارزة في مدرسة قم. وفي المقابل، كان لمدرسة بغداد، بعلمائها مثل النوبختي والشيخ المفيد والسيد المرتضى، رؤية مختلفة لمكانة العقل في المنظومة الفكرية المعرفية الشيعية. ويسعى البحث الحاضر، مع التركيز على هذا السؤال: في دراسة مقارنة، ما هي مكانة العقل في منظومة معارف مدرسة بغداد العقلانية ومدرسة قم النصانية؟ وما هي ابتكارات الشيخ الصدوق والشيخ المفيد في مكانة العقل؟ إلى دراسة مكانة العقل في المعارف الشيعية بعد بداية عصر الغيبة، وإظهار أن مكانة العقل في المعارف الشيعية لم تسلك طريق الإفراط والتفريط، خلافاً لأهل السنة. والإجابة الأولية على السؤال الحالي هي أن مكانة العقل في المعارف الشيعية، وتصنيف النصّانية والعقلانية في مدرستي قم وبغداد بعد عصر غيبة المعصوم، لم تواجه فجوة عميقة كما حدث في كلام وفقه أهل السنة بمنهجي الأشاعرة والمعتزلة، وذلك بسبب تعاليم أهل البيت. وبعد بداية عصر الغيبة وحاجة المجتمعات الشيعية في هذا العصر، قام الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، بابتكاراتهما في علم الحديث وعلم الكلام، بتنمية مكانة العقل في المعارف الشيعية، وانتقلت تأثيراتها من علم الحديث إلى علم الكلام، ثم إلى الفقه وأصول الفقه، وأصبح العقل دليلاً رابعاً في الفقه.

المفاهيم: العقل

العقل كلمة عربية على وزن (فعل) من المصدر عقل يعقل. وقد اعتبر اللغويون العرب «الحجر» و«النهي» مرادفين للعقل، وبعضهم اعتبر «الحمق» وآخرون «الجهل» متضادين له. يمكن تقسيم المعاني المذكورة في كتب اللغة العربية لهذه الكلمة إلى فئتين: الفئة الأولى تشمل «المنع»، «النهي»، «الإمساك»، «المنع»، و«الحفظ». أما الفئة الثانية فتتكون من «الربط»، «النسبة»، و«الربط». وبناءً عليه، بما أن المشتقات المتعددة المذكورة في كتب اللغة ترتبط بأحد المعنيين المذكورين أعلاه، يمكن اعتبار هذين المعنيين المعاني الأساسية لكلمة العقل، والتي تكمن بطريقة ما في كل مشتق من مشتقاتها. (خسرو بناه وأميري، ١٣٨٨: ٣٤)

في الفلسفة، تُقابل كلمة العقل مصطلح التجريبية، وتعني أن كل أمر يتعلق بالحقائق الأساسية للعالم يمكن تفسيره بواسطة العقل. أما العقلانية في علم الكلام، فهي تقابل الإيمان، وتعني أن العقل يتقدم على الإيمان، وتُثبت جميع أصول الحقائق الدينية بناءً على العقل، لا على الإيمان. أما الاستخدام الثالث للعقلانية فهو في عصر «العقل» أو عصر التنوير. يُستخدم هذا المصطلح لوصف الرؤى الكونية والمنهجيات التي اتبعها فلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، حيث كان العقل لديهم في مواجهة الإيمان، والتقليدية الجامدة، والخرافات. وخاصةً، كان هناك تعارض مع المسيحية التقليدية. وكان المفكرون التنويريون يؤمنون بشكل جازم بقدرة العقل وكفايته في جميع المجالات المتعلقة بالحياة البشرية، سواء كانت علمية أو دينية أو أخلاقية أو سياسية أو غيرها. (الاكتفاء العقلي أو العقل المتفرد، بلا اسم، ١٣٨٢: ١٢٥-١٢٦)

العقلانية في علم الكلام في العالم الشيعي، وخاصة مع اتساع الفجوة بين الأجيال وظهور الأزمات الفكرية والعقائدية والصراعات بين الثقافات والحضارات، تدفقت أسئلة وشبهات لا حصر لها نحو المجتمعات الإسلامية، واستهدفت قلوب وعقول المسلمين الجدد. أسئلة حول وجود الله، والعدل، والقضاء والقدر، والمعاد، والنبوة، والإمامة، والتي كانت تحمل في جوهرها إضعافًا وتدميرًا للبنى التحتية الإيمانية والمعتقدات الدينية. وفي ضوء هذه الأسئلة، ازدهر علم الكلام، ومر بمراحل مختلفة في أهل السنة والشيعة، وتكونت مذاهب مختلفة. وقد سعى علم الكلام العقلي، الذي هو أساس علم الكلام الفلسفي وخصيصته الجوهرية، والذي استمد أصوله ومبادئه النظرية من منبع العقل الفلسفي ومنجزاته، إلى تنظيم وتحقيق أهداف محددة في مجال الدفاع عن تعاليم الوحي الخالدة وإزالة الشبهات عن ساحتها. وقد تميز هذا النهج الجديد بالخصائص المهمة التالية:

  1. بناء نظام معرفي مستقل عن المعتقدات المقبولة والأحكام المسبقة الذهنية الثابتة.
  2. تغيير طريقة الاستدلال، التي تشكل جزءًا أساسيًا من النظام المعرفي، من المسلمات الدينية والقضايا المشهورة والمتداولة بين عرف المسلمين إلى البديهيات العقلية والمقدمات اليقينية.
  3. الاعتقاد والثقة بالمسائل العقلية المستقلة، وهي القضايا التي تدل على الإدراك المستقل للعقل وقدرته على إدراك حقيقة الأمور.
  4. الاستفادة من نتائج ومنجزات البراهين العقلية الفلسفية في التبيين العلمي لأصول وفروع الدين.
  5. فعالية المنهج الاستدلالي في مجالات تصحيح المؤمنين وهدايتهم، وإزالة شبهات المعارضين أو الشاكين، وهداية الباحثين المتسائلين.

هذا التوجه، كونه قراءة بشرية، يتسم بالمرونة أمام تغير الظروف القديمة وظهور وجهات نظر علمية وفلسفية جديدة، ومع كل مميزاته وخصائصه، فإنه واجه تحديات متعددة إلى حد ما. (مسعودي وأستاذي، ١٣٨٩: ٤٣)

العقلانية في الفقه

العقل في الفقه والفقه السياسي الشيعي يعني العقل العملي الذي يقوم أساسًا على محور الحسن والقبح العقلي وتلازمهما مع الحكم الشرعي، لأن الفقه ينظر إلى أعمال المكلفين. وقد عرف الشيخ محمد رضا المظفر، المفكر الشيعي المعاصر، الدليل العقلي بأنه حكم العقل الذي يستلزم القطع بالحكم الشرعي. وبالتالي، فإن المقصود بالعقل في كلام المرحوم المظفر هو العقل العملي مقابل العقل النظري، والذي يعتمد على الحسن والقبح العقلي، ويقوم، بشكل مستقل أو غير مستقل، بإنتاج الحكم الشرعي في تدبير المدن والحياة السياسية الشيعية. وعندما نتحدث عن العقل كمصدر مستقل بجانب المصادر الثلاثة الأخرى في الفقه العام، فإن البحث الأساسي يدور حول ثلاثة جوانب مهمة:

  1. العقل تحت عنوان الشريعة نفسها (حجة).
  2. العقل كأداة للوصول إلى الشريعة.
  3. مكانة العقل في منطقة الفراغ.

المسائل الأصولية المتعلقة بالعقل قسمان: ١- الملاكات ومناط الأحكام (فلسفة الأحكام)، ٢- لوازم الأحكام. ولتوضيح مناط الأحكام، يجب القول إن من المسلمات الإسلامية أن الأحكام الشرعية تابعة ومنبعثة من سلسلة من المصالح والمفاسد الواقعية. هذه الحكمات على نحو لو أدركها عقل الإنسان، لحكم بما حكم به الشرع. إذا افترضنا أنه في حالة معينة لم يبلغنا أي حكم شرعي عن طريق النقل، ولكن العقل توصل بيقين وجزم إلى حكمة خاصة في صف سائر الحكمات، فإنه يكشف عن حكم الشارع. النقطة الجديرة بالملاحظة هي أنه في بعض الحالات لا يدرك العقل مناط الأحكام، ولكنه يرى أن الشارع هنا لديه حكم، فيحكم بأن هناك بالتأكيد مصلحة في الأمر، وإلا لما حكم الشارع. (عباسي تبار فيروزجاه، ١٣٨٥: ٣٢-٣٤)

باختصار، ما ذُكر في أصول الفقه الشيعي عن العقل كمصدر من مصادر الشريعة ليس العقل النظري بل العقل العملي. والمقصود بالعقل في هذا التركيب غالبًا هو الدليل العقلي وليس العقل نفسه، ولهذا اهتم معظم الفقهاء الذين طرحوا مسألة العقل بمسألة الدليل العقلي بدلاً من تعريفه. وسبب ذلك هو أن العقل كقوة فهم لا يمكن أن يكون مصدراً للحكم الشرعي، بل يُطرح كمصدر ودليل للحكم الشرعي من خلال مكتشفاته ومعارفه. (قماشي، ١٣٨٤: ٣٨ و ٣٩)

ما يهم في هذا المقال هو أن هذا الدليل العقلي في الفقه لم يُلقَ قبولًا لدى الإخباريين كالملا محمد أمين الاسترآبادي، في حين قبل إخباريون آخرون كالشيخ الحر العاملي الأحكام العقلية القطعية، لكنهم يرون أن استنباط الأحكام الشرعية من مقدمات العقل لا يورث اليقين، بل إن بعضهم، مع تسليمهم بحصول اليقين بالحكم الشرعي عن طريق العقل، قد شككوا في حجية هذا الحكم الشرعي. (شفیعی، ١٣٨٧: ١٣)

العقلانية في العلوم الحديثية الشيعية

على الرغم من عدم وجود تعريف جامع للعقل في المصادر الحديثية الشيعية، إلا أن محدثي الشيعة، خلافاً لمحدثي غير الإمامية، يعطون العقل اعتباراً خاصاً كأحد الحجج الإلهية التي وهبها الله للإنسان. أولاً، العقل، كما ذكره المرحوم الكليني في حديث هشام، هو حجة داخلية منحت للإنسان بموازاة الأنبياء والرسل كحجة خارجية. ثانياً، الله يعاقب ويثيب بناءً عليه (الكليني، ١٣٤٨: ١٥٦)، ويمكنه أن يحاسب الإنسان.

النصانية

كلمة “نص” لها استخدامان على الأقل: أحيانًا تُستخدم مقابل “ظاهر” (الطريحي، ١٣٦٢: ١٨٤)، وأحيانًا أخرى تعني “نقل” وتُطرح مقابل “عقل”. (صدر، ١٣٩٥هـ ق: ١٠)

المقصود بـ «النص» في هذا المقال هو الاستخدام الثاني، والمراد به نقل أي نص له جذور في الوحي، بعبارة أخرى، النقل الوحياني الذي يشمل القرآن والحديث. أما المعتمدون على النصّانية فإما أنهم لا يعتبرون للعقل أي قيمة في فهم وتفسير القرآن، أو أنهم غالبًا يقدمون النقل على العقل. يشمل هذا المنهج وجهات نظر متعددة. إن عدم الاهتمام الجاد بالعقل في التفسير، وكذلك الأخذ بظاهر النصوص الدينية والتعوّد عليها، ليس متساويًا بين جميع القائلين بالنصّانية، بحيث يمكن تمييز اتجاهين متطرف ومعتدل في طيف الآراء الموجودة في هذا التيار. (آریان، ١٣٨٩: ٧٢)

العقلانية والنصّانية في الشيعة الإمامية في عصر الظهور

يمكن تقسيم أصحاب الأئمة عليهم السلام، وخاصة أصحاب الإمامين الباقر والصادق، إلى مجموعتين: المتكلمين والمحدثين أو الفقهاء. من المتكلمين يمكن ذكر هشام بن الحكم، هشام بن سالم، حمران بن أعين، محمد بن طيار، ومؤمن الطاق. ومن المحدثين أو الفقهاء، يجب ذكر محمد بن مسلم، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ومحمد بن حسن الصفار. ويكمن الفرق والتمايز بين هاتين المجموعتين في طريقة ومقدار استخدام العقل في المعارف الدينية، ومن ثم يمكن اعتبارهما أول ممثلين للعقلانية والنصانية في العالم الشيعي.

بين علماء الشيعة، خلافاً لأهل السنة، لم يكن هناك اختلاف كبير بين المتكلمين والمحدثين حتى القرن الثالث الهجري. وبالطبع، كانت تحدث أحياناً نقاشات بين المتكلمين وأصحاب الأئمة عليهم السلام، لكن تلك الفجوة التي كانت موجودة بين الحنابلة والمعتزلة في هذه الفترة لم تُلاحظ بين النصّانية والعقلانية الشيعية. ويجب اعتبار اعتدال علماء الشيعة في استخدام العقل والاستناد إلى النصوص الدينية سبباً لذلك. وقد قلّل وجود روايات أهل البيت عليهم السلام، وخاصة حضور الأئمة عليهم السلام إلى جانب الشيعة، من ظهور الإفراط والتفريط والخلاف. وفي الأساس، فإن طريقة الأئمة الشيعة هي التي، مع ترحيبهم بالعقل وطرح المسائل العقلية، حددت نطاق إدراك العقل، وحذّروا المؤمنين من جر العقل إلى ما وراء حدوده. (شريعتمداري، ١٣٩٣: ٣٢-٣٤)

منذ القرن الثالث الهجري، الذي تزامن مع عصر التَّقيَّة وعصر غيبة الأئمة (عليهم السلام)، بدأت هاتان الحركتان الكلامية والحديثية تتباعدان تدريجياً، وتحوّلتا في النهاية إلى وجهتي نظر مختلفتين تماماً. وعلى الرغم من أن العالم الشيعي لم يشهد أبداً صراعاً كصراع الحنابلة والمعتزلة، إلا أنه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، تميز التيار العقلي والتيار النصّي بشكل كامل، وكادا أن يتواجها. وأبرز الشخصيات الكلامية يمكن العثور عليها في أسرة النوبختي، ثم في مدرسة بغداد التي يتمركز حولها الشيخ الطوسي، بينما يمكن اعتبار كبار ممثلي النصّانية هم محدثو قم والري. (المصدر نفسه)

الأزمات المعرفية للمجتمع الشيعي بعد بداية عصر غيبة المعصوم

بعد بداية عصر غيبة الإمام الثاني عشر، واجهت المجتمعات الشيعية أزمة معرفية. يشير الشيخ الصدوق، الذي ألف كتابه الشهير “كمال الدين وتمام النعمة” بين عامي ٣٥٥ و ٣٦٧ هـ، في هذا الصدد إلى المجتمع الشيعي في نيسابور، ويقول: “خلال إقامتي هناك، وجدت معظم الشيعة الذين يأتون إليَّ في حيرة بشأن الغيبة”. وقد زادت هذه الحيرة مع اشتداد النزاعات الكلامية. وقد أخبر عالم الإمامية نجم الدين أبو سعيد محمد بن حسن بن علي بن صلت القمي، الذي كان مقيماً في بخارى، الشيخ الصدوق في قم عن جدال حدث بينه وبين أحد الفلاسفة والمنطقيين في بخارى، مما أثار شكوكه حول الغيبة. وبعد إبداء هذا الشك، أزال الشيخ الصدوق شكه بنقل الروايات والأخبار الواردة في أمر الغيبة، وبعد هذه الحادثة، ألف الشيخ الصدوق كتاب “كمال الدين”. (الصدوق، ١٣٩٥، ج ١: ٢ و ٣) وقد حدث حوار مماثل بين الشيخ الصدوق وشخص في بغداد أيضاً. وقد أكد هذا الحوار على طول فترة الغيبة وعودة عدد من الشيعة عن عقيدتهم الإمامية. (المصدر نفسه، ١٦ و ١٧) ومن المراكز العلمية الشيعية المهمة في هذه الفترة كانت الري وبغداد. في هاتين المدينتين، ألف علماء الزيدية وآل بويه والمجتمع المعتزلي القوي في بغداد أعمالاً في نقد آراء الإمامية. وفيما يتعلق بالمعتزلة في بغداد، توجد معلومات قليلة فقط في كتاب “كفاية الأثر” للخصائص القمي، ولكن فيما يتعلق بهجمات الزيدية، نقل الشيخ الصدوق هذه الانتقادات بشكل مفصل. (رحمتي، ١٣٨٥، وجودكي، ١٣٨٤)

مدرسة قم والشيخ الصدوق

كان فقهاء ومحدثو قم غالبًا يستفيدون من منهج أهل الحديث في تحليل وبحث المسائل الإسلامية والكلامية، ويكتفون بنص الرواية. ومع ذلك، فإن وجود استدلالات عقلية في آثارهم يدل على استخدامهم للعقل كأداة للاستدلال على المسائل الكلامية والفقهية. وعلى الرغم من أن الشيخ الصدوق يمثل المدرسة النصانية، إلا أن وجود مواد عقلية ولغوية نقلها لفهم الروايات (التستري، ١٣١٦: ٢١٠) دليل على استخدامه للعقل في تفسير التعاليم الدينية بحد أدنى.

في الوقت نفسه، كان هناك من بين أهل قم من استخدم العقل أكثر في أبحاثه العلمية، ويمكن اعتبار هذه الطريقة نقطة وسط بين نصّانية أهل الحديث وعقلانيي بغداد. ومناظرات سعد بن عبد الله الأشعري مع معارضيه (الصدوق، ١٣٩٥: ٤٦٢)، وكذلك مناظرات علي بن بابويه القمي، يمكن اعتبارها من هذا القبيل. (المصدر نفسه: ١٦)

ما يمكن اعتباره نقطة قوة في مدرسة قم النصّانية هو اهتمامهم الخاص بالأحاديث والروايات، والتي استطاعت في بداية عصر الغيبة أن تخرج المجتمع الشيعي من الأزمة. في هذه الفترة، تعرضت المجتمعات الشيعية للهجوم من قبل المعتزلة والزيدية والفرق الأخرى، وقد أُطلق على تلك الفترة اسم “فترة الحيرة”. ويمكن اعتبار أهم تأثير لمدرسة قم هو إخراج المجتمع الشيعي من فترة الحيرة بمساعدة أحاديث المعصومين عليهم السلام، وكما ذكر، كان الشيخ الصدوق هو الرائد في ذلك. ومع ذلك، كان الانتقال من هذه الفترة يتطلب ابتكارات استطاع الشيخ الصدوق من خلالها التغلب على المسائل المعقدة بعد بداية عصر الغيبة، باستخدام مناهج عقلانية في علم الحديث.

العقل في منظومة فكر الشيخ الصدوق

على الرغم من أن الشيخ الصدوق نقل العديد من الروايات المتعلقة بالعقل في كتبه الحديثية، إلا أنه لم يخصص في أي من مؤلفاته بابًا أو فصلاً بعنوان “كتاب العقل”، ولم يتناول العقل بشكل مستقل. وقد اعتبر الجدال مرفوضًا ومنبوذًا، ونقل في هذا الصدد روايات عن الأئمة عليهم السلام. وفي حديث عن الإمام الصادق، نقل أنه نهى عن الجدال في الله، وأن المتكلمين سيهلكون: “قال الصادق: يهلك أصحاب الكلام وينجو المسلمون”. (الصدوق، ١٣٨٠: ٧٤)

يعتقد الصدوق أنه لإثبات القضايا الدينية يجب الاستعانة بالقرآن وروايات أهل البيت، وفي النقاش مع المخالفين أيضًا يجب الاستفادة من هذين المصدرين الوحيانيين. بعبارة أخرى، يرى أن المصدر الوحيد للمعرفة والمصدر الوحيد للاستدلال لإثبات المسائل الدينية هو الوحي. واستدلال الصدوق على هذا الادعاء بأن العقل لا يمكن أن يكون مصدراً مستقلاً للأحكام هو أنه لو كان العقل مصدراً لفهم الأحكام، لما كانت هناك حاجة إلى الوحي. (المصدر نفسه: ٤٢)

الصدوق لا يرى للعقل مكانة في الأحكام الفقهية فحسب، بل يعارض أيضًا استخدام الاستدلالات العقلية في المسائل الاعتقادية وأصول الدين. (المصدر نفسه) وقد استخدم الصدوق النقل لإثبات وجود الله تعالى، وفي هذا الصدد نقل روايات وآيات قرآنية. (المصدر نفسه: ٤٥) ويتضح رأي الصدوق في معرفة الحق تبارك وتعالى في كتاب “التوحيد”. ففي باب “أنه عز وجل لا يعرف إلا به”، يقول: “الصحيح أنه يجب أن نعرف الله بالله لا بقولنا. ولو عرفناه بالعقل، فهو هبة من الله، ولا يُعرف بالأنبياء لأن الله أرسلهم، ولو عرفناه بأنفسنا، فالله هو الذي خلقها”. (الصدوق، ١٣٩٨هـ ق: ٤٥٠)

يقول الشيخ الصدوق في شأن الطفل الذي يُترك في الصحراء ولا يرى أحداً ولا يُرشِده أحد، أنه لو توصل عن طريق التعقل إلى وجود صانع، فإن ذلك غير ممكن، وإذا حدث ذلك فهو حجة الله، وهذا هو إبراهيم عليه السلام. ولو كان العقل البشري كافياً في معرفة الله، لما قال الله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. ويرى أن أدلة إبراهيم عليه السلام هي إلهامات إلهية. (المصدر نفسه: ٤٥١) وفي كتابه “علل الشرائع”، وخلافًا لعنوان الكتاب، اقتصر الشيخ الصدوق على نقل الأحاديث، ومع أن العقل أحد طرق معرفة فلسفة وأسرار الأحكام، إلا أنه لم يتناول المسائل العقلية في هذا الكتاب. وقد قبل أخبار الآحاد ليس فقط في المسائل الفقهية، بل قدم المعارف الدينية بناءً على أخبار الآحاد في العديد من المسائل الاعتقادية أيضًا. وقد وصل الأمر إلى حد أن الشيخ الأنصاري اعتبره من الإخباريين. ويقول الشيخ الأنصاري في شرح عبارة العلامة في “النهاية”: “إن مراد العلامة من الإخباريين يمكن أن يكون مثل الصدوق وشيخه قدس سرهما” (الأنصاري، ١٢١٤ق: ١٥٤). يذكر الصدوق في مقدمة “من لا يحضره الفقيه” أنه ينقل أحاديث يفتي بها، وأنها حجة بينه وبين ربه. وهذا الادعاء يأتي في حين أن الصدوق ينقل حديثًا عن أشخاص لم يوثقوا. (الصدوق، ١٣٦٢، المقدمة) بالإضافة إلى ذلك، نجد في “مشيخة” كتاب “من لا يحضره الفقيه” رواة لم تثبت وثاقتهم، ولكن بما أن أحاديثهم وردت في كتب معتبرة، فقد قبلها الشيخ الصدوق.

ومع ذلك، يجب القول إن الصدوق لا ينكر الاستفادة من العقل بالكلية، وفي كتبه يوجد الكثير من المسائل مثل التأويل والتفسير المستمدة من العقل. والمهم هو مقدار الاعتبار الذي يُعطى للعقل والنقل، وأيهما يُرجح على الآخر في حال التعارض. وعلى الرغم مما اشتهر عن الصدوق في النصّانية والاعتماد على السنة، إلا أن دراسة أعماله تظهر أنه اختار طريقة وسطى ومعتدلة، فلا جمود أهل الحديث ولا إفراط المعتزلة العقلاني.

يقسم الشيخ الصدوق مجالات المعرفة إلى ثلاث فئات: في الفئة الأولى، يمنع الصدوق إدراك العقل ودخوله، كما يقول في توضيح الآية: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: “الحكمة في تعليم الله الأسماء لآدم هي أن الوصول إلى بعض العلوم لا يمكن إلا بالنقل”. (الصدوق، ١٣٩٥: ١٦) وفي الفئة الثانية، يعتبر بعض مجالات المعرفة، مثل النبوة، مجالًا للعقل. وفي هذا الصدد يقول: “لو لم يصف الله النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم الأنبياء، لحكم العقل بوجوب وجود نبي من الله في كل عصر”. أما الفئة الثالثة فتشمل المسائل التي يرى الشيخ الصدوق أنها مشتركة بين العقل والنقل، كما أن الأدلة النقلية أحيانًا تتضمن استدلالات عقلية. (المصدر نفسه)

لذلك، على الرغم من أن الشيخ الصدوق لا يقبل العقل كمصدر معرفي مستقل، ويستند في ذلك إلى الروايات التي تنهى عن الكلام، إلا أنه لا ينكر الأسلوب العقلي والاستفادة من العقل بشكل كامل، بل يعبر عنه من خلال الروايات والآيات. (أنظر: برنجكار وموسوي، ١٣٨٩)

مدرسة بغداد والشيخ المفيد

كان علماء بغداد يستفيدون بشكل أكبر من الأساليب العقلية في استدلالاتهم وتبيينهم وتفسيرهم للتعاليم الدينية، ونتيجة لذلك، اشتهرت مدرسة بغداد الكلامية بالمدرسة العقلانية. وأهم العوامل التي أدت إلى نمو الاتجاه العقلي بين هذه الفئة من العلماء هي تعاليم القرآن التي أثنت على العقل وشجعت على استخدامه بكلمات متنوعة مثل: التفكر، اللب، النهي، الفقه، الشعور، البصيرة، الدراية، الذكر، إلخ. وباستخدام الحجة العقلية في إثبات المعارف الإسلامية وطلب البرهان العقلي من المخالفين وتبيين مواطن زلل العقل، يؤكد القرآن على اعتبار العقل وحجيته. كما أن تأكيد الأئمة على الاستفادة من العقل، والذي ورد في روايات لا حصر لها عن أهل البيت عليهم السلام، وسيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام، وتربية التلاميذ العقلانيين، هو دليل آخر للعقلانيين.

وكانت مواجهة المسلمين مع الثقافات الأخرى، وانتشار وتنوع الشبهات والتوجهات العقلية للأجانب، وعدم اعتقادهم بالكتاب والسنة، تدفع علماء الإسلام لاستخدام الأساليب العقلية في مناظراتهم. وتُعتبر مناظرات الأئمة المعصومين عليهم السلام وتلاميذهم، مثل هشام بن الحكم ومؤمن الطاق، مثالاً بارزًا لهذا التوجه واستخدام العقل في مواجهة الثقافات المختلفة في المسائل العقائدية. كما كان لعائلة النوبختي، التي قدمت كبار العلماء للعالم الإسلامي والتشيع على مدى ثلاثة قرون، وأوصلت العقلانية الشيعية إلى ذروتها، تأثير كبير على انتشار العقلانية في علم الكلام الشيعي. فقد بنوا، بفضل معرفتهم بالفلسفة الفارسية واليونانية، وكذلك معرفتهم بعلم الكلام المعتزلي، نظامًا كاملاً من القواعد العقلية التي أثرت في علم الكلام الشيعي لقرون. (السبحاني، ١٣٧٤: ٢٢٣) وأهم عمل في هذه الفترة هو كتاب “الياقوت” الذي تقدم في الجانب العقلي لدرجة أن العلامة الحلي بعد قرنين يرى أن هذا الكتاب يتوافق تمامًا مع المنهج الفلسفي الكلامي للخواجة الطوسي، ويتولى شرحه. (المصدر نفسه)

مكانة العقل عند الشيخ المفيد

الشيخ المفيد لا يرى للعقل مكانة رفيعة ومستقلة في فهم المعارف الإلهية كالمعتزلة العقلانيين، ولا يتجاهل مكانة العقل كحجة إلهية كما يفعل أصحاب الحديث الإمامية. وخلافاً لمعتزلة البصرة، يرى الشيخ المفيد أن قدرة العقل على الاستنباط صغيرة مقارنة بالوحي، ويعتقد أن البشر بحاجة إلى رسول ليتحصلوا على التكليف، وإذا لم يرسل إليهم رسول، فلن يكون عليهم تكليف، ولن يرشدهم عقلهم البشري إلى هذا الطريق، ولن يعذبوا يوم القيامة. (الصدوق، ١٣٩٥: ١٦) وفي هذه النظرة، لا يدرك العقل التكليف وحده، وإن كان لا يستغني عن العقل لفهم تعاليم الدين.

يعتقد الشيخ المفيد أن العقل محتاج إلى الوحي للوصول إلى المعارف الإلهية، ولكن هذه الحاجة لا تعني أن مدركات العقل لا يمكن الاستناد إليها، لأن كل معرفة لم تُبنَ على البرهان والاستدلال ستكون عرضة للزوال بسهولة. ويعتقد المفيد أن كل إنسان يجب أن يستعين بعقله لإثبات وجود الله، وإلا فلن يكون في مأمن من العذاب الإلهي. (المفيد، ١، ١٤١٤ق، ج ٢: ٧٨)

ويقول الشيخ المفيد في بحث البداء من كتاب الأوائل المقالات في تقوية مكانة السمع والنص: “إن ذلك من جهة السمع دون القياس”. وكذلك في بحث المريد من الله يقول: “إن هذا الأمر بسبب السمع”. وفي بيان وصف السميّع والبصير لله تعالى يكتب: “إن استحقاق القديم سبحانه بهذه الصفات من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول”. (المصدر نفسه: ١٢ و ١٣)

على الرغم من إيمان الشيخ المفيد بمكانة رفيعة للنقل والنص، إلا أنه يدافع بشدة عن الجدل والنقاش، وفي كتاب “تصحيح الاعتقاد” ينتقد آراء الشيخ الصدوق. ويقسم المفيد الجدال إلى جدال حق وجدال باطل، ويقول إن الله أيد الجدال بالحق في القرآن وأمر رسوله بالجدال، فقال: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. لذلك، لو كان كل الجدال باطلاً، لما أمر الله به. ويستند الشيخ المفيد لإثبات هذه الحقيقة إلى روايات أمرت بالمناظرة والكلام: “إياكم والتقليد، فإنه من قلد في دينه هلك”. (الصدوق، ١٣٨٠ق: ٧٢)

وخلافاً لأتباع المدرسة النصّانية في قم، الذين يقبلون أخبار الآحاد ويجعلون لها حجية في الاعتقادات أيضاً، فإن الشيخ المفيد لم يقبل أخبار الآحاد في الاعتقادات فحسب، بل لم يقبلها في المسائل الفقهية أيضاً. ويكتب الشيخ المفيد في “أوائل المقالات”: “وأقول: لا يجب العلم ولا العمل بشيء من أخبار الآحاد، ولا يجوز أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلا أن يقترن به ما يدل على صدق راويه على البيان”. (المفيد، ١، ١٤١٤ق، ج ٤: ١٢٢)

ولهذا السبب، لا يقبل المفيد بعض نظريات الصدوق في العقائد، ويعتبرها مستندة إلى أخبار الآحاد التي لا يرى فيها حجة. ويعتقد الشيخ المفيد في بعض المسائل أن العقل يمكن أن يدركها بشكل مستقل. فمثلاً، في باب العصمة، يرى أن العقل كافٍ. (المصدر نفسه)

كان سعي الشيخ المفيد دائمًا يهدف إلى الجمع بين الأحكام العقلية والنصوص الدينية، مع مراعاة جميع جوانب المسائل الدينية، وإلى تقريب وجهات النظر الشيعية المختلفة قدر الإمكان، وتقليل شدة التعارض بين النصّانيين والعقلانيين الشيعة.

بعض انتقادات المفيد للصدوق

انتقد الشيخ المفيد، بأسلوبه العقلاني، في بعض الأحيان أفكار وتوجهات أستاذه الشيخ الصدوق، وسنذكر بعضًا منها.

أ) نقد الجمود على النص

ينتقد الشيخ المفيد بشدة عدم تعمق النصيين وأهل الحديث في الروايات، ويهاجم أهل الحديث في كتبه في هذا الصدد. ويكتب في كتاب “تصحيح الاعتقاد”: “أهل الحديث هم أهل سلامة، ولكنهم يمرون بالأحاديث دون تعمق ودون دقة وتمحيص؛ لا يتأملون في سندها، ولا يميزون بين حقها وباطلها، ولا يعلمون أي مشكلة كبيرة ستحيق بهم إذا اعتبروا تلك الأحاديث صحيحة”. (المفيد، ١٤١٣: ٢١٣) وينتقد الشيخ المفيد في مواضع أخرى عدم التعمق في الروايات (المصدر نفسه، ١٩٠-١٩٤)، ويذم الاعتماد على روايات الآحاد. (المصدر نفسه: ١٧٨-١٩٨) ويكتب الشيخ المفيد في باب المشيئة والإرادة، رداً على الصدوق: “ما أورده أبو جعفر في هذا الباب لا يفيد شيئاً، ومعانيه مختلفة ومتناقضة، وسببه أنه عمل بظواهر الأحاديث المتنوعة، وليس من الذين ينظرون إليها بدقة ويميزون حقها من باطلها ويعملون بما هو حجة وبرهان. نعم، من يعمل في مذهبه بأقوال مختلفة ويقلد الرواة، فحاله في الضعف هو ما بيّناه”. (المفيد، ١٤١٣: ١٩٠-١٩١)

ب) نقد التقليد والتعوّد في العقائد

في مدرسة النصيين، يُمنع ويُحظر الخوض في الكلام والاستدلال في العقائد. فالشيخ الصدوق في هذا الصدد يرى أنه يجب نقل الآيات والأحاديث المأثورة عن النبي والأئمة المعصومين عليهم السلام وشرحها (الصدوق، ١٣٨٠ق: ٧٣-٧٤)، ويعتبر الجدل حول الله خاطئًا بالاستناد إلى أقوال الإمام الصادق (عليه السلام). وفي موضع آخر، يقول الصدوق: “أما الاحتجاج على المخالفين بقول الله وقول رسوله وقول الأئمة عليهم السلام أو بمعاني كلامهم لمن يحسن الكلام فمطلق، وعلى من لا يحسن فمحظور محرم”. (المصدر نفسه)

في المقابل، ينتقد الشيخ المفيد، دفاعًا عن استخدام العقل في العقائد، أدلة أهل الحديث، ويكتب: “كان أئمتنا المعصومون عليهم السلام يناظرون ويجادلون المخالفين باستمرار. وكان كبار أصحابهم، اقتداءً بالأئمة عليهم السلام، يستخدمون الاستدلال والنظر في كل عصر، ويجادلون بالحق، ويبطلون الباطل بالحجة والبرهان. وكان الأئمة عليهم السلام يثنون على عملهم ويشكرونهم ويثنون عليهم. (المفيد، ١٤١٣: ٢٠١) ويستشهد الشيخ المفيد في تتمة كلامه بروايات من كتاب “أصول الكافي”. (المصدر نفسه)

ويقول الشيخ المفيد: “لقد ثبت أن نهي الأئمة المعصومين (عليهم السلام) عن الكلام يشمل الفئة التي لم تكن تحسن الكلام ولم تتقن طرقه، وأن الانشغال بالكلام كان يؤدي إلى فسادهم. أما أمر الأئمة (عليهم السلام) لفئة أخرى، فكان لكونهم يحسنون الكلام ويعرفون طرقه.” (المصدر نفسه: 202)

وفي شرح وتحليل الروايات التي تنهى عن التحدث عن الله، يقول: “وأما النهي عن الكلام في الله عز وجل، فهو خاص بالنهي عن الكلام في تشبيهه بخلقه وظلمه في أحكامه. أما الكلام في توحيد الله وتقديسه وتنزيهه ونفي التشبيه عنه، فهو أمر وتشجيع في الإسلام”. (المصدر نفسه: ٢٠٣)

ج) نقد التفسير الخاطئ للتقية

يرى الشيخ الصدوق أن التقية واجبة على جميع الشيعة في زمن الغيبة. (الصدوق، ١٣٨٠: ١٠٤) ويعتقد أن التقية واجبة فقط إذا كان الإنسان متيقناً من أن إظهار إيمانه سيؤدي إلى هلاكه. (المفيد، ١٤١٣ق: ٢٤١) أما الشيخ المفيد، فيرى أن التناقض في أقوال وكتابات الصدوق حول التقية ناتج عن عدم التعمق في فهم الروايات و عدم الاستفادة من قوة العقل. ويرى أن آفة السطحية في الروايات والجمود على ظاهر الأحاديث خطر آخر على المجتمع الشيعي. وفي هذا الصدد يكتب الشيخ المفيد:

“الصدوق اتبع منهج أهل الحديث في العمل بظواهر الحديث، وابتعد عن طريق التفكير، وهذا المنهج في النظر إلى الدين يضر بمن يلتزم به، والبقاء عليه يمنع البصيرة والاستنارة”. (المصدر نفسه)

د) نقد تفسير النفس والروح

بعد أن أشار الشيخ المفيد إلى قول الشيخ الصدوق في النفس والروح، كتب: “كلام أبي جعفر في هذا الباب مبني على التخمين لا على التحقيق. ولو اقتصر على ذكر الأخبار ولم يورد معانيها، لكان خيرًا له من الخوض في طريق يصعب عليه السير فيه”. (المفيد، ١٤١٣ق: ٢٠٧) ويرى المفيد أن الخوض في المسائل العقلية مثل النفس والروح لمن لا دراية لهم بعلم الكلام هو ضلال، وينتقد الصدوق بشدة في هذا الصدد، ويكتب:

“هذا اعتقاد لا يقبله أي عاقل. لا يليق بمن لا علم له بحقائق الأمور أن يتحدث في هذه المسائل… وما صرّح به أبو جعفر في معنى النفس والروح هو عين قول أهل التناسخ، دون أن يعلم أنه قد وقع في اعتقادهم. وعواقب هذا القول على نفسه وعلى الآخرين عظيمة جداً.” (المصدر نفسه: ٢١١)

هـ) ضرورة الاستدلال في المسائل المعرفية

يعتقد الشيخ المفيد أن المعتقدات الدينية يجب أن تقوم على أساس المنطق والاستدلال، وقد انتقد بشدة منهج أهل الحديث في المسائل الاعتقادية الذي يعتمد على التعبد والتقليد. وفي هذا الصدد يكتب المفيد في “أوائل المقالات”: “أقول إن المعرفة بالله اكتساب وكذلك المعرفة بأنبيائه وكل غائب، وأنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء مما ذكرناه، وهو مذهب كثير من الإمامية والبغداديين من المعتزلة خاصة، ويخالف فيه البصريون من المعتزلة والحشوية من أصحاب الحديث”. (المفيد، ١، ١٤١٤ق: ٦٦)

ويكتب المفيد في رده على أهل الحديث: “إذا كان التقليد في العقائد جائزاً والاستدلال والنظر باطلاً، لم يكن تقليد جماعة لجماعة أخرى أولى، فكل ضال بسبب التقليد سيكون معذوراً، والذين يتبعون المبتدعين في الدين لن يكون عليهم ذنب. وهذا قول لا يقوله أحد، ولهذا، فإن الاستدلال والنظر حق، والمناظرة بالحق جائزة”. (المفيد، ١٤١٣ق: ٢٠٣) ينتقد الشيخ المفيد، مستنداً إلى آيات القرآن والروايات، التعبد في أصول الدين المعرفية، ويُعاتب أهل الحديث والصدوق في هذا الصدد: “إياكم والتقليد، فإنه من قلد في دينه هلك. إن الله تعالى يقول: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾. فلا والله ما صلّوا لهم ولا صاموا، ولكنهم أحلوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً، فقلدوهم في ذلك فعبدوهم وهم لا يشعرون.” (المصدر نفسه)

النتيجة

بعد دراسة آراء الشيخ الصدوق من مدرسة قم النصّانية والشيخ المفيد من مدرسة بغداد العقلانية حول مكانة العقل في المنظومة المعرفية الشيعية، ينبغي علينا أن نقوم بدراسة مقارنة لآراء هذين العلمين الشيعيين. وفي الدراسات التي أجريت، يمكن التركيز على النقاط التالية:

1. اختلاف رؤية الشيخ الصدوق والشيخ المفيد في مكانة العقل في الكلام. بعد الدراسات التي أجريت، يمكن تلخيص اختلاف رؤية الشيخ الصدوق والشيخ المفيد على النحو التالي: يعرف الشيخ الصدوق العقل بمضمون الروايات: “ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان”، أو بتعبير آخر: “التجرع للغصّة حتى تنال الفرصة”. (الصدوق، ١٤١٠ ق: ٢٣٩) وعلى الرغم من أن هذا التعريف لا يختص بالعقل العملي، إلا أنه بوضوح يقيد العقل النظري ضمن إدراك العقل العملي وتطلعاته، ويعتقد أن العقل في الآيات والروايات يتمتع بهذه الخاصية.

في المقابل، يرى الشيخ المفيد أن معرفة أصول الدين عقلية واكتسابية، ولكنه يعتقد في الوقت نفسه أن طريق المعرفة قريب، وأن الإنسان، مهما كان مستواه، يمكنه أن يصل إلى معرفة الله بمجرد استخدام عقله، دون الحاجة إلى معرفة علم الكلام أو إتقان فنون الجدل. والنقطة الموجودة في فهم الشيخ المفيد للعقل هي أنه لم يسلك طريق الإفراط في مكانة العقل، كالمعتزلة. فقد عرف العقل في رسالة “النكت” تعريفاً يظهر بوضوح اعتدال الشيخ المفيد: “العقل معنى يتميز به من معرفة المستنبطات، ويسمى عقلاً لأنه يعقل عن المقبحات”. وهذا التعريف يذكرنا بفهم الشيخ الصدوق للعقل أيضاً.

٢. عصر الغيبة ونمو العقلانية. كما ذكر، أثرت غيبة الإمام الثاني عشر والحيرة التي اجتاحت المجتمع الشيعي على مسار نمو العقلانية. فقد أدت غيبة الإمام، بصفته مصدراً وركناً للدين وحجة الله على عباده، إلى ظهور شكوك وريب في المجتمع الشيعي، فبعد بداية الغيبة، ظهرت اثنتا عشرة فرقة متنافسة. واستمر هذا التوجه حتى نهاية العقد الرابع من القرن الرابع الهجري، وتسمى هذه الفترة بفترة “الحيرة”. ولعل أهم خدمة قدمها محدثو الشيعة والتيار النصّي في هذه الفترة هي إخراج المجتمع الشيعي من فترة الحيرة بمساعدة الأحاديث. وبعد هذه الفترة، استعاد علماء الشيعة نفوذهم تدريجياً، لكن المسائل الجديدة أوجدت إحساساً بالتغيير لدى العلماء. وفي هذا السياق، تقودنا دراسة أعمال الشيخ الصدوق، بصفته آخر مفكر حديثي، حيث تشكل أعماله جزءاً كبيراً من تراث الإخباريين، إلى حقيقة أنه اتبع منهجاً تنزيهياً كاملاً في شرح الأحاديث، ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار الشيخ الصدوق حديثياً بحتاً ومنكراً للعقل. (رضوي صوفاني وغشته، ١٣٩٠: ١٠٩-١١٠) واستمر هذا المسار من قبل الشيخ المفيد بتعديل آراء المدرسة البغدادية العقلانية وبنهج وسطي بين العقلانية والنصّانية. (المصدر نفسه، ومرعشي شوشتري وأسدي كوه باد: ٨٧، ١٤٠)

٣. دخول العقلانية من علم الكلام إلى أصول الفقه. قبل ظهور الشيخ المفيد وتلاميذه، السيد المرتضى والشيخ الطوسي، كان الفقه يعتمد على النصوص دون ممارسة الرأي والاستدلال. ولكن في هذه الفترة، تم ترسيخ أصول الفقه، وحدثت حركات عقلانية جوهرية، لدرجة أن هذه الشتلة أدت إلى تحولات عظيمة في مناهج الفقه في الفترات اللاحقة. ومن مقارنة كتابي “المبسوط” و”الخلاف” مع “النهاية” للشيخ الطوسي، يتبين أنه في الكتابين الأولين يظهر بمظهر المجتهد الأصولي الذي يعمل بالقياس والاستحسان في العديد من الفروع، أما في “النهاية” فيتبع منهج الإخباريين.

و”النهاية” تتصف بأنها رواية لا فتوى. وهذا الاختلاف لا يظهر فقط في مقام فقهه، بل يظهر أيضاً في مقام روايته بتأليف “الاستبصار” و”التهذيب”. وقد كان منهج الشيخ المفيد والسيد المرتضى، اللذين كان كل منهما أستاذًا للشيخ الطوسي في فترة من الفترات عند دراسة دور منظري مدرسة بغداد، عقليًا نقليًا، وفي الواقع كان الشيخ الطوسي تابعًا لطريقه أستاذه.

بجهود الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، أصبح العقل يُعرف كمصدر أساسي للفقه الشيعي إلى جانب الأدلة الثلاثة الأخرى. والنقطة المهمة هي أن الشيخ المفيد، بمنهجه الوسطي، جعل العقل في طول المصادر الثلاثة: القرآن والسنة والإجماع، وقد تطور هذا المنهج على يد تلاميذ الشيخ المفيد، وخاصة السيد المرتضى والشيخ الطوسي. (انظر: شفیعی، ١٣٨٧: ١٠-١١)

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم.
  • آریان، حمید (١٣٨٩)، «شأن» و «كارکرد عقل در تفسیر قرآن از دیدگاه نص گرایان»، مجله “قرآن شناخت”، خريف وشتاء ١٣٨٩، ش ٦.
  • أنصاري، شيخ مرتضى (١٢١٤ق)، فرائد الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • برنجكار، رضا وسيد محسن موسوي (١٣٨٩)، “عقل گرایی شیخ صدوق و متکلم بودن او”، “علوم حديث”، خريف ١٣٨٩، ش ٥٧.
  • فصلنامه رواق انديشه (١٣٨٢)، “واژه‌شناسی موضوع این شماره”، “عقل‌گرایی (راسیونالیسم)”، دي ١٣٨٢، ش ٢٥.
  • تستري، شيخ أسد الله (١٣١٦)، كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع، قم: مؤسسة آل البيت (ع) الكبرى.
  • جودكي، محبوبة (١٣٨٤)، “پیامدهای غیبت بر اندیشه و حیات سیاسی شیعیان”، “تاريخ إسلام”، شتاء ١٣٨٤، ش ٢٤.
  • خسرو پناه، عبد الحسين ونفیسه أميري (١٣٨٨)، “عقل وعقل گرایی در فلسفه و قرآن”، فصلنامه “پژوهش‌های میان رشته‌ای قرآن كريم”، السنة الأولى، ربيع ١٣٨٨، ش ٢.
  • رحمتي، محمد كاظم (١٣٨٥)، “غيبة الصغرى ونخستين بحران‌های إماميه”، “تاريخ إسلام”، ربيع ١٣٨٥، ش ٢٥.
  • رضوي صوفاني، عظيم وناصر گذشته (١٣٩٠)، “علل گرايش شيخ مفيد وسيد مرتضى به عقل گرايي اعتزالي”، “پژوهشنامه تاريخ تمدن إسلامي”، ربيع وصيف ١٣٩٠، ش ٢.
  • سبحاني، محمد تقي (١٣٧٤)، “عقل گرایی و نص گرایی در كلام إسلامي”، مجلة “نقد ونظر”، صيف وخريف ١٣٧٤، ش ٣ و ٤.
  • شريعتمداري، حميدرضا ومرتضى توكلي محمدي (١٣٩٣)، “عقل گرایی و نص گرایی در كلام إسلامي با بررسی دیدگاه‌های شيخ طوسي و إبن إدريس”، “پژوهشنامه كلام”، السنة الأولى، ش ١.
  • شفيّعي، محمود (١٣٨٧)، “إقتضاها وإمتناعهای عقل گرایی در فقه سياسي”، “شيعه شناسي”، خريف ١٣٨٧، ش ٢٣.
  • صدر، محمد باقر (١٣٩٥ق)، المعالم الجديدة للأصول، ج ٢، طهران: مكتبة النجاح.
  • صدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (١٣٦٢)، من لا يحضره الفقيه، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • ———- (١٣٨٠)، اعتقادات.
  • ———- (١٤١٠)، معاني الأخبار، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  • ———- (١٣٩٥)، كمال الدين وتمام النعمة، ج ١، طهران: انتشارات إسلامي.
  • ———- (١٣٩٨ق)، التوحيد، قم: مؤسسة نشر إسلامي.
  • طريحي، فخر الدين (١٣٦٢)، مجمع البحرين، تحقيق: أحمد حسيني، ج ٣، ج ٤، طهران: كتابفروشي مرتضوي.
  • عباسي تبار فيروزجاه، حبيب الله (١٣٨٥)، “جايگاه عقل در إسلام”، “بازتاب إنديشه”، أيار ١٣٨٥، ش ٧٣.
  • قماشي، سعيد (١٣٨٤)، “جايگاه عقل در إستنباط أحكام”، قم: پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي.
  • كليني، محمد بن يعقوب (١٣٤٨)، أصول الكافي، ترجمه سيد جواد مصطفوي، طهران: إسلاميه.
  • ———- (١٤١٣)، أصول الكافي، بيروت: دار الأضواء.
  • مجلسی، محمد باقر (١٤١٣)، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفا.
  • مرعشي شوشتري، سيد محمد حسن وهرمز أسدي كوه باد (١٣٨٧)، “بررسی نقش نظريه پردازان مكتب بغداد در نهادينه كردن عقل در سير تحول وتطور فقه پژوهي إماميه”، “پژوهشنامه فقه وحقوق إسلامي”، ش ١.
  • مسعودي، جهانگير وهووشنگ أستادي (١٣٨٩)، “تأثيرات عقل فلسفي بر كلام”، فصلنامه “شيعه شناسي”، ربيع ١٣٨٩، ش ٢٩.
  • مفيد، محمد بن محمد بن نعمان (١) (١٤١٤)، أوائل المقالات، بيروت: دار المفيد.
  • ———- (٢) (١٤١٤)، النكت في مقدمات الأصول، تصحيح محمدرضا جلالي، بيروت: دار المفيد.
  • ———- (٣) (١٤١٤)، الفصول المختارة من العيون والمحاسن، ج ٢، بيروت: مؤسسة البعثة.
  • ———- (١٤١٣)، تصحيح الاعتقادات، طهران: المؤتمر العالمي.
Scroll to Top